Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:75–87
19:75–76Page 310
قُلۡ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَٰلَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَدًّاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوۡاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلۡعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعۡلَمُونَ مَنۡ هُوَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضۡعَفُ جُندٗا ٧٥
Say, "Whoever is in error - let the Most Merciful extend for him an extension [in wealth and time] until, when they see that which they were promised - either punishment [in this world] or the Hour [of resurrection] - they will come to know who is worst in position and weaker in soldiers."
وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ هُدٗىۗ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٞ مَّرَدًّا ٧٦
And Allāh increases those who were guided, in guidance, and the enduring good deeds are better to your Lord1 for reward and better for recourse.
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ إمّا العَذابَ وإمّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا﴾ ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابُ الثّانِي عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، وتَقْرِيرُهُ لِنَفْرِضْ أنَّ هَذا الضّالَّ المُتَنَعِّمَ في الدُّنْيا قَدْ مَدَّ اللَّهُ في أجَلِهِ وأمْهَلَهُ مُدَّةً مَدِيدَةً حَتّى يَنْضَمَّ إلى النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ المُدَّةُ الطَّوِيلَةُ، فَلا بُدَّ وأنْ يَنْتَهِيَ إلى عَذابٍ في الدُّنْيا أوْ عَذابٍ في الآخِرَةِ بَعْدَ ذَلِكَ سَيَعْلَمُونَ أنَّ نِعَمَ الدُّنْيا ما تُنْقِذُهم مِن ذَلِكَ العَذابِ فَقَوْلُهُ: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا﴾ مَذْكُورٌ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿خَيْرٌ مَقامًا﴾ [مريم: ٧٣] ﴿وأضْعَفُ جُنْدًا﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣] فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم وإنْ ظَنُّوا في الحالِ أنَّ مَنزِلَتَهم أفْضَلُ مِن حَيْثُ فَضَّلَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالمَقامِ والنَّدِيِّ؛ فَسَيَعْلَمُونَ مِن بَعْدُ أنَّ الأمْرَ بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ، وأنَّهم شَرٌّ مَكانًا فَإنَّهُ لا مَكانَ شَرٌّ مِنَ النّارِ والمُناقَشَةِ في الحِسابِ. ﴿وأضْعَفُ جُنْدًا﴾ فَقَدْ كانُوا يَظُنُّونَ وهم في الدُّنْيا أنَّ اجْتِماعَهم يَنْفَعُ فَإذا رَأوْا أنْ لا ناصِرَ لَهم في الآخِرَةِ عَرَفُوا عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا مُبْطِلِينَ فِيما ادَّعَوْهُ. بَقِيَ البَحْثُ عَنِ الألْفاظِ وهو مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: مَدَّ لَهُ الرَّحْمَنُ أيْ أمْهَلَهُ وأمْلى لَهُ في العُمْرِ فَأُخْرِجَ عَلى لَفْظِ الأمْرِ إيذانًا بِوُجُوبِ ذَلِكَ وأنَّهُ مَفْعُولٌ لا مَحالَةَ كالمَأْمُورِ المُمْتَثِلِ لِيَقْطَعَ مَعاذِيرَ الضّالِّ، ويُقالُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧] وكَقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آلِ عِمْرانَ ] .
صفحة ٢١٢
وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إمّا العَذابَ وإمّا السّاعَةَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَذابِ عَذابٌ يَحْصُلُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإمّا السّاعَةَ﴾ المُرادُ مِنهُ يَوْمُ القِيامَةِ ثُمَّ العَذابُ الَّذِي يَحْصُلُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هو عَذابَ القَبْرِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هو العَذابَ الَّذِي سَيَكُونُ عِنْدَ المُعايَنَةِ؛ لِأنَّهم عِنْدَ ذَلِكَ يَعْلَمُونَ ما يَسْتَحِقُّونَ، ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ تَغَيُّرَ أحْوالِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ العِزِّ إلى الذُّلِّ، ومِنَ الغِنى إلى الفَقْرِ، ومِنَ الصِّحَّةِ إلى المَرَضِ، ومِنَ الأمْنِ إلى الخَوْفِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَسْلِيطَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ ما نالَهم يَوْمَبَدْرٍ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ مَذْكُورَةٌ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ كَما يُعامِلُ الكُفّارَ بِما ذَكَرَهُ فَكَذَلِكَ يَزِيدُ المُؤْمِنِينَ المُهْتَدِينَ هُدًى، واعْلَمْ أنّا نُبَيِّنُ إمْكانَ ذَلِكَ بِحَسَبِ العَقْلِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ أنْواعِ الِاهْتِداءِ مَشْرُوطًا بِالبَعْضِ فَإنَّ حاصِلَ الِاهْتِداءِ يَرْجِعُ إلى العِلْمِ ولا امْتِناعَ في كَوْنِ بَعْضِ العِلْمِ مَشْرُوطًا بِالبَعْضِ، فَمَنِ اهْتَدى بِالهِدايَةِ الَّتِي هي الشَّرْطُ صارَ بِحَيْثُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يُعْطى الهِدايَةَ الَّتِي هي المَشْرُوطُ، فَصَحَّ قَوْلُهُ: ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ مِثالُهُ الإيمانُ هُدًى والإخْلاصُ في الإيمانِ زِيادَةُ هُدًى ولا يُمْكِنُ تَحْصِيلُ الإخْلاصِ إلّا بَعْدَ تَحْصِيلِ الإيمانِ فَمَنِ اهْتَدى بِالإيمانِ زادَهُ اللَّهُ الهِدايَةَ بِالإخْلاصِ، هَذا إذا أجْرَيْنا لَفْظَ الهِدايَةِ عَلى ظاهِرِهِ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الزِّيادَةَ في الهُدى عَلى الثَّوابِ أيْ ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا ثَوابًا عَلى ذَلِكَ الِاهْتِداءِ ومِنهم مَن فَسَّرَ هَذِهِ الزِّيادَةَ بِالعِباداتِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى الإيمانِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يَزِيدُ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ فَلْيَمْدُدْ؛ لِأنَّهُ واقِعٌ مَوْقِعَ الخَبَرِ وتَقْدِيرُهُ مَن كانَ في الضَّلالَةِ يَمُدُّ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا ويَزِيدُ أيْ يَزِيدُ في ضَلالِ الضُّلّالِ بِخِذْلانِهِ بِذَلِكَ المَدِّ، ويَزِيدُ المُهْتَدِينَ هِدايَةً بِتَوْفِيقِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ ما عَلَيْهِ المُهْتَدُونَ هو الَّذِي يَنْفَعُ في العاقِبَةِ فَقالَ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾ وذَلِكَ؛ لِأنَّ ما عَلَيْهِ المُهْتَدُونَ ضَرَرٌ قَلِيلٌ مُتَناهٍ يَعْقُبُهُ نَفْعٌ عَظِيمٌ غَيْرُ مُتَناهٍ، والَّذِي عَلَيْهِ الضّالُّونَ نَفْعٌ قَلِيلٌ مُتَناهٍ يَعْقُبُهُ ضَرَرٌ عَظِيمٌ غَيْرُ مُتَناهٍ، وكُلُّ أحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الأوَّلَ أوْلى، وبِهَذا الطَّرِيقِ تَسْقُطُ الشُّبْهَةُ الَّتِي عَوَّلُوا عَلَيْها، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالباقِياتِ الصّالِحاتِ فَقالَ المُحَقِّقُونَ إنَّها الإيمانُ والأعْمالُ الصّالِحَةُ سَمّاها باقِيَةً؛ لِأنَّ نَفْعَها يَدُومُ ولا يَبْطُلُ ومِنهم مَن قالَ المُرادُ بِها بَعْضُ العِباداتِ، ولَعَلَّهم ذَكَرُوا ما هو أعْظَمُ ثَوابًا فَبَعْضُهم ذَكَرَ الصَّلَواتِ وبَعْضُهم ذَكَرَ التَّسْبِيحَ ورُوِيَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: ”«جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ وأخَذَ عُودًا يابِسًا فَأزالَ الوَرَقَ عَنْهُ ثُمَّ قالَ: إنَّ قَوْلَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ وسُبْحانَ اللَّهِ يَحُطُّ الخَطايا حَطًّا كَما يَحُطُّ ورَقَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الرِّيحُ. . خُذْهُنَّ يا أبا الدَّرْداءِ قَبْلَ أنْ يُحالَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُنَّ، هُنَّ الباقِياتُ الصّالِحاتُ وهُنَّ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ“، وكانَ أبُو الدَّرْداءِ يَقُولُ: لَأُعَلِّمَنَّ ذَلِكَ ولَأُكْثِرَنَّ مِنهُ حَتّى إذا رَآنِي جاهِلٌ حَسِبَ أنِّي مَجْنُونٌ» . والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما وصَفَها بِالباقِياتِ الصّالِحاتِ مِن حَيْثُ يَدُومُ ثَوابُها ولا يَنْقَطِعُ فَبَعْضُ العِباداتِ وإنْ كانَ أنْقَصَ ثَوابًا مِنَ البَعْضِ فَهي مُشْتَرِكَةٌ في الدَّوامِ فَهي بِأسْرِها باقِيَةٌ صالِحَةٌ نَظَرًا إلى آثارِها الَّتِي هي الثَّوابُ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّها: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: هَذا خَيْرٌ إلّا والمُرادُ أنَّهُ خَيْرٌ مِن غَيْرِهِ، فالمُرادُ إذَنْ أنَّها خَيْرٌ مِمّا ظَنَّهُ الكُفّارُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣] .
19:77–80Page 311
أَفَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالٗا وَوَلَدًا ٧٧
Then, have you seen he who disbelieved in Our verses and said, "I will surely be given wealth and children [in the next life]"?
أَطَّلَعَ ٱلۡغَيۡبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا ٧٨
Has he looked into the unseen, or has he taken from the Most Merciful a promise?
كـَلَّاۚ سَنَكۡتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلۡعَذَابِ مَدّٗا ٧٩
No! We will record what he says and extend [i.e., increase] for him from the punishment extensively.
وَنَرِثُهُۥ مَا يَقُولُ وَيَأۡتِينَا فَرۡدٗا ٨٠
And We will inherit him [in] what he mentions,1 and he will come to Us alone.
صفحة ٢١٣
﴿كَلّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ ﴿كَلّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ أوَّلًا عَلى صِحَّةِ البَعْثِ ثُمَّ أوْرَدَ شُبْهَةَ المُنْكِرِينَ، وأجابَ عَنْها أوْرَدَ عَنْهُمُ الآنَ ما ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ طَعْنًا في القَوْلِ بِالحَشْرِ فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وُلْدًا وهو جَمْعُ ولَدٍ كَأُسْدٍ في أسَدٍ أوْ بِمَعْنى الوَلَدِ كالعُرْبِ في العَرَبِ، وعَنْ يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ وِلْدًا بِالكَسْرِ، وعَنِ الحَسَنِ نَزَلَتِ الآيَةُ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ والمَشْهُورُ أنَّها في العاصِ بْنِ وائِلٍ، قالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: كانَ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ فاقْتَضَيْتُهُ فَقالَ: لا واللَّهِ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ قُلْتُ: لا واللَّهِ لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ لا حَيًّا ولا مَيِّتًا ولا حِينَ تُبْعَثُ فَقالَ: فَإنِّي إذا مِتُّ بُعِثْتُ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: إنِّي إذا بُعِثْتُ وجِئْتَنِي فَسَيَكُونُ لِي ثَمَّ مالٌ ووَلَدٌ فَأُعْطِيكَ، وقِيلَ: صاغَ خَبّابٌ لَهُ حُلِيًّا فاقْتَضاهُ فَطَلَبَ الأُجْرَةَ فَقالَ: إنَّكم تَزْعُمُونَ أنَّكم تُبْعَثُونَ، وأنَّ في الجَنَّةِ ذَهَبًا وفِضَّةً وحَرِيرًا فَأنا أقْضِيكَ ثَمَّ، فَإنِّي أُوتى مالًا ووَلَدًا حِينَئِذٍ، ثُمَّ أجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ كَلامِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أطَّلَعَ الغَيْبَ مِن قَوْلِهِمْ أطَّلَعَ الجَبَلَ أيِ ارْتَقى إلى أعْلاهُ، ويُقالُ مَرَّ مُطَّلِعًا لِذَلِكَ الأمْرِ أيْ غالِبًا لَهُ مالِكًا لَهُ، والِاخْتِيارُ في هَذِهِ الكَلِمَةِ أنْ تَقُولَ: أوَقَدْ بَلَغَ مِن عِظَمِ شَأْنِهِ أنَّهُ ارْتَقى إلى عِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي تَوَحَّدَ بِهِ الواحِدُ القَهّارُ، والمَعْنى أنَّ الَّذِي ادَّعى أنَّهُ يَكُونُ حاصِلًا لَهُ لا يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلّا بِأحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، إمّا عِلْمِ الغَيْبِ وإمّا عَهْدٍ مِن عالِمِ الغَيْبِ فَبِأيِّهِما تَوَصَّلَ إلَيْهِ ؟ وقِيلَ في العَهْدِ: كَلِمَةُ الشَّهادَةِ عَنْ قَتادَةَ هَلْ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ قَدَّمَهُ فَهو يَرْجُو بِذَلِكَ ما يَقُولُ ؟ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ مِن حالِهِ ضِدَّ ما ادَّعاهُ، فَقالَ: ﴿كَلّا﴾ وهي كَلِمَةُ رَدْعٍ وتَنْبِيهٍ عَلى الخَطَأِ أيْ هو مُخْطِئٌ فِيما يَقُولُهُ ويَتَمَنّاهُ فَإنْ قِيلَ لِمَ قالَ: ﴿سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ بِسِينِ التَّسْوِيفِ وهو كَما قالَهُ كُتِبَ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ قالَ تَعالى: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] قُلْنا فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: سَيَظْهَرُ لَهُ ويَعْلَمُ أنّا كَتَبْنا.
الثّانِي: أنَّ المُتَوَعِّدَ يَقُولُ لِلْجانِي سَوْفَ أنْتَقِمُ مِنكَ، وإنْ كانَ في الحالِ في الِانْتِقامِ ويَكُونُ غَرَضُهُ مِن هَذا الكَلامِ مَحْضَ التَّهْدِيدِ فَكَذا هَهُنا، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ أيْ نُطَوِّلُ لَهُ مِنَ العَذابِ ما يَسْتَأْهِلُهُ ونَزِيدُهُ مِنَ العَذابِ ونُضاعِفُ لَهُ مِنَ المَدَدِ ويُقالُ مَدَّهُ وأمَدَّهُ بِمَعْنًى ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ونُمِدُّ لَهُ بِالضَّمِّ، أمّا قَوْلُهُ ونَرِثُهُ ما يَقُولُ أيْ يَزُولُ عَنْهُ ما وعَدَهُ مِن مالٍ ووَلَدٍ فَلا يَعُودُ، كَما لا يَعُودُ الإرْثُ إلى مَن خَلَّفَهُ وإذا سُلِبَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ يَبْقى فَرْدًا فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ فَلا يَصِحُّ أنْ يَنْفَرِدَ في الآخِرَةِ بِمالٍ ووَلَدٍ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] واللَّهُ أعْلَمُ.
19:81–87Page 311
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لِّيَكُونُواْ لَهُمۡ عِزّٗا ٨١
And they have taken besides Allāh [false] deities that they would be for them [a source of] honor.
كـَلَّاۚ سَيَكۡفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمۡ وَيَكُونُونَ عَلَيۡهِمۡ ضِدًّا ٨٢
No! They [i.e., those "gods"] will deny their worship of them and will be against them opponents [on the Day of Judgement].
أَلَمۡ تَرَ أَنَّآ أَرۡسَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمۡ أَزّٗا ٨٣
Do you not see that We have sent the devils upon the disbelievers, inciting them [to evil] with [constant] incitement?
فَلَا تَعۡجَلۡ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمۡ عَدّٗا ٨٤
So be not impatient over them. We only count out [i.e., allow] to them a [limited] number.1
يَوۡمَ نَحۡشُرُ ٱلۡمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ وَفۡدٗا ٨٥
On the Day We will gather the righteous to the Most Merciful as a delegation
وَنَسُوقُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرۡدٗا ٨٦
And will drive the criminals to Hell in thirst
لَّا يَمۡلِكُونَ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا ٨٧
None will have [power of] intercession except he who had taken from the Most Merciful a covenant.1
صفحة ٢١٤
.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ في مَسْألَةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، تَكَلَّمَ الآنَ في الرَّدِّ عَلى عُبّادِ الأصْنامِ فَحَكى عَنْهم أنَّهم إنَّما اتَّخَذُوا آلِهَةً لِأنْفُسِهِمْ لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا، حَيْثُ يَكُونُونَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ شُفَعاءَ وأنْصارًا، يُنْقِذُونَهم مِنَ الهَلاكِ. ثُمَّ أجابَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ لَهم وإنْكارٌ لِتَعَزُّزِهِمْ بِالآلِهَةِ، وقَرَأ ابْنُ نَهِيكٍ: ”كُلًّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ“ أيْ كُلُّهم سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَةِ هَذِهِ الأوْثانِ، وفي ”مُحْتَسَبِ“ ابْنِ جِنِّي كَلًّا بِفَتْحِ الكافِ والتَّنْوِينِ، وزَعَمَ أنَّ مَعْناهُ كُلُّ هَذا الِاعْتِقادِ والرَّأْيِ كَلًّا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ فَهي كَلّا الَّتِي هي لِلرَّدْعِ قَلَبَ الواقِفُ عَلَيْها ألِفَها نُونًا كَما في قَوارِيرًا، واخْتَلَفُوا في أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾ يَعُودُ إلى المَعْبُودِ أوْ إلى العابِدِ فَمِنهم مَن قالَ إنَّهُ يَعُودُ إلى المَعْبُودِ، ثُمَّ قالَ بَعْضُهم: أرادَ بِذَلِكَ المَلائِكَةَ؛ لِأنَّهم في الآخِرَةِ يَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَتَبَرَّءُونَ مِنهم ويُخاصِمُونَهم وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠] وقالَ آخَرُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْيِي الأصْنامَ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى يُوَبِّخُوا عُبّادَهم ويَتَبَرَّءُوا مِنهم فَيَكُونُ ذَلِكَ أعْظَمَ لِحَسْرَتِهِمْ ومِنَ النّاسِ مَن قالَ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى العُبّادِ أيْ أنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ القِيامَةِ يُنْكِرُونَ أنَّهم عَبَدُوا الأصْنامَ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ فَذَكَرَ ذَلِكَ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿لَهم عِزًّا﴾ والمُرادُ ضِدُّ العِزِّ وهو الذُّلُّ والهَوانُ أيْ يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا لَمّا قَصَدُوهُ وأرادُوهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ذُلًّا لَهم لا عِزًّا أوْ يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ عَوْنًا والضِّدُّ العَوْنُ، يُقالُ مِن أضْدادِكم أيْ مِن أعْوانِكم، وكَأنَّ العَوْنَ يُسَمّى ضِدًّا لِأنَّهُ يُضادُّ عَدُوَّكَ ويُنافِيهِ بِإعانَتِهِ لَكَ عَلَيْهِ، فَإنْ قِيلَ: ولِمَ وحَّدَ ؟ قُلْنا: وحَّدَ تَوْحِيدَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«وهم يَدٌ عَلى مَن سِواهم» “ لِاتِّفاقِ كَلِمَتِهِمْ فَإنَّهم كَشَيْءٍ واحِدٍ لِفَرْطِ انْتِظامِهِمْ وتَوافُقِهِمْ، ومَعْنى كَوَنِ الآلِهَةِ عَوْنًا عَلَيْهِمْ أنَّهم وقُودُ النّارِ وحَصَبُ جَهَنَّمَ ولِأنَّهم عُذِّبُوا بِسَبَبِ عِبادَتِها، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ مَعَ الأصْنامِ في الآخِرَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ حالَهم مَعَ الشَّياطِينِ في الدُّنْيا فَإنَّهم يَسْألُونَهم ويَنْقادُونَ لَهم فَقالَ: ﴿أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ الأصْحابُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مُرِيدٌ لِجَمِيعِ الكائِناتِ فَقالُوا: قَوْلُ القائِلِ: أرْسَلْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِإفادَةِ أنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ؛ لِإرادَةِ أنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ. قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «سَمِّ اللَّهَ وأرْسِلْ كَلْبَكَ عَلَيْهِ» . إذا ثَبَتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ﴾ يُفِيدُ أنَّهُ تَعالى سَلَّطَهم عَلَيْهِمْ لِإرادَةِ أنْ يَسْتَوْلُوا عَلَيْهِمْ وذَلِكَ يُفِيدُ المَقْصُودَ ثُمَّ يَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ فَإنَّ مَعْناهُ إنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ لِتَؤُزَّهم أزًّا ويَتَأكَّدُ بِقَوْلِهِ: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] قالَ القاضِي: حَقِيقَةُ اللَّفْظِ تُوجِبُ أنَّهُ تَعالى أرْسَلَ الشَّياطِينَ إلى الكُفّارِ كَما أرْسَلَ الأنْبِياءَ بِأنْ حَمَّلَهم رِسالَةً يُؤَدُّونَها إلَيْهِمْ
صفحة ٢١٥
فَلا يَجُوزُ في تِلْكَ الرِّسالَةِ إلّا ما أرْسَلَ عَلَيْهِ الشَّياطِينَ مِنَ الإغْواءِ فَكانَ يَجِبُ في الكُفّارِ أنْ يَكُونُوا بِقَبُولِهِمْ مِنَ الشَّياطِينِ مُطِيعِينَ وذَلِكَ كُفْرٌ مِن قائِلِهِ، ولِأنَّ مِنَ العَجَبِ تَعَلُّقَ المُجَبِّرَةِ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ عِنْدَهم أنَّ ضَلالَ الكُفّارِ مِن قِبَلِهِ تَعالى بِأنْ خَلَقَ فِيهِمُ الكُفْرَ وقَدَّرَ الكُفْرَ، فَلا تَأْثِيرَ لِما يَكُونُ مِنَ الشَّيْطانِ، وإذا بَطَلَ حَمْلُ اللَّفْظِ في ظاهِرِهِ فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ فَنَحْمِلُهُ عَلى أنَّهُ تَعالى خَلّى بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ الكُفّارِ، وما مَنَعَهم مِن إغْوائِهِمْ وهَذِهِ التَّخْلِيَةُ تُسَمّى إرْسالًا في سِعَةِ اللُّغَةِ. كَما إذا لَمْ يَمْنَعِ الرَّجُلُ كَلْبَهُ مِن دُخُولِ بَيْتِ جِيرانِهِ يُقالُ: أرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يَرُدَّ أذى النّاسِ، وهَذِهِ التَّخْلِيَةُ وإنْ كانَ فِيها تَشْدِيدٌ لِلْمِحْنَةِ عَلَيْهِمْ فَهم مُتَمَكِّنُونَ مِن أنْ لا يَقْبَلُوا مِنهم، ويَكُونُ ثَوابُهم عَلى تَرْكِ القَبُولِ أعْظَمَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] هَذا تَمامُ كَلامِهِ، ونَقُولُ لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ فَإنَّ قَوْلَهُ: ”[أرْسَلْنا] الشَّياطِينَ“ لَوْ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ إلى الكُفّارِ لَكانَ الكُفّارُ مُطِيعِينَ لَهُ بِقَبُولِ قَوْلِ الشَّياطِينِ، قُلْنا اللَّهُ تَعالى ما أرْسَلَ الشَّياطِينَ إلى الكُفّارِ بَلْ أرْسَلَها عَلَيْهِمْ، والإرْسالُ عَلَيْهِمْ: هو التَّسْلِيطُ لِإرادَةِ أنْ يَصِيرَ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ، فَأيْنَ هَذا مِنَ الإرْسالِ إلَيْهِمْ، قَوْلُهُ: ضَلالُ الكافِرِ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى فَأيُّ تَأْثِيرٍ لِلشَّيْطانِ فِيهِ ؟ قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ إسْماعَ الشَّيْطانِ إيّاهُ تِلْكَ الوَسْوَسَةَ يُوجِبُ في قَلْبِهِ ذَلِكَ الضَّلالَ بِشَرْطِ سَلامَةِ فَهْمِ السّامِعِ؛ لِأنَّ كَلامَ الشَّيْطانِ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ ذَلِكَ الضَّلالُ الحاصِلُ في قَلْبِ الكافِرِ مُنْتَسِبًا إلى الشَّيْطانِ، وإلى اللَّهِ تَعالى مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ.
قَوْلُهُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإرْسالِ التَّخْلِيَةَ قُلْنا: كَما خَلّى بَيْنَ الشَّيْطانِ والكَفَرَةِ فَقَدْ خَلّى بَيْنَهم وبَيْنَ الأنْبِياءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَصَّ الكافِرَ بِأنَّهُ أرْسَلَ الشَّيْطانَ عَلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن فائِدَةٍ زائِدَةٍ هَهُنا ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ أيْ تُحَرِّكُهم تَحْرِيكًا شَدِيدًا، كالغَرَضِ مِن ذَلِكَ الإرْسالِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الأزُّ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى، ويَحْصُلُ المَقْصُودُ مِنهُ فَهَذا ما في هَذا المَوْضِعِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ”﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾“ أيْ تُزْعِجُهم في المَعاصِي إزْعاجًا نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ بِالقُرْآنِ وهم خَمْسَةُ رَهْطٍ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الأزُّ والهَزُّ والِاسْتِفْزازُ أخَواتٌ في مَعْنى التَّهْيِيجِ وشِدَّةِ الإزْعاجِ أيْ تُغْرِيهِمْ عَلى المَعاصِي وتَحُثُّهم وتُهَيِّجُهم لَها بِالوَساوِسِ والتَّسْوِيلاتِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ يُقالُ: عَجِلْتُ عَلَيْهِ بِكَذا إذا اسْتَعْجَلْتَهُ بِهِ أيْ لا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَهْلِكُوا أوْ يَبِيدُوا حَتّى تَسْتَرِيحَ أنْتَ والمُسْلِمُونَ مِن شُرُورِهِمْ فَلَيْسَ بَيْنَكَ وبَيْنَ ما تَطْلُبُ مِن هَلاكِهِمْ إلّا أيّامٌ مَحْصُورَةٌ وأنْفاسٌ مَعْدُودَةٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥] عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها بَكى وقالَ: آخِرُ العَدَدِ خُرُوجُ نَفْسِكَ، آخِرُ العَدَدِ دُخُولُ قَبْرِكَ، آخِرُ العَدَدِ فِراقُ أهْلِكَ. وعَنِ ابْنِ السَّمّاكِ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ كانَ عِنْدَ المَأْمُونِ فَقَرَأها فَقالَ: إذا كانَتِ الأنْفاسُ بِالعَدَدِ ولَمْ يَكُنْ لَها مَدَدٌ فَما أسْرَعَ ما تَنْفَدُ. وذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ:
الأوَّلُ: نَعُدُّ أنْفاسَهم وأعْمالَهم فَنُجازِيهِمْ عَلى قَلِيلِها وكَثِيرِها.
والثّانِي: نَعُدُّ الأوْقاتَ إلى وقْتِ الأجَلِ المُعَيَّنِ لِكُلِّ أحَدٍ الَّذِي لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما سَيَظْهَرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ المُتَّقِينَ وبَيْنَ المُجْرِمِينَ في كَيْفِيَّةِ الحَشْرِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: نُصِبَ (يَوْمَ) بِمُضْمَرٍ أيْ يَوْمَ نَحْشُرُ ونَسُوقُ نَفْعَلُ بِالفَرِيقَيْنِ ما لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ أوِ اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِلا يَمْلِكُونَ عَنْ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ المُتَّقِينَ إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمُ اسْتُقْبِلُوا بِنُوقٍ بِيضٍ لَها أجْنِحَةٌ عَلَيْها رِحالُ الذَّهَبِ» “ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ. وفِيها مَسائِلُ:
صفحة ٢١٦
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القاضِي هَذِهِ الآيَةُ أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ أهْوالَ يَوْمِ القِيامَةِ تَخْتَصُّ بِالمُجْرِمِينَ؛ لِأنَّ المُتَّقِينَ مِنَ الِابْتِداءِ يُحْشَرُونَ عَلى هَذا النَّوْعِ مِنَ الكَرامَةِ فَهم آمِنُونَ مِنَ الخَوْفِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ تَنالَهُمُ الأهْوالُ ؟
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُشَبِّهَةُ احْتَجُّوا بِالآيَةِ وقالُوا قَوْلُهُ: ﴿إلى الرَّحْمَنِ﴾ يُفِيدُ أنَّ انْتِهاءَ حَرَكَتِهِمْ يَكُونُ عِنْدَ الرَّحْمَنِ، وأهْلُ التَّوْحِيدِ يَقُولُونَ المَعْنى يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى مَحَلِّ كَرامَةِ الرَّحْمَنِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: طَعَنَ المُلْحِدُ فِيهِ فَقالَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ هَذا إنَّما يَسْتَقِيمُ أنْ لَوْ كانَ الحاشِرُ غَيْرَ الرَّحْمَنِ أمّا إذا كانَ الحاشِرُ هو الرَّحْمَنُ فَهَذا الكَلامُ لا يَنْتَظِمُ، أجابَ المُسْلِمُونَ بِأنَّ التَّقْدِيرَ يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى كَرامَةِ الرَّحْمَنِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ وِرْدًا فَقَوْلُهُ: ﴿نَسُوقُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم يُساقُونَ إلى النّارِ بِإهانَةٍ واسْتِخْفافٍ كَأنَّهم نَعَمٌ عِطاشٌ تُساقُ إلى الماءِ، والوِرْدُ اسْمٌ لِلْعِطاشِ؛ لِأنَّ مَن يَرِدُ الماءَ لا يَرِدُهُ إلّا لِلْعَطَشِ. وحَقِيقَةُ الوُرُودِ السَّيْرُ إلى الماءِ فَسُمِّيَ بِهِ الوارِدُونَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ﴾ أيْ فَلَيْسَ لَهم، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ شَفاعَتُهم لِغَيْرِهِمْ أوْ شَفاعَةُ غَيْرِهِمْ لَهم فَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا، وقالَ بَعْضُهم: لا يَمْلِكُونَ أنْ يَشْفَعُوا لِغَيْرِهِمْ كَما يَمْلِكُ المُؤْمِنُونَ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ لا يَمْلِكُ غَيْرُهم أنْ يَشْفَعُوا لَهم وهَذا الثّانِي أوْلى؛ لِأنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى الأوَّلِ يَجْرِي مَجْرى إيضاحِ الواضِحاتِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى حُصُولِ الشَّفاعَةِ لِأهْلِ الكَبائِرِ؛ لِأنَّهُ قالَ عَقِيبَهُ: ﴿إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ والتَّقْدِيرُ أنَّ هَؤُلاءِ لا يَسْتَحِقُّونَ أنْ يَشْفَعَ لَهم غَيْرُهم إلّا إذا كانُوا قَدِ اتَّخَذُوا عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ داخِلًا تَحْتَهُ، ومِمّا يُؤَكِّدُ قَوْلَنا: ما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لِأصْحابِهِ ذاتَ يَوْمٍ: ”أيِعْجِزُ أحَدُكم أنْ يَتَّخِذَ كُلَّ صَباحٍ ومَساءٍ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا ؟ قالُوا وكَيْفَ ذَلِكَ ؟ قالَ: يَقُولُ كُلَّ صَباحٍ ومَساءٍ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ إنِّي أعْهَدُ إلَيْكَ بِأنِّي أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ وحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ ورَسُولُكَ فَإنَّكَ إنْ تَكِلْنِي إلى نَفْسِي تُقَرِّبْنِي مِنَ الشَّرِّ وتُبْعِدْنِي مِنَ الخَيْرِ وإنِّي لا أثِقُ إلّا بِرَحْمَتِكَ فاجْعَلْ لِي عَهْدًا تُوَفِّينِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ. فَإذا قالَ ذَلِكَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِطابَعٍ ووُضِعَ تَحْتَ العَرْشِ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ أيْنَ الَّذِينَ لَهم عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدٌ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ“، فَظَهَرَ بِهَذا الحَدِيثِ أنَّ المُرادَ مِنَ العَهْدِ كَلِمَةُ الشَّهادَةِ وظَهَرَ وجْهُ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى أنَّ الشَّفاعَةَ لِأهْلِ الكَبائِرِ وقالَ القاضِي: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى مَذْهَبِهِ، وقَدْ ظَهَرَ أنَّ الآيَةَ قَوِيَّةٌ في الدَّلالَةِ عَلى قَوْلِنا واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences