Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:46–57
19:46–48Page 308
قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا ٤٦
[His father] said, "Have you no desire for my gods, O Abraham? If you do not desist, I will surely stone you, so avoid me a prolonged time."
قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا ٤٧
[Abraham] said, "Peace [i.e., safety] will be upon you.1 I will ask forgiveness for you of my Lord. Indeed, He is ever gracious to me.
وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا ٤٨
And I will leave you and those you invoke other than Allāh and will invoke1 my Lord. I expect that I will not be in invocation to my Lord unhappy [i.e., disappointed]."
قوله تعالى: ﴿قالَ أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي ياإبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وأدْعُو رَبِّي عَسى ألّا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا دَعا أباهُ إلى التَّوْحِيدِ، وذَكَرَ الدَّلالَةَ عَلى فَسادِ عِبادَةِ الأوْثانِ، وأرْدَفَ تِلْكَ الدَّلالَةَ بِالوَعْظِ البَلِيغِ، وأوْرَدَ كُلَّ ذَلِكَ مَقْرُونًا بِاللُّطْفِ والرِّفْقِ، قابَلَهُ أبُوهُ بِجَوابٍ يُضادُّ ذَلِكَ، فَقابَلَ حُجَّتَهُ بِالتَّقْلِيدِ، فَإنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ في مُقابَلَةِ حُجَّتِهِ إلّا قَوْلَهُ: ﴿أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي ياإبْراهِيمُ﴾ فَأصَرَّ عَلى ادِّعاءِ إلَهِيَّتِها جَهْلًا وتَقْلِيدًا وقابَلَ وعْظَهُ بِالسَّفاهَةِ حَيْثُ هَدَّدَهُ بِالضَّرْبِ والشَّتْمِ، وقابَلَ رِفْقَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ياأبَتِ﴾ بِالعُنْفِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ لَهُ يا بُنَيَّ بَلْ قالَ: ﴿ياإبْراهِيمُ﴾ وإنَّما حَكى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ لِيُخَفِّفَ عَلى قَلْبِهِ ما كانَ يَصِلُ إلَيْهِ مِن أذى المُشْرِكِينَ فَيَعْلَمَ أنَّ الجُهّالَ مُنْذُ كانُوا عَلى هَذِهِ السِّيرَةِ المَذْمُومَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي ياإبْراهِيمُ﴾ فَإنْ كانَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ فَهو خِذْلانٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَرَفَ مِنهُ ما تَكَرَّرَ مِنهُ مِن وعْظِهِ وتَنْبِيهِهِ عَلى الدَّلالَةِ وهو يُفِيدُ أنَّهُ راغِبٌ عَنْ ذَلِكَ أشَدَّ رَغْبَةٍ فَما فائِدَةُ هَذا القَوْلِ ؟ . وإنْ كانَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ فَأيُّ تَعَجُّبٍ في الإعْراضِ عَنْ حُجَّةٍ لا فائِدَةَ فِيها، وإنَّما التَّعَجُّبُ كُلُّهُ مِنَ الإقْدامِ عَلى عِبادَتِها فَإنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما أنَّهُ يُبْطِلُ جَوازَ عِبادَتِها فَهو يُفِيدُ التَّعَجُّبَ مِن أنَّ العاقِلَ كَيْفَ يَرْضى
صفحة ١٩٥
بِعِبادَتِها فَكَأنَّ أباهُ قابَلَ ذَلِكَ التَّعَجُّبَ الظّاهِرَ المَبْنِيَّ عَلى الدَّلِيلِ بِتَعَجُّبٍ فاسِدٍ غَيْرِ مَبْنِيٍّ عَلى دَلِيلٍ وشُبْهَةٍ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا التَّعَجُّبَ جَدِيرٌ بِأنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الرَّجْمِ هَهُنا قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ الرَّجْمُ بِاللِّسانِ، وهو الشَّتْمُ والذَّمُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ [النور: ٤] أيْ بِالشَّتْمِ، ومِنهُ الرَّجِيمُ، أيِ المَرْمِيُّ بِاللَّعْنِ، قالَ مُجاهِدٌ: الرَّجْمُ في القُرْآنِ كُلِّهِ بِمَعْنى الشَّتْمِ.
والثّانِي: أنَّهُ الرَّجْمُ بِاليَدِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: لَأرْجُمَنَّكَ بِإظْهارِ أمْرِكَ لِلنّاسِ لِيَرْجُمُوكَ ويَقْتُلُوكَ.
وثانِيها: لَأرْجُمَنَّكَ بِالحِجارَةِ لِتَتَباعَدَ عَنِّي.
وثالِثُها عَنِ المُؤَرِّجِ: لَأقْتُلَنَّكَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ.
ورابِعُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: لَأرْجُمَنَّكَ المُرادُ مِنهُ الرَّجْمُ بِالحِجارَةِ إلّا أنَّهُ قَدْ يُقالُ ذَلِكَ في مَعْنى الطَّرْدِ والإبْعادِ اتِّساعًا، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ الطَّرْدَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ واعْلَمْ أنَّ أصْلَ الرَّجْمِ هو الرَّمْيُ بِالرِّجامِ فَحَمْلُهُ عَلَيْهِ أوْلى، فَإنْ قِيلَ: أفَما يَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الرَّجْمُ بِالشَّتْمِ ؟ قُلْنا: لا، وذَلِكَ؛ لِأنَّهُ هَدَّدَهُ بِالرَّجْمِ إنْ بَقِيَ عَلى قُرْبِهِ مِنهُ، وأمَرَهُ أنْ يَبْعَدَ هَرَبًا مِن ذَلِكَ فَهو في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ واهْجُرْنِي بِالقَوْلِ.
والثّانِي: بِالمُفارَقَةِ في الدّارِ والبَلَدِ وهي هِجْرَةُ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ أيْ تَباعَدْ عَنِّي لِكَيْ لا أراكَ وهَذا الثّانِي أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿مَلِيًّا﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: مَلِيًّا أيْ مُدَّةً بَعِيدَةً مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ أتى عَلى فُلانٍ مَلاوَةٌ مِنَ الدَّهْرِ أيْ زَمانٌ بَعِيدٌ.
والثّانِي: مَلِيًّا بِالذَّهابِ عَنِّي والهِجْرانِ قَبْلَ أنْ أُثْخِنَكَ بِالضَّرْبِ حَتّى لا تَقْدِرَ أنْ تَبْرَحَ يُقالُ فُلانٌ مَلِيٌّ بِكَذا إذا كانَ مُطِيقًا لَهُ مُضْطَلِعًا بِهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: عَطَفَ اهْجُرْنِي عَلى مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ لَأرْجُمَنَّكَ، أيْ فاحْذَرْنِي واهْجُرْنِي لِئَلّا أرْجُمَنَّكَ، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا سَمِعَ مِن أبِيهِ ذَلِكَ أجابَ عَنْ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ وعَدَهُ التَّباعُدَ مِنهُ، وذَلِكَ لِأنَّ أباهُ لَمّا أمَرَهُ بِالتَّباعُدِ أظْهَرَ الِانْقِيادَ لِذَلِكَ الأمْرِ وقَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ تَوادُعٌ ومُتارَكَةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ وهَذا دَلِيلٌ عَلى جَوازِ مُتارَكَةِ المَنصُوحِ إذا ظَهَرَ مِنهُ اللَّجاجُ، وعَلى أنَّهُ تَحْسُنُ مُقابَلَةُ الإساءَةِ بِالإحْسانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ دَعا لَهُ بِالسَّلامَةِ اسْتِمالَةً لَهُ، ألا تَرى أنَّهُ وعَدَهُ بِالِاسْتِغْفارِ ؟ ثُمَّ إنَّهُ لَمّا ودَّعَ أباهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ ضَمَّ إلى ذَلِكَ ما دَلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ وإنْ بَعُدَ عَنْهُ فَإشْفاقُهُ باقٍ عَلَيْهِ كَما كانَ وهو قَوْلُهُ: ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن طَعَنَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَعَلَ ما لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ اسْتَغْفَرَ لِأبِيهِ وهو كافِرٌ والِاسْتِغْفارُ لِلْكافِرِ لا يَجُوزُ، فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ المُقَدِّماتِ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَعَلَ ما لا يَجُوزُ، إنَّما قُلْنا إنَّهُ اسْتَغْفَرَ لِأبِيهِ لِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ وقَوْلِهِ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦] وأمّا أنَّ أباهُ كانَ كافِرًا فَذاكَ بِنَصِّ القُرْآنِ وبِالإجْماعِ، وأمّا أنَّ الِاسْتِغْفارَ لِلْكافِرِ لا يَجُوزُ فَلِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] .
الثّانِي: قَوْلُهُ في سُورَةِ المُمْتَحَنَةِ: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ﴾
صفحة ١٩٦
إلى قَوْلِهِ ﴿لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ المُمْتَحَنَةِ: ٤] وأمَرَ النّاسَ إلّا في هَذا الفِعْلِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْصِيَةً مِنهُ، والجَوابُ: لا نِزاعَ إلّا في قَوْلِكُمُ الِاسْتِغْفارُ لِلْكافِرِ لا يَجُوزُ فَإنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ القَطْعَ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَذِّبُ الكافِرَ لا يُعْرَفُ إلّا بِالسَّمْعِ، فَلَعَلَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَجِدْ في شَرْعِهِ ما يَدُلُّ عَلى القَطْعِ بِعَذابِ الكافِرِ، فَلا جَرَمَ اسْتَغْفَرَ لِأبِيهِ.
وثانِيها: أنَّ الِاسْتِغْفارَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الِاسْتِماحَةِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] والمَعْنى سَأسْألُ رَبِّي أنْ لا يَجْزِيَكَ بِكُفْرِكَ ما كُنْتُ حَيًّا بِعَذابِ الدُّنْيا المُعَجَّلِ.
وثالِثُها: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما اسْتَغْفَرَ لِأبِيهِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَرْجُو مِنهُ الإيمانَ فَلَمّا أيِسَ مِن ذَلِكَ تَرَكَ الِاسْتِغْفارَ، ولَعَلَّ في شَرْعِهِ جَوازُ الِاسْتِغْفارِ لِلْكافِرِ الَّذِي يُرْجى مِنهُ الإيمانُ، والدَّلِيلُ عَلى وُقُوعِ هَذا الِاحْتِمالِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] فَبَيَّنَ أنَّ المَنعَ مِنَ الِاسْتِغْفارِ إنَّما يَحْصُلُ بَعْدَ أنْ يَعْرِفُوا (أنَّهم مِن أصْحابِ الجَحِيمِ) .
ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ وعَدَهُ بِالِاسْتِغْفارِ لَوْ آمَنَ، فَلَمّا لَمْ يُؤْمِن لَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُ بَلْ تَبَرَّأ مِنهُ، فَإنْ قِيلَ فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلِمَ مَنَعَنا مِنَ التَّأسِّي بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤] قُلْنا الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَنا التَّأسِّي بِهِ في ذَلِكَ لَكِنَّ المَنعَ مِنَ التَّأسِّي بِهِ في ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ مَعْصِيَةً.
فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الأشْياءِ هي مِن خَواصِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا يَجُوزُ لَنا التَّأسِّي بِهِ مَعَ أنَّها كانَتْ مُباحَةً لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
ورابِعُها: لَعَلَّ هَذا الِاسْتِغْفارَ كانَ مِن بابِ تَرْكِ الأوْلى وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ أيْ لَطِيفًا رَفِيقًا يُقالُ أحْفى فُلانٌ في المَسْألَةِ بِفُلانٍ إذا لَطَفَ بِهِ وبالَغَ في الرِّفْقِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَسْألْكُمُوها فَيُحْفِكم تَبْخَلُوا﴾ [محمد: ٣٧] أيْ وإنْ لَطُفَتِ المَسْألَةُ والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لِلُطْفِهِ بِي وإنْعامِهِ عَلَيَّ عَوَّدَنِي الإجابَةَ فَإذا أنا اسْتَغْفَرْتُ لَكَ حَصَلَ المُرادُ فَكَأنَّهُ جَعَلَهُ بِذَلِكَ عَلى يَقِينٍ إنْ هو تابَ، أنْ يَحْصُلَ لَهُ الغُفْرانُ.
الجَوابُ الثّانِي مِنَ الجَوابَيْنِ: قَوْلُهُ: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الِاعْتِزالُ لِلْشَيْءِ هو التَّباعُدُ عَنْهُ والمُرادُ أنِّي أُفارِقُكم في المَكانِ وأُفارِقُكم في طَرِيقَتِكم أيْضًا وأبْعُدُ عَنْكُمُ وأتَشاغَلُ بِعِبادَةِ رَبِّيَ الَّذِي يَنْفَعُ ويَضُرُّ، والَّذِي خَلَقَنِي وأنْعَمَ عَلَيَّ فَإنَّكم بِعِبادَةِ الأصْنامِ سالِكُونَ طَرِيقَةَ الهَلاكِ، فَواجِبٌ عَلَيَّ مُجانَبَتُكم، ومَعَنى قَوْلِهِ: ﴿عَسى ألّا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ أرْجُو أنَ لا أكُونَ كَذَلِكَ، وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّواضُعِ كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿شَقِيًّا﴾ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّواضُعِ لِلَّهِ فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِشَقاوَتِهِمْ في دُعاءِ آلِهَتِهِمْ عَلى ما قَرَّرَهُ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ .
19:49–50Page 308
فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا نَبِيّٗا ٤٩
So when he had left them and those they worshipped other than Allāh, We gave him Isaac and Jacob, and each [of them] We made a prophet.
وَوَهَبۡنَا لَهُم مِّن رَّحۡمَتِنَا وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِيّٗا ٥٠
And We gave them of Our mercy, and We made for them a mention [i.e., reputation] of high honor.
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ .
صفحة ١٩٧
اعْلَمْ أنَّهُ ما خَسِرَ عَلى اللَّهِ أحَدٌ فَإنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا اعْتَزَلَهم في دِينِهِمْ، وفي بَلَدِهِمْ واخْتارَ الهِجْرَةَ إلى رَبِّهِ إلى حَيْثُ أمَرَهُ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ دِينًا ودُنْيا، بَلْ نَفَعَهُ فَعَوَّضَهُ أوْلادًا أنْبِياءَ، ولا حالَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا لِلْبَشَرِ أرْفَعُ مِن أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ رَسُولًا إلى خَلْقِهِ ويُلْزِمَ الخَلْقَ طاعَتَهُ والِانْقِيادَ لَهُ مَعَ ما يَحْصُلُ فِيهِ مِن عَظِيمِ المَنزِلَةِ في الآخِرَةِ، فَصارَ جَعْلُهُ تَعالى إيّاهم أنْبِياءَ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ وهَبَ لَهم مِن رَحْمَتِهِ أيْ وهَبَ لَهم مِنَ النُّبُوَّةِ ما وهَبَ، ويَدْخُلُ فِيهِ المالُ والجاهُ والأتْباعُ والنَّسْلُ الطّاهِرُ والذُّرِّيَّةُ الطَّيِّبَةُ ثُمَّ قالَ: ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ ولِسانُ الصِّدْقِ الثَّناءُ الحَسَنُ وعَبَّرَ بِاللِّسانِ عَمّا يُوجَدُ بِاللِّسانِ، كَما عَبَّرَ بِاليَدِ عَمّا يُعْطى بِاليَدِ وهو العَطِيَّةُ، واسْتَجابَ اللَّهُ دَعَوْتَهُ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] فَصَيَّرَهُ قُدْوَةً حَتّى ادَّعاهُ أهْلُ الأدْيانِ كُلُّهم، وقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾، ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] قالَ بَعْضُهم: إنَّ الخَلِيلَ اعْتَزَلَ عَنِ الخَلْقِ عَلى ما قالَ: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَلا جَرَمَ بارَكَ اللَّهُ في أوْلادِهِ فَقالَ: ﴿وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ .
وثانِيها: أنَّهُ تَبَرَّأ مِن أبِيهِ في اللَّهِ تَعالى عَلى ما قالَ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ سَمّاهُ أبًا لِلْمُسْلِمِينَ فَقالَ: ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ [الحَجِّ: ٧٨] .
وثالِثُها: تَلَّ ولَدَهُ لِلْجَبِينِ لِيَذْبَحَهُ عَلى ما قالَ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] لا جَرَمَ فَداهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ما قالَ: ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] .
ورابِعُها: أسْلَمَ نَفْسَهُ فَقالَ: ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى النّارَ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا فَقالَ: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] .
وخامِسُها: أشْفَقَ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ فَقالَ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] لا جَرَمَ أشْرَكَهُ اللَّهُ تَعالى في الصَّلَواتِ الخَمْسِ، كَما صَلَّيْتَ وبارَكْتَ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى آلِ إبْراهِيمَ.
وسادِسُها: في حَقِّ سارَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧] لا جَرَمَ جَعَلَ مَوْطِئَ قَدَمَيْهِ مُبارَكًا: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] .
وسابِعُها: عادى كُلَّ الخَلْقِ في اللَّهِ فَقالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧] لا جَرَمَ اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا عَلى ما قالَ: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] لِيُعْلَمَ صِحَّةُ قَوْلِنا أنَّهُ ما خَسِرَ عَلى اللَّهِ أحَدٌ.
19:51–53Page 308
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مُوسَىٰٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخۡلَصٗا وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥١
And mention in the Book, Moses. Indeed, he was chosen, and he was a messenger and a prophet.1
وَنَٰدَيۡنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا ٥٢
And We called him from the side of the mount1 at [his] right and brought him near, confiding [to him].
وَوَهَبۡنَا لَهُۥ مِن رَّحۡمَتِنَآ أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيّٗا ٥٣
And We gave him out of Our mercy his brother Aaron as a prophet.
(القِصَّةُ الرّابِعَةُ - قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مُوسى إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا وكانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ ﴿ونادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّهُ كانَ مُخْلَصًا؛ فَإذا قُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ فَهو مِنَ الِاصْطِفاءِ والِاجْتِباءِ كَأنَّ اللَّهَ تَعالى اصْطَفاهُ واسْتَخْلَصَهُ وإذا قُرِئَ بِالكَسْرِ فَمَعْناهُ أخْلَصَ لِلَّهِ في التَّوْحِيدِ في العِبادَةِ، والإخْلاصُ هو القَصْدُ في العِبادَةِ إلى أنْ يُعْبَدَ المَعْبُودُ بِها وحْدَهُ، ومَتى ورَدَ القُرْآنُ بِقِراءَتَيْنِ فَكُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما ثابِتٌ مَقْطُوعٌ بِهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى مِن صِفَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كِلا الأمْرَيْنِ.
وثانِيها: كَوْنُهُ
صفحة ١٩٨
رَسُولًا نَبِيًّا ولا شَكَّ أنَّهُما وصْفانِ مُخْتَلِفانِ لَكِنَّ المُعْتَزِلَةَ زَعَمُوا كَوْنَهُما مُتَلازِمَيْنِ فَكُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ، وكُلُّ نَبِيٍّ رَسُولٌ، ومِنَ النّاسِ مَن أنْكَرَ ذَلِكَ وقَدْ بَيَّنّا الكَلامَ فِيهِ في سُورَةِ الحَجِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] .
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ مِنَ اليَمِينِ أيْ مِن ناحِيَةِ اليَمِينِ، والأيْمَنُ صِفَةُ الطُّورِ أوِ الجانِبِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ ولَمّا ذَكَرَ كَوْنَهُ رَسُولًا قالَ: ﴿وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿وقَرَّبْناهُ﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ قُرْبُ المَكانِ عَنْ أبِي العالِيَةِ قَرَّبَهُ حَتّى سَمِعَ صَرِيرَ القَلَمِ حَيْثُ كُتِبَتِ التَّوْراةُ في الألْواحِ.
والثّانِي: قُرْبُ المَنزِلَةِ أيْ رَفَعْنا قَدْرَهُ وشَرَّفْناهُ بِالمُناجاةِ، قالَ القاضِي: وهَذا أقْرَبُ؛ لِأنَّ اسْتِعْمالَ القُرْبِ في اللَّهِ قَدْ صارَ بِالتَّعارُفِ لا يُرادُ بِهِ إلّا المَنزِلَةُ وعَلى هَذا الوَجْهِ يُقالُ في العِبادَةِ تَقَرُّبٌ، ويُقالُ في المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إنَّهم مُقَرَّبُونَ وأمّا ﴿نَجِيًّا﴾ فَقِيلَ فِيهِ أنْجَيْناهُ مِن أعْدائِهِ، وقِيلَ هو مِنَ المُناجاةِ في المُخاطَبَةِ وهو أوْلى.
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ هارُونُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أكْبَرَ مِن مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وإنَّما وهَبَ اللَّهُ لَهُ نُبُوَّتَهُ لا شَخْصَهُ وأُخُوَّتَهُ، وذَلِكَ إجابَةٌ لِدُعائِهِ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ [طه: ٢٩، ٣١] فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ [طه: ٣٦] وقَوْلِهِ: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ [القَصَصِ: ٣٥] .
19:54–55Page 309
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥٤
And mention in the Book, Ishmael. Indeed, he was true to his promise, and he was a messenger and a prophet.
وَكَانَ يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا ٥٥
And he used to enjoin on his people prayer and zakāh and was to his Lord pleasing [i.e., accepted by Him].
(القِصَّةُ الخامِسَةُ قِصَّةُ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وكانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ ﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ وكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ إسْماعِيلَ هَذا هو إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأشْياءَ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ وهَذا الوَعْدُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ.
أمّا الأوَّلُ: فَهو أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ كانَ لا يُخالِفُ شَيْئًا مِمّا يُؤْمَرُ بِهِ مِن طاعَةِ رَبِّهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إذا أرْسَلَ المَلَكَ إلى الأنْبِياءِ، وأمَرَهم بِتَأْدِيَةِ الشَّرْعِ فَلا بُدَّ مِن ظُهُورِ وعْدٍ مِنهم يَقْتَضِي القِيامَ بِذَلِكَ، ويَدُلُّ عَلى القِيامِ بِسائِرِ ما يَخُصُّهُ مِنَ العِبادَةِ.
وأمّا الثّانِي: فَهو أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ إذا وعَدَ النّاسَ بِشَيْءٍ أنْجَزَ وعْدَهُ فاللَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِهَذا الخُلُقِ الشَّرِيفِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ وعَدَ صاحِبًا لَهُ أنْ يَنْتَظِرَهُ في مَكانٍ فانْتَظَرَهُ سَنَةً، وأيْضًا وعَدَ مِن نَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ فَوَفّى بِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] ويُرْوى أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهُ رَجُلٌ: انْتَظِرْنِي حَتّى آتِيَكَ فَقالَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ: نَعَمْ وانْطَلَقَ الرَّجُلُ ونَسِيَ المِيعادَ فَجاءَ لِحاجَةٍ إلى ذَلِكَ المَكانِ وعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هُنالِكَ لِلْمِيعادِ، وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”«أنَّهُ واعَدَ رَجُلًا ونَسِيَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فانْتَظَرَهُ مِنَ الضُّحى إلى قَرِيبٍ مِن غُرُوبِ الشَّمْسِ» “ . وسُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنِ الرَّجُلِ يَعِدُ مِيعادًا إلى أيِّ وقْتٍ يَنْتَظِرُهُ فَقالَ: إنْ
صفحة ١٩٩
واعَدَهُ نَهارًا فَكُلُّ النَّهارِ وإنْ واعَدَهُ لَيْلًا فَكُلُّ اللَّيْلِ، وسُئِلَ إبْراهِيمُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إذا واعَدْتَهُ في وقْتِ الصَّلاةِ فانْتَظِرْهُ إلى وقْتِ صَلاةٍ أُخْرى.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وكانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ والأقْرَبُ في الأهْلِ أنَّ المُرادَ بِهِ مَن يَلْزَمُهُ أنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهِ الشَّرْعَ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ أُمَّتِهِ مِن حَيْثُ لَزِمَهُ في جَمِيعِهِمْ ما يَلْزَمُ المَرْءُ في أهْلِهِ خاصَّةً، هَذا إذا حُمِلَ الأمْرُ عَلى المَفْرُوضِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ فَإنَّ حُمِلَ عَلى النَّدْبِ فِيهِما كانَ المُرادُ أنَّهُ كَما كانَ يَتَهَجَّدُ بِاللَّيْلِ يَأْمُرُ أهْلَهُ أيْ مَن كانَ في دارِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِذَلِكَ وكانَ نَظَرُهُ لَهم في الدِّينِ يَغْلِبُ عَلى شَفَقَتِهِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا بِخِلافِ ما عَلَيْهِ أكْثَرُ النّاسِ، وقِيلَ: كانَ يَبْدَأُ بِأهْلِهِ في الأمْرِ بِالصَّلاحِ والعِبادَةِ؛ لِيَجْعَلَهم قُدْوَةً لِمَن سِواهم كَما قالَ تَعالى: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ [طه: ١٣٢] ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ [التحريم: ٦] وأيْضًا فَهم أحَقُّ أنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ فَوَجَبَ أنْ يَكُونُوا بِالإحْسانِ الدِّينِيِّ أوْلى، فَأمّا الزَّكاةُ فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّها طاعَةُ اللَّهِ تَعالى والإخْلاصُ فَكَأنَّهُ تَأوَّلَهُ عَلى ما يَزْكُو بِهِ الفاعِلُ عِنْدَ رَبِّهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ إذا قُرِنَتِ الزَّكاةُ إلى الصَّلاةِ أنْ يُرادَ بِها الصَّدَقاتُ الواجِبَةُ وكانَ يَعْرِفُ مِن خاصَّةِ أهْلِهِ أنْ يُلْزِمَهُمُ الزَّكاةَ، فَيَأْمُرَهم بِذَلِكَ أوْ يَأْمُرَهم أنْ يَتَبَرَّعُوا بِالصَّدَقاتِ عَلى الفُقَراءِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ وهو في نِهايَةِ المَدْحِ؛ لِأنَّ المَرْضِيَّ عِنْدَ اللَّهِ هو الفائِزُ في كُلِّ طاعاتِهِ بِأعْلى الدَّرَجاتِ.
19:56–57Page 309
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِدۡرِيسَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيّٗا ٥٦
And mention in the Book, Idrees. Indeed, he was a man of truth and a prophet.
وَرَفَعۡنَٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا ٥٧
And We raised him to a high station.
(القِصَّةُ السّادِسَةُ قِصَّةُ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ ﴿ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو جَدُّ أبِي نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو نُوحُ بْنُ لَمَكَ بْنِ مُتْوَشْلِخَ بْنِ أخْنُوخَ قِيلَ سُمِّيَ إدْرِيسَ لِكَثْرَةِ دِراسَتِهِ، واسْمُهُ أخْنُوخُ ووَصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِأُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّهُ كانَ صِدِّيقًا.
وثانِيها: أنَّهُ كانَ نَبِيًّا وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِما.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مِن رِفْعَةِ المَنزِلَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] فَإنَّ اللَّهَ تَعالى شَرَّفَهُ بِالنُّبُوَّةِ، وأنْزَلَ عَلَيْهِ ثَلاثِينَ صَحِيفَةً وهو أوَّلُ مَن خَطَّ بِالقَلَمِ ونَظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ والحِسابِ وأوَّلُ مَن خاطَ الثِّيابَ ولَبِسَها وكانُوا يَلْبَسُونَ الجُلُودَ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ الرِّفْعَةُ في المَكانِ إلى مَوْضِعٍ عالٍ وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ الرِّفْعَةَ المَقْرُونَةَ بِالمَكانِ تَكُونُ رِفْعَةً في المَكانِ لا في الدَّرَجَةِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم إنَّ اللَّهَ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ وإلى الجَنَّةِ وهو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ رُفِعَ إلى السَّماءِ وقُبِضَ رُوحُهُ سَألَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - كَعْبًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ قالَ: جاءَهُ خَلِيلٌ لَهُ مِنَ المَلائِكَةِ فَسَألَهُ حَتّى يُكَلِّمَ مَلَكَ المَوْتِ حَتّى يُؤَخِّرَ قَبْضَ رُوحِهِ، فَحَمَلَهُ ذَلِكَ المَلَكَ بَيْنَ جَناحَيْهِ فَصَعِدَ بِهِ إلى السَّماءِ فَلَمّا كانَ في السَّماءِ الرّابِعَةِ فَإذا مَلَكُ المَوْتِ يَقُولُ بُعِثْتُ، وقِيلَ لِي اقْبِضْ رُوحَ إدْرِيسَ في السَّماءِ الرّابِعَةِ، وأنا أقُولُ كَيْفَ ذَلِكَ وهو في الأرْضِ، فالتَفَتَ إدْرِيسُ فَرَآهُ مَلَكُ المَوْتِ فَقَبَضَ رُوحَهُ هُناكَ. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما مَدَحَهُ بِأنْ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ؛ لِأنَّهُ جَرَتِ العادَةُ أنْ لا يُرْفَعَ إلَيْها إلّا مَن كانَ عَظِيمَ القَدْرِ والمَنزِلَةِ، ولِذَلِكَ قالَ في حَقِّ المَلائِكَةِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩] وهَهُنا آخِرُ القِصَصِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences