Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:173

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:173

2:173Page 26

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٧٣

He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], there is no sin upon him. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أمَرَنا في الآيَةِ السّالِفَةِ بِتَناوُلِ الحَلالِ فَصَّلَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعَ الحَرامِ. والكَلامُ فِيها عَلى نَوْعَيْنِ:

النَّوْعُ الأوَّلُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالتَّفْسِيرِ.

والنَّوْعُ الثّانِي: ما يَتَعَلَّقُ بِالأحْكامِ الَّتِي اسْتَنْبَطَها العُلَماءُ مِن هَذِهِ الآيَةِ.

فالنَّوْعُ الأوَّلُ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ ﴿إنَّما﴾ عَلى وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ حَرْفًا واحِدًا، كَقَوْلِكَ: إنَّما دارِي دارُكَ، وإنَّما مالِي مالُكَ.

الثّانِي: أنْ تَكُونَ (ما) مُنْفَصِلَةً مِن: ”إنَّ“ وتَكُونُ (ما) بِمَعْنى الَّذِي، كَقَوْلِكَ: إنَّ ما أخَذْتَ مالُكَ، وإنَّ ما رَكِبْتَ دابَّتُكَ، وجاءَ في التَّنْزِيلِ عَلى الوَجْهَيْنِ؛ أمّا عَلى الأوَّلِ فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] و﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢] .

وأمّا عَلى الثّانِي فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ [طه: ٦٩] ولَوْ نَصَبْتَ ”كَيْدَ ساحِرٍ“ عَلى أنْ تَجْعَلَ ”إنَّما“ حَرْفًا واحِدًا كانَ صَوابًا، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ [العنكبوت: ٢٥] تَنْصِبُ المَوَدَّةَ وتَرْفَعُ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، واخْتَلَفُوا في حُكْمِها عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، فَمِنهم مَن قالَ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ والشِّعْرِ والقِياسِ؛ أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] أيْ ما هو إلّا إلَهٌ واحِدٌ، وقالَ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] أيْ لَهم لا لِغَيْرِهِمْ، وقالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠] أيْ ما أنا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم، وكَذا هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَصارَتِ الآيَتانِ واحِدَةً، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلّا كَذا في تِلْكَ الآيَةِ، وأمّا الشِّعْرُ فَقَوْلُ الأعْشى:

ولَسْتُ بِالأكْثَرِ مِنهم حَصًى وإنَّما العِزَّةُ لِلْكاثِرِ

وقَوْلُ الفَرَزْدَقِ:

أنا الذّائِدُ الحامِي الذِّمارَ وإنَّما ∗∗∗ يُدافِعُ عَنْ أحْسابِهِ أنا أوْ مِثْلِي

وأمّا القِياسُ، فَهو أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّ“ لِلْإثْباتِ وكَلِمَةَ (ما) لِلنَّفْيِ، فَإذا اجْتَمَعا فَلا بُدَّ وأنْ يَبْقَيا عَلى أصْلَيْهِما؛ فَإمّا أنْ يُفِيدا ثُبُوتَ غَيْرِ المَذْكُورِ ونَفْيَ المَذْكُورِ - وهو باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ - أوْ ثُبُوتَ المَذْكُورِ ونَفْيَ غَيْرِ

صفحة ١١

المَذْكُورِ وهو المَطْلُوبُ.

واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّهُ لا يُفِيدُ الحَصْرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢] ولَقَدْ كانَ غَيْرُهُ نَذِيرًا، وجَوابُهُ؛ مَعْناهُ: ما أنْتَ إلّا نَذِيرٌ فَهو يُفِيدُ الحَصْرَ، ولا يَنْفِي وُجُودَ نَذِيرٍ آخَرَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ (حَرَّمَ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ و(حُرِّمَ) لِلْبِناءِ لِلْمَفْعُولِ و(حَرُمَ) بِوَزْنِ كَرُمَ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: المَيْتَةُ ما فارَقَتْهُ الرُّوحُ مِن غَيْرِ ذَكاةٍ مِمّا يُذْبَحُ، وأمّا الدَّمُ فَكانَتِ العَرَبُ تَجْعَلُ الدَّمَ في المَباعِرِ وتَشْوِيها ثُمَّ تَأْكُلُها، فَحَرَّمَ اللَّهُ الدَّمَ، وقَوْلُهُ: (لَحْمَ الخِنْزِيرِ) أرادَ الخِنْزِيرَ بِجَمِيعِ أجْزائِهِ، لَكِنَّهُ خَصَّ اللَّحْمَ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالأكْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ قالَ الأصْمَعِيُّ: الإهْلالُ أصْلُهُ رَفْعُ الصَّوْتِ، فَكُلُّ رافِعٍ صَوْتَهُ فَهو مُهِلٌّ، وقالَ ابْنُ أحْمَرَ:

يُهِلُّ بِالفَرْقَدِ رُكْبانُها كَما يُهِلُّ الرّاكِبُ المُعْتَمِرْ

هَذا مَعْنى الإهْلالِ في اللُّغَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلْمُحْرِمِ مُهِلٌّ لِرَفْعِهِ الصَّوْتَ بِالتَّلْبِيَةِ عِنْدَ الإحْرامِ، هَذا مَعْنى الإهْلالِ، يُقالُ: أهَلَّ فُلانٌ بِحَجَّةٍ أوْ عُمْرَةٍ أيْ أحْرَمَ بِها، وذَلِكَ لِأنَّهُ يَرْفَعُ الصَّوْتَ بِالتَّلْبِيَةِ عِنْدَ الإحْرامِ، والذّابِحُ مُهِلٌّ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يُسَمُّونَ الأوْثانَ عِنْدَ الذَّبْحِ، ويَرْفَعُونَ أصْواتَهم بِذِكْرِها، ومِنهُ: اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي ما ذُبِحَ لِلْأصْنامِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي ما ذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ، وهَذا القَوْلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ أشَدُّ مُطابَقَةً لِلَّفْظِ، قالَ العُلَماءُ: لَوْ أنَّ مُسْلِمًا ذَبَحَ ذَبِيحَةً، وقَصَدَ بِذَبْحِها التَّقَرُّبَ إلى غَيْرِ اللَّهِ صارَ مُرْتَدًّا، وذَبِيحَتُهُ ذَبِيحَةُ مُرْتَدٍّ، وهَذا الحُكْمُ في غَيْرِ ذَبائِحِ أهْلِ الكِتابِ، أمّا ذَبائِحُ أهْلِ الكِتابِ، فَتَحِلُّ لَنا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] .

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ: ”فَمَنُ اضْطُرَّ“ بِضَمِّ النُّونِ والباقُونَ بِالكَسْرِ، فالضَّمُّ لِلْإتْباعِ، والكَسْرُ عَلى أصْلِ الحَرَكَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اضْطُرَّ: أُحْوِجَ وأُلْجِئَ، وهو افْتُعِلَ مِنَ الضَّرُورَةِ، وأصْلُهُ مِنَ الضَّرَرِ، وهو الضِّيقُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمّا حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الأشْياءَ، اسْتَثْنى عَنْها حالَ الضَّرُورَةِ، وهَذِهِ الضَّرُورَةُ لَها سَبَبانِ:

أحَدُهُما: الجُوعُ الشَّدِيدُ، وأنْ لا يَجِدَ مَأْكُولًا حَلالًا يَسُدُّ بِهِ الرَّمَقَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ مُضْطَرًّا.

الثّانِي: إذا أكْرَهَهُ عَلى تَناوُلِهِ مُكْرِهٌ، فَيَحِلُّ لَهُ تَناوُلُهُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ الِاضْطِرارَ لَيْسَ مِن أفْعالِ المُكَلَّفِ، حَتّى يُقالَ: إنَّهُ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَإذَنْ لا بُدَّ هَهُنا مِن إضْمارٍ وهو الأكْلُ والتَّقْدِيرُ: فَمَنِ اضْطُرَّ فَأكَلَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، والحَذْفُ هَهُنا كالحَذْفِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أيْ فَأفْطَرَ فَحَذَفَ فَأفْطَرَ وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] ومَعْناهُ فَحَلَقَ فَفِدْيَةٌ، وإنَّما جازَ الحَذْفُ لِعِلْمِ المُخاطَبِينَ بِالحَذْفِ، ولِدَلالَةِ الخِطابِ عَلَيْهِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ١٢

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ (غَيْرَ) هَهُنا لا تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّ (غَيْرَ) هَهُنا بِمَعْنى النَّفْيِ، ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْها ”لا“ لِأنَّها في مَعْنى: لا، وهي هَهُنا حالٌ لِلْمُضْطَرِّ، كَأنَّكَ قُلْتَ: فَمَنِ اضْطُرَّ لا باغِيًا، ولا عادِيًا فَهو لَهُ حَلالٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أصْلُ البَغْيِ في اللُّغَةِ الفَسادُ وتَجاوُزُ الحَدِّ، قالَ اللَّيْثُ: البَغْيُ في عَدْوِ الفَرَسِ اخْتِيالٌ ومُرُوحٌ، وأنَّهُ يَبْغِي في عَدْوِهِ ولا يُقالُ: فَرَسٌ باغٍ. والبَغْيُ الظُّلْمُ والخُرُوجُ عَنِ الإنْصافِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] وقالَ الأصْمَعِيُّ: بَغى الجُرْحُ يَبْغِي بَغْيًا، إذا بَدَأ بِالفَسادِ، وبَغَتِ السَّماءُ، إذا كَثُرَ مَطَرُها حَتّى تَجاوَزَ الحَدَّ، وبَغى الجُرْحُ والبَحْرُ والسَّحابُ إذا طَغى.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا عادٍ﴾ فالعَدْوُ هو التَّعَدِّي في الأُمُورِ، وتَجاوُزُ ما يَنْبَغِي أنْ يَقْتَصِرَ عَلَيْهِ، يُقالُ عَدا عَلَيْهِ عَدْوًا، وعُدْوانًا، واعْتِداءً وتَعَدِّيًا، إذا ظَلَمَهُ ظُلْمًا مُجاوِزًا لِلْحَدِّ، وعَدا طَوْرَهُ: جاوَزَ قَدْرَهُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِأهْلِ التَّأْوِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ مُخْتَصًّا بِالأكْلِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ عامًّا في الأكْلِ وغَيْرِهِ. أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ وذَلِكَ بِأنْ يَجِدَ حَلالًا تَكْرَهُهُ النَّفْسُ، فَعَدَلَ إلى أكْلِ الحَرامِ اللَّذِيذِ ﴿ولا عادٍ﴾ أيْ مُتَجاوِزٍ قَدْرَ الرُّخْصَةِ.

الثّانِي: غَيْرَ باغٍ لِلَذَّةِ أيْ طالِبٍ لَها، ولا عادٍ مُتَجاوِزِ سَدِّ الجَوْعَةِ، عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ والرَّبِيعِ ومُجاهِدٍ وابْنِ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: غَيْرُ باغٍ عَلى مُضْطَرٍّ آخَرَ بِالِاسْتِيلاءِ عَلَيْهِ، ولا عادٍ في سَدِّ الجَوْعَةِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى غَيْرَ باغٍ عَلى إمامِ المُسْلِمِينَ في السَّفَرِ، مِنَ البَغْيِ، ولا عادٍ بِالمَعْصِيَةِ أيْ مُجاوِزٍ طَرِيقَةَ المُحِقِّينَ، والكَلامُ في تَرْجِيحِ أحَدِ هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ عَلى الآخَرِ سَيَجِيءُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ:

أحَدُهُما: أنَّ الأكْلَ في تِلْكَ الحالَةِ واجِبٌ وقَوْلُهُ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ يُفِيدُ الإباحَةَ.

الثّانِي: أنَّ المُضْطَرَّ كالمُلْجَأِ إلى الفِعْلِ والمُلْجَأُ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ لا إثْمَ عَلَيْهِ، قُلْنا: قَدْ بَيَّنّا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ [البقرة: ١٥٨] أنَّ نَفْيَ الإثْمِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الواجِبِ والمَندُوبِ والمُباحِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ مَعْناهُ رَفْعُ الحَرَجِ والضِّيقِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الجائِعَ إنْ حَصَلَتْ فِيهِ شَهْوَةُ المَيْتَةِ، ولَمْ يَحْصُلْ فِيهِ النُّفْرَةُ الشَّدِيدَةُ فَإنَّهُ يَصِيرُ مُلْجَأً إلى تَناوُلِ ما يَسُدُّ بِهِ الرَّمَقَ كَما يَصِيرُ مُلْجَأً إلى الهَرَبِ مِنَ السَّبُعِ إذا أمْكَنَهُ ذَلِكَ، أمّا إذا حَصَلَتِ النُّفْرَةُ الشَّدِيدَةُ فَإنَّهُ بِسَبَبِ تِلْكَ النُّفْرَةِ يَخْرُجُ عَنْ أنْ يَكُونَ مُلْجَأً ولَزِمَهُ تَناوُلُ المَيْتَةِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ النِّفارِ، وهَهُنا يَتَحَقَّقُ مَعْنى الوُجُوبِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَفِيهِ إشْكالٌ وهو أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ فَكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يَقُولَ بَعْدَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَإنَّ الغُفْرانَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ حُصُولِ الإثْمِ.

والجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:

أحَدُهُما: أنَّ المُقْتَضِيَ لِلْحُرْمَةِ قائِمٌ في المَيْتَةِ والدَّمِ، إلّا أنَّهُ زالَتِ الحُرْمَةُ لِقِيامِ المُعارِضِ، فَلَمّا كانَ تَناوُلُهُ تَناوُلًا لِما حَصَلَ فِيهِ المُقْتَضِي لِلْحُرْمَةِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالمَغْفِرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّهُ رَحِيمٌ، يَعْنِي لِأجْلِ الرَّحْمَةِ عَلَيْكم أبَحْتُ لَكم ذَلِكَ.

وثانِيها: لَعَلَّ المُضْطَرَّ يَزِيدُ عَلى تَناوُلِ الحاجَةِ، فَهو

صفحة ١٣

سُبْحانَهُ غَفُورٌ بِأنْ يَغْفِرَ ذَنْبَهُ في تَناوُلِ الزِّيادَةِ، رَحِيمٌ حَيْثُ أباحَ في تَناوُلِ قَدْرِ الحاجَةِ.

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ هَذِهِ الأحْكامَ عَقَّبَها بِكَوْنِهِ غَفُورًا رَحِيمًا؛ لِأنَّهُ غَفُورٌ لِلْعُصاةِ إذا تابُوا، رَحِيمٌ بِالمُطِيعِينَ المُسْتَمِرِّينَ عَلى نَهْجِ حُكْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

* * *

النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ المَسائِلُ الفِقْهِيَّةُ الَّتِي اسْتَنْبَطَها العُلَماءُ مِنها وهي مُرَتَّبَةٌ عَلى فُصُولٍ:

الفَصْلُ الأوَّلُ

فِيما يَتَعَلَّقُ بِالمَيْتَةِ

والكَلامُ فِيهِ مُرَتَّبٌ عَلى مُقَدِّمَةٍ ومَقاصِدَ:

أمّا المُقَدِّمَةُ: فَفِيها ثَلاثُ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ التَّحْرِيمَ المُضافَ إلى الأعْيانِ، هَلْ يَقْتَضِي الإجْمالَ ؟ فَقالَ الكَرْخِيُّ: إنَّهُ يَقْتَضِي الإجْمالَ؛ لِأنَّ الأعْيانَ لا يُمْكِنُ وصْفُها بِالحِلِّ والحُرْمَةِ، فَلا بُدَّ مِن صَرْفِهِما إلى فِعْلٍ مِن أفْعالِنا فِيها، ولَيْسَتْ جَمِيعُ أفْعالِنا فِيها مُحَرَّمَةً؛ لِأنَّ تَبْعِيدَها عَنِ النَّفْسِ وعَمّا يُجاوِزُ المَكانَ فِعْلٌ مِنَ الأفْعالِ فِيها، وهو غَيْرُ مُحَرَّمٍ، فَإذَنْ لا بُدَّ مِن صَرْفِ هَذا التَّحْرِيمِ إلى فِعْلٍ خاصٍّ، ولَيْسَ بَعْضُ الأفْعالِ أوْلى مِن بَعْضٍ فَوَجَبَ صَيْرُورَةُ الآيَةِ مُجْمَلَةً، وأمّا أكْثَرُ العُلَماءِ فَإنَّهم أصَرُّوا عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُجْمَلاتِ، بَلْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ تُفِيدُ في العُرْفِ حُرْمَةَ التَّصَرُّفِ في هَذِهِ الأجْسامِ، كَما أنَّ الذَّواتِ لا تُمَلَّكُ وإنَّما يُمْلَكُ التَّصَرُّفاتُ فِيها، فَإذا قِيلَ: فُلانٌ يَمْلِكُ جارِيَةً فَهِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيها فَكَذا هُنا، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا الكَلامَ فِيهِ مِن كِتابِ المَحْصُولِ في عِلْمِ الأُصُولِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَمّا ثَبَتَ الأصْلُ الَّذِي قَدَّمْناهُ وجَبَ أنْ تَدُلَّ الآيَةُ عَلى حُرْمَةِ جَمِيعِ التَّصَرُّفاتِ إلّا ما أخْرَجَهُ الدَّلِيلُ المُخَصِّصُ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ تَخْصِيصُ هَذا التَّحْرِيمِ بِالأكْلِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ المُتَعارَفَ مِن تَحْرِيمِ المَيْتَةِ تَحْرِيمُ أكْلِها.

وثانِيها: أنَّهُ ورَدَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ .

وثالِثُها: ما رُوِيَ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ في خَبَرِ شاةِ مَيْمُونَةَ، إنَّما حَرُمَ مِنَ المَيْتَةِ أكْلُها.

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُتَعارَفَ مِن تَحْرِيمِ المَيْتَةِ تَحْرِيمُ أكْلِها.

وعَنِ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها فَلا يَجِبُ قَصْرُها عَلى ما تَقَدَّمَ، بَلْ يَجِبُ إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها.

وعَنِ الثّالِثِ: أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ مُقَدَّمٌ عَلى خَبَرِ الواحِدِ، لَكِنَّ هَذا إنَّما يَسْتَقِيمُ إذا لَمْ يُجَوَّزْ تَخْصِيصُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ المُسْلِمِينَ إنَّما رَجَعُوا في مَعْرِفَةِ وُجُوهِ الحُرْمَةِ إلى هَذِهِ الآيَةِ، فَدَلَّ انْعِقادُ إجْماعِهِمْ عَلى أنَّها غَيْرُ مَخْصُوصَةٍ بِبَيانِ حُرْمَةِ الأكْلِ، ولِلسّائِلِ أنَّ يَمْنَعَ هَذا الإجْماعَ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المَيْتَةُ مِن حَيْثُ اللُّغَةُ هو الَّذِي خَرَجَ مِن أنْ يَكُونَ حَيًّا مِن دُونِ نَقْضٍ بِنِيَّةٍ، ولِذَلِكَ فَرَّقُوا بَيْنَ المَقْتُولِ والمَيِّتِ، وأمّا مِن جِهَةِ الشَّرْعِ فَهو غَيْرُ المُذَكّى، إمّا لِأنَّهُ لَمْ يُذْبَحْ أوْ أنَّهُ ذُبِحَ ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ ذَبْحُهُ ذَكاةً. وسَنَذْكُرُ حَدَّ الذَّكاةِ في مَوْضِعِهِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ وقَدْ قالَ تَعالى في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] ثُمَّ ذَكَرَ مِن بَعْدِهِ المُنْخَنِقَةَ والمَوْقُوذَةَ والمُتَرَدِّيَةَ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ غَيْرَ

صفحة ١٤

المُذَكّى مِنهُ ما هو مَيْتَةٌ ومِنهُ ما لَيْسَ كَذَلِكَ، قُلْنا: لَعَلَّ الأمْرَ كانَ في ابْتِداءِ الشَّرْعِ عَلى أصْلِ اللُّغَةِ، وأمّا بَعْدَ اسْتِقْرارِ الشَّرْعِ فالمَيْتَةُ ما ذَكَرْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ.

أمّا المَقاصِدُ؛ فاعْلَمْ أنَّ الخَطَأ في المَسائِلِ المُسْتَنْبَطَةِ مِن هَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: ما أخْرَجُوهُ عَنِ الآيَةِ وهو داخِلٌ فِيها.

والثّانِي: ما أدْخَلُوهُ فِيها وهو خارِجٌ عَنْها.

أمّا القِسْمُ الأوَّلُ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَهَبَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في أظْهَرِ أقْوالِهِ إلى أنَّهُ يَحْرُمُ الِانْتِفاعُ بِصُوفِ المَيْتَةِ وشَعْرِها وعَظْمِها. وقالَ مالِكٌ: يَحْرُمُ الِانْتِفاعُ بِعَظْمِها خاصَّةً. وجُلُّ الفُقَهاءِ اتَّفَقُوا عَلى تَحْرِيمِ الِانْتِفاعِ بِشَعْرِ الخِنْزِيرِ، واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مَيْتَةٌ فَوَجَبَ أنْ يَحْرُمَ الِانْتِفاعُ بِها، إنَّما قُلْنا: إنَّها مَيْتَةٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما أُبِينَ مِن حَيٍّ فَهو مَيِّتٌ» “ وهَذا الخَبَرُ يَعُمُّ الشَّعْرَ والعَظْمَ والكُلَّ، وأمّا الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ العَظْمَ مَيْتَةٌ خاصَّةً فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] فَثَبَتَ أنَّها كانَتْ حَيَّةً فَعِنْدَ المَوْتِ تَصِيرُ مَيْتَةً، وإذا ثَبَتَ أنَّها مَيْتَةٌ وجَبَ أنْ يَحْرُمَ الِانْتِفاعُ بِها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ .

اعْتَرَضَ المُخالِفُ عَلَيْهِ بِأنَّ الشَّعْرَ والصُّوفَ لا حَياةَ فِيهِ؛ لِأنَّ حُكْمَ الحَياةِ الإدْراكُ والشُّعُورُ وذَلِكَ مَفْقُودٌ في الشَّعْرِ، ولِأجْلِ هَذا الكَلامِ ذَهَبَ مالِكٌ إلى تَنْجِيسِ العِظامِ دُونَ الشُّعُورِ.

والجَوابُ: أنَّ الحَياةَ لَيْسَتْ عِبارَةً عَنِ المَعْنى المُقْتَضِي لِلْإدْراكِ والشُّعُورِ بِدَلِيلِ الآيَةِ والخَبَرِ؛ أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الروم: ٥٠] وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن أحْيا أرْضًا مَيْتَةً فَهي لَهُ» “ والأصْلُ في الإطْلاقِ الحَقِيقَةُ، فَعَلِمْنا أنَّ الحَياةَ في أصْلِ اللُّغَةِ لَيْسَتْ عِبارَةً عَمّا ذَكَرْتُمُوهُ، بَلْ عَنْ كَوْنِ الحَيَوانِ أوِ النَّباتِ صَحِيحًا في مِزاجِهِ مُعْتَدِلًا في حالِهِ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لِلْفَسادِ والتَّعَفُّنِ والتَّفَرُّقِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ظَهَرَ انْدِراجُهُ تَحْتَ الآيَةِ.

واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِالقُرْآنِ والخَبَرِ والإجْماعِ والقِياسِ:

أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ [النحل: ٣٠] حَيْثُ ذَكَرَها في مَعْرِضِ المِنَّةِ، والِامْتِنانُ لا يَقَعُ بِالنَّجَسِ الَّذِي لا يَحِلُّ الِانْتِفاعُ بِهِ.

وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في شاةِ مَيْمُونَةَ ”«إنَّما حَرُمَ مِنَ المَيْتَةِ أكْلُها» “ وأمّا الإجْماعُ، فَهو أنَّهم كانُوا يَلْبَسُونَ جُلُودَ الثَّعالِبِ، ويَجْعَلُونَ مِنها القَلانِسَ، وعَنِ النَّخَعِيِّ: كانُوا لا يَرَوْنَ بِجُلُودِ السِّباعِ وجُلُودِ المَيْتَةِ إذا دُبِغَتْ بَأْسًا، وما خَصُّوا حالَ الشَّعْرِ وعَدَمَهُ، وقَوْلُ الشّافِعِيِّ: ”كانُوا“ إشارَةٌ إلى الصَّحابَةِ ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: الثَّعْلَبُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَلالٌ، فَلِهَذا يَقُولُ بِإباحَتِهِ؛ لِأنَّ الذَّكاةَ شَرْطٌ بِالِاتِّفاقِ وهو غَيْرُ حاصِلٍ في هَذِهِ الثَّعالِبِ.

وأمّا القِياسُ فَلِأنَّ هَذِهِ الشُّعُورَ والعِظامَ أجْسامٌ مُنْتَفَعٌ بِها غَيْرُ مُتَعَرِّضَةٍ لِلتَّعَفُّنِ والفَسادِ، فَوَجَبَ أنْ يُقْضى بِطَهارَتِها كالجُلُودِ المَدْبُوغَةِ، وأمّا النَّفْعُ بِشَعْرِ الخِنْزِيرِ: فَفي الفُقَهاءِ مَن مَنَعَ نَجاسَتَهُ وهو الأسْلَمُ، ثُمَّ قالُوا: هَبْ أنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ يَقْتَضِي حُرْمَةَ الِانْتِفاعِ بِالصُّوفِ والعَظْمِ وغَيْرِهِما إلّا أنَّ هَذِهِ الدَّلائِلَ تُنْتِجُ الِانْتِفاعَ بِها، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ فَكانَ هَذا الجانِبُ أوْلى بِالرِّعايَةِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إذا ماتَ في الماءِ دابَّةٌ لَيْسَ لَها نَفْسٌ سائِلَةٌ لَمْ يُفْسِدِ الماءَ قَلَّ أوْ كَثُرَ. ولِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْلانِ في الماءِ القَلِيلِ، واحْتَجُّوا لِلشّافِعِيِّ بِأنَّها حَيَواناتٌ، فَإذا ماتَتْ صارَتْ مَيْتَةً فَيَحْرُمُ اسْتِعْمالُها بِمُقْتَضى الآيَةِ، وإذا حَرُمَ اسْتِعْمالُها بِمُقْتَضى الآيَةِ وجَبَ الحُكْمُ بِنَجاسَتِها، وإذا ثَبَتَ الحُكْمُ بِنَجاسَتِها، وجَبَ الحُكْمُ بِنَجاسَةِ الماءِ القَلِيلِ الَّذِي وقَعَتْ هي فِيهِ، وأجابُوا

صفحة ١٥

عَنْهُ بِأنَّهُ مَيْتَةٌ، ويَحْرُمُ الِانْتِفاعُ بِها ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إنَّها مَتى كانَتْ كَذَلِكَ كانَتْ نَجِسَةً، ثُمَّ لَمْ يَلْزَمْ مِن نَجاسَتِها تَنَجُّسُ الماءِ بِها، واحْتَجُّوا عَلى القَوْلِ الثّانِي لِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إذا وقَعَ الذُّبابُ في إناءِ أحَدِكم فامْقُلُوهُ ثُمَّ انْقُلُوهُ، فَإنَّ في أحَدِ جَناحَيْهِ داءً وفي الآخَرِ دَواءً» “ وأمَرَ بِالمَقْلِ فَرُبَّما كانَ الطَّعامُ حارًّا فَيَمُوتُ الذُّبابُ فِيهِ فَلَوْ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلتَّنْجِيسِ لَما أمَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِلْفُقَهاءِ مَذاهِبُ سَبْعَةٌ في أمْرِ الدِّباغِ، فَأوْسَعُ النّاسِ فِيهِ قَوْلًا الزُّهْرِيُّ، فَإنَّهُ يُجَوِّزُ اسْتِعْمالَ الجُلُودِ بِأسْرِها قَبْلَ الدِّباغِ، ويَلِيهِ داوُدُ فَإنَّهُ قالَ: تَطْهُرُ كُلُّها بِالدِّباغِ، ويَلِيهِ مالِكٌ فَإنَّهُ قالَ: يَطْهُرُ ظاهِرُها دُونَ باطِنِها، ويَلِيهِ أبُو حَنِيفَةَ فَإنَّهُ قالَ: يَطْهُرُ كُلُّها إلّا جِلْدَ الخِنْزِيرِ، ويَلِيهِ الشّافِعِيُّ فَإنَّهُ قالَ: يَطْهُرُ الكُلُّ إلّا جِلْدَ الكَلْبِ والخِنْزِيرِ، ويَلِيهِ الأوْزاعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ فَإنَّهُما يَقُولانِ: يَطْهُرُ جِلْدُ ما يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَقَطْ، ويَلِيهِ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَإنَّهُ قالَ: لا يَطْهُرُ مِنها شَيْءٌ بِالدِّباغِ، واحْتَجَّ أحْمَدُ بِالآيَةِ والخَبَرِ، أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أطْلَقَ التَّحْرِيمَ وما قَيَّدَهُ بِحالٍ دُونَ حالٍ.

وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكِيمٍ: أتانا كِتابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ وفاتِهِ أنْ لا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإهابٍ ولا عَصَبٍ، أجابُوا عَنِ التَّمَسُّكِ بِالآيَةِ، بِأنَّ تَخْصِيصَ العُمُومِ بِخَبَرِ الواحِدِ وبِالقِياسِ جائِزٌ، وقَدْ وجَدا هَهُنا خَبَرَ الواحِدِ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أيُّما إهابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» “ .

وأمّا القِياسُ: فَهو أنَّ الدِّباغَ يُعِيدُ الجِلْدَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ حالَ الحَياةِ، وكَما كانَ حالُ الحَياةِ طاهِرًا كَذَلِكَ بَعْدَ الدِّباغِ، وهَذا القِياسُ والخَبَرُ هُما مُعْتَمَدُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ الِانْتِفاعُ بِالمَيْتَةِ، بِإطْعامِ البازِي والبَهِيمَةِ، فَمِنهم مَن مَنَعَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ إذا أطْعَمَ البازِي ذَلِكَ فَقَدِ انْتَفَعَ بِتِلْكَ المَيْتَةِ، والآيَةُ دالَّةٌ عَلى تَحْرِيمِ الِانْتِفاعِ بِالمَيْتَةِ، فَأمّا إذا أقْدَمَ البازِي مِن عِنْدِ نَفْسِهِ عَلى أكْلِ المَيْتَةِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْنا مَنعُهُ أمْ لا فِيهِ احْتِمالانِ.

* * *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في دُهْنِ المَيْتَةِ ووَدَكِها هَلْ يَجُوزُ الِاسْتِصْباحُ بِهِ أمْ لا، وهَذا يُنْظَرُ فِيهِ فَإنْ كانَ ذَلِكَ مِمّا حَلَّتْهُ الحَياةُ، أوْ في جُمْلَتِهِ ما هو هَذا حالُهُ، فالظّاهِرُ يَقْتَضِي المَنعَ مِنهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهو خارِجٌ مِن جُمْلَةِ المَيْتَةِ، وإنَّما يُحَرِّمُ ذَلِكَ الدَّلِيلُ سِوى الظّاهِرِ، وعَنْ عَطاءِ بْنِ جابِرٍ قالَ لَمّا قَدِمَ الرَّسُولُ ﷺ مَكَّةَ أتاهُ الَّذِينَ يَجْمَعُونَ الأوْداكَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا نَجْمَعُ الأوْداكَ وهي مِنَ المَيْتَةِ وغَيْرِها وإنَّما هي لِلْأدِيمِ والسُّفُنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَباعُوها وأكَلُوا أثْمانَها» “ فَنَهاهم عَنْ ذَلِكَ وأخْبَرَهم بِأنَّ تَحْرِيمَهُ إيّاها عَلى الإطْلاقِ أوْجَبَ تَحْرِيمَ بَيْعِها كَما أوْجَبَ تَحْرِيمَ أكْلِها.

* * *

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: الظّاهِرُ يَقْتَضِي حُرْمَةَ السَّمَكِ والجَرادِ إلّا أنَّهُما خُصّا بِالخَبَرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ، أمّا المَيْتَتانِ فالجَرادُ والنُّونُ وأمّا الدَّمانِ فالطِّحالُ والكَبِدُ» “ وعَنْ جابِرٍ في قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ: أنَّ البَحْرَ ألْقى إلَيْهِمْ حُوتًا فَأكَلُوا مِنهُ نِصْفَ شَهْرٍ، فَلَمّا رَجَعُوا أخْبَرُوا النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ فَقالَ: ”«هَلْ عِنْدَكم مِنهُ شَيْءٍ تُطْعِمُونِي» ؟“ وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في صِفَةِ البَحْرِ: ”«هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» “ وأيْضًا فَإنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: حِلُّ السَّمَكِ، واخْتَلَفُوا في السَّمَكِ الطّافِي وهو الَّذِي يَمُوتُ في الماءِ حَتْفَ أنْفِهِ، فَقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا بَأْسَ بِهِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: إنَّهُ مَكْرُوهٌ واخْتَلَفَ الصَّحابَةُ في هَذِهِ المَسْألَةِ فَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما طَفا مِن صَيْدِ البَحْرِ فَلا نَأْكُلُهُ، وهَذا أيْضًا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ،

صفحة ١٦

ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأبِي أيُّوبَ إباحَتُهُ، ورَوى أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ رِواياتٍ مُخْتَلِفَةً عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«ما ألْقى البَحْرُ أوْ جَرَزَ عَنْهُ فَكُلُوهُ، وما ماتَ فِيهِ وطَفا فَلا تَأْكُلُوهُ» “ .

وأمّا الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَدِ احْتَجَّ بِالآيَةِ والخَبَرِ والمَعْقُولِ:

أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] وهَذا السَّمَكُ الطّافِي مِن طَعامِ البَحْرِ فَوَجَبَ حِلُّهُ.

وأمّا الخَبَرُ؛ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ السَّمَكُ والجَرادُ» “ وهَذا مُطْلَقٌ، وقَوْلُهُ في البَحْرِ: ”«هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» “ وهَذا عامٌّ، ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«كُلُّ ما طَفا عَلى البَحْرِ» “ .

* * *

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا بَأْسَ بِأكْلِ الجَرادِ كُلِّهِ ما أخَذْتَهُ وما وجَدْتَهُ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ ما وُجِدَ مَيِّتًا لا يَحِلُّ، وأمّا ما أُخِذَ حَيًّا ثُمَّ قُطِعَ رَأْسُهُ وشُوِيَ أُكِلَ، وما أُخِذَ حَيًّا فَغُفِلَ عَنْهُ حَتّى يَمُوتَ لَمْ يُؤْكَلْ.

حُجَّةُ مالِكٍ ظاهِرُ الآيَةِ، وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ السَّمَكُ والجَرادُ» “ فَوَجَبَ حَمْلُهُما عَلى الإطْلاقِ، فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ قَطْعَ رَأْسِهِ إنْ جُعِلَ لَهُ ذَكاةً فَهو كالشّاةِ المُذَكّاةِ في أنَّهُ لا يَكُونُ مَيْتَةً، فَلا يَكُونُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ» “ فائِدَةٌ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى: «غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَواتٍ نَأْكُلُ الجَرادَ ولا نَأْكُلُ غَيْرَهُ، فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَيْتَةٍ وبَيْنَ مَقْتُولَةٍ» .

* * *

المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: اخْتَلَفُوا في الجَنِينِ إذا خَرَجَ مَيِّتًا بَعْدَ ذَبْحِ الأُمِّ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُؤْكَلُ إلّا أنْ يَخْرُجَ حَيًّا فَيُذْبَحَ، وهو قَوْلُ حَمّادٍ، وقالَ الشّافِعِيُّ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: إنَّهُ يُؤْكَلُ. وهَذا هو المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عُمَرَ.

وقالَ مالِكٌ: إنْ تَمَّ خَلْقُهُ ونَبَتَ شَعْرُهُ أُكِلَ، وإلّا لَمْ يُؤْكَلْ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ. واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، وهو أنَّهُ مَيْتَةٌ، فَوَجَبَ أنْ يَحْرُمَ. قالَ الشّافِعِيُّ، أُخَصِّصُ هَذا العُمُومَ بِالخَبَرِ والقِياسِ، أمّا الخَبَرُ فَهو أنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ المُذَكّى مُباحٌ وهَذا مُذَكًّى، لِما رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وأبُو الدَّرْداءِ، وأبُو أُمامَةَ، وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ عُمَرَ، وأبُو أيُّوبَ، وأبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«ذَكاةُ الجَنِينِ ذَكاةُ أُمِّهِ» “ وتَقْرِيرُهُ أنَّ كَوْنَ الذَّكاةِ سَبَبًا لِلْإباحَةِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَجازَ أنْ تَكُونَ ذَكاةُ الجَنِينِ حاصِلَةً شَرْعًا بِتَحْصِيلِ ذَكاةِ أُمِّهِ.

أجابَ الحَنَفِيُّونَ بِأنَّ قَوْلَهُ: ”«ذَكاةُ الجَنِينِ ذَكاةُ أُمِّهِ» “ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ أنَّ ذَكاةَ أُمِّهِ ذَكاةٌ لَهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ إيجابَ تَذْكِيَتِهِ كَما تُذَكّى أُمُّهُ، وأنَّهُ لا يُؤْكَلُ بِغَيْرِ ذَكاةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] ومَعْناهُ كَعَرْضِ السَّماواتِ والأرْضِ، وكَقَوْلِ القائِلِ: قَوْلِي قَوْلُكَ، ومَذْهَبِي مَذْهَبُكَ، وإنَّما المَعْنى: قَوْلِي كَقَوْلِكَ، ومَذْهَبِي كَمَذْهَبِكَ، وقالَ الشّاعِرُ:

فَعَيْناكِ عَيْناها وجِيدُكِ جِيدُها

وإذا ثَبَتَ ما ذَكَرْنا كانَ أحَدُ الِاحْتِمالَيْنِ إيجابَ تَذْكِيَتِهِ وأنَّهُ لا يُؤْكَلُ غَيْرُ مُذَكًّى في نَفْسِهِ، والآخَرُ أنَّ ذَكاةَ أُمِّهِ تُبِيحُ أكْلَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُ الأمْرِ بَلْ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى المَعْنى المُوافِقِ لِلْآيَةِ.

أجابَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ عَلى الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ لا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ وهو أنَّ ذَكاةَ الجَنِينِ كَذَكاةِ أُمِّهِ، والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ.

وثانِيها: أنَّهُ لا يُسَمّى جَنِينًا إلّا حالَ كَوْنِهِ في بَطْنِ أُمِّهِ، ومَتى وُلِدَ لا يُسَمّى جَنِينًا، والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما أثْبَتَ لَهُ الذَّكاةَ حالَ كَوْنِهِ جَنِينًا، فَوَجَبَ أنْ

صفحة ١٧

يَكُونَ في تِلْكَ الحالَةِ مُذَكًّى بِذَكاتِها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском