Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:196, continued
يَكُونَ لِلتَّعْدِيَةِ، فَوَجَبَ إمّا حَمْلُهُ عَلى الصَّيْرُورَةِ أوْ عَلى الوِجْدانِ والمَعْنى: أنَّهم صارُوا مَحْصُورِينَ أوْ وُجِدُوا مَحْصُورِينَ، ثُمَّ إنَّ أهْلَ اللُّغَةِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المَحْصُورَ هو المَمْنُوعُ بِالعَدُوِّ لا بِالمَرَضِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْنى الإحْصارِ هو أنَّهم صارُوا مَمْنُوعِينَ بِالعَدُوِّ، أوْ وُجِدُوا مَمْنُوعِينَ بِالعَدُوِّ، وذَلِكَ يُؤَكِّدُ مَذْهَبَنا.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الحَصْرَ عِبارَةٌ عَنِ المَنعِ وإنَّما يُقالُ لِلْإنْسانِ: إنَّهُ مَمْنُوعٌ مِن فِعْلِهِ ومَحْبُوسٌ عَنْ مُرادِهِ، إذا كانَ قادِرًا عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ مُتَمَكِّنًا مِنهُ، ثُمَّ إنَّهُ مَنَعَهُ مانِعٌ عَنْهُ، والقُدْرَةُ عِبارَةٌ عَنِ الكَيْفِيَّةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ اعْتِدالِ المِزاجِ وسَلامَةِ الأعْضاءِ، وذَلِكَ مَفْقُودٌ في حَقِّ المَرِيضِ فَهو غَيْرُ قادِرٍ البَتَّةَ عَلى الفِعْلِ، فَيَسْتَحِيلُ الحُكْمُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ مَمْنُوعٌ؛ لِأنَّ إحالَةَ الحُكْمِ عَلى المانِعِ تَسْتَدْعِي حُصُولَ المُقْتَضِي، أمّا إذا كانَ مَمْنُوعًا بِالعَدُوِّ فَهَهُنا القُدْرَةُ عَلى الفِعْلِ حاصِلَةٌ، إلّا أنَّهُ تَعَذَّرَ الفِعْلُ لِأجْلِ مُدافَعَةِ العَدُوِّ، فَصَحَّ هَهُنا أنْ يُقالَ إنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الفِعْلِ، فَثَبَتَ أنَّ لَفْظَةَ الإحْصارِ حَقِيقَةٌ في العَدُوِّ، ولا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ حَقِيقَةً في المَرَضِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ أيْ حُبِسْتُمْ ومُنِعْتُمْ والحَبْسُ لا بُدَّ لَهُ مِن حابِسٍ، والمَنعُ لا بُدَّ لَهُ مِن مانِعٍ، ويُمْتَنَعُ وصْفُ المَرَضِ بِكَوْنِهِ حابِسًا ومانِعًا، لِأنَّ الحَبْسَ والمَنعَ فِعْلٌ، وإضافَةُ الفِعْلِ إلى المَرَضِ مُحالٌ عَقْلًا، لِأنَّ المَرَضَ عَرَضٌ لا يَبْقى زَمانَيْنِ، فَكَيْفَ يَكُونُ فاعِلًا وحابِسًا ومانِعًا، أمّا وصْفُ العَدُوِّ بِأنَّهُ حابِسٌ ومانِعٌ، فَوَصْفٌ حَقِيقِيٌّ، وحَمْلُ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى مَجازِهِ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ الإحْصارَ مُشْتَقٌّ مِنَ الحَصْرِ ولَفْظُ الحَصْرِ لا إشْعارَ فِيهِ بِالمَرَضِ، فَلَفْظُ الإحْصارِ وجَبَ أنْ يَكُونَ خالِيًا عَنِ الإشْعارِ بِالمَرَضِ قِياسًا عَلى جَمِيعِ الألْفاظِ المُشْتَقَّةِ.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ﴾ فَعَطَفَ عَلَيْهِ المَرِيضَ، فَلَوْ كانَ المُحْصَرُ هو المَرِيضُ أوْ مَن يَكُونُ المَرَضُ داخِلًا فِيهِ، لَكانَ هَذا عَطْفًا لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ خَصَّ هَذا المَرَضَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ لَهُ حُكْمًا خاصًّا، وهو حَلْقُ الرَّأْسِ، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ إنْ مُنِعْتُمْ بِمَرَضٍ تَحَلَّلْتُمْ بِدَمٍ، وإنْ تَأذّى رَأْسُكم بِمَرَضٍ حَلَقْتُمْ وكَفَّرْتُمْ.
قُلْنا: هَذا وإنْ كانَ حَسَنًا لِهَذا الغَرَضِ، إلّا أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَلْزَمُ عَطْفُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، أمّا إذا لَمْ يَكُنِ المُحْصَرُ مُفَسَّرًا بِالمَرِيضِ، لَمْ يَلْزَمْ عَطْفُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، فَكانَ حَمْلُ المُحْصَرِ عَلى غَيْرِ المَرِيضِ يُوجِبُ خُلُوَّ الكَلامِ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى.
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: قالَ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿فَإذا أمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولَفْظُ الأمْنِ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في الخَوْفِ مِنَ العَدُوِّ لا في المَرَضِ، فَإنَّهُ يُقالُ في المَرَضِ: شُفِيَ وعُفِيَ ولا يُقالُ أمِنَ.
فَإنْ قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ لَفْظَ الأمْنِ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الخَوْفِ، فَإنَّهُ يُقالُ: أمِنَ المَرِيضُ مِنَ الهَلاكِ وأيْضًا خُصُوصُ آخِرِ الآيَةِ لا يَقْدَحُ في عُمُومِ أوَّلِها.
قُلْنا: لَفْظُ الأمْنِ إذا كانَ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ إلّا الأمْنَ مِنَ العَدُوِّ.
وقَوْلُهُ: خُصُوصُ آخَرِ الآيَةِ لا يَمْنَعُ مِن عُمُومِ أوَّلِها.
قُلْنا: بَلْ يُوجِبُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] لَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّهُ حَصَلَ الأمْنُ مِمّاذا، فَلا بُدَّ
صفحة ١٢٦
وأنْ يَكُونَ المُرادُ حُصُولَ الأمْنِ مِن شَيْءٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو الإحْصارُ، فَصارَ التَّقْدِيرُ: فَإذا أمِنتُمْ مِن ذَلِكَ الإحْصارِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ لَفْظَ الأمْنِ لا يُطْلَقُ إلّا في حَقِّ العَدُوِّ، وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الإحْصارِ مَنعَ العَدُوِّ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ أنَّ الإحْصارَ المَذْكُورَ في الآيَةِ هو مَنعُ العَدُوِّ فَقَطْ، أمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ مَنعُ المَرَضِ صاحَبَهُ خاصَّةً فَهو باطِلٌ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ.
وفِيهِ دَلِيلٌ آخَرُ: وهو أنَّ المُفَسِّرِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ أحْصَرُوا النَّبِيَّ ﷺ بِالحُدَيْبِيَةِ، والنّاسُ وإنِ اخْتَلَفُوا في أنَّ الآيَةَ النّازِلَةَ في سَبَبٍ هَلْ تَتَناوَلُ غَيْرَ ذَلِكَ السَّبَبِ ؟ إلّا أنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ السَّبَبُ خارِجًا عَنْهُ، فَلَوْ كانَ الإحْصارُ اسْمًا لِمَنعِ المَرَضِ، لَكانَ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ خارِجًا عَنْها، وذَلِكَ باطِلٌ بِالإجْماعِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الإحْصارَ في هَذِهِ الآيَةِ عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ العَدُوِّ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لا يُمْكِنُ قِياسُ مَنعِ المَرَضِ عَلَيْهِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”إنْ“ شَرْطٌ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، وحُكْمُ الشَّرْطِ انْتِفاءُ المَشْرُوطِ عَنِ انْتِفائِهِ ظاهِرًا، فَهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يَثْبُتَ الحُكْمُ إلّا في الإحْصارِ الَّذِي دَلَّتِ الآيَةُ عَلَيْهِ، فَلَوْ أثْبَتْنا هَذا الحُكْمَ في غَيْرِهِ قِياسًا كانَ ذَلِكَ نَسْخًا لِلنَّصِّ بِالقِياسِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الإحْرامَ شَرْعٌ لازِمٌ لا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ قَصْدًا، ألا تَرى أنَّهُ إذا جامَعَ امْرَأتَهُ حَتّى فَسَدَ حَجُّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِن إحْرامِهِ، وكَذَلِكَ لَوْ فاتَهُ الحَجُّ حَتّى لَزِمَهُ القَضاءُ والمَرَضُ لَيْسَ كالعَدُوِّ، ولِأنَّ المَرِيضَ لا يَسْتَفِيدُ بِتَحَلُّلِهِ ورُجُوعِهِ أمْنًا مِن مَرَضِهِ، أمّا المُحْصَرُ بِالعَدُوِّ فَإنَّهُ خائِفٌ مِنَ القَتْلِ إنْ أقامَ، فَإذا رَجَعَ فَقَدْ تَخَلَّصَ مِن خَوْفِ القَتْلِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذِهِ المَسْألَةِ عَلى ما يَلِيقُ بِالتَّفْسِيرِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: في الآيَةِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: فَحَلَلْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٤٨] أيْ فَأفْطَرَ فَعِدَّةٌ، وفِيها إضْمارٌ آخَرُ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ كَلامٌ غَيْرُ تامٍّ لا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ، ثُمَّ فِيهِ احْتِمالانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: مَحَلُّ ”ما“ رَفْعٌ، والتَّقْدِيرُ: فَواجِبٌ عَلَيْكم ما اسْتَيْسَرَ.
والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: لَوْ نَصَبْتَ عَلى مَعْنى: اهْدُوا ما تَيَسَّرَ كانَ صَوابًا، وأكْثَرُ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن أشْباهِهِ مَرْفُوعٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”اسْتَيْسَرَ“ بِمَعْنى تَيَسَّرَ، ومِثْلُهُ: اسْتَعْظَمَ، أيْ: تَعَظَّمَ، واسْتَكْبَرَ: أيْ تَكَبَّرَ، واسْتَصْعَبَ: أيْ تَصَعَّبَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الهَدْيُ: جَمْعُ هَدْيَةٍ، كَما تَقُولُ: تَمْرٌ وتَمْرَةٌ، قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: أهْلُ الحِجازِ يُخَفِّفُونَ ”الهَدْيَ“ وتَمِيمٌ تُثَقِّلُهُ، فَيَقُولُونَ: هَدِيَّةٌ، وهَدِيٌّ، ومَطِيَّةٌ، ومَطِيٌّ، قالَ الشّاعِرُ:
حَلَفْتُ بِرَبِّ مَكَّةَ والمُصَلّى وأعْناقِ الهَدِيِّ مُقَلَّداتِ
ومَعْنى ”الهَدْيِ“: ما يُهْدى إلى بَيْتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ تَقَرُّبًا إلَيْهِ، بِمَنزِلَةِ الهَدِيَّةِ يُهْدِيها الإنْسانُ إلى غَيْرِهِ تَقَرُّبًا إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ: الهَدْيُ أعْلاهُ بَدَنَةٌ، وأوْسَطُهُ بَقَرَةٌ، وأخَسُّهُ شاةٌ، فَعَلَيْهِ ما تَيَسَّرَ مِن هَذِهِ الأجْناسِ.
* * *
صفحة ١٢٧
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المُحْصَرُ إذا كانَ عالِمًا بِالهَدْيِ، هَلْ لَهُ بَدَلٌ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ ؟ لِلشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: لا بَدَلَ لَهُ ويَكُونُ الهَدْيُ في ذِمَّتِهِ أبَدًا، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، والحُجَّةُ في أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلى المُحْصَرِ الهَدْيَ عَلى التَّعْيِينِ، وما أثْبَتَ لَهُ بَدَلًا.
والثّانِي: أنَّ لَهُ بَدَلًا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ، وهو قَوْلُ أحْمَدَ، فَإذا قُلْنا بِالقَوْلِ الأوَّلِ: هَلْ لَهُ أنْ يَتَحَلَّلَ في الحالِ أوْ يُقِيمَ عَلى إحْرامِهِ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يُقِيمُ عَلى إحْرامِهِ حَتّى يَجِدَهُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ.
والثّانِي: أنْ يَتَحَلَّلَ في الحالِ لِلْمَشَقَّةِ، وهو الأصَحُّ، فَإذا قُلْنا بِالقَوْلِ الثّانِي فَفِيهِ اخْتِلافاتٌ كَثِيرَةٌ وأقْرَبُها أنْ يُقالَ: يَقُومُ الهَدْيُ بِالدَّراهِمِ ويُشْتَرى بِها طَعامٌ ويُؤَدّى، وإنَّما قُلْنا ذَلِكَ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى الهَدْيِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المُحْصَرُ إذا أرادَ التَّحَلُّلَ وذَبَحَ، وجَبَ أنْ يَنْوِيَ التَّحَلُّلَ عِنْدَ الذَّبْحِ، ولا يَتَحَلَّلَ البَتَّةَ قَبْلَ الذَّبْحِ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في العُمْرَةِ فَأكْثَرُ الفُقَهاءِ قالُوا: حُكْمُها في الإحْصارِ كَحُكْمِ الحَجِّ وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّهُ لا إحْصارَ فِيهِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ، وهَذا باطِلٌ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ مَذْكُورٌ عَقِيبَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، فَكانَ عائِدًا إلَيْهِما.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ حَذْفٌ لِأنَّ الرَّجُلَ لا يَتَحَلَّلُ بِبُلُوغِ الهَدْيِ مَحِلَّهُ، بَلْ لا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ إلّا بِالنَّحْرِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ ويُنْحَرَ فَإذا نُحِرَ فاحْلِقُوا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يَجُوزُ إراقَةُ دَمِ الإحْصارِ لا في الحَرَمِ، بَلْ حَيْثُ حُبِسَ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا في الحَرَمِ، ومَنشَأُ الخِلافِ البَحْثُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: المَحِلُّ في هَذِهِ الآيَةِ اسْمٌ لِلزَّمانِ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ التَّحَلُّلُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إنَّهُ اسْمٌ لِلْمَكانِ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مِن وُجُوهٍ.
الأوَّلُ: أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أُحْصِرَ بِالحُدَيْبِيَةِ ونَحَرَ بِها، والحُدَيْبِيَةُ لَيْسَتْ مِنَ الحَرَمِ، قالَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ إنَّهُ إنَّما أُحْصِرَ في طَرَفِ الحُدَيْبِيَةِ الَّذِي هو أسْفَلُ مَكَّةَ، وهو مِنَ الحَرَمِ.
قالَ الواقِدِيُّ: الحُدَيْبِيَةُ عَلى طَرَفِ الحَرَمِ عَلى تِسْعَةِ أمْيالٍ مِن مَكَّةَ، أجابَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ”تَفْسِيرِهِ“ عَنْ هَذا السُّؤالِ، فَقالَ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ نَحْرَ ذَلِكَ الهَدْيِ ما وقَعَ في الحَرَمِ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الكُفّارَ مَنَعُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ إبْلاغِ الهَدْيِ مَحِلَّهُ الَّذِي كانَ يُرِيدُهُ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهم نَحَرُوا ذَلِكَ الهَدْيَ في غَيْرِ الحَرَمِ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ المُحْصَرَ سَواءٌ كانَ في الحِلِّ أوْ في الحَرَمِ فَهو مَأْمُورٌ بِنَحْرِ الهَدْيِ فَوَجَبَ أنْ يَتَمَكَّنَ في الحِلِّ والحَرَمِ مِن نَحْرِ الهَدْيِ.
بَيانُ المَقامِ الأوَّلِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن كانَ مُحْصَرًا، سَواءٌ كانَ في الحِلِّ أوْ في الحَرَمِ، وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ مَعْناهُ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ نَحْوُهُ واجِبٌ، أوْ مَعْناهُ
صفحة ١٢٨
فانْحَرُوا ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ نَحْرَ الهَدْيِ واجِبٌ عَلى المُحْصَرِ سَواءٌ كانَ مُحْصَرًا في الحِلِّ أوْ في الحَرَمِ، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونَ لَهُ الذَّبْحُ في الحِلِّ والحَرَمِ، لِأنَّ المُكَلَّفَ بِالشَّيْءِ أوَّلُ دَرَجاتِهِ أنْ يَجُوزَ لَهُ فِعْلُ المَأْمُورِ بِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُحْصَرُ قادِرًا عَلى إراقَةِ الدَّمِ حَيْثُ أُحْصِرَ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إنَّما مَكَّنَ المُحْصَرَ مِنَ التَّحَلُّلِ بِالذَّبْحِ لِيَتَمَكَّنَ مِن تَخْلِيصِ النَّفْسِ عَنْ خَوْفِ العَدُوِّ في الحالِ، فَلَوْ لَمْ يَجُزِ النَّحْرُ إلّا في الحَرَمِ وما لَمْ يَحْصُلِ النَّحْرُ لا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِدَلالَةِ الآيَةِ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ وجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ التَّحَلُّلُ في الحالِ، وذَلِكَ يُناقِضُ ما هو المَقْصُودُ مِن شَرْعِ هَذا الحُكْمِ، ولِأنَّ المُوصِلَ لِلنَّحْرِ إلى الحَرَمِ إنْ كانَ هو فَقَدْ نُفِيَ الخَوْفُ، وكَيْفَ يُؤْمَنُ بِهَذا الفِعْلِ مِن قِيامِ الخَوْفِ، وإنْ كانَ غَيْرُهُ فَقَدْ لا يَجِدُ ذَلِكَ الغَيْرَ فَماذا يَفْعَلُ ؟ .
حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المَحِلَّ بِكَسْرِ عَيْنِ الفِعْلِ عِبارَةٌ عَنِ المَكانِ، كالمَسْجِدِ والمَجْلِسِ، فَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ بالِغٍ في الحالِ إلى مَكانِ الحِلِّ، وهو عِنْدَكم بالِغٌ مَحِلَّهُ في الحالِ.
جَوابُهُ: المَحِلُّ عِبارَةٌ عَنِ الزَّمانِ وأنَّ مِنَ المَشْهُورِ أنَّ مَحِلَّ الدَّيْنِ هو وقْتُ وُجُوبِهِ.
الثّانِي: هَبْ أنَّ لَفْظَ المَحِلِّ يَحْتَمِلُ المَكانَ والزَّمانَ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ هَذا الِاحْتِمالَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] وفي قَوْلِهِ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِنهُ الحَرَمُ، فَإنَّ البَيْتَ عَيْنَهُ لا يُراقُ فِيهِ الدِّماءُ.
جَوابُهُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُلُّ ما وجَبَ عَلى المُحْرِمِ في مالِهِ مِن بَدَنَةٍ وجَزاءِ هَدْيٍ فَلا يُجْزِي إلّا في الحَرَمِ لِمَساكِينِ أهْلِهِ إلّا في مَوْضِعَيْنِ:
أحَدُهُما: مَن ساقَ هَدْيًا فَعَطَفَ في طَرِيقِهِ ذَبَحَهُ وخَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ المَساكِينِ.
والثّانِي: دَمُ المُحْصَرِ بِالعَدُوِّ فَإنَّهُ يَنْحَرُ حَيْثُ حُبِسَ، فالآياتُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها في سائِرِ الدِّماءِ فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّها تَتَناوَلُ هَذِهِ الصُّورَةَ.
الثّالِثُ: قالُوا: الهَدْيُ سُمِّيَ هَدْيًا لِأنَّهُ جارٍ مَجْرى الهَدِيَّةِ الَّتِي يَبْعَثُها العَبْدُ إلى رَبِّهِ، والهَدِيَّةُ لا تَكُونُ هَدِيَّةً إلّا إذا بَعَثَها المُهْدِي إلى دارِ المُهْدى إلَيْهِ، وهَذا المَعْنى لا يُتَصَوَّرُ إلّا بِجَعْلِ مَوْضِعِ الهَدْيِ هو الحَرَمُ.
جَوابُهُ: هَذا التَّمَسُّكُ بِالِاسْمِ، ثُمَّ هو مَحْمُولٌ عَلى الأفْضَلِ عِنْدَ القُدْرَةِ.
الرّابِعُ: أنَّ سائِرَ دِماءِ الحَجِّ كُلِّها قُرْبَةً كانَتْ أوْ كَفّارَةً لا تَصِحُّ إلّا في الحَرَمِ، فَكَذا هَذا.
جَوابُهُ: أنَّ هَذا الدَّمَ إنَّما وجَبَ لِإزالَةِ الخَوْفِ، وزَوالُ الخَوْفِ إنَّما يَحْصُلُ إذا قَدَرَ عَلَيْهِ حَيْثُ أُحْصِرَ، أمّا لَوْ وجَبَ إرْسالُهُ إلى الحَرَمِ لا يَحْصُلُ هَذا المَقْصُودُ، وهَذا المَعْنى غَيْرُ مَوْجُودٍ في سائِرِ الدِّماءِ فَظَهَرَ الفَرْقُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهم أنْ يَحِلُّوا فَيَحْلِقُوا رُؤُوسَهم إلّا بَعْدَ تَقْدِيمِ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ كَما أنَّهُ أمَرَهم أنْ لا يُناجُوا الرَّسُولَ إلّا بَعْدَ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ فَإذا أمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾؛ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، «قالَ كَعْبٌ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، وكانَ في شَعْرِ رَأْسِي كَثِيرٌ مِنَ القَمْلِ والصِّئْبانِ وهو يَتَناثَرُ عَلى وجْهِي، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: تُؤْذِيكَ هَوامُّ رَأْسِكَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: احْلِقْ رَأْسَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»، والمَقْصُودُ مِنها أنَّ المُحْرِمَ إذا تَأذّى بِالمَرَضِ أوْ بِهَوامِّ رَأْسِهِ أُبِيحَ لَهُ المُداواةُ والحَلْقُ بِشَرْطِ الفِدْيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ رُفِعَ لِأنَّهُ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ، وأيْضًا فَفِيهِ إضْمارٌ آخَرُ، والتَّقْدِيرُ: فَحَلَقَ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالمُحْصَرِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَبْلَ بُلُوغِ الهَدْيِ مَحِلَّهُ رُبَّما لَحِقَهُ مَرَضٌ أوْ أذًى في رَأْسِهِ، إنْ صَبَرَ فاللَّهُ أذِنَ لَهُ في ذَلِكَ بِشَرْطِ بَذْلِ الفِدْيَةِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ الكَلامُ مُسْتَأْنَفٌ لِكُلِّ مُحْرِمٍ لَحِقَهُ المَرَضُ في بَدَنِهِ فاحْتاجَ إلى عِلاجٍ، أوْ لَحِقَهُ أذًى في رَأْسِهِ فاحْتاجَ إلى الحَلْقِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ لَهُ ذَلِكَ، وبَيَّنَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الفِدْيَةِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المَرَضُ قَدْ يُحْوِجُ إلى اللِّباسِ، فَتَكُونُ الرُّخْصَةُ في اللِّباسِ كالرُّخْصَةِ في الحَلْقِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِغَيْرِ المَرَضِ مِن شِدَّةِ البَرْدِ وما شاكَلَهُ؛ فَأُبِيحَ لَهُ بِشَرْطِ الفِدْيَةِ، وقَدْ يَحْتاجُ أيْضًا إلى اسْتِعْمالِ الطِّيبِ في كَثِيرٍ مِنَ الأمْراضِ؛ فَيَكُونُ الحُكْمُ فِيهِ ذاكَ، وأمّا مَن يَكُونُ بِهِ أذًى مَن رَأْسِهِ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِسَبَبِ القَمْلِ والصِّئْبانِ، وقَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ الصُّداعِ، وقَدْ يَكُونُ عِنْدَ الخَوْفِ مِن حُدُوثِ مَرَضٍ أوْ ألَمٍ، وبِالجُمْلَةِ فَهَذا الحُكْمُ عامٌّ في جَمِيعِ مَحْظُوراتِ الحَجِّ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يُقَدِّمُ الفِدْيَةَ ثُمَّ يَتَرَخَّصُ، أوْ يُؤَخِّرُ الفِدْيَةَ عَنِ التَّرَخُّصِ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ أنَّهُ يُؤَخِّرُ الفِدْيَةَ عَنِ التَّرَخُّصِ؛ لِأنَّ الإقْدامَ عَلى التَّرَخُّصِ كالعِلَّةِ في وُجُوبِ الفِدْيَةِ، فَكانَ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، وأيْضًا فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: فَحَلَقَ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ، ولا يَنْتَظِمُ الكَلامُ إلّا عَلى هَذا الحَدِّ، فَإذَنْ يَجِبُ تَأْخِيرُ الفِدْيَةِ.
صفحة ١٣٠
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ فالمُرادُ أنَّ تِلْكَ الفِدْيَةَ أحَدُ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أصْلُ النُّسُكِ العِبادَةُ، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: النُّسُكُ سَبائِكُ الفِضَّةِ، كُلُّ سَبِيكَةٍ مِنها نَسِيكَةٌ، ثُمَّ قِيلَ لِلْمُتَعَبِّدِ: ناسِكٌ؛ لِأنَّهُ خَلَّصَ نَفْسَهُ مِن دَنَسِ الآثامِ وصَفّاها، كالسَّبِيكَةِ المُخَلَّصَةِ مِنَ الخَبَثِ، هَذا أصْلُ مَعْنى النُّسُكِ، ثُمَّ قِيلَ لِلذَّبِيحَةِ: نُسُكٌ؛ لِأنَّها مِن أشْرَفِ العِباداتِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِها إلى اللَّهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقُوا في النُّسُكِ عَلى أنَّ أقَلَّهُ شاةٌ؛ لِأنَّ النُّسُكَ لا يَتَأدّى إلّا بِأحَدِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ: الجَمَلُ، والبَقَرَةُ، والشّاةُ، ولَمّا كانَ أقَلُّها الشّاةَ لا جَرَمَ كانَ أقَلُّ الواجِبِ في النُّسُكِ هو الشّاةَ، أمّا الصِّيامُ والإطْعامُ فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى كِمِّيَّتِهِما وكَيْفِيَّتِهِما، وبِماذا يَحْصُلُ بَيانُهُ؛ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ حَصَلَ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وهو ما رَوى أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا مَرَّ بِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ورَأى كَثْرَةَ الهَوامِّ في رَأْسِهِ، قالَ لَهُ: احْلِقْ، ثُمَّ اذْبَحْ شاةً نُسُكًا، أوْ صُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ، أوْ أطْعِمْ ثَلاثَةَ آصُعٍ مِن تَمْرٍ عَلى سِتَّةِ مَساكِينَ» .
والقَوْلُ الثّانِي: ما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ أنَّهُما قالا: الصِّيامُ لِلْمُتَمَتِّعِ عَشْرَةُ أيّامٍ، والإطْعامُ مِثْلُ ذَلِكَ في العِدَّةِ، وحُجَّتُهُما أنَّ الصِّيامَ والإطْعامَ لَمّا كانا مُجْمَلَيْنِ في هَذا المَوْضِعِ وجَبَ حَمْلُهُما عَلى المُفَسَّرِ فِيما جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ، وهو الَّذِي يَلْزَمُ المُتَمَتِّعَ إذا لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ، والقَوْلُ الأوَّلُ عَلَيْهِ أكْثَرُ الفُقَهاءِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى حُكْمِ مَن أقْدَمَ عَلى شَيْءٍ مِن مَحْظُوراتِ الحَجِّ بِعُذْرٍ، أمّا مَن حَلَقَ رَأْسَهُ عامِدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأبِي حَنِيفَةَ الواجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ، وقالَ مالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حُكْمُهُ حُكْمُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ بِعُذْرٍ، والآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ﴾ يَدُلُّ عَلى اشْتِراطِ هَذا الحُكْمِ بِهَذِهِ الأعْذارِ، والمَشْرُوطُ بِالشَّيْءِ عُدِمَ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّ تَقْدِيرَهُ: فَإذا أمِنتُمْ مِنَ الإحْصارِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ﴾؛ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى التَّمَتُّعِ التَّلَذُّذُ، يُقالُ: تَمَتَّعَ بِالشَّيْءِ أيْ تَلَذَّذَ بِهِ، والمَتاعُ: كُلُّ شَيْءٍ يُتَمَتَّعُ بِهِ، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: حَبْلٌ ماتِعٌ؛ أيْ طَوِيلٌ، وكُلُّ مَن طالَتْ صُحْبَتُهُ مَعَ الشَّيْءِ فَهو مُتَمَتِّعٌ بِهِ، والمُتَمَتِّعُ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ هو أنْ يَقْدُمَ مَكَّةَ فَيَعْتَمِرَ في أشْهُرِ الحَجِّ، ثُمَّ يُقِيمَ بِمَكَّةَ حَلالًا يُنْشِئُ مِنها الحَجَّ، فَيَحُجُّ مِن عامِهِ ذَلِكَ، وإنَّما سُمِّيَ مُتَمَتِّعًا لِأنَّهُ يَكُونُ مُسْتَمْتِعًا بِمَحْظُوراتِ الإحْرامِ فِيما بَيْنَ تَحَلُّلِهِ مِنَ العُمْرَةِ إلى إحْرامِهِ بِالحَجِّ، والتَّمَتُّعُ عَلى هَذا الوَجْهِ صَحِيحٌ لا كَراهَةَ فِيهِ، وهَهُنا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ التَّمَتُّعِ مَكْرُوهٌ، وهو الَّذِي حَذَّرَ «عَنْهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقالَ: مُتْعَتانِ كانَتا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنا أنْهى عَنْهُما وأُعاقِبُ عَلَيْهِما: مُتْعَةُ النِّساءِ، ومُتْعَةُ الحَجِّ» . والمُرادُ مِن هَذِهِ المُتْعَةِ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الإحْرامَيْنِ، ثُمَّ يَفْسَخَ الحَجَّ إلى العُمْرَةِ ويَتَمَتَّعَ بِها إلى الحَجِّ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أذِنَ لِأصْحابِهِ في ذَلِكَ، ثُمَّ نُسِخَ.
رُوِيَ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ قالَ: ما كانَتْ مُتْعَةُ الحَجِّ إلّا لِي خاصَّةً، فَكانَ السَّبَبُ فِيهِ أنَّهم كانُوا لا يَرَوْنَ العُمْرَةَ في أشْهُرِ الحَجِّ ويَعُدُّونَها مِن أفْجَرِ الفُجُورِ، فَلَمّا أرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إبْطالَ ذَلِكَ الِاعْتِقادِ عَلَيْهِمْ بالَغَ فِيهِ بِأنْ نَقَلَهم في أشْهُرِ الحَجِّ مِنَ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ، وهَذا سَبَبٌ لا يُشارِكُهم فِيهِ غَيْرُهم، فَلِهَذا المَعْنى كانَ فَسْخُ الحَجِّ خاصًّا بِهِمْ.
صفحة ١٣١
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ﴾ أيْ: فَمَن يَتَمَتَّعُ بِسَبَبِ العُمْرَةِ فَكَأنَّهُ لا يَتَمَتَّعُ بِالعُمْرَةِ، ولَكِنَّهُ يَتَمَتَّعُ بِمَحْظُوراتِ الإحْرامِ بِسَبَبِ إتْيانِهِ بِالعُمْرَةِ، وهَذا هو مَعْنى التَّمَتُّعِ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾؛ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أصْحابُنا: لِوُجُوبِ دَمِ التَّمَتُّعِ خَمْسُ شَرائِطَ:
أحَدُها: أنْ يُقَدِّمَ العُمْرَةَ عَلى الحَجِّ.
والثّانِي: أنْ يُحْرِمَ بِالعُمْرَةِ في أشْهُرِ الحَجِّ، فَإنْ أحْرَمَ بِها قَبْلَ أشْهُرِ الحَجِّ وأتى بِشَيْءٍ مِنَ الطَّوافِ وإنْ كانَ شَوْطًا واحِدًا ثُمَّ أكْمَلَ باقِيَهُ في أشْهُرِ الحَجِّ، وحَجَّ في هَذِهِ السَّنَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ في أشْهُرِ الحَجِّ، وإنْ أحْرَمَ بِالعُمْرَةِ قَبْلَ أشْهُرِ الحَجِّ، وأتى بِأعْمالِها في أشْهُرِ الحَجِّ، فِيهِ قَوْلانِ: قالَ في ”الأُمِّ“ وهو الأصَحُّ: لا يَلْزَمُهُ دَمُ التَّمَتُّعِ؛ لِأنَّهُ أتى بِرُكْنٍ مِن أرْكانِ العُمْرَةِ قَبْلَ أشْهُرِ الحَجِّ، كَما لَوْ طافَ قَبْلَهُ، وقالَ في ”القَدِيمِ والإمْلاءِ“: يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، ويَجْعَلُ اسْتِدامَةَ الإحْرامِ في أشْهُرِ الحَجِّ كابْتِدائِهِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إذا أتى بِبَعْضِ الطَّوافِ قَبْلَ أشْهُرِ الحَجِّ فَهو مُتَمَتِّعٌ إذا لَمْ يَأْتِ بِأكْثَرِهِ.
الشَّرْطُ الثّالِثُ: أنْ يَحُجَّ في هَذِهِ السَّنَةِ، فَإنْ حَجَّ في سَنَةٍ أُخْرى لا يَلْزَمُهُ الدَّمُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مُزاحَمَةُ الحَجِّ والعُمْرَةِ في عامٍ واحِدٍ.
الشَّرْطُ الرّابِعُ: أنْ لا يَكُونَ مِن حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، وحاضِرُ المَسْجِدِ الحَرامِ مَن كانَ أهْلُهُ عَلى مَسافَةٍ أقَلَّ مِن مَسافَةِ القَصْرِ، فَإنْ كانَ عَلى مَسافَةِ القَصْرِ فَلَيْسَ مِنَ الحاضِرِينَ، وهَذِهِ المَسافَةُ تُعْتَبَرُ مِن مَكَّةَ أوْ مِنَ الحَرَمِ، وفِيهِ وجْهانِ.
الشَّرْطُ الخامِسُ: أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ مِن جَوْفِ مَكَّةَ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ العُمْرَةِ، فَإنْ عادَ إلى المِيقاتِ، فَأحْرَمَ بِالحَجِّ لا يَلْزَمُهُ دَمُ التَّمَتُّعِ؛ لِأنَّ لُزُومَ الدَّمِ لِتَرْكِ الإحْرامِ مِنَ المِيقاتِ، ولَمْ يُوجَدْ، فَهَذِهِ هي الشُّرُوطُ المُعْتَبَرَةُ في لُزُومِ دَمِ التَّمَتُّعِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: دَمُ التَّمَتُّعِ دَمُ جُبْرانِ الإساءَةِ، فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْكُلَ مِنهُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّهُ دَمُ نُسُكٍ، ويَأْكُلُ مِنهُ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ مِن وُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ التَّمَتُّعَ حَصَلَ فِيهِ خَلَلٌ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الدَّمُ دَمَ جُبْرانٍ.
بَيانُ حُصُولِ الخَلَلِ فِيهِ مِن وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ:
الأوَّلُ: رُوِيَ أنَّ عُثْمانَ كانَ يَنْهى عَنِ المُتْعَةِ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: عَمَدْتَ إلى رُخْصَةٍ بِسَبَبِ الحاجَةِ والغُرْبَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ نَقْصٍ فِيها.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى سَمّاهُ تَمَتُّعًا، والتَّمَتُّعُ عِبارَةٌ عَنِ التَّلَذُّذِ والِارْتِفاعِ، ومَبْنى العِبادَةِ عَلى المَشَقَّةِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَصَلَ في كَوْنِهِ عِبادَةً نَوْعُ خَلَلٍ.
الثّالِثُ: وهو بَيانُ الخَلَلِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ: أنَّ في التَّمَتُّعِ صارَ السَّفَرُ لِلْعُمْرَةِ، وكانَ مِن حَقِّهِ أنْ يَكُونَ لِلْحَجِّ، فَإنَّ الحَجَّ الأكْبَرَ هو الحَجُّ، وأيْضًا حَصَلَ التَّرَفُّهُ وقْتَ الإحْلالِ بَيْنَهُما، وذَلِكَ خَلَلٌ، وأيْضًا كانَ مِن حَقِّهِ جَعْلُ المِيقاتِ لِلْحَجِّ فَإنَّهُ أعْظَمُ، فَلَمّا جَعَلَ المِيقاتَ لِلْعُمْرَةِ كانَ ذَلِكَ نَوْعَ خَلَلٍ، وإذا ثَبَتَ كَوْنُ الخَلَلِ في هَذا الحَجِّ، وجَبَ جَعْلُ الدَّمِ دَمَ جُبْرانٍ لا دَمَ نُسُكٍ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الدَّمَ لَيْسَ بِنُسُكٍ أصْلِيٍّ مِن مَناسِكِ الحَجِّ أوِ العُمْرَةِ كَما لَوْ أفْرَدَ بِهِما، وكَما في حَقِّ المَكِّيِّ، والجَمْعُ بَيْنَ العِبادَتَيْنِ لا يُوجِبُ الدَّمَ أيْضًا، بِدَلِيلِ أنَّ مَن جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاةِ والصَّوْمِ والِاعْتِكافِ لا يَلْزَمُهُ الدَّمُ؛ فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ هَذا الدَّمَ لَيْسَ دَمَ نُسُكٍ؛ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ دَمَ جُبْرانٍ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ الهَدْيَ عَلى التَّمَتُّعِ بِلا تَوْقِيتٍ، وكَوْنُهُ غَيْرَ مُؤَقَّتٍ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ دَمُ
صفحة ١٣٢
جُبْرانٍ؛ لِأنَّ المَناسِكَ كُلَّها مُؤَقَّتَةٌ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ لِلصَّوْمِ فِيهِ مَدْخَلًا، ودَمُ النُّسُكِ لا يُبْدَلُ بِالصَّوْمِ، وإذا عَرَفْتَ صِحَّةَ ما ذَكَرْنا فَنَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ألْزَمَ المُكَلَّفَ إتْمامَ الحَجِّ في قَوْلِهِ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وقَدْ دَلَلْنا عَلى أنَّ حَجَّ التَّمَتُّعِ غَيْرُ تامٍّ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾، وذَلِكَ لِأنَّ تَمَتُّعَكم يُوقِعُ نَقْصًا في حَجَّتِكم، فاجْبُرُوهُ بِالهَدْيِ لِتَكْمُلَ بِهِ حَجَّتُكم، فَهَذا مَعْنًى حَسَنٌ مَفْهُومٌ مِن سِياقِ الآيَةِ، وهو لا يَتَقَرَّرُ إلّا عَلى مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الدَّمُ الواجِبُ بِالتَّمَتُّعِ: دَمُ شاةٍ جَذَعَةٍ مِنَ الضَّأْنِ، أوْ ثَنِيَّةٍ مِنَ المَعْزِ، ولَوْ تَشارَكَ سِتَّةٌ في بَقَرَةٍ أوْ بَدَنَةٍ جازَ، ووَقْتُ وُجُوبِهِ بَعْدَما أحْرَمَ بِالحَجِّ؛ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ وجَبَ عَقِيبَ التَّمَتُّعِ، ويُسْتَحَبُّ أنْ يَذْبَحَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَلَوْ ذَبَحَ بَعْدَما أحْرَمَ بِالحَجِّ جازَ؛ لِأنَّ التَّمَتُّعَ قَدْ تَحَقَّقَ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لا يَجُوزُ، وأصْلُ هَذا أنَّ دَمَ التَّمَتُّعِ عِنْدَنا دَمُ جُبْرانٍ كَسائِرِ دِماءِ الجُبْراناتِ، وعِنْدَهُ دَمُ نُسُكٍ كَدَمِ الأُضْحِيَّةِ، فَيَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences