Ar-RaziMaryam · 19:88–98

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:88–98

19:88–95Page 311

وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗا ٨٨

And they say, "The Most Merciful has taken [for Himself] a son."

لَّقَدۡ جِئۡتُمۡ شَيۡـًٔا إِدّٗا ٨٩

You have done an atrocious thing.

تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِنۡهُ وَتَنشَقُّ ٱلۡأَرۡضُ وَتَخِرُّ ٱلۡجِبَالُ هَدًّا ٩٠

The heavens almost rupture therefrom and the earth splits open and the mountains collapse in devastation

أَن دَعَوۡاْ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٗا ٩١

That they attribute to the Most Merciful a son.

وَمَا يَنۢبَغِي لِلرَّحۡمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ٩٢

And it is not appropriate for the Most Merciful that He should take a son.

إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّآ ءَاتِي ٱلرَّحۡمَٰنِ عَبۡدٗا ٩٣

There is no one in the heavens and earth but that he comes to the Most Merciful as a servant.

لَّقَدۡ أَحۡصَىٰهُمۡ وَعَدَّهُمۡ عَدّٗا ٩٤

He has enumerated them and counted them a [full] counting.

وَكُلُّهُمۡ ءَاتِيهِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَرۡدًا ٩٥

And all of them are coming to Him on the Day of Resurrection alone.

قوله تعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾

صفحة ٢١٧

.

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَدَّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ عادَ إلى الرَّدِّ عَلى مَن أثْبَتَ لَهُ ولَدًا: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] وقالَتِ العَرَبُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والكُلُّ داخِلُونَ في هَذِهِ الآيَةِ ومِنهم مَن خَصَّها بِالعَرَبِ الَّذِي أثْبَتُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ قالُوا؛ لِأنَّ الرَّدَّ عَلى النَّصارى تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ، أمّا الآنُ فَإنَّهُ لَمّا رَدَّ عَلى العَرَبِ الَّذِينَ قالُوا بِعِبادَةِ الأوْثانِ تَكَلَّمَ في إفْسادِ قَوْلِ الَّذِينَ قالُوا بِعِبادَةِ المَلائِكَةِ لِكَوْنِهِمْ بَناتِ اللَّهِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ فَقُرِئَ إدًّا بِالكَسْرِ والفَتْحِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ الإدُّ والأدُّ العَجَبُ وقِيلَ المُنْكَرُ العَظِيمُ والأدَّةُ الشِّدَّةُ وأدَّنِي الأمْرُ وآدَنِي أثْقَلَنِي. قُرِئَ يَتَفَطَّرْنَ بِالتّاءِ بَعْدَ الياءِ أعْنِي المُعْجَمَةَ مِن تَحْتِها واخْتَلَفُوا في يَكادُ فَقَرَأ بَعْضُهم بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن تَحْتِها، وبَعْضُهم بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، والِانْفِطارُ مِن فَطَرَهُ إذا شَقَّهُ والتَّفَطُّرُ مِن فَطَّرَهُ إذا شَقَّقَهُ وكَرَّرَ الفِعْلَ فِيهِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ يَتَصَدَّعْنَ وقَوْلُهُ: ﴿وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ أيْ تُهَدُّ هَدًّا أوْ مَهْدُودَةٌ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِأنَّها تُهَدُّ والمَعْنى أنَّها تَتَساقَطُ أشَدَّ ما يَكُونُ تَساقُطُ البَعْضِ عَلى البَعْضِ، فَإنْ قِيلَ مِن أيْنَ يُؤْثَرُ القَوْلُ بِإثْباتِ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى في انْفِطارِ السَّماواتِ وانْشِقاقِ الأرْضِ وخُرُورِ الجِبالِ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ أفْعَلُ هَذا بِالسَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ عِنْدَ وُجُودِ هَذِهِ الكَلِمَةِ غَضَبًا مِنِّي عَلى مَن تَفَوَّهَ بِها لَوْلا حِلْمِي وأنِّي لا أعْجَلُ بِالعُقُوبَةِ كَما قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١] .

وثانِيها: أنْ يَكُونَ اسْتِعْظامًا لِلْكَلِمَةِ وتَهْوِيلًا مِن فَظاعَتِها وتَصْوِيرًا لِأثَرِها في الدِّينِ وهَدْمِها لِأرْكانِهِ وقَواعِدِهِ.

وثالِثُها: أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ تَكادُ أنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ لَوْ كانَتْ تَعْقِلُ مِن غِلَظِ هَذا القَوْلِ وهَذا تَأْوِيلُ أبِي مُسْلِمٍ.

ورابِعُها: أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ كانَتْ سَلِيمَةً مِن كُلِّ العُيُوبِ فَلَمّا تَكَلَّمَ بَنُو آدَمَ بِهَذا القَوْلِ ظَهَرَتِ العُيُوبُ فِيها أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في إعْرابِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بَدَلًا مِنَ الهاءِ في مِنهُ أوْ مَنصُوبًا بِتَقْدِيرِ سُقُوطِ اللّامِ وإفْضاءِ الفِعْلِ أيْ هَذا لِأنْ دَعَوْا أوْ مَرْفُوعًا بِأنَّهُ فاعِلٌ ”هَدًّا“ أيْ هَدَّها دُعاءُ الوَلَدِ لِلرَّحْمَنِ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ سَبَبَ تِلْكَ الأُمُورِ العَظِيمَةِ هَذا القَوْلُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما كَرَّرَ لَفْظَ الرَّحْمَنِ مَرّاتٍ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الرَّحْمَنُ وحْدَهُ مِن قِبَلِ أنَّ أُصُولَ النِّعَمِ وفُرُوعَها لَيْسَتْ إلّا مِنهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ﴾ هو مِن دَعا بِمَعْنى سَمّى المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ فاقْتُصِرَ عَلى أحَدِهِما الَّذِي هو الثّانِي طَلَبًا لِلْعُمُومِ والإحاطَةِ بِكُلِّ مَنِ ادَّعى لَهُ ولَدًا أوْ مِن دَعا بِمَعْنى نَسَبَ الَّذِي هو مُطاوِعُهُ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: ”«مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ مَوالِيهِ» “ . قالَ الشّاعِرُ:

إنّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نَدَّعِي لِأبِ

أيْ لا نَنْتَسِبُ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ أيْ هو مُحالٌ، أمّا الوِلادَةُ المَعْرُوفَةُ فَلا مَقالَ في امْتِناعِها، وأمّا التَّبَنِّي فَلِأنَّ الوَلَدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ شَبِيهًا بِالوالِدِ، ولا مُشْبِهَ لِلَّهِ تَعالى، ولِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ إنَّما يَكُونُ لِأغْراضٍ لا تَصِحُّ في اللَّهِ مِن سُرُورِهِ بِهِ واسْتِعانَتِهِ بِهِ وذِكْرٍ جَمِيلٍ، وكُلُّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ بِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ والمُرادُ أنَّهُ ما مِن مَعْبُودٍ لَهم في السَّماواتِ

صفحة ٢١٨

والأرْضِ مِنَ المَلائِكَةِ والنّاسِ إلّا وهو يَأْتِي الرَّحْمَنَ أيْ يَأْوِي إلَيْهِ ويَلْتَجِئُ إلى رُبُوبِيَّتِهِ عَبْدًا مُنْقادًا مُطِيعًا خاشِعًا راجِيًا كَما يَفْعَلُ العَبِيدُ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ خاصَّةً والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ لا تَخْصِيصَ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ أيْ: كُلُّهم تَحْتَ أمْرِهِ وتَدْبِيرِهِ وقَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ، فَهو سُبْحانَهُ مُحِيطٌ بِهِمْ، ويَعْلَمُ مُجْمَلَ أُمُورِهِمْ وتَفاصِيلَها لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم يَأْتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ مُنْفَرِدًا لَيْسَ مَعَهُ مِن هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ أحَدٌ وهم بُرَآءُ مِنهم.

19:96–98Page 312

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَيَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وُدّٗا ٩٦

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - the Most Merciful will appoint for them affection.1

فَإِنَّمَا يَسَّرۡنَٰهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلۡمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوۡمٗا لُّدّٗا ٩٧

So, [O Muḥammad], We have only made it [i.e., the Qur’ān] easy in your tongue [i.e., the Arabic language] that you may give good tidings thereby to the righteous and warn thereby a hostile people.

وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هَلۡ تُحِسُّ مِنۡهُم مِّنۡ أَحَدٍ أَوۡ تَسۡمَعُ لَهُمۡ رِكۡزَۢا ٩٨

And how many have We destroyed before them of generations? Do you perceive of them anyone or hear from them a sound?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَدَّ عَلى أصْنافِ الكَفَرَةِ وبالَغَ في شَرْحِ أحْوالِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ خَتَمَ السُّورَةَ بِذِكْرِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾، ولِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ: ﴿وُدًّا﴾ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّهُ تَعالى سَيُحْدِثُ لَهم في القُلُوبِ مَوَدَّةً ويَزْرَعُها لَهم فِيها مِن غَيْرِ تَوَدُّدٍ مِنهم، ولا تَعَرُّضٍ لِلْأسْبابِ الَّتِي يَكْتَسِبُ النّاسُ بِها مَوَدّاتِ القُلُوبِ مِن قَرابَةٍ أوْ صَداقَةٍ أوِ اصْطِناعِ مَعْرُوفٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وإنَّما هو اخْتِراعٌ مِنهُ تَعالى، وابْتِداءٌ تَخْصِيصًا لِأوْلِيائِهِ بِهَذِهِ الكَرامَةِ كَما قَذَفَ في قُلُوبِ أعْدائِهِمُ الرُّعْبَ والهَيْبَةَ إعْظامًا لَهم وإجْلالًا لِمَكانِهِمْ، والسِّينُ في سَيَجْعَلُ إمّا لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وكانَ المُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ مَمْقُوتِينَ بَيْنَ الكَفَرَةِ، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ إذا جاءَ الإسْلامُ، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ يُحَبِّبُهم إلى خَلْقِهِ بِما يُعْرِضُ مِن حَسَناتِهِمْ ويَنْشُرُ مِن دِيوانِ أعْمالِهِمْ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ: ”«إذا أحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نادى جِبْرِيلَ: قَدْ أحْبَبْتُ فُلانًا فَأحِبُّوهُ؛ فَيُنادِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ في السَّماءِ والأرْضِ، وإذا أبْغَضَ عَبْدًا فَمِثْلُ ذَلِكَ» “ .

وعَنْ كَعْبٍ قالَ: مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ لا مَحَبَّةَ لِأحَدٍ في الأرْضِ حَتّى يَكُونَ ابْتِداؤُها مِنَ اللَّهِ تَعالى يُنْزِلُها عَلى أهْلِ السَّماءِ ثُمَّ عَلى أهْلِ الأرْضِ، وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في القُرْآنِ قَوْلُهُ: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ .

القَوْلُ الثّانِي - وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ: مَعْنى ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ أيْ: يَهَبُ لَهم ما يُحِبُّونَ والوُدُّ والمَحَبَّةُ سَواءٌ، يُقالُ: آتَيْتُ فُلانًا مَحَبَّتَهُ، وجَعَلَ لَهم ما يُحِبُّونَ، وجَعَلْتُ لَهُ وُدَّهُ، ومِن كَلامِهِمْ: يَوَدُّ لَوْ كانَ كَذا، ووَدِدْتُ أنْ لَوْ كانَ كَذا، أيْ أحْبَبْتُ، ومَعْناهُ: سَيُعْطِيهِمُ الرَّحْمَنُ وُدَّهم أيْ مَحْبُوبَهم في الجَنَّةِ.

والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ حَمْلَ المَحَبَّةِ عَلى المَحْبُوبِ مَجازٌ، ولِأنّا ذَكَرْنا أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وفَسَّرَها بِذَلِكَ، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: بَلِ القَوْلُ الثّانِي أوْلى؛ لِوُجُوهٍ:

صفحة ٢١٩

أحَدُها: كَيْفَ يَصِحُّ القَوْلُ الأوَّلُ مَعَ عِلْمِنا بِأنَّ المُسْلِمَ المُتَّقِيَ يُبْغِضُهُ الكُفّارُ، وقَدْ يُبْغِضُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ.

وثانِيها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ المَحَبَّةِ قَدْ تَحْصُلُ لِلْكُفّارِ والفُسّاقِ أكْثَرَ فَكَيْفَ يُمْكِنُ جَعْلُهُ إنْعامًا في حَقِّ المُؤْمِنِينَ ؟

وثالِثُها: أنَّ مَحَبَّتَهم في قُلُوبِهِمْ مِن فِعْلِهِمْ، لا أنَّ اللَّهَ تَعالى فَعَلَهُ، فَكانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى إعْطاءِ المَنافِعِ الأُخْرَوِيَّةِ أوْلى.

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ المُرادَ: يَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ مَحَبَّةً عِنْدَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ. ورُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ حَكى عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ قالَ: ”«إذا ذَكَرَنِي عَبْدِي المُؤْمِنُ في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإذا ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ أطْيَبَ مِنهم وأفْضَلَ» “ . وهَذا هو الجَوابُ عَنِ الكَلامِ الثّانِي؛ لِأنَّ الكافِرَ والفاسِقَ لَيْسَ كَذَلِكَ.

والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى فِعْلِ الألْطافِ وخَلْقِ داعِيَةِ إكْرامِهِ في قُلُوبِهِمْ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ﴾ فَهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ بَيَّنَ بِهِ عَظِيمَ مَوْقِعِ هَذِهِ السُّورَةِ لِما فِيها مِنَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والحَشْرِ والنَّشْرِ والرَّدِّ عَلى فِرَقِ المُضِلِّينَ المُبْطِلِينَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَسَّرَ ذَلِكَ بِلِسانِهِ لِيُبَشِّرَ بِهِ ويُنْذِرَ، ولَوْلا أنَّهُ تَعالى نَقَلَ قِصَصَهم إلى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ لَما تَيَسَّرَ ذَلِكَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، فَأمّا أنَّ القُرْآنَ يَتَضَمَّنُ تَبْشِيرَ المُتَّقِينَ وإنْذارَ مَن خَرَجَ مِنهم فَبَيِّنٌ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يُبَشِّرُ بِهِ المُتَّقِينَ ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِ مَن هو في مُخالَفَةِ التَّقْوى أبْلَغُ، وأبْلَغُهُمُ الألَدُّ الَّذِي يَتَمَسَّكُ بِالباطِلِ ويُجادِلُ فِيهِ ويَتَشَدَّدُ وهو مَعْنى لُدًّا.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ السُّورَةَ بِمَوْعِظَةٍ بَلِيغَةٍ فَقالَ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾ لِأنَّهم إذا تَأمَّلُوا وعَلِمُوا أنَّهُ لا بُدَّ مِن زَوالِ الدُّنْيا والِانْتِهاءِ إلى المَوْتِ خافُوا ذَلِكَ وخافُوا أيْضًا سُوءَ العاقِبَةِ في الآخِرَةِ، فَكانُوا فِيها إلى الحَذَرِ مِنَ المَعاصِي أقْرَبَ، ثُمَّ أكَدَّ تَعالى في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾ لِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا لَمْ يُحِسَّ مِنهم أحَدًا بِرُؤْيَةٍ أوْ إدْراكٍ أوْ وُجْدانٍ، ولا يَسْمَعْ لَهم رِكْزًا- وهو الصَّوْتُ الخَفِيُّ، ومِنهُ رَكَزَ الرُّمْحَ إذا غَيَّبَ طَرَفَهُ في الأرْضِ والرِّكازُ المالُ المَدْفُونُ - دَلَّ ذَلِكَ عَلى انْقِراضِهِمْ وفَنائِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ.

والأقْرَبُ في قَوْلِهِ: ﴿أهْلَكْنا﴾ أنَّ المُرادَ بِهِ الِانْقِراضُ بِالمَوْتِ وإنْ كانَ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حَمَلَهُ عَلى العَذابِ المُعَجَّلِ في الدُّنْيا. واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ، وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском