Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:100–101
2:100Page 15
أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهۡدٗا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠٠
Is it not [true] that every time they took a covenant a party of them threw it away? But, [in fact], most of them do not believe.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهم بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن قَبائِحِهِمْ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا﴾ واوُ عَطْفٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ وقِيلَ الواوُ زائِدَةٌ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأنَّهُ مَعَ صِحَّةِ مَعْناهُ لا يَجُوزُ أنْ يُحْكَمَ بِالزِّيادَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ مَعْناهُ: أكَفَرُوا بِالآياتِ والبَيِّناتِ
صفحة ١٨٣
وكُلَّما عاهَدُوا، وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِسُكُونِ الواوِ عَلى أنَّ (الفاسِقُونَ) بِمَعْنى الَّذِينَ فَسَقُوا فَكَأنَّهُ قِيلَ وما يَكْفُرُ بِها إلّا الَّذِينَ فَسَقُوا أوْ نَقَضُوا عَهْدَ اللَّهِ مِرارًا كَثِيرَةً وقُرِئَ عُوهِدُوا وعُهِدُوا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ، الإنْكارُ وإعْظامُ ما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ إذا قِيلَ بِهَذا اللَّفْظِ كانَ أبْلَغَ في التَّنْكِيرِ والتَّبْكِيتِ ودَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا﴾ عَلى عَهْدٍ بَعْدَ عَهْدٍ نَقَضُوهُ ونَبَذُوهُ، بَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كالعادَةِ فِيهِمْ فَكَأنَّهُ تَعالى أرادَ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ عِنْدَ كُفْرِهِمْ بِما أنْزَلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبِدْعٍ مِنهم، بَلْ هو سَجِيَّتُهم وعادَتُهم وعادَةُ سَلَفِهِمْ عَلى ما بَيَّنَهُ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ مِن نَقْضِهِمُ العُهُودَ والمَواثِيقَ حالًا بَعْدَ حالٍ لِأنَّ مَن يُعْتادُ مِنهُ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ لا يَصْعُبُ عَلى النَّفْسِ مُخالَفَتُهُ كَصُعُوبَةِ مَن لَمْ تَجْرِ عادَتُهُ بِذَلِكَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في العَهْدِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أظْهَرَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وعَلى صِحَّةِ شَرْعِهِ كانَ ذَلِكَ كالعَهْدِ مِنهُ سُبْحانَهُ، وقَبُولُهم لِتِلْكَ الدَّلائِلِ كالمُعاهَدَةِ مِنهم لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
وثانِيها: أنَّ العَهْدَ هو الَّذِي كانُوا يَقُولُونَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَئِنْ خَرَجَ النَّبِيُّ لَنُؤْمِنَنَّ بِهِ ولَنُخْرِجَنَّ المُشْرِكِينَ مِن دِيارِهِمْ.
وثالِثُها: أنَّهم كانُوا يُعاهِدُونَ اللَّهَ كَثِيرًا ويَنْقُضُونَهُ.
ورابِعُها: أنَّ اليَهُودَ كانُوا قَدْ عاهَدُوهُ عَلى أنْ لا يُعِينُوا عَلَيْهِ أحَدًا مِنَ الكافِرِينَ فَنَقَضُوا ذَلِكَ وأعانُوا عَلَيْهِ قُرَيْشًا يَوْمَ الخَنْدَقِ، قالَ القاضِي: إنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ لَمْ يَمْتَنِعْ دُخُولُهُ تَحْتَ الآيَةِ لَكِنْ لا يَجُوزُ قَصْرُ الآيَةِ عَلَيْهِ بَلِ الأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما لَهُ تَعَلُّقٌ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَحَمْلُهُ عَلى نَقْضِ العَهْدِ فِيما تَضَمَّنَتْهُ الكُتُبُ المُتَقَدِّمَةُ والدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ مِن صِحَّةِ القَوْلِ ونُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أقْوى.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنَّما قالَ: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ﴾ لِأنَّ في جُمْلَةِ مَن عاهَدَ مَن آمَنَ أوْ يَجُوزُ أنْ يُؤْمِنَ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ صِفَةَ جَمِيعِهِمْ خَصَّ الفَرِيقَ بِالذِّكْرِ، ثُمَّ لَمّا كانَ يَجُوزُ أنْ يُظَنَّ أنَّ ذَلِكَ الفَرِيقَ هُمُ الأقَلُّونَ بَيَّنَ أنَّهُمُ الأكْثَرُونَ فَقالَ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أكْثَرُ أُولَئِكَ الفُسّاقِ لا يُصَدِّقُونَ بِكَ أبَدًا لِحَسَدِهِمْ وبَغْيِهِمْ.
والثّانِي: لا يُؤْمِنُونَ: أيْ لا يُصَدِّقُونَ بِكِتابِهِمْ لِأنَّهم كانُوا في قَوْمِهِمْ كالمُنافِقِينَ مَعَ الرَّسُولِ يُظْهِرُونَ لَهُمُ الإيمانَ بِكِتابِهِمْ ورَسُولِهِمْ ثُمَّ لا يَعْمَلُونَ بِمُوجَبِهِ ومُقْتَضاهُ.
2:101Page 15
وَلَمَّا جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ نَبَذَ فَرِيقٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ كَأَنَّهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٠١
And when a messenger from Allāh came to them confirming that which was with them, a party of those who had been given the Scripture threw the Scripture of Allāh [i.e., the Torah] behind their backs as if they did not know [what it contained].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ مَعْنى كَوْنِ الرَّسُولِ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم هو أنَّهُ كانَ مُعْتَرِفًا بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبِصِحَّةِ التَّوْراةِ أوْ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم مِن حَيْثُ إنَّ التَّوْراةَ بَشَّرَتْ بِمَقْدِمِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإذا أتى مُحَمَّدٌ كانَ مُجَرَّدُ مَجِيئِهِ مُصَدِّقًا لِلتَّوْراةِ.
صفحة ١٨٤
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ﴾ فَهو مَثَلٌ لِتَرْكِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنْهُ بِمِثْلِ ما يُرْمى بِهِ وراءَ الظَّهْرِ اسْتِغْناءً عَنْهُ وقِلَّةَ التِفاتٍ إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِمَّنْ أُوتِيَ عِلْمَ الكِتابِ مَن يَدْرُسُهُ ويَحْفَظُهُ، قالَ هَذا القائِلُ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا الفَرِيقَ بِالعِلْمِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ .
الثّانِي: المُرادُ مَن يَدَّعِي التَّمَسُّكَ بِالكِتابِ سَواءٌ عَلِمَهُ أوْ لَمْ يَعْلَمْهُ، وهَذا كَوَصْفِ المُسْلِمِينَ بِأنَّهم مِن أهْلِ القُرْآنِ لا يُرادُ بِذَلِكَ مَن يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَةِ عُلُومِهِ، بَلِ المُرادُ مَن يُؤْمِنُ بِهِ ويَتَمَسَّكُ بِمُوجَبِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ فَقِيلَ: إنَّهُ التَّوْراةُ، وقِيلَ: إنَّهُ القُرْآنُ، وهَذا هو الأقْرَبُ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ النَّبْذَ لا يُعْقَلُ إلّا فِيما تَمَسَّكُوا بِهِ أوَّلًا وأمّا إذا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ لا يُقالُ إنَّهم نَبَذُوهُ.
الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ بِهِ القُرْآنُ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الفَرِيقِ مَعْنًى لِأنَّ جَمِيعَهم لا يُصَدِّقُونَ بِالقُرْآنِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ نَبْذُهُمُ التَّوْراةَ وهم يَتَمَسَّكُونَ بِهِ ؟ قُلْنا: إذا كانَ يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما فِيهِ مِنَ النَّعْتِ والصِّفَةِ وفِيهِ وُجُوبُ الإيمانِ ثُمَّ عَدَلُوا عَنْهُ كانُوا نابِذِينَ لِلتَّوْراةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾ فَدَلالَةٌ عَلى أنَّهم نَبَذُوهُ عَنْ عِلْمٍ ومَعْرِفَةٍ لِأنَّهُ لا يُقالُ ذَلِكَ إلّا فِيمَن يَعْلَمُ، فَدَلَّتِ الآيَةُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ عَلى أنَّ هَذا الفَرِيقَ كانُوا عالِمِينَ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ إلّا أنَّهم جَحَدُوا ما يَعْلَمُونَ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الجَمْعَ العَظِيمَ لا يَصِحُّ الجَحْدُ عَلَيْهِمْ فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ أُولَئِكَ الجاحِدِينَ كانُوا في القِلَّةِ بِحَيْثُ تَجُوزُ المُكابَرَةُ عَلَيْهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences