Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:127–130

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:127–130, continued

الرّابِعُ: تَأوَّلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ [الأعْرافِ: ١١] بِجَعْلِ خَلْقِهِ إيّاهُ خَلْقًا لَهم إذْ كانُوا مِنهُ، فَكَذَلِكَ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ أيْ أرِنا ذُرِّيَّتَنا.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقٌ لِلَّهِ تَعالى، قالُوا: لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِ، فَلَوْ كانَتِ التَّوْبَةُ مَخْلُوقَةً لِلْعَبْدِ، لَكانَ طَلَبُها مِنَ اللَّهِ تَعالى مُحالًا وجَهْلًا، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا مُعارَضٌ بِما أنَّ اللَّهَ تَعالى طَلَبَ التَّوْبَةَ مِنّا، فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التَّحْرِيمِ: ٨] ولَوْ كانَتْ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى، لَكانَ طَلَبُها مِنَ العَبْدِ مُحالًا وجَهْلًا، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ حُمِلَ قَوْلُهُ: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ عَلى التَّوْفِيقِ وفِعْلِ الألْطافِ أوْ عَلى قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنَ العَبْدِ، قالَ الأصْحابُ: التَّرْجِيحُ مَعَنا لِأنَّ دَلِيلَ العَقْلِ يُعَضِّدُ قَوْلَنا مِن وُجُوهٍ:

أوَّلُها: أنَّهُ مَتى لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ تَعالى داعِيَةً مُوجِبَةً لِلتَّوْبَةِ اسْتَحالَ حُصُولُ التَّوْبَةِ، فَكانَتِ التَّوْبَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِنَ العَبْدِ، وتَقْرِيرُ دَلِيلِ الدّاعِي قَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وثانِيها: أنَّ التَّوْبَةَ عَلى ما لَخَّصَهُ الشَّيْخُ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ مُرَتَّبَةٍ: عِلْمٍ

صفحة ٥٩

وحالٍ وعَمَلٍ، فالعِلْمُ أوَّلٌ والحالُ ثانٍ وهو مُوجِبُ العِلْمِ والعَمَلُ ثالِثٌ وهو مُوجِبُ الحالِ، أمّا العِلْمُ فَهو مَعْرِفَةُ عِظَمِ ضَرَرِ الذُّنُوبِ، يَتَوَلَّدُ مِن هَذِهِ المَعْرِفَةِ تَألُّمُ القَلْبِ بِسَبَبِ فَوْتِ المَنفَعَةِ وحُصُولِ المَضَرَّةِ، وهَذا التَّألُّمُ هو المُسَمّى بِالنَّدَمِ ثُمَّ يَتَوَلَّدُ مِن هَذا النَّدَمِ صِفَةٌ تُسَمّى إرادَةً، ولَها تَعَلُّقٌ بِالحالِ والماضِي والمُسْتَقْبَلِ، أمّا تَعَلُّقُهُ بِالحالِ فَهو التَّرْكُ لِلذَّنْبِ الَّذِي كانَ مُلابِسًا لَهُ، وأمّا بِالِاسْتِقْبالِ فَبِالعَزْمِ عَلى تَرْكِ ذَلِكَ الفِعْلِ المُفَوِّتِ لِلْمَحْبُوبِ إلى آخِرِ العُمُرِ، وأمّا في الماضِي فَبِتَلافِي ما فاتَ بِالجَبْرِ والقَضاءِ إنْ كانَ قابِلًا لِلْجَبْرِ فالعِلْمُ هو الأوَّلُ وهو مَطْلَعُ هَذِهِ الخَيْراتِ وأعْنِي بِهَذا العِلْمِ الإيمانَ واليَقِينَ، فَإنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ بِأنَّ الذُّنُوبَ سُمُومٌ مُهْلِكَةٌ واليَقِينَ عِبارَةٌ عَنْ تَأكُّدِ هَذا التَّصْدِيقِ وانْتِفاءِ الشَّكِّ عَنْهُ واسْتِيلائِهِ عَلى القَلْبِ، ثُمَّ إنَّ هَذا اليَقِينَ مَهْما اسْتَوْلى عَلى القَلْبِ اشْتَعَلَ نارُ النَّدَمِ فَيَتَألَّمُ بِهِ القَلْبُ حَيْثُ يُبْصِرُ بِإشْراقِ نُورِ الإيمانِ، أنَّهُ صارَ مَحْجُوبًا عَنْ مَحْبُوبِهِ كَمَن يُشْرِقُ عَلَيْهِ نُورُ الشَّمْسِ وقَدْ كانَ في ظُلْمَةٍ فَرَأى مَحْبُوبَهُ قَدْ أشْرَفَ عَلى الهَلاكِ فَتَشْتَعِلُ نِيرانُ الحُبِّ في قَلْبِهِ فَيَتَوَلَّدُ مِن تِلْكَ الحالَةِ إرادَتُهُ لِلِانْتِهاضِ لِلتَّدارُكِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ تَرَتُّبَ الفِعْلِ عَلى الإرادَةِ ضَرُورِيٌّ لِأنَّ الإرادَةَ الجازِمَةَ الخالِيَةَ عَنِ المُعارِضِ لا بُدَّ وأنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْها الفِعْلُ وتَرَتُّبُ الإرادَةِ عَلى تَألُّمِ القَلْبِ أيْضًا ضَرُورِيٌّ، فَإنَّ مَن تَألَّمَ قَلْبُهُ بِسَبَبِ مُشاهَدَةِ أمْرٍ مَكْرُوهٍ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ في قَلْبِهِ إرادَةُ الدَّفْعِ وتَرَتُّبُ ذَلِكَ الألَمِ عَلى العِلْمِ بِكَوْنِ ذَلِكَ الشَّيْءِ جالِبًا لِلْمَضارِّ، ودَفْعًا لِلْمَنافِعِ أيْضًا أمْرٌ ضَرُورِيٌّ، فَكُلُّ هَذِهِ المَراتِبِ ضَرُورِيَّةٌ فَكَيْفَ تَحْصُلُ تَحْتَ الِاخْتِبارِ والتَّكَلُّفِ.

بَقِيَ أنْ يُقالَ: الدّاخِلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ هو العِلْمُ، إلّا أنَّ فِيهِ أيْضًا إشْكالًا، لِأنَّ ذَلِكَ العِلْمَ إمّا أنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا أوْ نَظَرِيًّا، فَإنْ كانَ ضَرُورِيًّا لَمْ يَكُنْ داخِلًا تَحْتَ الِاخْتِبارِ والتَّكْلِيفِ أيْضًا، وإنْ كانَ نَظَرِيًّا فَهو مُسْتَنْتَجٌ عَنِ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ. فَمَجْمُوعُ تِلْكَ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ المُنْتِجَةِ لِلْعِلْمِ النَّظَرِيِّ الأوَّلِ، إمّا أنْ يَكُونَ كافِيًا في ذَلِكَ الإنْتاجِ أوْ غَيْرَ كافٍ، فَإنْ كانَ كافِيًا كانَ تَرَتُّبُ ذَلِكَ العِلْمِ النَّظَرِيِّ المُسْتَنْتَجِ أوَّلًا عَلى تِلْكَ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ واجِبًا، والَّذِي يَجِبُ تَرَتُّبُهُ عَلى ما يَكُونُ خارِجًا عَنِ الِاخْتِيارِ، كانَ أيْضًا خارِجًا عَنِ الِاخْتِيارِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كافِيًا فَلا بُدَّ مِن شَيْءٍ آخَرَ، فَذَلِكَ الآخَرُ إنْ كانَ مِنَ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ فَهو إنْ كانَ حاصِلًا فالَّذِي فَرَضْناهُ غَيْرُ كافٍ، وقَدْ كانَ كافِيًا، هَذا خُلْفٌ، وإنْ كانَ مِنَ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ افْتَقَرَ أوَّلُ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ إلى عِلْمٍ نَظَرِيٍّ آخَرَ قَبْلَهُ فَلَمْ يَكُنْ أوَّلُ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ أوَّلًا لِلْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، وهَذا خُلْفٌ.

ثُمَّ الكَلامُ في ذَلِكَ الأوَّلِ كَما فِيما قَبْلَهُ فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا آخِرًا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ، وهو الحَقُّ المُطابِقُ لِلدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ وأنَّ سائِرَ الآياتِ المُعارِضَةِ لِهَذِهِ الآيَةِ أوْلى بِالتَّأْوِيلِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.

النَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لا شُبْهَةَ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ يُرِيدُ مَن أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ لِأنَّهُ المَذْكُورُ مِن قَبْلُ ووَصْفُهُ لِذُرِّيَّتِهِ بِذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَعُطِفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ وهَذا الدُّعاءُ يُفِيدُ كَمالَ حالِ ذُرِّيَّتِهِ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ فِيهِمْ رَسُولٌ يُكْمِلُ لَهُمُ الدِّينَ والشَّرْعَ ويَدْعُوهم إلى ما يَثْبُتُونَ بِهِ عَلى الإسْلامِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَبْعُوثُ مِنهم لا مِن غَيْرِهِمْ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: لِيَكُونَ مَحَلُّهم ورُتْبَتُهم في

صفحة ٦٠

العِزِّ والدِّينِ أعْظَمَ، لِأنَّ الرَّسُولَ والمُرْسَلَ إلَيْهِ إذا كانا مَعًا مِن ذُرِّيَّتِهِ، كانَ أشْرَفَ لِطَلِبَتِهِ إذا أُجِيبَ إلَيْها.

وثانِيها: أنَّهُ إذا كانَ مِنهم فَإنَّهم يَعْرِفُونَ مَوْلِدَهُ ومَنشَأهُ فَيَقْرُبُ الأمْرُ عَلَيْهِمْ في مَعْرِفَةِ صِدْقِهِ وأمانَتِهِ.

وثالِثُها: أنَّهُ إذا كانَ مِنهم كانَ أحْرَصَ النّاسِ عَلى خَيْرِهِمْ وأشْفَقَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأجْنَبِيِّ لَوْ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا كانَ مُرادُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِمارَةَ الدِّينِ في الحالِ وفي المُسْتَقْبَلِ، وكانَ قَدْ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَتِمُّ ويَكْمُلُ بِأنْ يَكُونَ القَوْمُ مِن ذُرِّيَّتِهِ حَسُنَ مِنهُ أنْ يُرِيدَ ذَلِكَ لِيَجْتَمِعَ لَهُ بِذَلِكَ نِهايَةُ المُرادِ في الدِّينِ، ويَنْضافُ إلَيْهِ السُّرُورُ العَظِيمُ بِأنْ يَكُونَ هَذا الأمْرُ في ذُرِّيَّتِهِ لِأنَّ لا عِزَّ ولا شَرَفَ أعْلى مِن هَذِهِ الرُّتْبَةِ.

وأمّا إنَّ الرَّسُولَ هو مُحَمَّدٌ ﷺ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: إجْماعُ المُفَسِّرِينَ وهو حُجَّةٌ.

وثانِيها: ما رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«أنا دَعْوَةُ إبْراهِيمَ وبِشارَةُ عِيسى» “ وأرادَ بِالدَّعْوَةِ هَذِهِ الآيَةَ، وبِشارَةُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما ذُكِرَ في سُورَةِ الصَّفِّ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصَّفِّ: ٦] .

وثالِثُها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما دَعا بِهَذا الدُّعاءِ بِمَكَّةَ لِذُرِّيَّتِهِ الَّذِينَ يَكُونُونَ بِها وبِما حَوْلَها ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعالى إلى مَن بِمَكَّةَ وما حَوْلَها إلّا مُحَمَّدًا ﷺ .

وهَهُنا سُؤالٌ وهو أنَّهُ يُقالُ: ما الحِكْمَةُ في ذِكْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ في بابِ الصَّلاةِ حَيْثُ يُقالُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى آلِ إبْراهِيمَ ؟

وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

أوَّلُها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَعا لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ فَلَمّا وجَبَ لِلْخَلِيلِ عَلى الحَبِيبِ حَقُّ دُعائِهِ لَهُ قَضى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَقَّهُ بِأنْ أجْرى ذِكْرَهُ عَلى ألْسِنَةِ أُمَّتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

وثانِيها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ ذَلِكَ رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] يَعْنِي أبْقِ لِي ثَناءً حَسَنًا في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ وقَرَنَ ذِكْرَهُ بِذِكْرِ حَبِيبِهِ إبْقاءً لِلثَّناءِ الحَسَنِ عَلَيْهِ في أُمَّتِهِ.

وثالِثُها: أنَّ إبْراهِيمَ كانَ أبَ المِلَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ [الحَجِّ: ٧٨] ومُحَمَّدٌ كانَ أبَ الرَّحْمَةِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم“ وقالَ في قِصَّتِهِ: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٨] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّما أنا لَكم مِثْلُ الوالِدِ» “، يَعْنِي في الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، فَلَمّا وجَبَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم حَقُّ الأُبُوَّةِ مِن وجْهٍ قَرَّبَ بَيْنَ ذِكْرِهِما في بابِ الثَّناءِ والصَّلاةِ.

ورابِعُها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُنادِيَ الشَّرِيعَةِ في الحَجِّ: ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ [الحَجِّ: ٢٧] وكانَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنادِيَ الدِّينِ: ﴿سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩٣] فَجَمَعَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهُما في الذِّكْرِ الجَمِيلِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا طَلَبَ بَعْثَةَ رَسُولٍ مِنهم إلَيْهِمْ، ذَكَرَ لِذَلِكَ الرَّسُولِ صِفاتٍ.

الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّها الفُرْقانُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّ الَّذِي كانَ يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ.

الثّانِي: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآياتُ هي الأعْلامَ الدّالَّةَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وصِفاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ومَعْنى تِلاوَتِهِ إيّاها عَلَيْهِمْ: أنَّهُ كانَ يُذَكِّرُهم بِها ويَدْعُوهم إلَيْها ويَحْمِلُهم عَلى الإيمانِ بِها.

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ والمُرادُ أنَّهُ يَأْمُرُهم بِتِلاوَةِ الكِتابِ ويُعَلِّمُهم مَعانِيَ الكِتابِ وحَقائِقَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ التِّلاوَةَ مَطْلُوبَةٌ لِوُجُوهٍ:

مِنها بَقاءُ لَفْظِها عَلى ألْسِنَةِ أهْلِ التَّواتُرِ فَيَبْقى مَصُونًا عَنِ التَّحْرِيفِ

صفحة ٦١

والتَّصْحِيفِ، ومِنها أنْ يَكُونَ لَفْظُهُ ونَظْمُهُ مُعْجِزًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ، ومِنها أنْ يَكُونَ في تِلاوَتِهِ نَوْعُ عِبادَةٍ وطاعَةٍ، ومِنها أنْ تَكُونَ قِراءَتُهُ في الصَّلَواتِ وسائِرِ العِباداتِ نَوْعَ عِبادَةٍ، فَهَذا حُكْمُ التِّلاوَةِ إلّا أنَّ الحِكْمَةَ العُظْمى والمَقْصُودَ الأشْرَفَ تَعْلِيمُ ما فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ والأحْكامِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ هُدًى ونُورًا لِما فِيهِ مِنَ المَعانِي والحِكَمِ والأسْرارِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا أمْرَ التِّلاوَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ تَعْلِيمَ حَقائِقِهِ وأسْرارِهِ فَقالَ: ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ .

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ مِن صِفاتِ الرَّسُولِ ﷺ قَوْلُهُ: ﴿والحِكْمَةَ﴾ أيْ ويُعَلِّمُهُمُ الحِكْمَةَ. واعْلَمْ أنَّ الحِكْمَةَ هي: الإصابَةُ في القَوْلِ والعَمَلِ، ولا يُسَمّى حَكِيمًا إلّا مَنِ اجْتَمَعَ لَهُ الأمْرانِ وقِيلَ: أصْلُها مِن أحْكَمْتُ الشَّيْءَ أيْ رَدَدْتُهُ، فَكَأنَّ الحِكْمَةَ هي الَّتِي تَرُدُّ عَنِ الجَهْلِ والخَطَأِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِما ذَكَرْنا مِنَ الإصابَةِ في القَوْلِ والفِعْلِ، ووَضْعِ كُلِّ شَيْءِ مَوْضِعَهُ.

قالَ القَفّالُ: وعَبَّرَ بَعْضُ الفَلاسِفَةِ عَنِ الحِكْمَةِ بِأنَّها التَّشَبُّهُ بِالإلَهِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِالحِكْمَةِ هَهُنا عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: قالَ ابْنُ وهْبٍ قُلْتُ لِمالِكٍ: ما الحِكْمَةُ ؟ قالَ: مَعْرِفَةُ الدِّينِ، والفِقْهُ فِيهِ، والِاتِّباعُ لَهُ.

وثانِيها: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الحِكْمَةُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهو قَوْلُ قَتادَةَ، قالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تِلاوَةَ الكِتابِ أوَّلًا وتَعْلِيمَهُ ثانِيًا، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ الحِكْمَةَ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحِكْمَةِ شَيْئًا خارِجًا عَنِ الكِتابِ، ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا سُنَّةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى تَعْلِيمِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ العُقُولَ مُسْتَقْبِلَةٌ بِذَلِكَ فَحَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى ما لا يُسْتَفادُ مِنَ الشَّرْعِ أوْلى.

وثالِثُها: الحِكْمَةُ هي الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحُكْمِ، كالقِعْدَةِ والجِلْسَةِ. والمَعْنى: يُعَلِّمُهم كِتابَكَ الَّذِي تُنْزِلُهُ عَلَيْهِمْ، وفَصْلَ أقَضِيَتِكَ وأحْكامَكَ الَّتِي تُعَلِّمُهُ إيّاها، ومِثالُ هَذا: الخُبْرُ والخِبْرَةُ، والعُذْرُ والعِذْرَةُ، والغُلُّ والغِلَّةُ، والذُّلُّ والذِّلَّةُ.

ورابِعُها: ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ أرادَ بِهِ الآياتِ المُحْكَمَةَ. ﴿والحِكْمَةَ﴾ أرادَ بِها الآياتِ المُتَشابِهاتِ.

وخامِسُها: ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ أيْ يُعَلِّمُهم ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ. ﴿والحِكْمَةَ﴾ أرادَ بِها أنَّهُ يُعَلِّمُهم حِكْمَةَ تِلْكَ الشَّرائِعِ وما فِيها مِن وُجُوهِ المَصالِحِ والمَنافِعِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: الكُلُّ صِفاتُ الكِتابِ كَأنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِأنَّهُ آياتٌ، وبِأنَّهُ كِتابٌ، وبِأنَّهُ حِكْمَةٌ.

الصِّفَةُ الرّابِعَةُ مِن صِفاتِ الرَّسُولِ ﷺ: قَوْلُهُ: ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ كَمالَ حالِ الإنْسانِ في أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ.

والثّانِي: أنْ يَعْرِفَ الخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، فَإنْ أخَلَّ بِشَيْءٍ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ لَمْ يَكُنْ طاهِرًا عَنِ الرَّذائِلِ والنَّقائِصِ، ولَمْ يَكُنْ زَكِيًّا عَنْها، فَلَمّا ذَكَرَ صِفاتِ الفَضْلِ والكَمالِ أرْدَفَها بِذِكْرِ التَّزْكِيَةِ عَنِ الرَّذائِلِ والنَّقائِصِ، فَقالَ: ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ الرَّسُولَ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى التَّصَرُّفِ في بَواطِنِ المُكَلَّفِينَ، وبِتَقْدِيرِ أنْ تَحْصُلَ لَهُ هَذِهِ القُدْرَةُ لَكِنَّهُ لا يَتَصَرَّفُ فِيها وإلّا لَكانَ ذَلِكَ الزَّكاءُ حاصِلًا فِيهِمْ عَلى سَبِيلِ الجَبْرِ لا عَلى سَبِيلِ الِاخْتِيارِ، فَإذَنْ هَذِهِ التَّزْكِيَةُ لَها تَفْسِيرانِ:

الأوَّلُ: ما يَفْعَلُهُ سِوى التِّلاوَةِ وتَعْلِيمِ الكِتابِ والحِكْمَةِ، حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ كالسَّبَبِ لِطَهارَتِهِمْ، وتِلْكَ الأُمُورُ ما كانَ يَفْعَلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الوَعْدِ والإيعادِ، والوَعْظِ والتَّذْكِيرِ، وتَكْرِيرِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، ومِنَ التَّشَبُّثِ بِأُمُورِ الدُّنْيا إلى أنْ يُؤْمِنُوا ويَصْلُحُوا، فَقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَفْعَلُ مِن هَذا الجِنْسِ أشْياءَ كَثِيرَةً لِيُقَوِّيَ بِها

صفحة ٦٢

دَواعِيَهم إلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، ولِذَلِكَ مَدَحَهُ تَعالى بِأنَّهُ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وأنَّهُ أُوتِيَ مَكارِمَ الأخْلاقِ.

الثّانِي: يُزَكِّيهِمْ، يَشْهَدُ لَهم بِأنَّهم أزْكِياءُ يَوْمَ القِيامَةِ إذا شَهِدَ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، كَتَزْكِيَةِ المُزَكِّي الشُّهُودَ، والأوَّلُ أجْوَدُ لِأنَّهُ أدْخَلُ في مُشاكَلَةِ مُرادِهِ بِالدُّعاءِ، لِأنَّ مُرادَهُ أنْ يَتَكامَلَ لِهَذِهِ الذُّرِّيَّةِ الفَوْزُ بِالجَنَّةِ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِتَعْلِيمِ الكِتابِ والحِكْمَةِ، ثُمَّ بِالتَّرْغِيبِ الشَّدِيدِ في العَمَلِ والتَّرْهِيبِ عَنِ الإخْلالِ بِالعَمَلِ وهو التَّزْكِيَةُ. هَذا هو الكَلامُ المُلَخَّصُ في هَذِهِ الآيَةِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ عِباراتٌ:

أحَدُها: قالَ الحَسَنُ: يُطَهِّرُهم مِن شِرْكِهِمْ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ سَيَكُونُ في ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ جُهّالٌ لا حِكْمَةَ فِيهِمْ ولا كِتابَ، وأنَّ الشِّرْكَ يُنَجِّسُهم، وأنَّهُ تَعالى يَبْعَثُ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يُطَهِّرُهم ويَجْعَلُهم حُكَماءَ الأرْضِ بَعْدَ جَهْلِهِمْ.

وثانِيها: التَّزْكِيَةُ هي الطّاعَةُ لِلَّهِ والإخْلاصُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وثالِثُها: ويُزَكِّيهِمْ عَنِ الشِّرْكِ وسائِرِ الأرْجاسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٧] واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الدَّعَواتِ خَتَمَها بِالثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ والعَزِيزُ: هو القادِرُ الَّذِي لا يُغْلَبُ، والحَكِيمُ هو العالِمُ الَّذِي لا يَجْهَلُ شَيْئًا، وإذا كانَ عالِمًا قادِرًا كانَ ما يَفْعَلُهُ صَوابًا ومُبَرَّأً عَنِ العَبَثِ والسَّفَهِ، ولَوْلا كَوْنُهُ كَذَلِكَ لَما صَحَّ مِنهُ إجابَةُ الدُّعاءِ ولا بَعْثَةُ الرُّسُلِ، ولا إنْزالُ الكِتابِ.

واعْلَمْ أنَّ العَزِيزَ مِن صِفاتِ الذّاتِ إذا أُرِيدَ اقْتِدارُهُ عَلى الأشْياءِ وامْتِناعُهُ مِنَ الهَضْمِ والذِّلَّةِ، لِأنَّهُ إذا كانَ مُنَزَّهًا عَنِ الحاجاتِ لَمْ تَلْحَقْهُ ذِلَّةُ المُحْتاجِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُمْنَعَ مِن مُرادِهِ حَتّى يَلْحَقَهُ اهْتِضامٌ، فَهو عَزِيزٌ لا مَحالَةَ، وأمّا الحَكِيمُ فَإذا أُرِيدَ بِهِ مَعْنى العَلِيمِ فَهو مِن صِفاتِ الذّاتِ، فَإذا أُرِيدَ بِالعِزَّةِ كَمالُ العِزَّةِ وهو الِامْتِناعُ مِنِ اسْتِيلاءِ الغَيْرِ عَلَيْهِ، وأُرِيدَ بِالحِكْمَةِ أفْعالُ الحِكْمَةِ لَمْ يَكُنِ العَزِيزُ والحَكِيمُ مِن صِفاتِ الذّاتِ بَلْ مِن صِفاتِ الفِعْلِ والفَرْقُ بَيْنَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الصِّفاتِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ صِفاتِ الذّاتِ أزَلِيَّةٌ، وصِفاتِ الفِعْلِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.

وثانِيها: أنَّ صِفاتِ الذّاتِ لا يُمْكِنُ أنْ تَصْدُقَ نَقائِضُها في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ، وصِفاتِ الفِعْلِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.

وثالِثُها: أنَّ صِفاتِ الفِعْلِ أُمُورٌ نِسْبِيَّةٌ يُعْتَبَرُ في تَحَقُّقِها صُدُورُ الآثارِ عَنِ الفاعِلِ، وصِفاتِ الذّاتِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، واحْتَجَّ النَّظّامُ عَلى أنَّهُ تَعالى غَيْرُ قادِرٍ عَلى القَبِيحِ بِأنْ قالَ: الإلَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَكِيمًا لِذاتِهِ، وإذا كانَ حَكِيمًا لِذاتِهِ لَمْ يَكُنِ القَبِيحُ مَقْدُورًا، والحِكْمَةُ لِذاتِها تُنافِي فِعْلَ القَبِيحِ، فالإلَهُ يَسْتَحِيلُ مِنهُ فِعْلُ القَبِيحِ، وما كانَ مُحالًا لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا، إنَّما قُلْنا: الإلَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَكِيمًا لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ لَجازَ تَبَدُّلُهُ بِنَقِيضِهِ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الإلَهُ إلَهًا مَعَ عَدَمِ الحِكْمَةِ وذَلِكَ بِالِاتِّفاقِ مُحالٌ، وأمّا أنَّ الحِكْمَةَ تُنافِي فِعْلَ السَّفَهِ فَذَلِكَ أيْضًا مَعْلُومٌ بِالبَدِيهَةِ، وأمّا أنَّ مُسْتَلْزِمَ المُنافِي مُنافٍ فَمَعْلُومٌ بِالبَدِيهَةِ، فَإذَنِ الإلَهِيَّةُ لا يُمْكِنُ تَقْرِيرُها مَعَ فِعْلِ السَّفَهِ، وأمّا أنَّ المُحالَ غَيْرُ مَقْدُورٍ فَبَيِّنٌ، فَثَبَتَ أنَّ الإلَهَ لا يَقْدِرُ عَلى فِعْلِ القَبِيحِ.

والجَوابُ عَنْهُ: أمّا عَلى مَذْهَبِنا فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ سَفَهًا مِنهُ فَزالَ السُّؤالُ واللَّهُ أعْلَمُ.

2:130Page 20

وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَقَدِ ٱصۡطَفَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٣٠

And who would be averse to the religion of Abraham except one who makes a fool of himself. And We had chosen him in this world, and indeed he, in the Hereafter, will be among the righteous.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾

صفحة ٦٣

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أمْرَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما أجْراهُ عَلى يَدِهِ مِن شَرائِفِ شَرائِعِهِ الَّتِي ابْتَلاهُ بِها، ومِن بِناءِ بَيْتِهِ وأمْرِهِ بِحَجِّ عِبادِ اللَّهِ إلَيْهِ وما جَبَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مِنَ الحِرْصِ عَلى مَصالِحِ عِبادِهِ ودُعائِهِ بِالخَيْرِ لَهم، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي سَلَفَ في هَذِهِ الآيَةِ السّالِفَةِ عَجَّبَ النّاسَ فَقالَ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ والإيمانُ بِما أتى مِن شَرائِعِهِ فَكانَ في ذَلِكَ تَوْبِيخُ اليَهُودِ والنَّصارى ومُشْرِكِي العَرَبِ لِأنَّ اليَهُودَ إنَّما يَفْتَخِرُونَ بِهِ ويُوصَلُونَ بِالوَصْلَةِ الَّتِي بَيْنَهم وبَيْنَهُ مِن نَسَبِ إسْرائِيلَ، والنَّصارى فافْتِخارُهم لَيْسَ بِعِيسى وهو مُنْتَسِبٌ مِن جانِبِ الأُمِّ إلى إسْرائِيلَ، وأمّا قُرَيْشٌ فَإنَّهم إنَّما نالُوا كُلَّ خَيْرٍ في الجاهِلِيَّةِ بِالبَيْتِ الَّذِي بَناهُ فَصارُوا لِذَلِكَ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ، وسائِرُ العَرَبِ وهُمُ العَدْنانِيُّونَ فَمَرْجِعُهم إلى إسْماعِيلَ وهم يَفْتَخِرُونَ عَلى القَحْطانِيِّينَ بِإسْماعِيلَ بِما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النُّبُوَّةِ، فَرَجَعَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ افْتِخارُ الكُلِّ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بَعْثَةَ هَذا الرَّسُولِ في آخِرِ الزَّمانِ وهو الَّذِي تَضَرَّعَ إلى اللَّهِ تَعالى في تَحْصِيلِ هَذا المَقْصُودِ، فالعَجَبُ مِمَّنْ أعْظَمُ مَفاخِرِهِ وفَضائِلِهِ الِانْتِسابُ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ إنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالرَّسُولِ الَّذِي هو دَعْوَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَطْلُوبُهُ بِالتَّضَرُّعِ لا شَكَّ أنَّ هَذا مِمّا يَسْتَحِقُّ أنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: رَغِبْتُ مِنَ الأمْرِ إذا كَرِهْتَهُ، ورَغِبْتُ فِيهِ إذا أرَدْتَهُ. ”ومَنِ“ الأُولى اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، والثّانِيَةُ بِمَعْنى الَّذِي، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”مَن سَفِهَ“ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في يَرْغَبُ وإنَّما صَحَّ البَدَلُ لِأنَّ مَن يَرْغَبُ غَيْرُ مُوجِبٍ كَقَوْلِكَ: هَلْ جاءَكَ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ هَهُنا سُؤالٌ وهو أنَّ المُرادَ بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ هو المِلَّةُ الَّتِي جاءَ بِها مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكَلامِ تَرْغِيبُ النّاسِ في قَبُولِ هَذا الدِّينِ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ المِلَّةَ عَيْنُ مِلَّةِ إبْراهِيمَ في الأُصُولِ والفُرُوعِ، أوْ يُقالَ: هَذِهِ المِلَّةُ هي تِلْكَ المِلَّةُ في الأُصُولِ أعْنِي التَّوْحِيدَ والنُّبُوَّةَ ورِعايَةَ مَكارِمِ الأخْلاقِ، ولَكِنَّهُما يَخْتَلِفانِ في فُرُوعِ الشَّرائِعِ وكَيْفِيَّةِ الأعْمالِ.

أمّا الأوَّلُ: فَباطِلٌ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَدَّعِي أنَّ شَرْعَهُ نَسَخَ كُلَّ الشَّرائِعِ، فَكَيْفَ يُقالُ هَذا الشَّرْعُ هو عَيْنُ ذَلِكَ الشَّرْعِ.

وأمّا الثّانِي: فَهو لا يُفِيدُ المَطْلُوبَ لِأنَّ الِاعْتِرافَ بِالأُصُولِ أعْنِي التَّوْحِيدَ والعَدْلَ ومَكارِمَ الأخْلاقِ والمَعادَ لا يَقْتَضِي الِاعْتِرافَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكَيْفَ يَتَمَسَّكُ بِهَذا الكَلامِ في هَذا المَطْلُوبِ.

وسُؤالٌ آخَرُ وهو أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمّا اعْتَرَفَ بِأنَّ شَرْعَ إبْراهِيمَ مَنسُوخٌ، ولَفْظَ المِلَّةِ يَتَناوَلُ الأُصُولَ والفُرُوعَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ راغِبًا أيْضًا عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ فَيَلْزَمُ ما ألْزَمَ عَلَيْهِمْ.

وجَوابُهُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ تَضَرَّعَ إلى اللَّهِ تَعالى وطَلَبَ مِنهُ بَعْثَةَ هَذا الرَّسُولِ ونُصْرَتَهُ وتَأْيِيدَهُ ونَشْرَ شَرِيعَتِهِ، عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِأنَّهُ مِلَّةُ إبْراهِيمَ فَلَمّا سَلَّمَ اليَهُودُ والنَّصارى والعَرَبُ كَوْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُحِقًّا في مَقالِهِ، وجَبَ عَلَيْهِمُ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّةِ هَذا الشَّخْصِ الَّذِي هو مَطْلُوبُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

صفحة ٦٤

قالَ السّائِلُ: إنَّ القَوْلَ ما سَلَّمُوا أنَّ إبْراهِيمَ طَلَبَ مِثْلَ هَذا الرَّسُولِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَوى هَذا الخَبَرَ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَبْنِيَ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ إلْزامَ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإذَنْ لا تَثْبُتُ نُبُوَّتُهُ ما لَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ، ولا تَثْبُتُ هَذِهِ الرِّوايَةُ ما لَمْ تَثْبُتْ نُبُوَّتُهُ، فَيُفْضِي إلى الدَّوْرِ وهو ساقِطٌ، سَلَّمْنا أنَّ القَوْمَ سَلَّمُوا صِحَّةَ هَذِهِ الرِّوايَةِ لَكِنْ لَيْسَ في هَذِهِ الرِّوايَةِ إلّا أنَّإبْراهِيمَ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَبْعَثَ رَسُولًا مِن ذُرِّيَّتِهِ وذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ، فَكَيْفَ القَطْعُ بِأنَّ ذَلِكَ الرَّسُولَ هو هَذا الشَّخْصُ ؟ فَلَعَلَّهُ شَخْصٌ آخَرُ سَيَجِيءُ بَعْدَ ذَلِكَ، وإذا جازَ أنْ تَتَأخَّرَ إجابَةُ هَذا الدُّعاءِ بِمِقْدارِ ألْفَيْ سَنَةٍ، وهو الزَّمانُ الَّذِي بَيْنَ إبْراهِيمَ وبَيْنَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَتَأخَّرَ بِمِقْدارِ ثَلاثَةِ آلافِ سَنَةٍ حَتّى يَكُونَ المَطْلُوبُ بِهَذا الدُّعاءِ شَخْصًا آخَرَ سِوى هَذا الشَّخْصِ المُعَيَّنِ ؟ .

والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: لَعَلَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ شاهِدانِ بِصِحَّةِ هَذِهِ الرِّوايَةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ اليَهُودُ والنَّصارى مِن أشَدِّ النّاسِ مُسارَعَةً إلى تَكْذِيبِهِ في هَذِهِ الدَّعْوى.

وعَنِ الثّانِي: أنَّ المُعْتَمَدَ في إثْباتِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ظُهُورُ المُعْجِزِ عَلى يَدِهِ، وهو القُرْآنُ وإخْبارُهُ عَنِ الغُيُوبِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا نَبِيُّ مِثْلِ هَذِهِ الحِكاياتِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ تَجْرِي مَجْرى المُؤَكِّدِ لِلْمَقْصُودِ والمَطْلُوبِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في انْتِصابِ ”نَفْسَهُ“ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: لِأنَّهُ مَفْعُولٌ، قالَ المُبَرِّدُ: سَفَهَ لازِمٌ، وسَفِهَ مُتَعَدٍّ، وعَلى هَذا القَوْلِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: امْتَهَنَها واسْتَخَفَّ بِها، وأصْلُ السَّفَهِ الخِفَّةُ، ومِنهُ زِمامٌ سَفِيهٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما جاءَ في الحَدِيثِ: ”«الكِبْرُ أنْ تُسَفِّهَ الحَقَّ وتَغْمِصَ النّاسَ» “ وذَلِكَ أنَّهُ إذا رَغِبَ عَمّا لا يَرْغَبُ عَنْهُ عاقِلٌ قَطُّ فَقَدْ بالَغَ في إزالَةِ نَفْسِهِ وتَعْجِيزِها، حَيْثُ خالَفَ بِها كُلَّ نَفْسٍ عاقِلَةٍ.

والثّانِي: قالَ الحَسَنُ: إلّا مَن جَهِلَ نَفْسَهُ وخَسِرَ نَفْسَهُ، وحَقِيقَتُهُ أنَّهُ لا يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن جَهِلَ فَلَمْ يُفَكِّرْ فِيها، فَيَسْتَدِلُّ بِما يَجِدُهُ فِيها مِن آثارِ الصَّنْعَةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى حِكْمَتِهِ، فَيَسْتَدِلُّ بِذَلِكَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

والثّالِثُ: أهْلَكَ نَفْسَهُ وأوْبَقَها عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ.

والرّابِعُ: أضَلَّ نَفْسَهُ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ نَفْسَهُ لَيْسَتْ مَفْعُولًا وذَكَرُوا عَلى هَذا القَوْلِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ نَفْسَهُ نُصِبَ بِنَزْعِ الخافِضِ تَقْدِيرُهُ سَفِهَ في نَفْسِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ نُصِبَ عَلى التَّفْسِيرِ عَنِ الفَرّاءِ ومَعْناهُ سَفِهَ نَفْسًا ثُمَّ أضافَ وتَقْدِيرُهُ إلّا السَّفِيهَ، وذِكْرُ النَّفْسِ تَأْكِيدٌ كَما يُقالُ: هَذا الأمْرُ نَفْسَهُ والمَقْصُودُ مِنهُ المُبالَغَةُ في سَفَهِهِ.

الثّالِثُ: قُرِئَ: (إلّا مَن سَفَّهَ نَفْسَهُ) بِتَشْدِيدِ الفاءِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ بِسَفاهَةِ مَن رَغِبَ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيَّنَ السَّبَبَ فَقالَ: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا﴾ والمُرادُ بِهِ أنّا إذا اخْتَرْناهُ لِلرِّسالَةِ مِن دُونِ سائِرِ الخَلِيقَةِ، وعَرَّفْناهُ المِلَّةَ الَّتِي هي جامِعَةٌ لِلتَّوْحِيدِ والعَدْلِ والشَّرائِعِ والإمامَةِ الباقِيَةِ إلى قِيامِ السّاعَةِ ثُمَّ أُضِيفَ إلَيْهِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى فَشَرَّفَهُ اللَّهُ بِهَذا اللَّقَبِ الَّذِي فِيهِ نِهايَةُ الجَلالَةِ لِمَن نالَها مِن مَلِكٍ مِن مُلُوكِ البَشَرِ فَكَيْفَ مَن نالَها مِن مَلِكِ المُلُوكِ والشَّرائِعِ فَلْيُحَقِّقْ كُلُّ ذِي لُبٍّ وعَقْلٍ أنَّ الرّاغِبَ عَنْ مِلَّتِهِ فَهو سَفِيهٌ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ في الآخِرَةِ عَظِيمُ المَنزِلَةِ لِيَرْغَبَ في مِثْلِ طَرِيقَتِهِ لِيَنالَ مِثْلَ تِلْكَ المَنزِلَةِ، وقِيلَ في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وتَقْدِيرُهُ: ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّالِحِينَ، وإذا صَحَّ الكَلامُ مِن غَيْرِ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ كانَ أوْلى، قالَ الحَسَنُ: مِنَ الَّذِينَ يَسْتَوْجِبُونَ الكَرامَةَ وحُسْنَ الثَّوابِ عَلى كَرَمِ اللَّهِ تَعالى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском