Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:196

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:196

2:196Page 30

وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍ أَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٩٦

And complete the ḥajj and ʿumrah for Allāh. But if you are prevented, then [offer] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And do not shave your heads until the sacrificial animal has reached its place of slaughter. And whoever among you is ill or has an ailment of the head [making shaving necessary must offer] a ransom of fasting [three days] or charity1 or sacrifice.2 And when you are secure,3 then whoever performs ʿumrah [during the ḥajj months]4 followed by ḥajj [offers] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And whoever cannot find [or afford such an animal] - then a fast of three days during ḥajj and of seven when you have returned [home]. Those are ten complete [days]. This is for those whose family is not in the area of al-Masjid al-Ḥarām. And fear Allāh and know that Allāh is severe in penalty.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ”الحَجُّ“ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ القَصْدِ وإنَّما يُقالُ: حَجَّ فُلانٌ الشَّيْءَ إذا قَصَدَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وأدامَ الِاخْتِلافَ إلَيْهِ ”والحِجَّةُ“ بِكَسْرِ الحاءِ السَّنَةُ، وإنَّما قِيلَ لَها حِجَّةٌ لِأنَّ النّاسَ يَحُجُّونَ في كُلِّ سَنَةٍ، وأمّا في الشَّرْعِ فَهو اسْمٌ لِأفْعالٍ مَخْصُوصَةٍ مِنها أرْكانٌ ومِنها أبْعاضٌ ومِنها هَيْئاتٌ، فالأرْكانُ ما لا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ حَتّى يَأْتِيَ بِهِ والأبْعاضُ هي الواجِباتُ الَّتِي إذا تُرِكَ شَيْءٌ يُجْبَرُ بِالدَّمِ، والهَيْئاتُ ما لا يَجِبُ الدَّمُ عَلى تَرْكِها، والأرْكانُ عِنْدَنا خَمْسَةٌ: الإحْرامُ والوُقُوفُ بِعَرَفَةَ والطَّوافُ بِالبَيْتِ، والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، وفي حَلْقِ الرَّأْسِ أوْ تَقْصِيرِهِ قَوْلانِ: أصَحُّهُما أنَّهُ نُسُكٌ لا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ إلّا بِهِ، وأمّا الأبْعاضُ فَهي الإحْرامُ مِنَ المِيقاتِ والمُقامُ بِعَرَفَةَ إلى الغُرُوبِ في قَوْلٍ والبَيْتُوتَةُ بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ في قَوْلٍ ورَمْيُ جَمْرَةِ العَقَبَةِ والبَيْتُوتَةُ بِمِنى لَيالِيَ التَّشْرِيقِ في قَوْلٍ ورَمِيُ أيّامِها.

وأمّا سائِرُ أعْمالِ الحَجِّ فَهي سُنَّةٌ.

وأمّا أرْكانُ العُمْرَةِ فَهي أرْبَعَةٌ: الإحْرامُ، والطَّوافُ، والسَّعْيُ، وفي الحَلْقِ قَوْلانِ، ثُمَّ المُعْتَمِرُ بَعْدَما فَرَغَ مِنَ السَّعْيِ فَإنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ ذَبَحَهُ ثُمَّ حَلَقَ أوْ قَصَّرَ، ولا يَتَوَقَّفُ التَّحَلُّلُ عَلى ذَبْحِ الهَدْيِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا﴾ أمْرٌ بِالإتْمامِ، وهَلْ هَذا الأمْرُ مُطْلَقٌ أوْ مَشْرُوطٌ بِالدُّخُولِ فِيهِ ؟ ذَهَبَ أصْحابُنا إلى أنَّهُ مُطْلَقٌ، والمَعْنى: افْعَلُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ عَلى نَعْتِ الكَمالِ والتَّمامِ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ هَذا الأمْرَ مَشْرُوطٌ، والمَعْنى أنَّ مَن شَرَعَ فِيهِ فَلْيُتِمَّهُ، قالُوا: ومِنَ

صفحة ١١٩

الجائِزِ أنْ لا يَكُونَ الدُّخُولُ في الشَّيْءِ واجِبًا إلّا أنَّ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ يَكُونُ إتْمامُهُ واجِبًا، وفائِدَةُ هَذا الخِلافِ أنَّ العُمْرَةَ واجِبَةٌ عِنْدَ أصْحابِنا، وغَيْرُ واجِبَةٍ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.

حُجَّةُ أصْحابِنا مِن وُجُوهٍ:

الحُجَّةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ أنَّ الإتْمامَ قَدْ يُرادُ بِهِ فِعْلُ الشَّيْءِ كامِلًا تامًّا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ إذا شَرَعْتُمْ في الفِعْلِ فَأتِمُّوهُ، وإذا ثَبَتَ الِاحْتِمالُ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا اللَّفْظِ هو ذاكَ، أمّا بَيانُ الِاحْتِمالِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] أيْ فَعَلَهُنَّ عَلى سَبِيلِ التَّمامِ والكَمالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] أيْ فافْعَلُوا الصِّيامَ تامًّا إلى اللَّيْلِ، وحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى هَذا أوْلى مِن قَوْلِ مَن قالَ: المُرادُ فاشْرَعُوا في الصِّيامِ ثُمَّ أتِمُّوهُ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يُحْتاجُ إلى الإضْمارِ، وعَلى التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الإتْيانَ بِهِ عَلى نَعْتِ الكَمالِ والتَّمامِ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، أقْصى ما في البابِ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّكم إذا شَرَعْتُمْ فِيهِ فَأتِمُّوهُ، إلّا أنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْلى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هَذا الأمْرُ مَشْرُوطًا، ويَكُونَ التَّقْدِيرُ: أتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ إنْ شَرَعْتُمْ فِيهِما، وعَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ الَّذِي نَصَرْناهُ لا يُحْتاجُ إلى إضْمارِ هَذا الشَّرْطِ، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى.

والثّانِي: أنَّ أهْلَ التَّفْسِيرِ ذَكَرُوا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في الحَجِّ فَحَمْلُها عَلى إيجابِ الحَجِّ أوْلى مِن حَمْلِها عَلى الإتْمامِ بِشَرْطِ الشُّرُوعِ فِيهِ.

الثّالِثُ: قَرَأ بَعْضُهم (وأقِيمُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ) وهَذا وإنْ كانَ قِراءَةً شاذَّةً جارِيَةً مَجْرى خَبَرِ الواحِدِ لَكِنَّهُ بِالِاتِّفاقِ صالِحٌ لِتَرْجِيحِ تَأْوِيلٍ عَلى تَأْوِيلٍ.

الرّابِعُ: أنَّ الوَجْهَ الَّذِي نَصَرْناهُ يُفِيدُ وُجُوبَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، ويُفِيدُ وُجُوبَ إتْمامِهِما بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِما، والتَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ لا يُفِيدُ إلّا أصْلَ الوُجُوبِ، فَكانَ الَّذِي نَصَرْناهُ أكْبَرَ فائِدَةً، فَكانَ حَمْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَيْهِ أوْلى.

الخامِسُ: أنَّ البابَ بابُ العِبادَةِ فَكانَ الِاحْتِياطُ فِيهِ أوْلى، والقَوْلُ بِإيجابِ الحَجِّ والعُمْرَةِ مَعًا أقْرَبُ إلى الِاحْتِياطِ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ.

السّادِسُ: هَبْ أنّا نَحْمِلُ اللَّفْظَ عَلى وُجُوبِ الإتْمامِ، لَكِنّا نَقُولُ: اللَّفْظُ دَلَّ عَلى وُجُوبِ الإتْمامِ جَزْمًا، وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ فَكانَ الإتْمامُ واجِبًا جَزْمًا والإتْمامُ مَسْبُوقٌ بِالشُّرُوعِ، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ وكانَ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ فَهو واجِبٌ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الشُّرُوعُ واجِبًا في الحَجِّ وفي العُمْرَةِ.

السّابِعُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها لَقَرِينَتُها في كِتابِ اللَّهِ، أيْ أنَّ العُمْرَةَ لَقَرِينَةُ الحَجِّ في الأمْرِ في كِتابِ اللَّهِ يَعْنِي في هَذِهِ الآيَةِ فَكانَ كَقَوْلِهِ: ﴿أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ [الحج: ٤١] فَهَذا تَمامُ تَقْرِيرِ هَذِهِ الحُجَّةِ.

فَإنْ قِيلَ: قَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ والشَّعْبِيُّ ”والعُمْرَةُ لِلَّهِ“ بِالرَّفْعِ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَصَدُوا إخْراجَ العُمْرَةِ عَنْ حُكْمِ الحَجِّ في الوُجُوبِ.

قُلْنا: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ فَلا تُعارِضُ القِراءَةَ المُتَواتِرَةَ.

الثّانِي: أنَّ فِيها ضَعْفًا في العَرَبِيَّةِ، لِأنَّها تَقْتَضِي عَطْفَ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ.

الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ مَعْناهُ أنَّ العُمْرَةَ عِبادَةُ اللَّهِ، ومُجَرَّدُ كَوْنِها عِبادَةَ اللَّهِ لا يُنافِي وُجُوبَها، وإلّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ مَدْلُولِ القِراءَتَيْنِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ مَعْناهُ: والعُمْرَةُ عِبادَةُ اللَّهِ، وجَبَ

صفحة ١٢٠

أنْ يَكُونَ العُمْرَةُ مَأْمُورًا بِها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البينة: ٥] والأمْرُ لِلْوُجُوبِ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ المَقْصُودُ.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ في وُجُوبِ العُمْرَةِ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ حَجٍّ أصْغَرَ عَلى ما عَلَيْهِ حَقِيقَةُ أفْعَلَ، وما ذاكَ إلّا العُمْرَةُ بِالِاتِّفاقِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ العُمْرَةَ حَجٌّ، وجَبَ أنْ تَكُونَ واجِبَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ﴾، ولِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] .

الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: في المَسْألَةِ أحادِيثُ مِنها ما أوْرَدَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ في المُتَّفَقِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الإسْلامِ، فَقالَ: أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّمُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وأنْ تُقِيمَ الصَّلاةَ، وتُؤْتِيَ الزَّكاةَ، وتَصُومَ رَمَضانَ، وتَحُجَّ وتَعْتَمِرَ» . ورَوى النُّعْمانُ بْنُ سالِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أوْسٍ، «عَنْ أبِي رَزِينٍ أنَّهُ سَألَ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقالَ: إنَّ أبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ أدْرَكَ الإسْلامَ، ولا يَسْتَطِيعُ الحَجَّ والعُمْرَةَ ولا الظَّعْنَ، فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: حُجَّ عَنْ أبِيكَ واعْتَمِرْ»، فَأمَرَ بِهِما، والأمْرُ لِلْوُجُوبِ، ومِنها ما رَوى ابْنُ سِيرِينَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ”«الحَجُّ والعُمْرَةُ فَرْضانِ لا يَضُرُّكَ بِأيِّهِما بَدَأْتَ» “، ومِنها ما رَوَتْ عائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - «عَنْ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، قالَتْ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ عَلى النِّساءِ جِهادٌ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: عَلَيْهِنَّ جِهادٌ لا قِتالَ فِيهِ: الحَجُّ والعُمْرَةُ» .

الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: في وُجُوبِ العُمْرَةِ، قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ الحَجِّ، ولَوْ لَمْ تَكُنِ العُمْرَةُ واجِبَةً لَكانَ الأشْبَهُ أنْ يُبادِرَ إلى الحَجِّ الَّذِي هو واجِبٌ، وحُجَّةُ مَن قالَ العُمْرَةُ لَيْسَتْ واجِبَةً وُجُوهٌ:

الحُجَّةُ الأُولى: «قَصَدَ الأعْرابِيُّ الَّذِي سَألَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنْ أرْكانِ الإسْلامِ فَعَلَّمَهُ الصَّلاةَ، والزَّكاةَ، والحَجَّ، والصَّوْمَ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُ هَذا ؟ قالَ: لا إلّا أنْ تَطَوَّعْ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: لا أزِيدُ عَلى هَذا ولا أنْقُصُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أفْلَحَ الأعْرابِيُّ إنْ صَدَقَ» . وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«بُنِيَ الإسْلامُ عَلى خَمْسٍ: شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وصَوْمِ رَمَضانَ، وحَجِّ البَيْتِ» “ . وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«صَلُّوا خَمْسَكم وزَكُّوا أمْوالَكم وحُجُّوا بَيْتَكم تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكم» “، فَهَذِهِ أخْبارٌ مَشْهُورَةٌ كالمُتَواتِرَةِ فَلا يَجُوزُ الزِّيادَةُ عَلَيْها ولا رَدُّها، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ العُمْرَةِ أواجِبَةٌ هي أمْ لا ؟ فَقالَ: لا وإنْ تَعْتَمِرْ خَيْرٌ لَكَ»، وعَنْ مُعاوِيَةَ الضَّرِيرِ عَنْ أبِي صالِحٍ الحَنَفِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«الحَجُّ جِهادٌ والعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» “ .

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ ما ذَكَرْتُمْ أخْبارٌ آحادٌ فَلا تُعارِضُ القُرْآنَ.

وثانِيها: لَعَلَّ العُمْرَةَ ما كانَتْ واجِبَةً عِنْدَما ذَكَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - تِلْكَ الأحادِيثَ، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَها قَوْلُهُ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وهَذا هو الأقْرَبُ، لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في السَّنَةِ السّابِعَةِ مِنَ الهِجْرَةِ.

وثالِثُها: أنَّ قِصَّةَ الأعْرابِيِّ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ذِكْرِ الحَجِّ ولَيْسَ فِيها بَيانُ تَفْصِيلِ الحَجِّ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ العُمْرَةَ حَجٌّ لِأنَّها هي الحَجُّ الأصْغَرُ، فَلا تَكُونُ هي مُنافِيَةً لِوُجُوبِ العُمْرَةِ، وأمّا حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، فَقالُوا: رِوايَةُ حَجّاجِ بْنِ أرْطاةَ وهو ضَعِيفٌ.

* * *

صفحة ١٢١

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ الحَجَّ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: الإفْرادُ، والقِرانُ، والتَّمَتُّعُ، فالإفْرادُ أنْ يَحُجَّ ثُمَّ بَعْدَ الفَراغِ مِنهُ يَعْتَمِرُ مِن أدْنى الحِلِّ، أوْ يَعْتَمِرَ قَبْلَ أشْهُرٍ، ثُمَّ يَحُجُّ في تِلْكَ السَّنَةِ، والقِرانُ أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ والعُمْرَةِ مَعًا في أشْهُرِ الحَجِّ بِأنْ يَنْوِيَهُما بِقَلْبِهِ، وكَذَلِكَ لَوْ أحْرَمَ بِالعُمْرَةِ في أشْهُرِ الحَجِّ، ثُمَّ قَبْلَ الطَّوافِ أدْخَلَ عَلَيْها الحَجَّ يَصِيرُ قِرانًا، والتَّمَتُّعُ هو أنَّ يُحْرِمَ بِالعُمْرَةِ في أشْهُرِ الحَجِّ ويَأْتِي بِأعْمالِها ثُمَّ يَحُجُّ في هَذِهِ السَّنَةِ، وإنَّما سُمِّيَ تَمَتُّعًا لِأنَّهُ يَسْتَمْتِعُ بِمَحْظُوراتِ الإحْرامِ بَعْدَ التَّحَلُّلِ عَنِ العُمْرَةِ قَبْلَ أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في الأفْضَلِ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ فَقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أفْضَلُها الإفْرادُ ثُمَّ التَّمَتُّعُ ثُمَّ القِرانُ، وقالَ في اخْتِلافِ الحَدِيثِ: التَّمَتُّعُ أفْضَلُ مِنَ الإفْرادِ، وبِهِ قالَ مالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: القِرانُ أفْضَلُ، ثُمَّ الإفْرادُ، ثُمَّ التَّمَتُّعُ، وهو قَوْلُ المُزَنِيِّ وأبِي إسْحاقَ والمَرْوَزِيِّ مِن أصْحابِنا، وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: القِرانُ أفْضَلُ، ثُمَّ التَّمَتُّعُ، ثُمَّ الإفْرادُ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في أنَّ الإفْرادَ أفْضَلُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ والِاسْتِدْلالُ بِهِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ اقْتَضَتْ عَطْفَ العُمْرَةِ عَلى الحَجِّ، والعَطْفُ يَسْتَدْعِي المُغايَرَةَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والمُغايِرَةُ لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ الإفْرادِ، فَأمّا عِنْدَ القِرانِ فالمَوْجُودُ شَيْءٌ واحِدٌ، وهو حَجٌّ وعُمْرَةٌ، وذَلِكَ مانِعٌ مِن صِحَّةِ العَطْفِ.

الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ يَقْتَضِي الإفْرادَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ والقارِنُ يَلْزَمُهُ هَدْيانِ عِنْدَ الحَصْرِ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلى الخَلْقِ عِنْدَ الأداءِ فِدْيَةً واحِدَةً، والقارِنُ يَلْزَمُهُ فِدْيَتانِ عِنْدَ الحَصْرِ.

الثّالِثُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الإتْمامِ، والإتْمامُ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ الإفْرادِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ السَّفَرَ مَقْصُودٌ في الحَجِّ، بِدَلِيلِ أنَّ مَن أوْصى بِأنْ يُحَجُّ عَنْهُ فَإنَّهُ يُحَجُّ مِن وطَنِهِ، ولَوْلا أنَّ السَّفَرَ مَقْصُودٌ في الحَجِّ لَكانَ يُحَجُّ عَنْهُ مِن أدْنى المَواقِيتِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّهم قالُوا لَوْ نَذَرَ أنْ يَحُجَّ ماشِيًا وحَجَّ راكِبًا يَلْزَمُهُ دَمٌ، فَثَبَتَ أنَّ السَّفَرَ مَقْصُودٌ والقِرانُ يَقْتَضِي تَقْلِيلَ السَّفَرِ، لِأنَّ بِسَبَبِهِ يَصِيرُ السَّفَرانِ سَفَرًا واحِدًا، فَثَبَتَ أنَّ الإتْمامَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالإفْرادِ.

الثّانِي: أنَّ الحَجَّ لا مَعْنى لَهُ إلّا زِيارَةُ بِقاعٍ مُكَرَّمَةٍ، ومَشاهِدٍ مُشَرَّفَةٍ، والحاجُّ زائِرُ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى مَزُورُهُ، ولا شَكَّ أنَّهُ كُلَّما كانَتِ الزِّيارَةُ والخِدْمَةُ أكْثَرَ كانَ مَوْقِعُها عِنْدَ المَخْدُومِ أعْظَمَ، وعِنْدَ القِرانِ تَنْقَلِبُ الزِّيارَتانِ زِيارَةً واحِدَةً، بَلِ الحَقُّ أنَّ جُمْلَةَ أنْواعِ الطّاعاتِ في الحَجِّ وفي العُمْرَةِ تُكَرَّرُ عِنْدَ الإفْرادِ، وتَصِيرُ واحِدَةً عِنْدَ القِرانِ، فَثَبَتَ أنَّ الإفْرادَ أقْرَبُ إلى التَّمامِ، فَكانَ الإفْرادُ إنْ لَمْ يَكُنْ واجِبًا عَلَيْكم بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ فَلا أقَلَّ مِن كَوْنِهِ أفْضَلَ.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: في بَيانِ أنَّ الإفْرادَ أفْضَلُ: أنَّ الإفْرادَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ آتِيًا بِالحَجِّ مَرَّةً، ثُمَّ بِالعُمْرَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَتَكُونُ الأعْمالُ الشّاقَّةُ في الإفْرادِ أكْثَرَ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أفْضَلُ الأعْمالِ أحْمَزُها» “ أيْ أشَقُّها.

الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مُفْرِدًا فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإفْرادُ أفْضَلَ، أمّا قَوْلُنا: إنَّهُ كانَ مُفْرِدًا فاعْلَمْ أنَّ الصَّحابَةَ اخْتَلَفَتْ رِواياتُهم في هَذا المَعْنى، فَرَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أفْرَدَ بِالحَجِّ، ورَوى جابِرٌ وابْنُ عُمَرَ أنَّهُ أفْرَدَ، «وأمّا أنَسٌ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ واقِفًا عِنْدَ

صفحة ١٢٢

جِرانِ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكانَ لُعابُها يَسِيلُ عَلى كَتِفِي، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ ”لَبَّيْكَ بِحَجٍّ وعُمْرَةٍ مَعًا“»، ثُمَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَجَّحَ رِوايَةَ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وجابِرٍ وابْنِ عُمَرَ عَلى رِوايَةِ أنَسٍ مِن وُجُوهٍ.

أحَدُها: بِحالِ الرُّواةِ، أمّا عائِشَةُ فَلِأنَّها كانَتْ عالِمَةً، ومَعَ عِلْمِها كانَتْ أشَدَّ النّاسِ التِصاقًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأشَدَّ النّاسِ وُقُوفًا عَلى أحْوالِهِ، وأمّا جابِرٌ فَإنَّهُ كانَ أقْدَمَ صُحْبَةً لِلرَّسُولِ ﷺ مِن أنَسٍ، وإنَّ أنَسًا كانَ صَغِيرًا في ذَلِكَ الوَقْتِ قَبْلَ العِلْمِ، وأمّا ابْنُ عُمَرَ فَإنَّهُ كانَ مَعَ فِقْهِهِ أقْرَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن غَيْرِهِ، لِأنَّ أُخْتَهُ حَفْصَةَ كانَتْ زَوْجَةَ النَّبِيِّ ﷺ .

والثّانِي: أنَّ عَدَمَ القِرانِ مُتَأكِّدٌ بِالِاسْتِصْحابِ.

والثّالِثُ: أنَّ الإفْرادَ يَقْتَضِي تَكْثِيرَ العِبادَةِ، والقِرانَ يَقْتَضِي تَقْلِيلَها، فَكانَ إلْحاقُ الإفْرادِ بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْلى، وإذا ثَبَتَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ مُفْرِدًا وجَبَ أنْ يَكُونَ الإفْرادُ أفْضَلَ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يَخْتارُ الأفْضَلَ لِنَفْسِهِ، ولِأنَّهُ قالَ: ”«خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم» “ أيْ تَعَلَّمُوا مِنِّي.

الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ الإفْرادَ يَقْتَضِي تَكْثِيرَ العِبادَةِ، والقِرانَ يَقْتَضِي تَقْلِيلَها، فَكانَ الأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ المَقْصُودَ مِن خَلْقِ الجِنِّ والإنْسِ هو العِبادَةُ، وكُلُّ ما كانَ أفْضى إلى تَكْثِيرِ العِبادَةِ كانَ أفْضَلَ.

حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن وُجُوهٍ:

الحُجَّةُ الأُولى: التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وهَذا اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إيجابَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، أوْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ إيجابَ الجَمْعِ بَيْنَهُما عَلى سَبِيلِ التَّمامِ، فَلَوْ حَمَلْناهُ عَلى الأوَّلِ لا يُفِيدُ الثّانِي، ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى الثّانِي أفادَ الأوَّلَ، فَكانَ الثّانِي أكْثَرَ فائِدَةً، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، لِأنَّ الأوْلى حَمْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلى ما يَكُونُ أكْثَرَ فائِدَةً.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ القِرانَ جَمْعٌ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنَ الإتْيانِ بِنُسُكٍ واحِدٍ.

الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ في القِرانِ مُسارَعَةً إلى النُّسُكَيْنِ، وفي الإفْرادِ تَرْكَ مُسارَعَةٍ إلى أحَدِ النُّسُكَيْنِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القِرانُ أفْضَلَ لِقَوْلِهِ: ﴿وسارِعُوا﴾ [آل عمران: ١٣٣] .

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنّا بَيَّنّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ دَلالَةَ ما هو أكْثَرُ فائِدَةً عَلى الإفْرادِ، وأمّا ما ذَكَرْتُمُوهُ فَمُجَرَّدُ حُسْنِ ظَنٍّ؛ حَيْثُ قُلْتُمْ: حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما هو أكْثَرُ فائِدَةً أوْلى وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ التَّرْجِيحُ لِقَوْلِنا.

والجَوابُ عَنِ الثّانِي والثّالِثِ: أنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ القارِنُ يَفْعَلُهُ المُفْرِدُ أيْضًا، إلّا أنَّ القِرانَ كانَ حِيلَةً في إسْقاطِ الطّاعَةِ فَيَنْتَهِي الأمْرُ فِيهِ أنْ يَكُونَ مُرَخَّصًا فِيهِ، فَأمّا أنْ يَكُونَ أفْضَلَ فَلا، وبِالجُمْلَةِ فالشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لا يَقُولُ إنَّ الحَجَّةَ المُفْرَدَةَ بِلا عُمْرَةٍ أفْضَلُ مِنَ الحَجَّةِ المَقْرُونَةِ، لَكِنَّهُ يَقُولُ: مَن أتى بِالحَجِّ في وقْتِهِ ثُمَّ بِالعُمْرَةِ في وقْتِها فَمَجْمُوعُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ أفْضَلُ مِنَ الإتْيانِ بِالحَجَّةِ المَقْرُونَةِ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في تَفْسِيرِ الإتْمامِ في قَوْلِهِ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وفِيهِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ إتْمامَهُما أنْ يُحْرِمَ مِن دُوَيْرَةِ أهْلِهِ.

وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى أنَّ مَن نَوى الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ وجَبَ عَلَيْهِ الإتْمامُ، قالَ: ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ مَنَعَ الكُفّارُ النَّبِيَّ ﷺ في السَّنَةِ الماضِيَةِ عَنِ الحَجِّ والعُمْرَةِ، فاللَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ لا يَرْجِعَ

صفحة ١٢٣

حَتّى يُتِمَّ هَذا الفَرْضَ، ويَحْصُلُ مِن هَذا التَّأْوِيلِ فائِدَةٌ فِقْهِيَّةٌ، وهي أنَّ تَطَوُّعَ الحَجِّ والعُمْرَةِ كَفَرْضَيْهِما في وُجُوبِ الإتْمامِ.

وثالِثُها: قالَ الأصَمُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَضَ الحَجَّ والعُمْرَةَ ثُمَّ أمَرَ عِبادَهُ أنْ يُتِمُّوا الآدابَ المُعْتَبَرَةَ، وذَكَرَ الشَّيْخُ الإمامُ أبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في كِتابِ الإحْياءِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا البابِ، فَقالَ: الأُمُورُ المُعْتَبَرَةُ قَبْلَ الخُرُوجِ إلى الإحْرامِ ثَمانِيَةٌ:

الأوَّلُ: في المالِ فَيَنْبَغِي أنْ يَبْدَأ بِالتَّوْبَةِ، ورَدِّ المَظالِمِ، وقَضاءِ الدُّيُونِ، وإعْدادِ النَّفَقَةِ لِكُلِّ مَن تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ إلى وقْتِ الرُّجُوعِ، ويَرُدَّ ما عِنْدَهُ مِنَ الوَدائِعِ، ويَسْتَصْحِبَ مِنَ المالِ الطَّيِّبِ الحَلالِ ما يَكْفِيهِ لِذَهابِهِ وإيابِهِ مِن غَيْرِ تَقْتِيرٍ، بَلْ عَلى وجْهٍ يُمَكِّنُهُ مِنَ التَّوَسُّعِ في الزّادِ والرِّفْقِ بِالفُقَراءِ، ويَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ قَبْلَ خُرُوجِهِ، ويَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ دابَّةً قَوِيَّةً عَلى الحَمْلِ أوْ يَكْتَرِيَها، فَإنِ اكْتَراها فَلْيُظْهِرْ لِلْمُكارِي كُلَّ ما يَحْصُلُ رِضاهُ فِيهِ.

الثّانِي: في الرَّفِيقِ فَيَنْبَغِي أنْ يَلْتَمِسَ رَفِيقًا صالِحًا مُحِبًّا لِلْخَيْرِ، مُعِينًا عَلَيْهِ إنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وإنْ ذَكَرَ ساعَدَهُ، وإنْ جَبُنَ شَجَّعَهُ، وإنْ عَجَزَ قَوّاهُ وإنْ ضاقَ صَدْرُهُ صَبَّرَهُ، وأمّا الإخْوانُ والرُّفَقاءُ المُقِيمُونَ فَيُوَدِّعُهم، ويَلْتَمِسُ أدْعِيَتَهم، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ في دُعائِهِمْ خَيْرًا، والسُّنَّةُ في الوَداعِ أنْ يَقُولَ: أسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وأمانَتَكَ وخَواتِيمَ عَمَلِكَ.

الثّالِثُ: في الخُرُوجِ مِنَ الدّارِ، فَإذا هَمَّ بِالخُرُوجِ صَلّى رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ في الأُولى بَعْدَ الفاتِحَةِ ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، وفي الثّانِيَةِ ”الإخْلاصَ“ وبَعْدَ الفَراغِ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ بِالإخْلاصِ.

الرّابِعُ: إذا حَصَلَ عَلى بابِ الدّارِ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، وكُلَّما كانَتِ الدَّعْواتُ أزْيَدَ كانَتْ أوْلى.

الخامِسُ: في الرُّكُوبِ، فَإذا رَكِبَ الرّاحِلَةَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ وبِاللَّهِ واللَّهُ أكْبَرُ، تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ، لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، ما شاءَ اللَّهُ كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، سُبْحانَ اللَّهِ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ.

السّادِسُ: في النُّزُولِ، والسُّنَّةُ أنْ يَكُونَ أكْثَرُ سَيْرِهِ بِاللَّيْلِ، ولا يَنْزِلُ حَتّى يَحْمى النَّهارُ، وإذا نَزَلَ صَلّى رَكْعَتَيْنِ ودَعا اللَّهَ كَثِيرًا.

السّابِعُ: إنْ قَصَدَهُ عَدُوٌّ أوْ سَبُعٌ في لَيْلٍ أوْ نَهارٍ، فَلْيَقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ، وشَهِدَ اللَّهُ، والإخْلاصَ، والمُعَوِّذَتَيْنِ، ويَقُولُ: تَحَصَّنْتُ بِاللَّهِ العَظِيمِ، واسْتَعَنْتُ بِالحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ.

الثّامِنُ: مَهْما عَلا شَرَفًا مِنَ الأرْضِ في الطَّرِيقِ، فَيُسْتَحَبُّ أنْ يُكَبِّرَ ثَلاثًا.

التّاسِعُ: أنْ لا يَكُونُ هَذا السَّفَرُ مَشُوبًا بِشَيْءٍ مِن أثَرِ الأغْراضِ العاجِلَةِ كالتِّجارَةِ وغَيْرِها.

العاشِرُ: أنْ يَصُونَ الإنْسانُ لِسانَهُ عَنِ الرَّفَثِ والفُسُوقِ والجِدالِ، ثُمَّ بَعَدَ الإتْيانِ بِهَذِهِ المُقَدِّماتِ، يَأْتِي بِجَمِيعِ أرْكانِ الحَجِّ عَلى الوَجْهِ الأصَحِّ الأقْرَبِ إلى مُوافَقَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ويَكُونُ غَرَضُهُ في كُلِّ هَذِهِ الأُمُورِ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، فَقَوْلُهُ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ﴾ كَلِمَةٌ شامِلَةٌ جامِعَةٌ لِهَذِهِ المَعانِي، فَإذا أتى العَبْدُ بِالحَجِّ عَلى هَذا الوَجْهِ كانَ مُتَّبِعًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ؛ حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] .

الوَجْهُ الرّابِعُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أنَّ المُرادَ: أفْرِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِسَفَرٍ، وهَذا تَأْوِيلُ مَن قالَ بِالإفْرادِ، وقَدْ بَيَّنّاهُ بِالدَّلِيلِ، وهَذا التَّأْوِيلُ يُرْوى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقَدْ يُرْوى مَرْفُوعًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وكانَ عُمَرُ يَتْرُكُ القِرانَ والتَّمَتُّعَ، ويَذْكُرُ أنَّ ذَلِكَ أتَمُّ لِلْحَجِّ والعُمْرَةِ وأنْ يَعْتَمِرَ في غَيْرِ شُهُورِ الحَجِّ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] ورَوى نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: فَرِّقُوا بَيْنَ حَجِّكِمْ وعُمْرَتِكم.

* * *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عُمَرَ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”الحَجُّ“ بِفَتْحِ الحاءِ في كُلِّ القُرْآنِ وهي لُغَةُ الحِجازِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ بِالكَسْرِ في آلِ عِمْرانَ، قالَ

صفحة ١٢٤

الكِسائِيُّ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَرَطْلٍ ورِطْلٍ، وقِيلَ: بِالفَتْحِ المَصْدَرُ، وبِالكَسْرِ الِاسْمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: أصْلُ الحَصْرِ والإحْصارِ: الحَبْسُ، ومِنهُ يُقالُ لِلَّذِي لا يَبُوحُ بِسِرِّهِ: حَصَرَ؛ لِأنَّهُ حَبَسَ نَفْسَهُ عَنِ البَوْحِ، والحَصْرُ احْتِباسُ الغائِطِ، والحَصِيرُ المَلِكُ؛ لِأنَّهُ كالمَحْبُوسِ بَيْنَ الحُجّابِ، وفي شِعْرِ لَبِيَدٍ:

جِنٌّ لَدى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ

والحَصِيرُ مَعْرُوفٌ سُمِّيَ بِهِ لِانْضِمامِ بَعْضِ أجْزائِهِ إلى بَعْضٍ تَشْبِيهًا بِاحْتِباسِ الشَّيْءِ مَعَ غَيْرِهِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ لَفْظَ الحَصْرِ مَخْصُوصٌ بِمَنعِ العَدُوِّ إذا مَنَعَهُ عَنْ مُرادِهِ وضَيَّقَ عَلَيْهِ، أمّا لَفْظُ الإحْصارِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

الأوَّلُ: وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ وابْنِ السِّكِّيتِ والزَّجّاجِ وابْنِ قُتَيْبَةَ وأكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالمَرَضِ، قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ أحْصَرَهُ المَرَضُ إذا مَنَعَهُ مِنَ السَّفَرِ، وقالَ ثَعْلَبٌ في فَصِيحِ الكَلامِ: ”أُحْصِرَ“ بِالمَرَضِ ”وحُصِرَ“ بِالعَدُوِّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ لَفْظَ الإحْصارِ يُفِيدُ الحَبْسَ والمَنعَ، سَواءٌ كانَ بِسَبَبِ العَدُوِّ أوْ بِسَبَبِ المَرَضِ وهو قَوْلُ الفَرّاءِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالمَنعِ الحاصِلِ مِن جِهَةِ العَدُوِّ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ، فَإنَّهُما قالا: لا حَصْرَ إلّا حَصْرُ العَدُوِّ، وأكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ يَرُدُّونَ هَذا القَوْلَ عَلى الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وفائِدَةُ هَذا البَحْثِ تَظْهَرُ في مَسْألَةٍ فِقْهِيَّةٍ، وهي أنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ حُكْمَ الإحْصارِ عِنْدَ حَبْسِ العَدُوِّ ثابِتٌ، وهَلْ يَثْبُتُ بِسَبَبِ المَرَضِ وسائِرِ المَوانِعِ ؟ قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَثْبُتُ. وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَثْبُتُ. وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ ظاهِرَةٌ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ اللُّغَةِ وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ اللُّغَةِ رَجُلانِ:

أحَدُهُما: الَّذِينَ قالُوا: الإحْصارُ مُخْتَصٌّ بِالحَبْسِ الحاصِلِ بِسَبَبِ المَرَضِ فَقَطْ، وعَلى هَذا المَذْهَبِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ نَصًّا صَرِيحًا في أنَّ إحْصارَ المَرَضِ يُفِيدُ هَذا الحُكْمَ.

والثّانِي: الَّذِينَ قالُوا: الإحْصارُ اسْمٌ لِمُطْلَقِ الحَبْسِ سَواءٌ كانَ حاصِلًا بِسَبَبِ المَرَضِ أوْ بِسَبَبِ العَدُوِّ، وعَلى هَذا القَوْلِ حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ تَكُونُ ظاهِرَةً أيْضًا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَلَّقَ الحُكْمَ عَلى مُسَمّى الإحْصارِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ ثابِتًا عِنْدَ حُصُولِ الإحْصارِ سَواءٌ حَصَلَ بِالعَدُوِّ أوْ بِالمَرَضِ، وأمّا عَلى القَوْلِ الثّالِثِ: وهو أنَّ الإحْصارَ اسْمٌ لِلْمَنعِ الحاصِلِ بِالعَدُوِّ، فَهَذا القَوْلُ باطِلٌ بِاتِّفاقِ أهْلِ اللُّغَةِ، وبِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَنَحْنُ نَقِيسُ المَرَضَ عَلى العَدُوِّ بِجامِعِ دَفْعِ الحَرَجِ، وهَذا قِياسٌ جَلِيٌّ ظاهِرٌ، فَهَذا تَقْرِيرُ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو ظاهِرٌ قَوِيٌّ، وأمّا تَقْرِيرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَهو أنّا نَدَّعِي أنَّ المُرادَ بِالإحْصارِ في هَذِهِ الآيَةِ مَنعُ العَدُوِّ فَقَطْ، والرِّواياتُ المَنقُولَةُ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ مُعارَضَةٌ بِالرِّواياتِ المَنقُولَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ، ولا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُما أوْلى لِتَقَدُّمِهِما عَلى هَؤُلاءِ الأدْنى في مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ وفي مَعْرِفَةِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ، ثُمَّ إنّا بَعْدَ ذَلِكَ نُؤَكِّدُ هَذا القَوْلَ بِوُجُوهٍ مِنَ الدَّلائِلِ.

الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ الإحْصارَ إفْعالٌ مِنَ الحَصْرِ، والإفْعالُ تارَةً يَجِيءُ بِمَعْنى التَّعْدِيَةِ، نَحْوَ: ذَهَبَ زَيْدٌ وأذْهَبْتُهُ أنا، ويَجِيءُ بِمَعْنى صارَ ذا كَذا، نَحْوَ: أغَدَّ البَعِيرُ إذا صارَ ذا غُدَّةٍ، وأجْرَبَ الرَّجُلُ إذا صارَ ذا إبِلٍ جَرْبى، ويَجِيءُ بِمَعْنى وجَدْتُهُ بِصِفَةِ كَذا، نَحْوَ: أحَمَدْتُ الرَّجُلَ أيْ وجَدْتُهُ مَحْمُودًا، والإحْصارُ لا يُمْكِنُ أنْ

صفحة ١٢٥

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском