Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:170–172

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:170–172

2:170Page 26

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٧٠

And when it is said to them, "Follow what Allāh has revealed," they say, "Rather, we will follow that which we found our fathers doing." Even though their fathers understood nothing, nor were they guided?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: (لَهُمُ) عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ عائِدٌ عَلى (مَن) في قَوْلِهِ: ﴿مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ [البقرة: ١٦٥] وهم مُشْرِكُو العَرَبِ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهم.

وثانِيها: يَعُودُ عَلى (النّاسُ) في قَوْلِهِ: ﴿أيُّها النّاسُ﴾ فَعَدَلَ عَنِ المُخاطَبَةِ إلى المُغايَبَةِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ مُبالَغَةً في بَيانِ ضَلالِهِمْ، كَأنَّهُ يَقُولُ لِلْعُقَلاءِ: انْظُرُوا إلى هَؤُلاءِ الحَمْقى ماذا يَقُولُونَ.

وثالِثُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وذَلِكَ حِينَ دَعاهم رَسُولُ اللَّهِ إلى الإسْلامِ، فَقالُوا: نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، فَهم كانُوا خَيْرًا مِنّا، وأعْلَمَ مِنّا، فَعَلى هَذا الآيَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، والكِنايَةُ في (لَهُمُ) تَعُودُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، إلّا أنَّ الضَّمِيرَ قَدْ يَعُودُ عَلى المَعْلُومِ، كَما يَعُودُ عَلى المَذْكُورِ، ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الكِسائِيُّ يُدْغِمُ لامَ ”هَلْ“ و”بَلْ“ في ثَمانِيَةِ أحْرُفٍ: التّاءُ كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ [الأعلى: ١٦] والنُّونُ ﴿بَلْ نَتَّبِعُ﴾ والثّاءُ ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ [المطففين: ٣٦] والسِّينُ ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ [يوسف: ١٨] والزّايُ ﴿بَلْ زُيِّنَ﴾ [الرعد: ٣٣] والضّادُ ﴿بَلْ ضَلُّوا﴾ [الأحقاف: ٢٨] والظّاءُ ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ والطّاءُ ﴿بَلْ طَبَعَ﴾ [النساء: ١٥٥] وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى الإظْهارِ، ومِنهم مَن يُوافِقُهُ في البَعْضِ، والإظْهارُ هو الأصْلُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿ألْفَيْنا﴾ بِمَعْنى وجَدْنا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [لقمان: ٢١] ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ﴾ [يوسف: ٢٥] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم ألْفَوْا﴾

صفحة ٧

﴿آباءَهم ضالِّينَ﴾ [الصافات: ٦٩] .

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم بِأنْ يَتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ فَهم قالُوا: لا نَتَّبِعُ ذَلِكَ، وإنَّما نَتَّبِعُ آباءَنا وأسْلافَنا، فَكَأنَّهم عارَضُوا الدَّلالَةَ بِالتَّقْلِيدِ، وأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الواوُ في ”أوَلَوْ“ واوُ العَطْفِ، دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ المَنقُولَةُ إلى مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، وإنَّما جُعِلَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لِلتَّوْبِيخِ؛ لِأنَّها تَقْتَضِي الإقْرارَ بِشَيْءٍ يَكُونُ الإقْرارُ بِهِ فَضِيحَةً، كَما يَقْتَضِي الِاسْتِفْهامُ الإخْبارَ عَنِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنْ يُقالَ لِلْمُقَلِّدِ: هَلْ تَعْتَرِفُ بِأنَّ شَرْطَ جَوازِ تَقْلِيدِ الإنْسانِ أنْ يَعْلَمَ كَوْنَهُ مُحِقًّا أمْ لا ؟ فَإنِ اعْتَرَفْتَ بِذَلِكَ لَمْ نَعْلَمْ جَوازَ تَقْلِيدِهِ إلّا بَعْدَ أنْ تَعْرِفَ كَوْنَهُ مُحِقًّا، فَكَيْفَ عَرَفْتَ أنَّهُ مُحِقٌّ ؟ وإنْ عَرَفْتَهُ بِتَقْلِيدِ آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ عَرَفْتَهُ بِالعَقْلِ فَذاكَ كافٍ، فَلا حاجَةَ إلى التَّقْلِيدِ، وإنْ قُلْتَ: لَيْسَ مِن شَرْطِ جَوازِ تَقْلِيدِهِ أنْ يُعْلَمَ كَوْنُهُ مُحِقًّا، فَإذَنْ قَدْ جَوَّزْتَ تَقْلِيدَهُ، وإنْ كانَ مُبْطِلًا فَإذَنْ أنْتَ عَلى تَقْلِيدِكَ لا تَعْلَمُ أنَّكَ مُحِقٌّ أوْ مُبْطِلٌ.

وثانِيها: هَبْ أنَّ ذَلِكَ المُتَقَدِّمَ كانَ عالِمًا بِهَذا الشَّيْءِ إلّا أنّا لَوْ قَدَّرْنا أنَّ ذَلِكَ المُتَقَدِّمَ ما كانَ عالِمًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ قَطُّ وما اخْتارَ فِيهِ البَتَّةَ مَذْهَبًا، فَأنْتَ ماذا كُنْتَ تَعْمَلُ ؟ فَعَلى تَقْدِيرِ أنْ لا يُوجَدَ ذَلِكَ المُتَقَدِّمُ ولا مَذْهَبُهُ كانَ لا بُدَّ مِنَ العُدُولِ إلى النَّظَرِ فَكَذا هَهُنا.

وثالِثُها: أنَّكَ إذا قَلَّدْتَ مَن قَبْلَكَ، فَذَلِكَ المُتَقَدِّمُ كَيْفَ عَرَفْتَهُ ؟ أعَرَفْتَهُ بِتَقْلِيدٍ أمْ لا بِتَقْلِيدٍ ؟ فَإنْ عَرَفْتَهُ بِتَقْلِيدٍ لَزِمَ إمّا الدَّوْرُ وإمّا التَّسَلْسُلُ، وإنْ عَرَفْتَهُ لا بِتَقْلِيدٍ بَلْ بِدَلِيلٍ، فَإذا أوْجَبْتَ تَقْلِيدَ ذَلِكَ المُتَقَدِّمِ وجَبَ أنْ تَطْلُبَ العِلْمَ بِالدَّلِيلِ لا بِالتَّقْلِيدِ؛ لِأنَّكَ لَوْ طَلَبْتَ بِالتَّقْلِيدِ لا بِالدَّلِيلِ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ المُتَقَدِّمَ طَلَبَهُ بِالدَّلِيلِ لا بِالتَّقْلِيدِ كُنْتَ مُخالِفًا لَهُ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ يُفْضِي ثُبُوتُهُ إلى نَفْيِهِ فَيَكُونُ باطِلًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ عَقِيبَ الزَّجْرِ عَنِ اتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيْطانِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ مُتابَعَةِ وساوِسِ الشَّيْطانِ، وبَيْنَ مُتابِعِ التَّقْلِيدِ، وفِيهِ أقْوى دَلِيلٍ عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وتَرْكِ التَّعْوِيلِ عَلى ما يَقَعُ في الخاطِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، أوْ عَلى ما يَقُولُهُ الغَيْرُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ لَفْظٌ عامٌّ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْقِلُونَ كَثِيرًا مِن أُمُورِ الدُّنْيا، فَهَذا يَدُلُّ عَلى جَوازِ ذِكْرِ العامِّ مَعَ أنَّ المُرادَ بِهِ الخاصُّ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ المُرادُ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ الدِّينِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَهْتَدُونَ﴾ المُرادُ أنَّهم لا يَهْتَدُونَ إلى كَيْفِيَّةِ اكْتِسابِهِ.

2:171Page 26

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٧١

The example of those who disbelieve is like that of one who shouts at what hears nothing but calls and cries [i.e., cattle or sheep] - deaf, dumb and blind, so they do not understand.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ .

صفحة ٨

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم عِنْدَ الدُّعاءِ إلى اتِّباعِ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَرَكُوا النَّظَرَ والتَّدَبُّرَ، وأخْلَدُوا إلى التَّقْلِيدِ، وقالُوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ ضَرَبَ لَهم هَذا المَثَلَ تَنْبِيهًا لِلسّامِعِينَ لَهم أنَّهم إنَّما وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ بِسَبَبِ تَرْكِ الإصْغاءِ، وقِلَّةِ الِاهْتِمامِ بِالدِّينِ، فَصَيَّرَهم مِن هَذا الوَجْهِ بِمَنزِلِ الأنْعامِ، ومِثْلُ هَذا المَثَلِ يَزِيدُ السّامِعَ مَعْرِفَةً بِأحْوالِ الكُفّارِ، ويُحَقِّرُ إلى الكافِرِ نَفْسَهُ إذا سَمِعَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ كَسْرًا لِقَلْبِهِ، وتَضْيِيقًا لِصَدْرِهِ، حَيْثُ صَيَّرَهُ كالبَهِيمَةِ، فَيَكُونُ في ذَلِكَ نِهايَةُ الزَّجْرِ والرَّدْعِ لِمَن يَسْمَعُهُ عَنْ أنْ يَسْلُكَ مِثْلَ طَرِيقِهِ في التَّقْلِيدِ، وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: نَعَقَ الرّاعِي بِالغَنَمِ إذا صاحَ بِها، وأمّا نَغَقَ الغُرابُ فَبِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِلْعُلَماءِ مِن أهْلِ التَّأْوِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقانِ:

أحَدُهُما: تَصْحِيحُ المَعْنى بِالإضْمارِ في الآيَةِ.

والثّانِي: إجْراءُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مِن غَيْرِ إضْمارٍ.

أمّا الَّذِينَ أضْمَرُوا فَذَكَرُوا وُجُوهًا:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الأخْفَشِ والزَّجّاجِ وابْنِ قُتَيْبَةَ، كَأنَّهُ قالَ: ومَثَلُ مَن يَدْعُو الَّذِينَ كَفَرُوا إلى الحَقِّ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ، فَصارَ النّاعِقُ الَّذِي هو الرّاعِي بِمَنزِلَةِ الدّاعِي إلى الحَقِّ، وهو الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وسائِرُ الدُّعاةِ إلى الحَقِّ، وصارَ الكُفّارُ بِمَنزِلَةِ الغَنَمِ المَنعُوقِ بِها، ووَجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّ البَهِيمَةَ تَسْمَعُ الصَّوْتَ ولا تَفْهَمُ المُرادَ، وهَؤُلاءِ الكُفّارُ كانُوا يَسْمَعُونَ صَوْتَ الرَّسُولِ وألْفاظَهُ، وما كانُوا يَنْتَفِعُونَ بِها وبِمَعانِيها، لا جَرَمَ حَصَلَ وجْهُ التَّشْبِيهِ.

الثّانِي: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمْ آلِهَتَهم مِنَ الأوْثانِ كَمَثَلِ النّاعِقِ في دُعائِهِ ما لا يَسْمَعُ كالغَنَمِ، وما يَجْرِي مَجْراهُ مِنَ الكَلامِ، والبَهائِمُ لا تَفْهَمُ: فَشَبَّهُ الأصْنامَ في أنَّها لا تَفْهَمُ بِهَذِهِ البَهائِمِ، فَإذا كانَ لا شَكَّ أنَّ هَهُنا المَحْذُوفَ هو المَدْعُوُّ، وفي القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ المَحْذُوفُ هو الدّاعِي، وفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا دُعاءً ونِداءً﴾ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الأصْنامَ لا تَسْمَعُ شَيْئًا.

الثّالِثُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمْ آلِهَتَهم كَمَثَلِ النّاعِقِ في دُعائِهِ عِنْدَ الجَبَلِ، فَإنَّهُ لا يَسْمَعُ إلّا صَدى صَوْتِهِ فَإذا قالَ: يا زَيْدُ يَسْمَعُ مِنَ الصَّدى: يا زَيْدُ. فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ إذا دَعَوْا هَذِهِ الأوْثانَ لا يَسْمَعُونَ إلّا ما تَلَفَّظُوا بِهِ مِنَ الدُّعاءِ والنِّداءِ.

الطَّرِيقُ الثّانِي: في الآيَةِ وهو إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها مِن غَيْرِ إضْمارٍ وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَقُولَ: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في قِلَّةِ عَقْلِهِمْ في عِبادَتِهِمْ لِهَذِهِ الأوْثانِ، كَمَثَلِ الرّاعِي إذا تَكَلَّمَ مَعَ البَهائِمِ فَكَما أنَّهُ يُقْضى عَلى ذَلِكَ الرّاعِي بِقِلَّةِ العَقْلِ، فَكَذا هَهُنا.

الثّانِي: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في اتِّباعِهِمْ آباءَهم وتَقْلِيدِهِمْ لَهم، كَمَثَلِ الرّاعِي إذا تَكَلَّمَ مَعَ البَهائِمِ، فَكَما أنَّ الكَلامَ مَعَ البَهائِمِ عَبَثٌ عَدِيمُ الفائِدَةِ، فَكَذا التَّقْلِيدُ عَبَثٌ عَدِيمُ الفائِدَةِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَبَّهَهم بِالبَهائِمِ زادَ في تَبْكِيتِهِمْ، فَقالَ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ لِأنَّهم صارُوا بِمَنزِلَةِ الصُّمِّ في أنَّ الَّذِي سَمِعُوهُ كَأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوهُ، وبِمَنزِلَةِ البُكْمِ في أنْ لا يَسْتَجِيبُوا لِما دُعُوا إلَيْهِ، وبِمَنزِلَةِ العُمْيِ مِن حَيْثُ إنَّهم أعْرَضُوا عَنِ الدَّلائِلِ فَصارُوا كَأنَّهم لَمْ يُشاهِدُوها، قالَ النَّحْوِيُّونَ ﴿صُمٌّ﴾ أيْ هم صُمٌّ وهو رَفْعٌ عَلى الذَّمِّ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ فالمُرادُ العَقْلُ الِاكْتِسابِيُّ؛ لِأنَّ العَقْلَ المَطْبُوعَ كانَ حاصِلًا لَهم، قالَ: العَقْلُ عَقْلانِ مَطْبُوعٌ ومَسْمُوعٌ.

ولَمّا كانَ طَرِيقُ اكْتِسابِ العَقْلِ المُكْتَسَبِ هو الِاسْتِعانَةُ بِهَذِهِ القُوى الثَّلاثَةِ فَلَمّا أعْرَضُوا عَنْها فَقَدُوا العَقْلَ المُكْتَسَبَ، ولِهَذا قِيلَ: مَن فَقَدَ حِسًّا فَقَدَ عِلْمًا.

2:172Page 26

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١٧٢

O you who have believed, eat from the good [i.e., lawful] things which We have provided for you and be grateful to Allāh if it is [indeed] Him that you worship.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ شَبِيهَةٌ بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكَلَّمَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَهُنا في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ واسْتَقْصى في الرَّدِّ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، ومِن هُنا شَرَعَ في بَيانِ الأحْكامِ، اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الأكْلَ قَدْ يَكُونُ واجِبًا، وذَلِكَ عِنْدَ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ، وقَدْ يَكُونُ مَندُوبًا، وذَلِكَ أنَّ الضَّيْفَ قَدْ يَمْتَنِعُ مِنَ الأكْلِ إذا انْفَرَدَ ويَنْبَسِطُ في ذَلِكَ إذا سُوعِدَ، فَهَذا الأكْلُ مَندُوبٌ، وقَدْ يَكُونُ مُباحًا إذا خَلا عَنْ هَذِهِ العَوارِضِ، والأصْلُ في الشَّيْءِ أنْ يَكُونَ خالِيًا عَنِ العَوارِضِ، فَلا جَرَمَ كانَ مُسَمّى الأكْلِ مُباحًا، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ ﴿كُلُوا﴾ في هَذا المَوْضِعِ لا يُفِيدُ الإيجابَ والنَّدْبَ بَلِ الإباحَةَ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ عَلى أنَّ الرِّزْقَ قَدْ يَكُونُ حَرامًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ فَإنَّ الطَّيِّبَ هو الحَلالُ، فَلَوْ كانَ كُلُّ رِزْقٍ حَلالًا لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ مَعْناهُ مِن مُحَلَّلاتِ ما أحْلَلْنا لَكم، فَيَكُونُ تَكْرارًا وهو خِلافُ الأصْلِ، أجابُوا عَنْهُ بِأنَّ الطَّيِّبَ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ المُسْتَلَذِّ المُسْتَطابِ، ولَعَلَّ أقْوامًا ظَنُّوا أنَّ التَّوَسُّعَ في المَطاعِمِ والِاسْتِكْثارَ مِن طَيِّباتِها مَمْنُوعٌ مِنهُ. فَأباحَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: كُلُوا مِن لَذائِذِ ما أحْلَلْناهُ لَكم، فَكانَ تَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِهَذا المَعْنى.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ أمْرٌ: ولَيْسَ بِإباحَةٍ، فَإنْ قِيلَ: الشُّكْرُ إمّا أنْ يَكُونَ بِالقَلْبِ أوْ بِاللِّسانِ أوْ بِالجَوارِحِ، أمّا بِالقَلْبِ فَهو إمّا العِلْمُ بِصُدُورِ النِّعْمَةِ عَنْ ذَلِكَ المُنْعِمِ، أوِ العَزْمُ عَلى تَعْظِيمِهِ بِاللِّسانِ وبِالجَوارِحِ، أمّا ذَلِكَ العِلْمُ فَهو مِن لَوازِمِ كَمالِ العَقْلِ، فَإنَّ العاقِلَ لا يَنْسى ذَلِكَ، فَإذا كانَ ذَلِكَ العِلْمُ ضَرُورِيًّا فَكَيْفَ يُمْكِنُ إيجابُهُ ؟

وأمّا العَزْمُ عَلى تَعْظِيمِهِ بِاللِّسانِ والجَوارِحِ فَذَلِكَ العَزْمُ القَلْبِيُّ مَعَ الإقْرارِ بِاللِّسانِ والعَمَلِ بِالجَوارِحِ، فَإذا بَيَّنّا أنَّهُما لا يُجِيبانِ كانَ العَزْمُ بِأنْ لا يَجِبَ أوْلى.

وأمّا الشُّكْرُ بِاللِّسانِ فَهو إمّا أنْ يُقِرَّ بِالِاعْتِرافِ لَهُ بِكَوْنِهِ مُنْعِمًا أوْ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ فَهَذا غَيْرُ واجِبٍ بِالِاتِّفاقِ بَلْ هو مِن بابِ المَندُوباتِ.

وأمّا الشُّكْرُ بِالجَوارِحِ والأعْضاءِ فَهو أنْ يَأْتِيَ بِأفْعالٍ دالَّةٍ عَلى تَعْظِيمِهِ، وذَلِكَ أيْضًا غَيْرُ واجِبٍ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ظَهَرَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ القَوْلُ بِوُجُوبِ الشُّكْرِ قُلْنا: الَّذِي تَلَخَّصَ في هَذا البابِ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ اعْتِقادُ كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلتَّعْظِيمِ وإظْهارُ ذَلِكَ بِاللِّسانِ أوْ بِسائِرِ الأفْعالِ إنْ وُجِدَتْ هُناكَ تُهْمَةٌ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ إنْ كُنْتُمْ عارِفِينَ بِاللَّهِ وبِنِعَمِهِ، فَعَبَّرَ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى بِعِبادَتِهِ، إطْلاقًا لِاسْمِ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ.

وثانِيها: مَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ فاشْكُرُوهُ، فَإنَّ الشُّكْرَ رَأْسُ العِباداتِ.

وثالِثُها: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ الَّذِي رَزَقَكم هَذِهِ النِّعَمَ ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أيْ إنْ صَحَّ أنَّكم تَخُصُّونَهُ بِالعِبادَةِ وتُقِرُّونَ أنَّهُ سُبْحانَهُ المُنْعِمُ لا غَيْرُهُ، عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ

صفحة ١٠

النَّبِيِّ ﷺ: ”يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: «إنِّي والجِنَّ والإنْسَ في نَبَأٍ عَظِيمٍ أخْلُقُ ويُعْبَدُ غَيْرِي، وأرْزُقُ ويُشْكَرُ غَيْرِي» “ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ: إنَّ المُعَلَّقَ بِلَفْظِ: (إنْ)، لا يَكُونُ عَدَمًا عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ تَعالى عَلَّقَ الأمْرَ بِالشُّكْرِ بِكَلِمَةِ (إنْ) عَلى فِعْلِ العِبادِ، مَعَ أنَّ مَن لا يَفْعَلُ هَذِهِ العِباداتِ يَجِبُ عَلَيْهِ الشُّكْرُ أيْضًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском