Ar-RaziAl‑Kahf · 18:7–11

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:7–11

18:7–8Page 294

إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا ٧

Indeed, We have made that which is on the earth adornment for it that We may test them [as to] which of them is best in deed.

وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا ٨

And indeed, We will make that which is upon it [into] a barren ground.

صفحة ٦٨

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القاضِي: وجْهُ النَّظْمِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ إنِّي خَلَقْتُ الأرْضَ وزَيَّنْتُها وأخْرَجْتُ مِنها أنْواعَ المَنافِعِ والمَصالِحِ، والمَقْصُودُ مِن خَلْقِها بِما فِيها مِنَ المَنافِعِ ابْتِلاءُ الخَلْقِ بِهَذِهِ التَّكالِيفِ، ثُمَّ إنَّهم يَكْفُرُونَ ويَتَمَرَّدُونَ مَعَ ذَلِكَ فَلا أقْطَعُ عَنْهم مَوادَّ هَذِهِ النِّعَمِ. فَأنْتَ أيْضًا يا مُحَمَّدُ يَنْبَغِي أنْ لا تَنْتَهِيَ في الحُزْنِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ إلى أنْ تَتْرُكَ الِاشْتِغالَ بِدَعْوَتِهِمْ إلى الدِّينِ الحَقِّ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الزِّينَةِ، فَقالَ بَعْضُهم: النَّباتُ والشَّجَرُ وضَمَّ بَعْضُهم إلَيْهِ الذَّهَبَ والفِضَّةَ والمَعادِنَ، وضَمَّ بَعْضُهم إلى سائِرِ الحَيَواناتِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ النّاسُ فَهم زِينَةُ الأرْضِ، وبِالجُمْلَةِ فَلَيْسَ بِالأرْضِ إلّا المَوالِيدُ الثَّلاثَةُ وهي المَعادِنُ والنَّباتُ والحَيَوانُ، وأشْرَفُ أنْواعِ الحَيَوانِ الإنْسانُ، وقالَ القاضِي: الأوْلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ في هَذِهِ الزِّينَةِ المُكَلَّفُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ﴾ فَمَن يَبْلُوهُ يَجِبُ أنْ لا يَدْخُلَ في ذَلِكَ، فَأمّا سائِرُ النَّباتِ والحَيَوانِ، فَإنَّهم يَدْخُلُونَ فِيهِ كَدُخُولِ سائِرِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿زِينَةً لَها﴾ أيْ لِلْأرْضِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ما يُحَسَّنُ بِهِ الأرْضُ زِينَةً لِلْأرْضِ كَما جَعَلَ اللَّهُ السَّماءَ مُزَيَّنَةً بِزِينَةِ الكَواكِبِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَهَبَ هِشامُ بْنُ الحَكَمِ إلى أنَّهُ تَعالى لا يَعْلَمُ الحَوادِثَ إلّا عِنْدَ دُخُولِها في الوُجُودِ، فَعَلى هَذا الِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ عَلى اللَّهِ جائِزٌ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ قَبْلَ وُقُوعِها لَكانَ كُلُّ ما عَلِمَ وُقُوعَهُ واجِبَ الوُقُوعِ، وكُلُّ ما عَلِمَ عَدَمَهُ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، وإلّا لَزِمَ انْقِلابُ عِلْمِهِ جَهْلًا وذَلِكَ مُحالٌ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ واجِبًا فالَّذِي عَلِمَ وُقُوعَهُ يَجِبُ كَوْنُهُ فاعِلًا لَهُ ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى التَّرْكِ، والَّذِي عَلِمَ عَدَمَهُ يَكُونُ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الفِعْلِ، وعَلى هَذا يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ قادِرًا عَلى شَيْءٍ أصْلًا بَلْ يَكُونُ مُوجِبًا بِالذّاتِ، وأيْضًا فَيَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ لِلْعَبْدِ قُدْرَةٌ لا عَلى الفِعْلِ ولا عَلى التَّرْكِ؛ لِأنَّ ما عَلِمَ اللَّهُ وُقُوعَهُ امْتَنَعَ مِنَ العَبْدِ تَرْكُهُ وما عَلِمَ اللَّهُ عَدَمَهُ امْتَنَعَ مِنهُ فِعْلُهُ، فالقَوْلُ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِالأشْياءِ قَبْلَ وُقُوعِها يَقْدَحُ في الرُّبُوبِيَّةِ وفي العُبُودِيَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى إنَّما يَعْلَمُ الأشْياءَ عِنْدَ وُقُوعِها، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ والِاخْتِبارُ جائِزٌ عَلَيْهِ، وعِنْدَ هَذا قالَ: يَجْرِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ عَلى ظاهِرِهِ، وأمّا جُمْهُورُ عُلَماءِ الإسْلامِ فَقَدِ اسْتَبْعَدُوا هَذا القَوْلَ، وقالُوا: إنَّهُ تَعالى مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، فالِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ مُحالانِ عَلَيْهِ، وأيْنَما ورَدَتْ هَذِهِ الألْفاظُ، فالمُرادُ أنَّهُ تَعالى يُعامِلُهم مُعامَلَةً لَوْ صَدَرَتْ تِلْكَ المُعامَلَةُ عَنْ غَيْرِهِ لَكانَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ مِرارًا كَثِيرَةً.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ هو أنَّهُ يَبْلُوهم لِيُبْصِرَهم أيُّهم أطْوَعُ لِلَّهِ وأشَدُّ اسْتِمْرارًا عَلى خِدْمَتِهِ؛ لِأنَّ مَن هَذا حالُهُ هو الَّذِي يَفُوزُ بِالجَنَّةِ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ كَلَّفَ لِأجْلِ ذَلِكَ لا لِأجْلِ أنْ يُعْصى، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: خَلَقَ بَعْضَهم لِلنّارِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ تَدُلُّ ظاهِرًا عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، وأصْحابُنا قالُوا: هَذا مُحالٌ لِأنَّ التَّعْلِيلَ بِالغَرَضِ إنَّما يَصِحُّ في حَقِّ مَن لا يُمْكِنُهُ تَحْصِيلُ ذَلِكَ الغَرَضِ إلّا بِتِلْكَ الواسِطَةِ، وهَذا يَقْتَضِي العَجْزَ، وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ.

صفحة ٦٩

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: أيَهُمُّ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ إلّا أنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى لِنَخْتَبِرَ ونَمْتَحِنَ هَذا أحْسَنُ عَمَلًا أمْ ذاكَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما زَيَّنَ الأرْضَ لِأجْلِ الِامْتِحانِ والِابْتِلاءِ، لا لِأجْلِ أنْ يَبْقى الإنْسانُ فِيها مُتَنَعِّمًا أبَدًا، لِأنَّهُ يُزَهِّدُ فِيها بِقَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها﴾ الآيَةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ (الرَّحْمَنِ: ٢٦) وقَوْلُهُ: ﴿فَيَذَرُها قاعًا﴾ (طَه: ١٠٦) الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ (الِانْشِقاقِ: ١٣) الآيَةَ، والمَعْنى: أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المُجازاةِ بَعْدَ فَناءِ ما عَلى الأرْضِ، وتَخْصِيصُ الإبْطالِ والإهْلاكِ بِما عَلى الأرْضِ يُوهِمُ بَقاءَ الأرْضِ إلّا أنَّ سائِرَ الآياتِ دَلَّتْ عَلى أنَّ الأرْضَ أيْضًا لا تَبْقى وهو قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ (إبْراهِيمَ: ٤٨) قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّعِيدُ المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الطَّرِيقُ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ، وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ الصَّعِيدِ في آيَةِ التَّيَمُّمِ، وأمّا الجُرُزُ، فَقالَ الفَرّاءُ: الجُرُزُ الأرْضُ الَّتِي لا نَباتَ عَلَيْها، يُقالُ: جَرَزَتِ الأرْضُ فَهي مَجْرُوزَةٌ، وجَرَزَها الجَرادُ والشّاءُ والإبِلُ إذا أكَلَتْ ما عَلَيْها، وامْرَأةٌ جَرُوزٌ إذا كانَتْ أكُولًا، وسَيْفٌ جُرازٌ إذا كانَ مُسْتَأْصِلًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ (السَّجْدَةِ: ٢٧) .

18:9–11Page 294

أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنۡ ءَايَٰتِنَا عَجَبًا ٩

Or have you thought that the companions of the cave and the inscription were, among Our signs, a wonder?1

إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا ١٠

[Mention] when the youths retreated to the cave and said, "Our Lord, grant us from Yourself mercy and prepare for us from our affair right guidance."

فَضَرَبۡنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمۡ فِي ٱلۡكَهۡفِ سِنِينَ عَدَدٗا ١١

So We cast [a cover of sleep] over their ears within the cave for a number of years.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾ ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ تَعَجَّبُوا مِن قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وسَألُوا عَنْها الرَّسُولَ عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ، فَقالَ تَعالى: أمْ حَسِبْتَ أنَّهم كانُوا عَجَبًا مِن آياتِنا فَقَطْ، فَلا تَحْسَبَنَّ ذَلِكَ فَإنَّ آياتِنا كُلَّها عَجَبٌ، فَإنَّ مَن كانَ قادِرًا عَلى تَخْلِيقِ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ يُزَيِّنُ الأرْضَ بِأنْواعِ المَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ، ثُمَّ يَجْعَلُها بَعْدَ ذَلِكَ صَعِيدًا جُرُزًا خالِيَةً عَنِ الكُلِّ كَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ مِن قُدْرَتِهِ وحِفْظِهِ ورَحْمَتِهِ حِفْظَ طائِفَةٍ مُدَّةَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ وأكْثَرَ في النَّوْمِ، هَذا هو الوَجْهُ في تَقْرِيرِ النَّظْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ نُزُولِ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ (الإسْراءِ: ٨٥) وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ القِصَّةِ مَشْرُوحًا، فَقالَ: «كانَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ مِن شَياطِينِ قُرَيْشٍ، وكانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويَنْصُبُ لَهُ العَداوَةَ، وكانَ قَدْ قَدِمَ الحَيْرَةَ وتَعَلَّمَ بِها أحادِيثَ رُسْتُمَ وإسْفَنْدِيارَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إذا جَلَسَ مَجْلِسًا ذَكَرَ فِيهِ اللَّهَ وحَدَّثَ قَوْمَهَ ما أصابَ مَن كانَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ، وكانَ النَّضْرُ يَخْلُفُهُ في مَجْلِسِهِ إذا قامَ، فَقالَ: أنا واللَّهِ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أحْسَنُ حَدِيثًا مِنهُ، فَهَلُمُّوا فَأنا أُحَدِّثُكم بِأحْسَنَ مِن حَدِيثِهِ، ثُمَّ يُحَدِّثُهم عَنْ مُلُوكِ فارِسَ، ثُمَّ إنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوهُ وبَعَثُوا مَعَهُ عُتْبَةَ بْنَ

صفحة ٧٠

أبِي مُعَيْطٍ» إلى أحْبارِ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ، وقالُوا لَهُما: سَلُوهم عَنْ مُحَمَّدٍ وصِفَتِهِ وأخْبِرُوهم بِقَوْلِهِ فَإنَّهم أهْلُ الكِتابِ الأوَّلِ، وعِنْدَهم مِنَ العِلْمِ ما لَيْسَ عِنْدَنا مِن عِلْمِ الأنْبِياءِ، فَخَرَجا حَتّى قَدِما إلى المَدِينَةِ، فَسَألُوا أحْبارَ اليَهُودِ عَنْ أحْوالِ مُحَمَّدٍ، فَقالَ أحْبارُ اليَهُودِ: سَلُوهُ عَنْ ثَلاثٍ: عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا في الدَّهْرِ الأوَّلِ ما كانَ مِن أمْرِهِمْ فَإنَّ حَدِيثَهم عَجَبٌ، وعَنْ رَجُلٍ طَوّافٍ قَدْ بَلَغَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، ما كانَ نَبَؤُهُ، وسَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ وما هو ؟ فَإنْ أخْبَرَكم فَهو نَبِيٌّ وإلّا فَهو مُتَقَوِّلٌ، فَلَمّا قَدِمَ النَّضْرُ وصاحِبُهُ مَكَّةَ، قالا: قَدْ جِئْناكم بِفَصْلِ ما بَيْنَنا وبَيْنَ مُحَمَّدٍ، وأخْبَرُوا بِما قالَهُ اليَهُودُ فَجاءُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وسَألُوهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ”أُخْبِرُكم بِما سَألْتُمْ عَنْهُ غَدًا“ ولَمْ يَسْتَثْنِ، فانْصَرَفُوا عَنْهُ ومَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِيما يَذْكُرُونَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتّى أرْجَفَ أهْلُ مَكَّةَ بِهِ، وقالُوا: وعَدَنا مُحَمَّدٌ غَدًا واليَوْمَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً فَشَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ثُمَّ جاءَهُ جِبْرِيلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِسُورَةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وفِيها مُعاتَبَةُ اللَّهِ إيّاهُ عَلى حُزْنِهِ عَلَيْهِمْ، وفِيها خَبَرُ أُولَئِكَ الفِتْيَةِ، وخَبَرُ الرَّجُلِ الطَّوّافِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الكَهْفُ: الغارُ الواسِعُ في الجَبَلِ فَإذا صَغُرَ فَهو الغارُ، وفي الرَّقِيمِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كُلُّ القُرْآنِ أعْلَمُهُ إلّا أرْبَعَةً: غِسْلِينَ وحَنانًا والأوّاهُ والرَّقِيمُ.

الثّانِي: رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّقِيمِ، فَقالَ: زَعَمَ كَعْبٌ أنَّها القَرْيَةُ الَّتِي خَرَجُوا مِنها وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

الثّالِثُ: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: الرَّقِيمُ لَوْحٌ مِن حِجارَةٍ، وقِيلَ مِن رَصاصٍ كُتِبَ فِيهِ أسْماؤُهم وقِصَّتُهم، وشُدَّ ذَلِكَ اللَّوْحُ عَلى بابِ الكَهْفِ، وهَذا قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ المَعانِي والعَرَبِيَّةِ، قالُوا: الرَّقِيمُ الكِتابُ، والأصْلُ فِيهِ المَرْقُومُ، ثُمَّ نُقِلَ إلى فَعِيلٍ، والرَّقْمُ الكِتابَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ (المُطَفِّفِينَ: ٩) أيْ مَكْتُوبٌ، قالَ الفَرّاءُ: الرَّقِيمُ لَوْحٌ كانَ فِيهِ أسْماؤُهم وصِفاتُهم، ونَظُنُّ أنَّهُ إنَّما سُمِّيَ رَقِيمًا؛ لِأنَّ أسْماءَهم كانَتْ مَرْقُومَةً فِيهِ، وقِيلَ: النّاسُ رَقَمُوا حَدِيثَهم نَقْرًا في جانِبِ الجَبَلِ، وقَوْلُهُ: ﴿كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾ المُرادُ أحَسِبْتَ أنَّ واقِعَتَهم كانَتْ عَجِيبَةً في أحْوالِ مَخْلُوقاتِنا ؟ فَلا تَحْسَبْ ذَلِكَ، فَإنَّ تِلْكَ الواقِعَةَ لَيْسَتْ عَجِيبَةً في جانِبِ مَخْلُوقاتِنا، والعَجَبُ هَهُنا مَصْدَرٌ سُمِّيَ المَفْعُولَ بِهِ، والتَّقْدِيرُ: كانُوا مَعْجُوبًا مِنهم، فَسُمُّوا بِالمَصْدَرِ والمَفْعُولُ بِهِ مِن هَذا يُسْتَعْمَلُ بِاسْمِ المَصْدَرِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ﴾ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إذْ هُنا مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ عَلى تَقْدِيرِ: أمْ حَسِبْتَ إذْ أوى الفِتْيَةُ لِأنَّهُ كانَ بَيْنَ النَّبِيِّ وبَيْنَهم مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ، فَلَمْ يَتَعَلَّقِ الحُسْبانُ بِذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي أوَوْا فِيهِ إلى الكَهْفِ بَلْ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ إذْ أوى، ومَعْنى أوى الفِتْيَةُ في الكَهْفِ صارُوا إلَيْهِ وجَعَلُوهُ مَأْواهم، قالَ: فَقالُوا: ﴿رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أيْ رَحْمَةً مِن خَزائِنِ رَحْمَتِكَ وجَلائِلِ فَضْلِكَ وإحْسانِكَ وهي الهِدايَةُ بِالمَعْرِفَةِ والصَّبْرِ والرِّزْقِ والأمْنِ مِنَ الأعْداءِ، وقَوْلُهُ: مِن لَدُنْكَ يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ تِلْكَ الرَّحْمَةِ، وهي الَّتِي تَكُونُ لائِقَةً بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى وواسِعِ جُودِهِ، وهَيِّئْ لَنا أيْ أصْلِحْ مِن قَوْلِكَ هَيَّأْتُ الأمْرَ فَتَهَيَّأ ﴿مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ الرَّشَدُ والرَّشادُ نَقِيضُ الضَّلالِ، وفي تَفْسِيرِ اللَّفْظِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ وهَيِّئْ لَنا أمْرًا ذا رَشَدٍ حَتّى نَكُونَ بِسَبَبِهِ راشِدِينَ مُهْتَدِينَ.

الثّانِي: اجْعَلْ أمْرَنا رَشَدًا كُلَّهُ، كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ مِنكَ رَشَدًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ أنَمْناهم وتَقْدِيرُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى ضَرَبَ عَلى آذانِهِمْ حِجابًا يَمْنَعُ مِن أنْ تَصِلَ إلى أسْماعِهِمُ الأصْواتُ المُوقِظَةُ، والتَّقْدِيرُ: ضَرَبْنا عَلَيْهِمْ حِجابًا إلّا أنَّهُ حَذَفَ المَفْعُولَ الَّذِي هو الحِجابُ، كَما يُقالُ: بَنى عَلى امْرَأتِهِ يُرِيدُونَ بَنى عَلَيْها القُبَّةَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ ضَرَبَ عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ، وهو ظَرْفُ المَكانِ، وقَوْلُهُ: سِنِينَ عَدَدًا ظَرْفُ الزَّمانِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَدَدًا﴾ بَحْثانِ:

الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: ذِكْرُ العَدَدِ هَهُنا يُفِيدُ كَثْرَةَ السِّنِينَ، وكَذَلِكَ كَلُّ شَيْءٍ مِمّا يُعَدُّ إذا ذُكِرَ فِيهِ العَدَدُ ووُصِفَ بِهِ أُرِيدَ كَثْرَتُهُ؛ لِأنَّهُ إذا قَلَّ فُهِمَ مِقْدارُهُ بِدُونِ

صفحة ٧١

التَّعْدِيدِ، أمّا إذا أُكْثِرَ فَهُناكَ يُحْتاجُ إلى التَّعْدِيدِ، فَإذا قُلْتَ: أقَمْتُ أيّامًا عَدَدًا أرَدْتَ بِهِ الكَثْرَةَ.

البَحْثُ الثّانِي: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: عَدَدًا وجْهانِ:

أحَدُهُما: نَعْتٌ لِسِنِينَ، المَعْنى: سِنِينَ ذاتَ عَدَدٍ، أيْ مَعْدُودَةٌ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وقَوْلُ الزَّجّاجِ، وعَلى هَذا يَجُوزُ في الآيَةِ ضَرْبانِ مِنَ التَّقْدِيرِ:

أحَدُهُما: حَذْفُ المُضافِ.

والثّانِي: تَسْمِيَةُ المَفْعُولِ بِاسْمِ المَصْدَرِ، قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَصْدَرِ، المَعْنى: تُعَدُّ عَدًّا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ يُرِيدُ مِن بَعْدِ نَوْمِهِمْ يَعْنِي أيْقَظْناهم بَعْدَ نَوْمِهِمْ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском