Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:58–65
19:58Page 309
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٖ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنۡ هَدَيۡنَا وَٱجۡتَبَيۡنَآۚ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُ ٱلرَّحۡمَٰنِ خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَبُكِيّٗا۩ ٥٨
Those were the ones upon whom Allāh bestowed favor from among the prophets of the descendants of Adam and of those We carried [in the ship] with Noah, and of the descendants of Abraham and Israel [i.e., Jacob], and of those whom We guided and chose. When the verses of the Most Merciful were recited to them, they fell in prostration and weeping.
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ومِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ومِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإسْرائِيلَ ومِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أثْنى عَلى كُلِّ واحِدٍ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ بِما يَخُصُّهُ مِنَ الثَّناءِ ثُمَّ جَمَعَهم آخِرًا فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ بِالنُّبُوَّةِ وغَيْرِها مِمّا تَقَدَّمَ وصْفُهُ، وأُولَئِكَ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ في السُّورَةِ مِن لَدُنْ زَكَرِيّا إلى إدْرِيسَ، ثُمَّ جَمَعَهم في كَوْنِهِمْ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ثُمَّ خَصَّ بَعْضَهم بِأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ مَن حُمِلَ مَعَ نُوحٍ، والَّذِي يَخْتَصُّ بِأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ دُونَ مَن حُمِلَ مَعَ نُوحٍ هو إدْرِيسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَدْ كانَ سابِقًا عَلى نُوحٍ عَلى ما ثَبَتَ في الأخْبارِ والَّذِينَ هم مِن ذُرِّيَّةِ مَن حُمِلَ مَعَ نُوحٍ هو إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّهُ مِن ولَدِ سامِ بْنِ نُوحٍ وإسْماعِيلُ وإسْحاقُ ويَعْقُوبُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، ثُمَّ خَصَّ بَعْضَهم بِأنَّهم مِن ولَدِ إسْرائِيلَ أيْ يَعْقُوبَ: وهم مُوسى وهارُونُ وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى مِن قِبَلِ الأُمِّ، فَرَتَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أحْوالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ ذَكَّرَهم عَلى هَذا التَّرْتِيبِ مُنَبِّهًا بِذَلِكَ عَلى أنَّهم كَما فُضِّلُوا بِأعْمالِهِمْ فَلَهم مَزِيدٌ في الفَضْلِ بِوِلادَتِهِمْ مِن هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم مِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا مُنَبِّهًا بِذَلِكَ عَلى أنَّهُمُ اخْتُصُّوا بِهَذِهِ المَنازِلِ لِهِدايَةِ اللَّهِ تَعالى لَهم، ولِأنَّهُ اخْتارَهم لِلرِّسالَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ تُتْلى عَلَيْهِمْ أيْ عَلى هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم مَعَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَدْ بَلَغُوا الحَدَّ الَّذِي عِنْدَ تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ يَخِرُّونَ سُجَّدًا وبُكِيًّا خُضُوعًا وخُشُوعًا وحَذَرًا وخَوْفًا، والمُرادُ بِآياتِ اللَّهِ ما خَصَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِمْ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِالآياتِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ العَذابِ المُنَزَّلِ بِالكُفّارِ وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ سائِرَ الآياتِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ الجَنَّةِ والنّارِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ أوْلى أنْ يَسْجُدُوا عِنْدَهُ ويَبْكُوا، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلى كُلِّ آيَةٍ تُتْلى مِمّا يَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ والتَّرْغِيبَ والتَّرْهِيبَ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ إذا فَكَّرَ فِيهِ المُتَفَكِّرُ صَحَّ أنْ يَسْجُدَ عِنْدَهُ وأنْ يَبْكِيَ، واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم في السُّجُودِ: إنَّهُ الصَّلاةُ وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ سُجُودُ التِّلاوَةِ عَلى حَسَبِ ما تُعُبِّدْنا بِهِ وقِيلَ: المُرادُ الخُضُوعُ والخُشُوعُ والظّاهِرُ يَقْتَضِي سُجُودًا مَخْصُوصًا عِنْدَ التِّلاوَةِ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ سُجُودَ التِّلاوَةِ لِلْقُرْآنِ، ويَحْتَمِلُ أنَّهم عِنْدَ الخَوْفِ كانُوا قَدْ تُعُبِّدُوا بِالسُّجُودِ فَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ لا لِأجْلِ ذِكْرِ السُّجُودِ في الآيَةِ، قالَ الزَّجّاجُ في بُكِيًّا: جَمْعُ باكٍ مِثْلُ شاهِدٍ وشُهُودٍ وقاعِدٍ وقُعُودٍ. . ثُمَّ قالَ: الإنْسانُ في حالِ خُرُورِهِ لا يَكُونُ ساجِدًا فالمُرادُ خَرُّوا مُقَدِّرِينَ لِلسُّجُودِ، ومَن قالَ في بُكِيًّا إنَّهُ مَصْدَرٌ فَقَدْ أخْطَأ؛ لِأنَّ سُجَّدًا جَمْعُ ساجِدٍ، وبُكِيًّا مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”«اتْلُوا القُرْآنَ وابْكُوا فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا» “ وعَنْ صالِحٍ المُرِّيِّ قالَ: قَرَأْتُ القُرْآنَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المَنامِ فَقالَ لِي: يا صالِحُ هَذِهِ القِراءَةُ فَأيْنَ البُكاءُ ؟ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - إذا قَرَأْتُمْ سَجْدَةَ سُبْحانَ فَلا تَعْجَلُوا بِالسُّجُودِ حَتّى تَبْكُوا فَإنْ لَمْ تَبْكِ عَيْنُ أحَدِكم فَلْيَبْكِ قَلْبُهُ. وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”«القُرْآنُ نَزَلَ بِحُزْنٍ فاقْرَءُوهُ بِحُزْنٍ» “ وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”«ما اغْرَوْرَقَتْ عَيْنٌ بِهِ بِماءٍ إلّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلى النّارِ جَسَدَها» “ وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”لا يَلِجُ النّارَ مَن بَكى مِن خَشْيَةِ اللَّهِ“ وقالَ العُلَماءُ: يَدْعُو في سُجُودِ التِّلاوَةِ بِما يَلِيقُ بِها فَإنْ قَرَأ آيَةَ ( تَنْزِيلُ) السَّجْدَةِ قالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ السّاجِدِينَ لِوَجْهِكَ المُسَبِّحِينَ
صفحة ٢٠١
بِحَمْدِكَ وأعُوذُ بِكَ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ عَنْ أمْرِكَ وإنْ قَرَأ سَجْدَةَ سُبْحانَ قالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الباكِينَ إلَيْكَ الخاشِعِينَ لَكَ، وإنْ قَرَأ هَذِهِ السَّجْدَةَ قالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن عِبادِكَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمُ المُهْتَدِينَ السّاجِدِينَ لَكَ الباكِينَ عِنْدَ تِلاوَةِ آياتِ كِتابِكَ.
19:59–60Page 309
۞ فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا ٥٩
But there came after them successors [i.e., later generations] who neglected prayer and pursued desires; so they are going to meet evil1 -
إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا ٦٠
Except those who repent, believe and do righteousness; for those will enter Paradise and will not be wronged at all.
قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ بِصِفاتِ المَدْحِ تَرْغِيبًا لَنا في التَّأسِّي بِطَرِيقَتِهِمْ ذَكَرَ بَعْدَهم مَن هو بِالضِّدِّ مِنهم فَقالَ: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ، وظاهِرُ الكَلامِ أنَّ المُرادَ مِن بَعْدِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ خَلْفٌ مِن أوْلادِهِمْ يُقالُ: خَلَفَهُ إذا أعْقَبَهُ ثُمَّ قِيلَ في عَقِبِ الخَيْرِ خَلَفٌ بِفَتْحِ اللّامِ وفي عَقِبِ الشَّرِّ خَلْفٌ بِالسُّكُونِ، كَما قالُوا: وعْدٌ في ضَمانِ الخَيْرِ ووَعِيدٌ في ضَمانِ الشَّرِّ وفي الحَدِيثِ: ”«فِي اللَّهِ خَلَفٌ مِن كُلِّ هالِكٍ» “ وفي الشِّعْرِ لِلَبِيدِ:
ذَهَبَ الَّذِينَ يُعاشُ في أكْنافِهِمْ وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ
ثُمَّ وصَفَهم بِإضاعَةِ الصَّلاةِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ فَإضاعَةُ الصَّلاةِ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ واتِّباعُ الشَّهَواتِ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وبُكِيًّا﴾؛ لِأنَّ بُكاءَهم يَدُلُّ عَلى خَوْفِهِمْ واتِّباعَ هَؤُلاءِ لِشَهَواتِهِمْ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الخَوْفِ لَهم وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أضاعُوا الصَّلاةَ﴾ تَرَكُوها لَكِنَّ تَرْكَها قَدْ يَكُونُ بِأنْ لا تُفْعَلَ أصْلًا، وقَدْ يَكُونُ بِأنْ لا تُفْعَلَ في وقْتِها، وإنْ كانَ الأظْهَرُ هو الأوَّلَ، وأمّا اتِّباعُ الشَّهَواتِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - هُمُ اليَهُودُ تَرَكُوا الصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ وشَرِبُوا الخَمْرَ واسْتَحَلُّوا نِكاحَ الأُخْتِ مِنَ الأبِ واحْتَجَّ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ﴾ عَلى أنَّ تارِكَ الصَّلاةِ كافِرٌ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِها في أنَّ الإيمانَ غَيْرُ العَمَلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ فَعَطَفَ العَمَلَ عَلى الإيمانِ والمَعْطُوفُ غَيْرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ: بِأنَّهُ تَعالى فَرَّقَ بَيْنَ التَّوْبَةِ والإيمانِ، والتَّوْبَةُ مِنَ الإيمانِ فَكَذَلِكَ العَمَلُ الصّالِحُ يَكُونُ مِنَ الإيمانِ وإنْ فُرِّقَ بَيْنَهُما، وهَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ عَطْفَ الإيمانِ عَلى التَّوْبَةِ يَقْتَضِي وُقُوعَ المُغايَرَةِ بَيْنَهُما؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ عَزْمٌ عَلى التَّرْكِ والإيمانَ إقْرارٌ بِاللَّهِ تَعالى وهُما مُتَغايِرانِ، فَكَذا في هَذِهِ الصُّورَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ ﴿يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ وذَكَرُوا في الغَيِّ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ كُلَّ شَرٍّ عِنْدَ العَرَبِ غَيٌّ، وكُلَّ خَيْرٍ رَشادٌ، قالَ الشّاعِرُ:
فَمَن يَلَقْ خَيْرًا يَحْمَدِ النّاسُ أمْرَهُ ∗∗∗ ومَن يَغْوِ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِما
وثانِيها: قالَ الزَّجّاجُ: ”﴿يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾“ أيْ يَلْقَوْنَ جَزاءَ الغَيِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] أيْ مُجازاةَ الآثامِ.
وثالِثُها: غَيًّا عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ.
ورابِعُها: الغَيُّ وادٍ في جَهَنَّمَ يَسْتَعِيذُ مِنهُ أوْدِيَتُها والوَجْهانِ الأوَّلانِ أقْرَبُ فَإنْ كانَ في جَهَنَّمَ مَوْضِعٌ يُسَمّى بِذَلِكَ جازَ، ولا يَخْرُجُ مِن أنْ يَكُونَ المُرادُ ما قَدَّمْنا؛ لِأنَّهُ المَعْقُولُ في اللُّغَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ هَذا الوَعِيدَ فِيمَن لَمْ يَتُبْ، وأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهُمُ الجَنَّةُ لا
صفحة ٢٠٢
يَلْحَقُهم ظُلْمٌ، وهَهُنا سُؤالانِ:
الأوَّلُ: الِاسْتِثْناءُ دَلَّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّوْبَةِ والإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن تابَ عَنْ كُفْرِهِ ولَمْ يَدْخُلْ وقْتُ الصَّلاةِ، أوْ كانَتِ المَرْأةُ حائِضًا فَإنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْها الصَّلاةُ، والزَّكاةُ أيْضًا غَيْرُ واجِبَةٍ وكَذا الصَّوْمُ، فَهَهُنا لَوْ ماتَ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ مِن أهْلِ النَّجاةِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ عَمَلٌ فَلَمْ يَجُزْ تَوَقُّفُ الأجْرِ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ، والجَوابُ: أنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ نادِرَةٌ، والمُرادُ مِنهُ الغالِبُ.
السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ هَذا إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ الثَّوابُ مُسْتَحَقًّا عَلى العَمَلِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الكُلُّ بِالتَّفَضُّلِ لاسْتَحالَ حُصُولُ الظُّلْمِ، لَكِنَّ مِن مَذْهَبِكم أنَّهُ لا اسْتِحْقاقَ لِلْعَبْدِ بِعَمَلِهِ إلّا بِالوَعْدِ. الجَوابُ: أنَّهُ لَمّا أشْبَهَهُ أُجْرِيَ عَلى حُكْمِهِ.
19:61–63Page 309
جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَأۡتِيّٗا ٦١
[Therein are] gardens of perpetual residence which the Most Merciful has promised His servants in the unseen. Indeed, His promise has ever been eminent.1
لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوًا إِلَّا سَلَٰمٗاۖ وَلَهُمۡ رِزۡقُهُمۡ فِيهَا بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ٦٢
They will not hear therein any ill speech - only [greetings of] peace - and they will have their provision therein, morning and afternoon.
تِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنۡ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّٗا ٦٣
That is Paradise, which We give as inheritance to those of Our servants who were fearing of Allāh.
قوله تعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلّا سَلامًا ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في التّائِبِ أنَّهُ يَدْخُلُ الجَنَّةَ وصَفَ الجَنَّةَ بِأُمُورٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ﴾ والعَدْنُ الإقامَةُ وصَفَها بِالدَّوامِ عَلى خِلافِ حالِ الجِنانِ في الدُّنْيا الَّتِي لا تَدُومُ، ولِذَلِكَ فَإنَّ حالَها لا يَتَغَيَّرُ في مَناظِرِها فَلَيْسَتْ كَجِنانِ الدُّنْيا الَّتِي حالُها يَخْتَلِفُ في خُضْرَةِ الوَرَقِ، وظُهُورِ النَّوْرِ، والثَّمَرِ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّها: ”وعْدُ الرَّحْمَنِ لِعِبادِهِ“ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِالغَيْبِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى وعَدَ[هم إيّا]ها وهي غائِبَةٌ عَنْهم غَيْرُ حاضِرَةٍ أوْ هم غائِبُونَ عَنْها لا يُشاهِدُونَها.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ وعْدُ الرَّحْمَنِ لِلَّذِينِ يَكُونُونَ عِبادًا بِالغَيْبِ أيِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ في السِّرِّ بِخِلافِ المُنافِقِينَ فَإنَّهم يَعْبُدُونَهُ في الظّاهِرِ، ولا يَعْبُدُونَهُ في السِّرِّ وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ. والوَجْهُ الأوَّلُ أقْوى؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الوَعْدَ مِنهُ تَعالى وإنْ كانَ بِأمْرٍ غائِبٍ فَهو كَأنَّهُ مُشاهَدٌ حاصِلٌ، لِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿مَأْتِيًّا﴾ فَقِيلَ إنَّهُ مَفْعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، والوَجْهُ أنَّ الوَعْدَ هو الجَنَّةُ وهم يَأْتُونَها، قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما وصَلَ إلَيْكَ فَقَدْ وصَلْتَ إلَيْهِ، وما أتاكَ فَقَدْ أتَيْتَهُ، والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ بَيانٌ أنَّ الوَعْدَ مِنهُ تَعالى، وإنْ كانَ بِأمْرٍ غائِبٍ فَهو كَأنَّهُ مَشاهَدٌ وحاصِلٌ والمُرادُ تَقْرِيرُ ذَلِكَ في القُلُوبِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلّا سَلامًا﴾ واللَّغْوُ مِنَ الكَلامِ ما سَبِيلُهُ أنْ يُلْغى ويُطْرَحَ وهو المُنْكَرُ مِنَ القَوْلِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] وفِيهِ تَنْبِيهٌ ظاهِرٌ عَلى وُجُوبِ تَجَنُّبِ اللَّغْوِ حَيْثُ نَزَّهَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الدّارَ الَّتِي لا تَكْلِيفَ فِيها وما أحْسَنَ قَوْلَهُ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، ﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا سَلامًا﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ فِيهِ إشْكالًا وهو أنَّ السَّلامَ لَيْسَ مِن جِنْسِ اللَّغْوِ فَكَيْفَ اسْتَثْنى السَّلامَ مِنَ اللَّغْوِ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ مَعْنى السَّلامِ هو الدُّعاءُ بِالسَّلامَةِ وأهْلُ الجَنَّةِ لا حاجَةَ بِهِمْ إلى هَذا الدُّعاءِ فَكانَ ظاهِرُهُ مِن بابِ اللَّغْوِ وفُضُولِ الحَدِيثِ لَوْلا ما فِيهِ مِن فائِدَةِ الإكْرامِ.
وثانِيها: أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ.
وثالِثُها: أنَّ يَكُونَ هَذا مِن جِنْسِ قَوْلِ الشّاعِرِ:
صفحة ٢٠٣
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ السَّلامَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن سَلامِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ أوْ مِن تَسْلِيمِ المَلائِكَةِ، أوْ مِن تَسْلِيمِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] .
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآياتِ وصْفُ الجَنَّةِ بِأحْوالٍ مُسْتَعْظَمَةٍ، ووُصُولُ الرِّزْقِ إلَيْهِمْ بُكْرَةً وعَشِيًّا لَيْسَ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَعْظَمَةِ. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُرَغِّبَ كُلَّ قَوْمٍ بِما أحَبُّوهُ في الدُّنْيا، ولِذَلِكَ ذَكَرَ أساوِرَ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ولُبْسَ الحَرِيرِ الَّتِي كانَتْ عادَةَ العَجَمِ والأرائِكَ الَّتِي هي الحِجالُ المَضْرُوبَةُ عَلى الأسِرَّةِ، وكانَتْ مِن عادَةِ أشْرافِ العَرَبِ في اليَمَنِ، ولا شَيْءَ كانَ أحَبَّ إلى العَرَبِ مِنَ الغَداءِ والعَشاءِ فَوَعَدَهم بِذَلِكَ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ دَوامُ الرِّزْقِ كَما تَقُولُ أنا عِنْدَ فُلانٍ صَباحًا ومَساءً وبُكْرَةً وعَشِيًّا تُرِيدُ الدَّوامَ ولا تَقْصِدُ الوَقْتَيْنِ المَعْلُومَيْنِ.
السُّؤالُ الثّانِي: قالَ تَعالى: ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٣] وقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«لا صَباحَ عِنْدَ رَبِّكَ ولا مَساءَ» “ والبُكْرَةُ والعَشِيُّ لا يُوجَدانِ إلّا عِنْدَ وُجُودِ الصَّباحِ والمَساءِ. والجَوابُ المُرادُ أنَّهم يَأْكُلُونَ عِنْدَ مِقْدارِ الغَداةِ والعَشِيِّ إلّا أنَّهُ لَيْسَ في الجَنَّةِ غُدْوَةٌ وعَشِيٌّ إذْ لا لَيْلَ فِيها ويَحْتَمِلُ ما قِيلَ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ لِقَدْرِ اليَوْمِ عَلامَةً يَعْرِفُونَ بِها مَقادِيرَ الغَداةِ والعَشِيِّ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ لَهم رِزْقُهم مَتى شاءُوا كَما جَرَتِ العادَةُ في الغَداةِ والعَشِيِّ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ﴾ هَذِهِ الإشارَةُ إنَّما صَحَّتْ؛ لِأنَّ الجَنَّةَ غائِبَةٌ.
وثانِيها: ذَكَرُوا في نُورِثُ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: نُورِثُ اسْتِعارَةٌ أيْ نُبْقِي عَلَيْهِ الجَنَّةَ كَما نُبْقِي عَلى الوارِثِ مالَ المُورِثِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ أنّا نَنْقُلُ تِلْكَ المَنازِلَ مِمَّنْ لَوْ أطاعَ لَكانَتْ لَهُ إلى عِبادِنا الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم فَجُعِلَ هَذا النَّقْلُ إرْثًا قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنَّ الأتْقِياءَ يَلْقَوْنَ رَبَّهم يَوْمَ القِيامَةِ وقَدِ انْقَضَتْ أعْمالُهم وثَمَراتُها باقِيَةٌ، وهي الجَنَّةُ فَإذا أدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ فَقَدْ أوْرَثَهم مِن تَقْواهم كَما يَرِثُ الوارِثُ المالَ مِنَ المُتَوَفّى.
ورابِعُها: مَعْنى مَن كانَ تَقِيًّا مَن تَمَسَّكَ بِاتِّقاءِ مَعاصِيهِ وجَعَلَهُ عادَتَهُ واتَّقى تَرْكَ الواجِباتِ، قالَ القاضِي: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الجَنَّةَ يَخْتَصُّ بِدُخُولِها مَن كانَ مُتَّقِيًا، والفاسِقُ المُرْتَكِبُ لِلْكَبائِرِ لا يُوصَفُ بِذَلِكَ. والجَوابُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُتَّقِيَ يَدْخُلُها ولَيْسَ فِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ غَيْرَ المُتَّقِي لا يَدْخُلُها، وأيْضًا فَصاحِبُ الكَبِيرَةِ مُتَّقٍ عَنِ الكُفْرِ، ومَن صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ مُتَّقٍ عَنِ الكُفْرِ فَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ مُتَّقٍ؛ لِأنَّ المُتَّقِيَ جُزْءٌ مِن مَفْهُومِ قَوْلِنا المُتَّقِي عَنِ الكُفْرِ، وإذا كانَ صاحِبُ الكَبِيرَةِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مُتَّقٍ وجَبَ أنْ يَدْخُلَ تَحْتَهُ فالآيَةُ بِأنْ تَدُلَّ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ يَدْخُلُ الجَنَّةَ أوْلى مِن أنْ تَدُلَّ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُها.
19:64–65Page 309
وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ لَهُۥ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا وَمَا خَلۡفَنَا وَمَا بَيۡنَ ذَٰلِكَۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا ٦٤
[Gabriel said],1 "And we [angels] descend not except by the order of your Lord. To Him belongs that before us and that behind us and what is in between. And never is your Lord forgetful -
رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا ٦٥
Lord of the heavens and the earth and whatever is between them - so worship Him and have patience for His worship. Do you know of any similarity to Him?"
قوله تعالى: ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذَلِكَ وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ .
صفحة ٢٠٤
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ إشْكالًا وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾ كَلامُ اللَّهِ، وقَوْلَهُ: ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ كَلامُ غَيْرِ اللَّهِ فَكَيْفَ جازَ عَطْفُ هَذا عَلى ما قَبْلَهُ مِن غَيْرِ فَصْلٍ ؟
والجَوابُ: أنَّهُ إذا كانَتِ القَرِينَةُ ظاهِرَةً لَمْ يَقْبُحْ كَما أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٤٧] هو كَلامُ اللَّهِ وقَوْلَهُ: ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ [مريم: ٣٦] كَلامُ غَيْرِ اللَّهِ وأحَدُهُما مَعْطُوفٌ عَلى الآخَرِ، واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ خِطابُ جَماعَةٍ لِواحِدٍ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ عَلى الرَّسُولِ ويَحْتَمِلُ في سَبَبِهِ ما رُوِيَ «أنَّ قُرَيْشًا بَعَثَتْ خَمْسَةَ رَهْطٍ إلى يَهُودِ المَدِينَةِ يَسْألُونَهم عَنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهَلْ يَجِدُونَهُ في كِتابِهِمْ فَسَألُوا النَّصارى فَزَعَمُوا أنَّهم لا يَعْرِفُونَهُ وقالَتِ اليَهُودُ: نَجِدُهُ في كِتابِنا وهَذا زَمانُهُ وقَدْ سَألْنا رَحْمانَ اليَمامَةِ عَنْ خِصالٍ ثَلاثٍ فَلَمْ يَعْرِفْ فاسْألُوهُ عَنْهُنَّ فَإنْ أخْبَرَكم بِخَصْلَتَيْنِ مِنهُما فاتَّبِعُوهُ، فاسْألُوهُ عَنْ فِتْيَةِ أصْحابِ الكَهْفِ وعَنْ ذِي القَرْنَيْنِ وعَنِ الرُّوحِ قالَ فَجاءُوا فَسَألُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَدْرِ كَيْفَ يُجِيبُ فَوَعَدَهم أنْ يُجِيبَهم بَعْدَ ذَلِكَ، ولَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ فاحْتَبَسَ الوَحْيُ عَنْهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا وقِيلَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَشَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ مَشَقَّةً شَدِيدَةً وقالَ المُشْرِكُونَ ودَّعَهُ رَبُّهُ وقَلاهُ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أبْطَأْتَ عَنِّي حَتّى ساءَ ظَنِّي، واشْتَقْتُ إلَيْكَ قالَ إنِّي كُنْتُ أشْوَقَ ولَكِنِّي عَبْدٌ مَأْمُورٌ إذا بُعِثْتُ نَزَلْتُ، وإذا حُبِسْتُ احْتَبَسْتُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وأنْزَلَ قَوْلَهُ: (﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ»﴾ ) [ الكَهْفِ: ٢٣ - ٢٤] وسُورَةَ الضُّحى. ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا﴾ أيْ هو المُدَبِّرُ لَنا في كُلِّ الأوْقاتِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ وما بَيْنَهُما أوِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وما بَيْنَهُما؛ فَإنَّهُ يَعْلَمُ إصْلاحَ التَّدْبِيرِ مُسْتَقْبَلًا وماضِيًا، وما بَيْنَهُما والغَرَضُ أنَّ أمْرَنا مَوْكُولٌ إلى اللَّهِ تَعالى يَتَصَرَّفُ فِينا بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ وحِكْمَتِهِ لا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ فِيهِ وقالَ أبُو مُسْلِمٍ قَوْلُهُ: ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ أهْلِ الجَنَّةِ والمُرادُ وما نَتَنَزَّلُ الجَنَّةَ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا أيْ في الجَنَّةِ مُسْتَقْبَلًا وما خَلْفَنا مِمّا كانَ في الدُّنْيا، وما بَيْنَ ذَلِكَ أيْ ما بَيْنَ الوَقْتَيْنِ، وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا لِشَيْءٍ مِمّا خَلَقَ فَيَتْرُكَ إعادَتَهُ؛ لِأنَّهُ عالِمُ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ وقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ مِنهُ تَعالى في مُخاطَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ ويَتَّصِلُ بِهِ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ بَلْ هو ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فاعْبُدْهُ﴾ قالَ القاضِي وهَذا مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ ظاهِرَ التَّنَزُّلِ نُزُولُ المَلائِكَةِ إلى الرَّسُولِ ﷺ لِقَوْلِهِ بِأمْرِ رَبِّكَ وظاهِرُ الأمْرِ بِحالِ التَّكْلِيفِ ألْيَقُ.
وثانِيها: أنَّهُ خِطابٌ مِن جَماعَةٍ لِواحِدٍ وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِمُخاطَبَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ في الجَنَّةِ.
وثالِثُها: أنَّ ما في سِياقِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِحالِ التَّكْلِيفِ ولا يُوصَفُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَكَأنَّهم قالُوا لِلرَّسُولِ وما كانَ رَبُّكَ يا مُحَمَّدُ نَسِيًّا يَجُوزُ عَلَيْهِ السَّهْوُ حَتّى يَضُرَّكَ إبْطاؤُنا بِالتَّنَزُّلِ عَلَيْكَ إلى مِثْلِ ذَلِكَ ثُمَّ هَهُنا أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ التَّنَزُّلُ عَلى مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: النُّزُولُ عَلى مَهَلٍ.
والثّانِي: بِمَعْنى النُّزُولِ عَلى الإطْلاقِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ مُطاوِعُ نَزَّلَ، ونَزَّلَ يَكُونُ بِمَعْنى أنْزَلَ وبِمَعْنى التَّدْرِيجِ، واللّائِقُ بِمِثْلِ هَذا المَوْضِعِ هو النُّزُولُ عَلى مَهَلٍ والمُرادُ أنَّ نُزُولَنا في الأحايِينِ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ لَيْسَ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى.
البَحْثُ الثّانِي: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وُجُوهًا:
أحَدُها: لَهُ ما قُدّامَنا وما خَلْفَنا مِنَ الجِهاتِ وما نَحْنُ فِيهِ فَلا نَتَمالَكُ أنْ نَنْتَقِلَ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ ومِن مَكانٍ إلى مَكانٍ إلّا بِأمْرِهِ ومَشِيئَتِهِ، فَلَيْسَ لَنا أنْ نَنْقَلِبَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ إلّا بِأمْرِهِ.
وثانِيها: لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا ما سَلَفَ مِن أمْرِ الدُّنْيا
صفحة ٢٠٥
وما خَلْفَنا ما يُسْتَقْبَلُ مِن أمْرِ الآخِرَةِ، وما بَيْنَ ذَلِكَ وما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ وهو أرْبَعُونَ سَنَةً.
وثالِثُها: ما مَضى مِن أعْمارِنا وما غَبَرَ مِن ذَلِكَ والحالُ الَّتِي نَحْنُ فِيها.
ورابِعُها: ما قَبْلَ وُجُودِنا وما بَعْدَ فَنائِنا.
وخامِسُها: الأرْضُ الَّتِي بَيْنَ أيْدِينا إذا نَزَلْنا والسَّماءُ الَّتِي وراءَنا وما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وعَلى كُلِّ التَّقْدِيراتِ فالمَقْصُودُ أنَّهُ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، ولا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فَكَيْفَ نُقْدِمُ عَلى فِعْلٍ إلّا بِأمْرِهِ وحُكْمِهِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ أيْ تارِكًا لَكَ كَقَوْلِهِ: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى: ٣] أيْ ما كانَ امْتِناعُ النُّزُولِ إلّا لِامْتِناعِ الأمْرِ بِهِ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ تَرْكِ اللَّهِ لَكَ وتَوْدِيعِهِ إيّاكَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ فالمُرادُ أنَّ مَن يَكُونُ رَبًّا لَها أجْمَعَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ النِّسْيانُ إذْ لا بُدَّ مِن أنْ يُمْسِكَها حالًا بَعْدَ حالٍ وإلّا بَطَلَ الأمْرُ فِيهِما، وفِيمَن يَتَصَرَّفُ فِيهِما، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ فِعْلَ العَبْدِ حاصِلٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، والآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ رَبٌّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَصَلَ بَيْنَهُما، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَدَلٌ مِن رَبِّكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ فَهو أمْرٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِالعِبادَةِ والمُصابَرَةِ عَلى مَشاقِّ التَّكالِيفِ في الأداءِ والإبْلاغِ، وفِيما يَخُصُّهُ مِنَ العِبادَةِ فَإنْ قِيلَ لِمَ لَمْ يَقُلْ واصْطَبِرْ عَلى عِبادَتِهِ، بَلْ قالَ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ قُلْنا: لِأنَّ العِبادَةَ جُعِلَتْ بِمَنزِلَةِ القِرْنِ في قَوْلِكَ لِلْمُحارِبِ اصْطَبِرْ لِقِرْنِكَ أيِ اثْبُتْ لَهُ فِيما يُورِدُ عَلَيْكَ مِن شَدّاتِهِ. ”والمَعْنى“ أنَّ العِبادَةَ تُورِدُ عَلَيْكَ شَدائِدَ ومَشاقَّ فاثْبُتْ لَها، ولا تَهِنْ ولا يَضِقْ صَدْرُكَ مِن إلْقاءِ أهْلِ الكِتابِ إلَيْكَ الأغالِيطَ عَنِ احْتِباسِ الوَحْيِ عَنْكَ مُدَّةً، وشَماتَةِ المُشْرِكِينَ بِكَ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ فالظّاهِرُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ عِلَّةَ الأمْرِ بِالعِبادَةِ والأمْرِ بِالمُصابَرَةِ عَلَيْها أنَّهُ لا سَمِيَّ لَهُ، والأقْرَبُ هو كَوْنُهُ مُنْعِمًا بِأُصُولِ النِّعَمِ وفُرُوعِها وهي خَلْقُ الأجْسامِ والحَياةِ والعَقْلِ وغَيْرِها، فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ أحَدٌ سِواهُ سُبْحانَهُ، فَإذا كانَ هو قَدْ أنْعَمَ عَلَيْكَ بِغايَةِ الإنْعامِ وجَبَ أنْ تُعَظِّمَهُ بِغايَةِ التَّعْظِيمِ وهي العِبادَةُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ في اسْمِهِ وبَيَّنُوا ذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهم وإنْ كانُوا يُطْلِقُونَ لَفْظَ الإلَهِ عَلى الوَثَنِ فَما أطْلَقُوا لَفْظَ اللَّهِ عَلى شَيْءٍ سِواهُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - لا يُسَمّى بِالرَّحْمَنِ غَيْرُهُ.
الثّانِي: هَلْ تَعْلَمُ مَن سُمِّيَ بِاسْمِهِ عَلى الحَقِّ دُونَ الباطِلِ ؟ لِأنَّ التَّسْمِيَةَ عَلى الباطِلِ في كَوْنِها غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِها كَلا تَسْمِيَةٍ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَّوابُ واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences