Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:38–45
19:38–40Page 307
أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ يَوۡمَ يَأۡتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلۡيَوۡمَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٣٨
How [clearly] they will hear and see the Day they come to Us, but the wrongdoers today are in clear error.
وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ وَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٣٩
And warn them, [O Muḥammad], of the Day of Regret, when the matter will be concluded;1 and [yet], they are in [a state of] heedlessness, and they do not believe.
إِنَّا نَحۡنُ نَرِثُ ٱلۡأَرۡضَ وَمَنۡ عَلَيۡهَا وَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ ٤٠
Indeed, it is We who will inherit the earth and whoever is on it, and to Us they will be returned.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالُوا: التَّعَجُّبُ هو اسْتِعْظامُ الشَّيْءِ مَعَ الجَهْلِ بِسَبَبِ عِظَمِهِ، ثُمَّ يَجُوزُ اسْتِعْمالُ لَفْظِ التَّعَجُّبِ عِنْدَ مُجَرَّدِ الِاسْتِعْظامِ مِن غَيْرِ خَفاءِ السَّبَبِ أوْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِلْعِظَمِ سَبَبُ حُصُولٍ، قالَ الفَرّاءُ قالَ سُفْيانُ: قَرَأْتُ عِنْدَ شُرَيْحٍ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ [ الصّافّاتِ: ١٢] فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لا يَعْجَبُ مِن شَيْءٍ إنَّما يَعْجَبُ مَن لا يَعْلَمُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ فَقالَ: إنَّ شُرَيْحًا شاعِرٌ يُعْجِبُهُ عِلْمُهُ، وعَبْدُ اللَّهِ أعْلَمُ بِذَلِكَ مِنهُ قَرَأها: ”بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ“ ومَعْناهُ أنَّهُ صَدَرَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فِعْلٌ لَوْ صَدَرَ مِثْلُهُ عَنِ الخَلْقِ لَدَلَّ عَلى حُصُولِ التَّعَجُّبِ في قُلُوبِهِمْ، وبِهَذا التَّأْوِيلِ يُضافُ المَكْرُ والِاسْتِهْزاءُ إلى اللَّهِ تَعالى، وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لِلتَّعَجُّبِ صِفَتانِ:
إحْداهُما: ما أفْعَلَهُ.
والثّانِيَةُ: أفْعِلْ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ والنَّحْوِيُّونَ ذَكَرُوا لَهُ تَأْوِيلاتٍ:
الأوَّلُ: قالُوا: أكْرِمْ بِزَيْدٍ أصْلُهُ أكْرَمَ زَيْدٌ أيْ صارَ ذا كَرَمٍ كَأغَدَّ البَعِيرُ؛ أيْ: صارَ ذا غُدَّةٍ، إلّا أنَّهُ خَرَجَ عَلى لَفْظِ الأمْرِ ومَعْناهُ الخَبَرُ كَما خَرَجَ عَلى لَفْظِ الخَبَرِ ما مَعْناهُ الأمْرُ كَقَوْلِهِ تَعالى:
صفحة ١٨٩
﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٨] ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٣]، ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [ مَرْيَمَ: ٧٥] أيْ: يَمُدُّ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا، وكَذا قَوْلُهم: رَحِمَهُ اللَّهُ خَبَرٌ وإنْ كانَ مَعْناهُ الدُّعاءَ، والباءُ زائِدَةٌ.
الثّانِي: أنْ يُقالَ إنَّهُ أمْرٌ لِكُلِّ أحَدٍ بِأنْ يَجْعَلَ زَيْدًا كَرِيمًا أيْ: بِأنْ يَصِفَهُ بِالكَرْمِ، والباءُ زائِدَةٌ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٥] ولَقَدْ سَمِعْتُ لِبَعْضِ الأُدَباءِ فِيهِ تَأْوِيلًا.
ثالِثًا: وهو أنَّ قَوْلَكَ أكْرِمْ بِزَيْدٍ يُفِيدُ أنَّ زَيْدًا بَلَغَ في الكَرَمِ إلى حَيْثُ كَأنَّهُ في ذاتِهِ صارَ كَرَمًا حَتّى لَوْ أرَدْتَ جَعْلَ غَيْرِهِ كَرِيمًا فَهو الَّذِي يُلْصِقُكَ بِمَقْصُودِكَ ويُحَصِّلُ لَكَ غَرَضَكَ، كَما أنَّ مَن قالَ: أكْتُبُ بِالقَلَمِ فَمَعْناهُ أنَّ القَلَمَ هو الَّذِي يُلْصِقُكَ بِمَقْصُودِكَ ويُحَصِّلُ لَكَ غَرَضَكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: وهو المَشْهُورُ الأقْوى أنَّ مَعْناهُ ما أسْمَعَهم وما أبْصَرَهم والتَّعَجُّبُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ كَما تَقَدَّمَ، وإنَّما المُرادُ أنَّ أسْماعَهم وأبْصارَهم يَوْمَئِذٍ جَدِيرٌ بِأنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُما بَعْدَما كانُوا صُمًّا وعُمْيًا في الدُّنْيا.
وقِيلَ: مَعْناهُ التَّهْدِيدُ مِمّا سَيَسْمَعُونَ وسَيُبْصِرُونَ مِمّا يَسُوءُ بَصَرَهم ويُصَدِّعُ قُلُوبَهم.
وثانِيها: قالَ القاضِي ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أسْمِعْ هَؤُلاءِ وأبْصِرْهم أيْ عَرِّفْهم حالَ القَوْمِ الَّذِينَ يَأْتُونَنا لِيَعْتَبِرُوا ويَنْزَجِرُوا.
وثالِثُها: قالَ الجُبّائِيُّ: ويَجُوزُ أسْمِعِ النّاسَ بِهَؤُلاءِ وأبْصِرْهم بِهِمْ لِيَعْرِفُوا أمْرَهم وسُوءَ عاقِبَتِهِمْ فَيَنْزَجِرُوا عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ فِعْلِهِمْ أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ وفي الآخِرَةِ يَعْرِفُونَ الحَقَّ.
والثّانِي: ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وهم في الآخِرَةِ في ضَلالٍ عَنِ الجَنَّةِ بِخِلافِ المُؤْمِنِينَ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْذِرْهُمْ﴾ فَلا شُبْهَةَ في أنَّهُ أمْرٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِأنْ يُنْذِرَ مَن في زَمانِهِ فَيَصْلُحَ بِأنْ يَجْعَلَ هَذا كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ فاخْتَلَفَ الأحْزابُ أرادَ بِهِ اخْتِلافَ جَمِيعِهِمْ في زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ وأمّا الإنْذارُ فَهو التَّخْوِيفُ مِنَ العَذابِ لِكَيْ يَحْذَرُوا مِن تَرْكِ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا يَوْمُ الحَسْرَةِ فَلا شُبْهَةَ في أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ مِن حَيْثُ يَكْثُرُ التَّحَسُّرُ مِن أهْلِ النّارِ وقِيلَ يَتَحَسَّرُ أيْضًا في الجَنَّةِ إذا لَمْ يَكُنْ مِنَ السّابِقِينَ الواصِلِينَ إلى الدَّرَجاتِ العالِيَةِ، والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ لِأنَّ الحَسْرَةَ غَمٌّ وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِأهْلِ الثَّوابِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: إذْ قُضِيَ الأمْرُ بِبَيانِ الدَّلائِلِ وشَرْحِ أمْرِ الثَّوابِ والعِقابِ.
وثانِيها: إذْ قُضِيَ الأمْرُ يَوْمَ الحَسْرَةِ بِفَناءِ الدُّنْيا وزَوالِ التَّكْلِيفِ، والأوَّلُ أقْرَبُ لِقَوْلِهِ: ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ ظَهَرَتِ الحُجَجُ والبَيِّناتُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ.
وثالِثُها: رُوِيَ أنَّهُ «سُئِلَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَنْ قَوْلِهِ: قُضِيَ الأمْرُ: فَقالَ: (حِينَ يُجاءُ بِالمَوْتِ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ فَيُذْبَحُ والفَرِيقانِ يَنْظُرانِ فَيَزْدادُ أهْلُ الجَنَّةِ فَرَحًا عَلى فَرَحٍ وأهْلُ النّارِ غَمًّا عَلى غَمٍّ» )
واعْلَمْ أنَّ المَوْتَ عَرَضٌ فَلا يَجُوزُ أنْ يَصِيرَ جِسْمًا حَيَوانِيًّا بَلِ المُرادُ أنَّهُ لا مَوْتَ البَتَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وهم في غَفْلَةٍ﴾ أيْ: عَنْ ذَلِكَ اليَوْمِ وعَنْ كَيْفِيَّةِ حَسْرَتِهِ وهم لا يُؤْمِنُونَ أيْ: بِذَلِكَ اليَوْمِ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ أيْ: هَذِهِ الأُمُورِ تَؤُولُ إلى أنْ لا يَمْلِكَ الضُّرَّ والنَّفْعَ إلّا اللَّهُ تَعالى: ﴿وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ أيْ: إلى مَحَلِّ حُكْمِنا وقَضائِنا؛ لِأنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكانِ حَتّى يَكُونَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ وهَذا تَخْوِيفٌ عَظِيمٌ وزَجْرٌ بَلِيغٌ لِلْعُصاةِ.
19:41–42Page 308
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا ٤١
And mention in the Book [the story of] Abraham. Indeed, he was a man of truth and a prophet.
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا ٤٢
[Mention] when he said to his father, "O my father, why do you worship that which does not hear and does not see and will not benefit you at all?
القِصَّةُ الثّالِثَةُ: قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ﴿ياأبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ ﴿ياأبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾
اعْلَمْ أنَّ الغَرَضَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ بَيانُ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والحَشْرِ، والمُنْكِرُونَ لِلتَّوْحِيدِ هُمُ الَّذِينَ أثْبَتُوا مَعْبُودًا سِوى اللَّهِ تَعالى، وهَؤُلاءِ فَرِيقانِ: مِنهم مَن أثْبَتَ مَعْبُودًا غَيْرَ اللَّهِ حَيًّا عاقِلًا فاهِمًا وهُمُ النَّصارى، ومِنهم مَن أثْبَتَ مَعْبُودًا غَيْرَ اللَّهِ جَمادًا لَيْسَ بِحَيٍّ ولا عاقِلٍ ولا فاهِمٍ وهم عَبَدَةُ الأوْثانِ والفَرِيقانِ وإنِ اشْتَرَكا في الضَّلالِ إلّا أنَّ ضَلالَ الفَرِيقِ الثّانِي أعْظَمُ فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى ضَلالَ الفَرِيقِ الأوَّلِ تَكَلَّمَ في ضَلالِ الفَرِيقِ الثّانِي وهم عَبَدَةُ الأوْثانِ فَقالَ: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ﴾ والواوُ في قَوْلِهِ ﴿واذْكُرْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ كَأنَّهُ لَمّا انْتَهَتْ قِصَّةُ عِيسى وزَكَرِيّا عَلَيْهِما السَّلامُ قالَ قَدْ ذَكَرْتَ حالَ زَكَرِيّا فاذْكُرْ حالَ إبْراهِيمَ وإنَّما أُمِرَ بِذِكْرِهِ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ هو ولا قَوْمُهُ ولا أهْلُ بَلْدَتِهِ مُشْتَغِلِينَ بِالعِلْمِ ومُطالَعَةِ الكُتُبِ فَإذا أخْبَرَ عَنْ هَذِهِ القِصَّةِ كَما كانَتْ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ كانَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ ومُعْجِزًا قاهِرًا دالًّا عَلى نُبُوَّتِهِ. وإنَّما شَرَعَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أبا العَرَبِ وكانُوا مُقِرِّينَ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ وطَهارَةِ دِينِهِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ (الحَجِّ: ٧٨) وقالَ تَعالى: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (البَقَرَةِ: ١٣٠) فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ لِلْعَرَبِ إنْ كُنْتُمْ مُقَلِّدِينَ لِآبائِكم عَلى ما هو قَوْلُكم: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ أشْرَفَ آبائِكم وأجَلَّهم قَدْرًا هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَلِّدُوهُ في تَرْكِ عِبادَةِ الأوْثانِ وإنْ كُنْتُمْ مِنَ المُسْتَدِلِّينَ فانْظُرُوا في هَذِهِ الدَّلائِلِ الَّتِي ذَكَرَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَعْرِفُوا فَسادَ عِبادَةِ الأوْثانِ وبِالجُمْلَةِ فاتَّبِعُوا إبْراهِيمَ إمّا تَقْلِيدًا وإمّا اسْتِدْلالًا.
وثانِيها: أنَّ كَثِيرًا مِنَ الكُفّارِ في زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ كانُوا يَقُولُونَ كَيْفَ نَتْرُكُ دِينَ آبائِنا وأجْدادِنا فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى قِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيَّنَ أنَّهُ تَرَكَ دِينَ أبِيهِ وأبْطَلَ قَوْلَهُ بِالدَّلِيلِ ورَجَّحَ مُتابَعَةَ الدَّلِيلِ عَلى مُتابَعَةِ أبِيهِ لِيَعْرِفَ الكُفّارُ أنَّ تَرْجِيحَ جانِبِ الأبِ عَلى جانِبِ الدَّلِيلِ رَدٌّ عَلى الأبِ الأشْرَفِ الأكْبَرِ الَّذِي هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وثالِثُها: أنَّ كَثِيرًا مِنَ الكُفّارِ كانُوا يَتَمَسَّكُونَ بِالتَّقْلِيدِ ويُنْكِرُونَ الِاسْتِدْلالَ عَلى ما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٢٣)
صفحة ١٩١
و﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٥٣] فَحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ التَّمَسُّكَ بِطَرِيقَةِ الِاسْتِدْلالِ تَنْبِيهًا لِهَؤُلاءِ عَلى سُقُوطِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ ثُمَّ قالَ تَعالى في وصْفِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ وفي الصِّدِّيقِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مُبالَغَةٌ في كَوْنِهِ صادِقًا وهو الَّذِي يَكُونُ عادَتُهُ الصِّدْقَ لِأنَّ هَذا البِناءَ يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ يُقالُ رَجُلٌ خِمِّيرٌ وسِكِّيرٌ لِلْمُولَعِ بِهَذِهِ الأفْعالِ.
والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَكُونُ كَثِيرَ التَّصْدِيقِ بِالحَقِّ حَتّى يَصِيرَ مَشْهُورًا بِهِ والأوَّلُ أوْلى، وذَلِكَ لِأنَّ المُصَدِّقَ بِالشَّيْءِ لا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ صِدِّيقًا إلّا إذا كانَ صادِقًا في ذَلِكَ التَّصْدِيقِ؛ فَيَعُودُ الأمْرُ إلى الأوَّلِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قَدْ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ ﴿والشُّهَداءُ﴾ (الحَدِيدِ: ١٩) ؟
قُلْنا: المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ صادِقُونَ في ذَلِكَ التَّصْدِيقِ واعْلَمْ أنَّ النَّبِيَّ يَجِبُ أنْ يَكُونَ صادِقًا في كُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى صَدَّقَهُ؛ ومُصَدَّقُ اللَّهِ صادِقٌ؛ وإلّا لَزِمَ الكَذِبُ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى؛ فَيَلْزَمُ مِن هَذا كَوْنُ الرَّسُولِ صادِقًا في كُلِّ ما يَقُولُ، ولِأنَّ الرُّسُلَ شُهَداءُ اللَّهِ عَلى النّاسِ عَلى ما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النِّساءِ: ٤١] والشَّهِيدُ إنَّما يُقْبَلُ قَوْلُهُ إذا لَمْ يَكُنْ كاذِبًا.
فَإنْ قِيلَ: فَما قَوْلُكم في إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنْبِياءِ: ٦٣] و﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ قُلْنا قَدْ شَرَحْنا في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآياتِ بِالدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ أنَّ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لَيْسَ بِكَذِبٍ فَلَمّا ثَبَتَ أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ يَجِبُ أنْ يَكُونَ صِدِّيقًا ولا يَجِبُ في كُلِّ صِدِّيقٍ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا ظَهَرَ بِهَذا قُرْبُ مَرْتَبَةِ الصِّدِّيقِ مِن مَرْتَبَةِ النَّبِيِّ فَلِهَذا انْتَقَلَ مِن ذِكْرِ كَوْنِهِ صِدِّيقًا إلى ذِكْرِ كَوْنِهِ نَبِيًّا.
وأمّا النَّبِيُّ فَمَعْناهُ كَوْنُهُ رَفِيعَ القَدْرِ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ النّاسِ، وأيُّ رِفْعَةٍ أعْلى مِن رِفْعَةِ مَن جَعَلَهُ اللَّهُ واسِطَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ عِبادِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿كانَ صِدِّيقًا﴾ قِيلَ: إنَّهُ صارَ، وقِيلَ إنَّ مَعْناهُ وُجِدَ صِدِّيقًا نَبِيًّا أيْ: كانَ مِن أوَّلِ وُجُودِهِ إلى انْتِهائِهِ مَوْصُوفًا بِالصِّدْقِ والصِّيانَةِ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هَذِهِ الجُمْلَةُ وقَعَتِ اعْتِراضًا بَيْنَ المُبْدَلِ مِنهُ وبَدَلِهِ أعْنِي إبْراهِيمَ وإذْ قالَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: رَأيْتُ زَيْدًا، ونِعْمَ الرَّجُلُ أخاكَ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ إذْ بَكانِ أوْ بِصِدِّيقًا نَبِيًّا، أيْ: كانَ جامِعًا لِخَصائِصِ الصِّدِّيقِينَ والأنْبِياءِ حِينَ خاطَبَ أباهُ بِتِلْكَ المُخاطَباتِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿ياأبَتِ﴾ فالتّاءُ عِوَضٌ عَنْ ياءِ الإضافَةِ ولا يُقالُ يا أبَتِي لِئَلّا يُجْمَعَ بَيْنَ العِوَضِ والمُعَوَّضِ عَنْهُ وقَدْ يُقالُ: يا أبَتا لِكَوْنِ الألِفِ بَدَلًا مِنَ الياءِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَكَلَّمَ مَعَ أبِيهِ بِأرْبَعَةِ أنْواعٍ مِنَ الكَلامِ:
* * *
النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ وصَفَ الأوْثانَ بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها قادِحَةٌ في الإلَهِيَّةِ وبَيانُ ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ العِبادَةَ غايَةُ التَّعْظِيمِ فَلا يَسْتَحِقُّها إلّا مَن لَهُ غايَةُ الإنْعامِ وهو الإلَهُ الَّذِي مِنهُ أُصُولُ النِّعَمِ وفُرُوعُها عَلى ما قَرَّرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٥١) وقالَ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨] الآيَةَ، وكَما يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ الِاشْتِغالُ بِشُكْرِها ما لَمْ تَكُنْ مُنْعِمَةً وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَتِها.
وثانِيها: أنَّها إذا لَمْ تَسْمَعْ ولَمْ تُبْصِرْ ولَمْ تُمَيِّزْ مَن يُطِيعُها عَمَّنْ يَعْصِيها فَأيُّ فائِدَةٍ في عِبادَتِها، وهَذا يُنَبِّهُكَ عَلى أنَّ الإلَهَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ حَتّى يَكُونَ العَبْدُ آمِنًا مِن وُقُوعِ الغَلَطِ لِلْمَعْبُودِ.
وثالِثُها: أنَّ الدُّعاءَ مُخُّ العِبادَةِ فالوَثَنُ إذا لَمْ يَسْمَعْ دُعاءَ الدّاعِي؛ فَأيُّ مَنفَعَةٍ في عِبادَتِهِ ؟ وإذا كانَتْ لا تُبْصِرُ بِتَقَرُّبِ مَن يَقْتَرِبُ إلَيْها؛ فَأيُّ مَنفَعَةٍ في ذَلِكَ التَّقَرُّبِ ؟
ورابِعُها: أنَّ السّامِعَ المُبْصِرَ الضّارَّ النّافِعَ أفْضَلُ مِمَّنْ كانَ عارِيًا عَنْ كُلِّ ذَلِكَ، والإنْسانُ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصِّفاتِ فَيَكُونُ أفْضَلَ وأكْمَلَ مِنَ الوَثَنِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالأفْضَلِ عِبادَةُ الأخَسِّ.
صفحة ١٩٢
وخامِسُها: إذا كانَتْ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ فَلا يُرْجى مِنها مَنفَعَةٌ ولا يُخافُ مِن ضَرَرِها فَأيُّ فائِدَةٍ في عِبادَتِها.
وسادِسُها: إذا كانَتْ لا تَحْفَظُ أنْفُسَها عَنِ الكَسْرِ والإفْسادِ عَلى ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كَسَّرَها وجَعَلَها جُذاذًا فَأيُّ رَجاءٍ لِلْغَيْرِ فِيها ؟ واعْلَمْ أنَّهُ عابَ الوَثَنَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: لا يَسْمَعُ.
وثانِيها: لا يُبْصِرُ.
وثالِثُها: لا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا كَأنَّهُ قالَ لَهُ: بَلِ الإلَهِيَّةُ لَيْسَتْ إلّا لِرَبِّي فَإنَّهُ يَسْمَعُ ويُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِي ويُبْصِرُ كَما قالَ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [ طَهَ: ٤٦] ويَقْضِي الحَوائِجَ: ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ [ النَّمْلِ: ٦٢] واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ هَهُنا ﴿لِمَ تَعْبُدُ﴾ مَحْمُولٌ عَلى نَفْسِ العِبادَةِ وأمّا قَوْلُهُ في المَقامِ الثّالِثِ: ﴿لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ لا يُقالُ ذَلِكَ بَلِ المُرادُ الطّاعَةُ لِأنَّهم ما كانُوا يَعْبُدُونَ الشَّيْطانَ؛ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الطّاعَةِ ولِأنّا نَقُولُ لَيْسَ إذا تَرَكْنا الظّاهِرَ هَهُنا لِدَلِيلٍ وجَبَ تَرْكُ الظّاهِرِ في المَقامِ الأوَّلِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ فَإنْ قِيلَ: إمّا أنْ يُقالَ إنَّ أبا إبْراهِيمَ كانَ يَعْتَقِدُ في تِلْكَ الأوْثانِ أنَّها آلِهَةٌ بِمَعْنى أنَّها قادِرَةٌ مُخْتارَةٌ مُوجِدَةٌ لِلنّاسِ والحَيَواناتِ أوْ يُقالُ إنَّهُ ما كانَ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ بَلْ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّها تَماثِيلُ الكَواكِبِ، والكَواكِبُ هي الآلِهَةُ المُدَبِّرَةُ لِهَذا العالَمِ، فَتَعْظِيمُ تَماثِيلِ الكَواكِبِ بِمُوجَبِ تَعْظِيمِ الكَواكِبِ أوْ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّ هَذِهِ الأوْثانَ تَماثِيلُ أشْخاصِ مُعَظَّمَةٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ البَشَرِ فَتَعْظِيمُها يَقْتَضِي كَوْنَ أُولَئِكَ الأشْخاصِ شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أوْ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّ تِلْكَ الأوْثانَ طَلْسَماتٌ رُكِّبَتْ بِحَسَبِ اتِّصالاتٍ مَخْصُوصَةٍ لِلْكَواكِبِ قَلَّما يَتَّفِقُ مِثْلُها، وأنَّها مُشَفَّعٌ بِها، أوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأعْذارِ المَنقُولَةِ عَنْ عَبَدَةِ الأوْثانِ، فَإنْ كانَ أبُو إبْراهِيمَ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ كانَ في نِهايَةِ الجُنُونِ لِأنَّ العِلْمَ بِأنَّ هَذا الخَشَبَ المَنحُوتَ في هَذِهِ السّاعَةِ لَيْسَ خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ مِن أجْلى العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، فالشّاكُّ فِيهِ يَكُونُ فاقِدًا لَأجْلى العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ؛ فَكانَ مَجْنُونًا، والمَجْنُونُ لا يَجُوزُ إيرادُ الحُجَّةِ عَلَيْهِ والمُناظَرَةُ مَعَهُ، وإنْ كانَ مِنَ القِسْمِ الثّانِي فَهَذِهِ الدَّلائِلُ لا تَقْدَحُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المَذْهَبَ إنَّما يَبْطُلُ بِإقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ الكَواكِبَ لَيْسَتْ أحْياءً ولا قادِرَةً عَلى خَلْقِ الأجْسامِ وخَلْقِ الحَياةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الدَّلِيلَ المَذْكُورَ هَهُنا لا يُفِيدُ ذَلِكَ المَطْلُوبَ فَعَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الدَّلالَةَ عَدِيمَةُ الفائِدَةِ عَلى كُلِّ التَّقْدِيراتِ، قُلْنا: لا نِزاعَ أنَّهُ لا يَخْفى عَلى العاقِلِ أنَّ الخَشَبَةَ المَنحُوتَةَ لا تَصْلُحُ لِخَلْقِ العالَمِ وإنَّما مَذْهَبُهم هَذا عَلى الوَجْهِ الثّانِي، وإنَّما أوْرَدَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الدَّلالَةَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ عِبادَتَها تُفِيدُ نَفْعًا إمّا عَلى سَبِيلِ الخاصِّيَّةِ الحاصِلَةِ مِنَ الطَّلْسَماتِ أوْ عَلى سَبِيلِ أنَّ الكَواكِبَ تَنْفَعُ وتَضُرُّ، فَبَيَّنَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ لا مَنفَعَةَ في طاعَتِها ولا مَضَرَّةَ في الإعْراضِ عَنْها فَوَجَبَ أنْ لا تَحْسُنَ عِبادَتُها.
19:43–45Page 308
يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا ٤٣
O my father, indeed there has come to me of knowledge that which has not come to you, so follow me; I will guide you to an even path.
يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا ٤٤
O my father, do not worship [i.e., obey] Satan. Indeed Satan has ever been, to the Most Merciful, disobedient.
يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا ٤٥
O my father, indeed I fear that there will touch you a punishment from the Most Merciful so you would be to Satan a companion [in Hellfire]."
النَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ياأبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، وطَمِعَ في التَّمَسُّكِ بِهِ أهْلُ التَّعْلِيمِ وأهْلُ التَّقْلِيدِ أمّا أهْلُ التَّعْلِيمِ فَقالُوا: إنَّهُ أمَرَهُ بِالِاتِّباعِ في الدِّينِ وما أمَرَهُ بِالتَّمَسُّكِ بِدَلِيلٍ لا يُسْتَفادُ إلّا مِنَ الِاتِّباعِ، وأمّا أهْلُ التَّقْلِيدِ فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِهِ أيْضًا مِن هَذا الوَجْهِ، ومِنَ النّاسِ مِن طَعَنَ أنَّهُ أمَرَهُ بِالِاتِّباعِ لِتَحْصُلَ الهِدايَةُ، فَإذَنْ لا تَحْصُلُ الهِدايَةُ إلّا بِاتِّباعِهِ، ولا تَبَعِيَّةَ إلّا إذا اهْتَدى لِقَوْلِنا إنَّهُ لا بُدَّ مِنَ اتِّباعِهِ فَيَقَعُ الدَّوْرُ وإنَّهُ باطِلٌ.
”والجَوابُ“ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ المُرادَ بِالهِدايَةِ بَيانُ الدَّلِيلِ وشَرْحُهُ وإيضاحُهُ.
فَعِنْدَ هَذا عادَ السّائِلُ فَقالَ: أنا لا أُنْكِرُ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الدَّلالَةِ، ولَكِنِّي أقُولُ الوُقُوفُ عَلى تِلْكَ الدَّلالَةِ لا يُسْتَفادُ إلّا مِمَّنْ لَهُ نَفْسٌ كامِلَةٌ بَعِيدَةٌ عَنِ النَّقْصِ والخَطَأِ، وهي نَفْسُ النَّبِيِّ المَعْصُومِ أوِ الإمامِ المَعْصُومِ، فَإذا سَلَّمْتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ النَّبِيِّ في هَذا المَقْصُودِ؛ فَقَدْ سَلَّمْتَ حُصُولَ الغَرَضِ، أجابَ المُجِيبُ وقالَ: أنا ما سَلَّمْتُ أنَّهُ لا بُدَّ في الوُقُوفِ عَلى الدَّلائِلِ مِن هِدايَةِ النَّبِيِّ، ولَكِنِّي أقُولُ: هَذا الطَّرِيقُ أسْهَلُ وإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ
صفحة ١٩٣
دَعاهُ إلى الأسْهَلِ الأسْهَلِ والجَوابُ عَنْ سُؤالِ الدَّوْرِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاتَّبِعْنِي﴾ لَيْسَ أمْرَ إيجابٍ بَلْ أمْرَ إرْشادٍ.
* * *
والنَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ أيْ لا تُطِعْهُ؛ لِأنَّهُ عاصٍ لِلَّهِ فَنَفَّرَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ عَنِ القَبُولِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ الخِصالِ المُنَفِّرَةِ، واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِإمْعانِهِ في الإخْلاصِ لَمْ يَذْكُرْ مِن جِناياتِ الشَّيْطانِ إلّا كَوْنَهُ عاصِيًا لِلَّهِ، ولَمْ يَذْكُرْ مُعاداتِهِ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَأنَّ النَّظَرَ في عِظَمِ ما ارْتَكَبَهُ مِن ذَلِكَ العِصْيانِ غَمّى فِكْرَهُ وأطْبَقَ عَلى ذِهْنِهِ، وأيْضًا فَإنَّ مَعْصِيَةَ اللَّهِ تَعالى لا تَصْدُرُ إلّا عَنْ ضَعِيفِ الرَّأْيِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ حَقِيقًا أنْ لا يُلْتَفَتَ إلى رَأْيِهِ، ولا يُجْعَلَ لِقَوْلِهِ وزْنٌ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ هَذا القَوْلَ يَتَوَقَّفُ عَلى إثْباتِ أُمُورٍ:
أحَدُها: إثْباتُ الصّانِعِ.
وثانِيها: إثْباتُ الشَّيْطانِ.
وثالِثُها: إثْباتُ أنَّ الشَّيْطانَ عاصٍ لِلَّهِ.
ورابِعُها: أنَّهُ لَمّا كانَ عاصِيًا لَمْ تَجُزْ طاعَتُهُ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ.
وخامِسُها: أنَّ الِاعْتِقادَ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الإنْسانُ كانَ مُسْتَفادًا مِن طاعَةِ الشَّيْطانِ، ومِن شَأْنِ الدَّلالَةِ الَّتِي تُورَدُ عَلى الخَصْمِ أنْ تَكُونَ مُرَكَّبَةً مِن مُقَدِّماتٍ مَعْلُومَةٍ مُسَلَّمَةٍ، ولَعَلَّ أبا إبْراهِيمَ كانَ مُنازِعًا في كُلِّ هَذِهِ المُقَدِّماتِ، وكَيْفَ والمَحْكِيُّ عَنْهُ أنَّهُ ما كانَ يُثْبِتُ إلَهًا سِوى نُمْرُوذَ فَكَيْفَ يُسَلِّمُ وُجُودَ الإلَهِ الرَّحْمَنِ ؟ وإذا لَمْ يُسَلِّمْ وُجُودَهُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُ أنَّ الشَّيْطانَ كانَ عاصِيًا لِلرَّحْمَنِ ؟ ثُمَّ إنَّ عَلى تَسْلِيمِ ذَلِكَ فَكَيْفَ يُسَلِّمُ الخَصْمُ بِمُجَرَّدِ هَذا الكَلامِ أنَّ مَذْهَبَهُ مُقْتَبَسٌ مِنَ الشَّيْطانِ، بَلْ لَعَلَّهُ يَقْلِبُ ذَلِكَ عَلى خَصْمِهِ ؟ قُلْنا: الحُجَّةُ المُعَوَّلُ عَلَيْها في إبْطالِ مَذْهَبِ آزَرَ هو الَّذِي ذَكَرَهُ أوَّلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ فَأمّا هَذا الكَلامُ فَيَجْرِي مَجْرى التَّخْوِيفِ والتَّحْذِيرِ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلى النَّظَرِ في تِلْكَ الدَّلالَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَسْقُطُ السُّؤالُ.
* * *
النَّوْعُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ياأبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى أخافُ أعْلَمُ. والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ، والقَوْلُ الأوَّلُ إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عالِمًا بِأنَّ أباهُ سَيَمُوتُ عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ، وذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ فَوَجَبَ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّهُ كانَ يَجُوزُ أنْ يُؤْمِنَ فَيَصِيرَ مِن أهْلِ الثَّوابِ، ويَجُوزُ أنْ يُصِرَّ فَيَمُوتَ عَلى الكُفْرِ، فَيَكُونَ مِن أهْلِ العِقابِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ خائِفًا لا قاطِعًا، واعْلَمْ أنَّ مَن يَظُنُّ وُصُولَ الضَّرَرِ إلى غَيْرِهِ فَإنَّهُ لا يُسَمّى خائِفًا إلّا إذا كانَ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن وُصُولِ ذَلِكَ الضَّرَرِ إلَيْهِ تَألُّمُ قَلْبِهِ، كَما يُقالُ أنا خائِفٌ عَلى ولَدِي، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ فَذَكَرُوا في الوَلِيِّ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ إذا اسْتَوْجَبَ عَذابَ اللَّهِ كانَ مَعَ الشَّيْطانِ في النّارِ، والوِلايَةُ سَبَبٌ لِلْمَعِيَّةِ وإطْلاقُ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ مَجازٌ، وإنْ لَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ عَلى الوِلايَةِ الحَقِيقِيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] وقالَ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] وحَكى عَنِ الشَّيْطانِ أنَّهُ يَقُولُ لَهم: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢] .
واعْلَمْ أنَّ هَذا الإشْكالَ إنَّما يَتَوَجَّهُ إذا كانَ المُرادُ مِنَ العَذابِ عَذابَ الآخِرَةِ، أمّا إذا كانَ المُرادُ مِنهُ عَذابَ الدُّنْيا فالإشْكالُ ساقِطٌ.
وثانِيها: أنْ يُحْمَلَ العَذابُ عَلى الخِذْلانِ أيْ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ خِذْلانُ اللَّهِ فَتَصِيرَ مُوالِيًا لِلشَّيْطانِ ويَبْرَأ اللَّهُ مِنكَ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٩] .
وثالِثُها: ولِيًّا أيْ تالِيًا لِلشَّيْطانِ تَلِيهِ، كَما يُسَمّى المَطَرُ الَّذِي يَأْتِي تالِيًا ولِيًّا. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ وِلايَةُ الشَّيْطانِ أسْوَأ حالًا مِنَ العَذابِ نَفْسِهِ وأعْظَمَ، فَما السَّبَبُ لِذَلِكَ ؟
والجَوابُ: أنَّ رِضْوانَ اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ مِنَ الثَّوابِ عَلى ما قالَ:
صفحة ١٩٤
﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢] فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ وِلايَةُ الشَّيْطانِ الَّتِي هي في مُقابَلَةِ رِضْوانِ اللَّهِ أكْبَرَ مِنَ العَذابِ نَفْسِهِ وأعْظَمَ. واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَتَّبَ هَذا الكَلامَ في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّهُ نَبَّهَ أوَّلًا عَلى ما يَدُلُّ عَلى المَنعِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ ثُمَّ أمَرَهُ بِاتِّباعِهِ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وتَرْكِ التَّقْلِيدِ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أنَّ طاعَةَ الشَّيْطانِ غَيْرُ جائِزَةٍ في العُقُولِ، ثُمَّ خَتَمَ الكَلامَ بِالوَعِيدِ الزّاجِرِ عَنِ الإقْدامِ عَلى ما لا يَنْبَغِي ثُمَّ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْرَدَ هَذا الكَلامَ الحَسَنَ مَقْرُونًا بِاللُّطْفِ والرِّفْقِ، فَإنَّ قَوْلَهُ في مُقَدِّمَةِ كُلِّ كَلامٍ: ﴿ياأبَتِ﴾ دَلِيلٌ عَلى شِدَّةِ الحُبِّ والرَّغْبَةِ في صَوْنِهِ عَنِ العِقابِ وإرْشادِهِ إلى الصَّوابِ، وخَتَمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ تَعَلُّقِ قَلْبِهِ بِمَصالِحِهِ وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: قَضاءً لِحَقِّ الأُبُوَّةِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [البقرة: ٨٣] والإرْشادُ إلى الدِّينِ مِن أعْظَمِ أنْواعِ الإحْسانِ، فَإذا انْضافَ إلَيْهِ رِعايَةُ الأدَبِ والرِّفْقِ كانَ ذَلِكَ نُورًا عَلى نُورٍ.
وثانِيها: أنَّ الهادِيَ إلى الحَقِّ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ رَفِيقًا لَطِيفًا يُورِدُ الكَلامَ لا عَلى سَبِيلِ العُنْفِ؛ لِأنَّ إيرادَهُ عَلى سَبِيلِ العُنْفِ يَصِيرُ كالسَّبَبِ في إعْراضِ المُسْتَمِعِ فَيَكُونُ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ سَعْيًا في الإغْواءِ.
وثالِثُها: ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”أوْحى اللَّهُ إلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّكَ خَلِيلِي فَحَسِّنْ خُلُقَكَ ولَوْ مَعَ الكُفّارِ تَدْخُلْ مَداخِلَ الأبْرارِ فَإنَّ كَلِمَتِي سَبَقَتْ لِمَن حَسَّنَ خُلُقَهُ أنْ أُظِلَّهُ تَحْتَ عَرْشِي وأنْ أُسْكِنَهُ حَظِيرَةَ قُدْسِي وأُدْنِيَهُ مِن جِوارِي“ واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences