Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:196

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:196, continued

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾ فالمَعْنى أنَّ المُتَمَتِّعَ إنْ وجَدَ الهَدْيَ فَلا كَلامَ، وإنْ لَمْ يَجِدْ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بَدَلَهُ مِنَ الصِّيامِ، فَهَذا الهَدْيُ أفْضَلُ أمِ الصِّيامُ ؟ الظّاهِرُ أنْ يَكُونَ المُبْدَلُ الَّذِي هو الأصْلُ أفْضَلَ، لَكِنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذا البَدَلِ أنَّهُ في الكَمالِ والثَّوابِ كالهَدْيِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾؛ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ نَصٌّ فِيما إذا لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ، والفُقَهاءُ قاسُوا عَلَيْهِ ما إذا وجَدَ الهَدْيَ ولَمْ يَجِدْ ثَمَنَهُ، أوْ كانَ مالُهُ غائِبًا، أوْ يُباعُ بِثَمَنٍ غالٍ، فَهُنا أيْضًا يَعْدِلُ إلى الصَّوْمِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ﴾ أيْ فَعَلَيْهِ ثَلاثَةُ أيّامٍ وقْتَ اشْتِغالِهِ بِالحَجِّ، ويَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مَسْألَةٌ فِقْهِيَّةٌ؛ وهي أنَّ المُتَمَتِّعَ إذا لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ لا يَصِحُّ صَوْمُهُ بَعْدَ إحْرامِ العُمْرَةِ قَبْلَ إحْرامِ الحَجِّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَصِحُّ.

حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ صامَ قَبْلَ وقْتِهِ؛ فَلا يَجُوزُ كَمَن صامَ رَمَضانَ قَبْلَهُ، وكَما إذا صامَ السَّبْعَةَ أيّامٍ قَبْلَ الرُّجُوعِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ صامَ قَبْلَ وقْتِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ﴾ وأرادَ بِهِ إحْرامَ الحَجِّ؛ لِأنَّ سائِرَ أفْعالِ الحَجِّ لا تَصْلُحُ طَرَفًا لِلصَّوْمِ، والإحْرامُ يَصْلُحُ؛ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ.

الثّانِي: أنَّ ما قَبْلَ الإحْرامِ بِالحَجِّ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلْهَدْيِ الَّذِي هو أفْضَلُ، فَكَذا لا يَكُونُ وقْتًا لِلصَّوْمِ الَّذِي هو بَدَلُهُ اعْتِبارًا بِسائِرِ الأُصُولِ والإبْدالِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ البَدَلَ حالَ عَدَمِ الأصْلِ يَقُومُ مَقامَهُ؛ فَيَصِيرُ في الحُكْمِ كَأنَّهُ الأصْلُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ في وقْتٍ، لَوْ وجَدَ الأصْلَ لَمْ يَجُزْ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ يَجُوزُ بَعْدَ الشُّرُوعِ في الحَجِّ إلى يَوْمِ النَّحْرِ، والأصَحُّ أنَّهُ لا يَجُوزُ يَوْمَ النَّحْرِ ولا أيّامَ التَّشْرِيقِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ولا تَصُومُوا في هَذِهِ الأيّامِ»، والمُسْتَحَبُّ أنْ يَصُومَ في أيّامِ الحَجِّ حَيْثُ يَكُونُ يَوْمَ عَرَفَةَ مُفْطِرًا.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِنَ الرُّجُوعِ في قَوْلِهِ: ﴿إذا رَجَعْتُمْ﴾ فَقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في ”الجَدِيدِ“: هو الرُّجُوعُ إلى الأهْلِ والوَطَنِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: المُرادُ مِنَ الرُّجُوعِ الفَراغُ مِن

صفحة ١٣٣

أعْمالِ الحَجِّ والأخْذُ في الرُّجُوعِ، ويَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أنَّهُ إذا صامَ الأيّامَ السَّبْعَةَ بَعْدَ الرُّجُوعِ عَنِ الحَجِّ، وقَبْلَ الوَصِيَّةِ إلى بَيْتِهِ، لا يُجْزِيهِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ويُجْزِيهِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ؛ حُجَّةُ الشّافِعِيِّ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إذا رَجَعْتُمْ﴾ مَعْناهُ إلى الوَطَنِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الرُّجُوعَ إلى الوَطَنِ شَرْطًا، وما لَمْ يُوجَدِ الشَّرْطُ لَمْ يُوجَدِ المَشْرُوطُ، والرُّجُوعُ إلى الوَطَنِ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى الوَطَنِ، فَقَبْلَهُ لَمْ يُوجَدِ الشَّرْطُ؛ فَوَجَبَ أنْ لا يُوجَدَ المَشْرُوطُ، ويَتَأكَّدُ ما قُلْنا بِأنَّهُ لَوْ ماتَ قَبْلَ الوُصُولِ إلى الوَطَنِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ.

الثّانِي: ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا قَدِمْنا مَكَّةَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اجْعَلُوا إهَلالَكم بِالحَجِّ عُمْرَةً إلّا مَن قَلَّدَ الهَدْيَ، فَطُفْنا بِالبَيْتِ وبِالصَّفا والمَرْوَةِ، وأتَيْنا النِّساءَ، ولَبِسْنا الثِّيابَ، ثُمَّ أمَرَنا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أنْ نُهِلَّ بِالحَجِّ، فَلَمّا فَرَغْنا قالَ: عَلَيْكُمُ الهَدْيَ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَصِيامُ ثَلاثَةٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ إلى أمْصارِكم» .

الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أسْقَطَ الصَّوْمَ عَنِ المُسافِرِ في رَمَضانَ. فَصَوْمُ التَّمَتُّعِ أخَفُّ شَأْنًا مِنهُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ”سَبْعَةً“ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ثَلاثَةِ أيّامٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا﴾ [البَلَدِ: ١٤] .

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ فَقَدْ طَعَنَ المُلْحِدُونَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِيهِ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ المَعْلُومَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الثَّلاثَةَ والسَّبْعَةَ عَشَرَةٌ، فَذِكْرُهُ يَكُونُ إيضاحًا لِلْواضِحِ.

والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كامِلَةٌ﴾ يُوهِمُ وُجُودَ عَشَرَةٍ غَيْرِ كامِلَةٍ في كَوْنِها عَشَرَةً، وذَلِكَ مُحالٌ، والعُلَماءُ ذَكَرُوا أنْواعًا مِنَ الفَوائِدِ في هَذا الكَلامِ:

الأوَّلُ: أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ﴾ لَيْسَ نَصًّا قاطِعًا في الجَمْعِ، بَلْ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنى أوْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ [النِّساءِ: ٣] وكَما في قَوْلِهِمْ: جالِسِ الحَسَنَ وابْنَ سِيرِينَ أيْ جالِسْ هَذا أوْ هَذا، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ إزالَةً لِهَذا الوَهْمِ.

النَّوْعُ الثّانِي: أنَّ المُعْتادَ أنْ يَكُونَ البَدَلُ أضْعَفَ حالًا مِنَ المُبْدَلِ كَما في التَّيَمُّمِ مَعَ الماءِ، فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذا البَدَلَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو كامِلٌ في كَوْنِهِ قائِمًا مَقامَ المُبْدَلِ؛ لِيَكُونَ الفاقِدُ لِلْهَدْيِ المُتَحَمِّلُ لِكُلْفَةِ الصَّوْمِ ساكِنَ النَّفْسِ إلى ما حَصَلَ لَهُ مِنَ الأجْرِ الكامِلِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وذِكْرُ العَشَرَةِ إنَّما هو لِصِحَّةِ التَّوَصُّلِ بِهِ إلى قَوْلِهِ: (كامِلَةٌ) كَأنَّهُ لَوْ قالَ: تِلْكَ كامِلَةٌ، جَوَّزَ أنْ يُرادَ بِهِ الثَّلاثَةُ المُفْرَدَةُ عَنِ السَّبْعَةِ، أوِ السَّبْعَةُ المُفْرَدَةُ عَنِ الثَّلاثَةِ، فَلا بُدَّ في هَذا مِن ذِكْرِ العَشَرَةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (كامِلَةٌ) يَحْتَمِلُ بَيانَ الكَمالِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّها كامِلَةٌ في البَدَلِ عَنِ الهَدْيِ قائِمَةٌ مَقامَهُ.

وثانِيها: أنَّها كامِلَةٌ في أنَّ ثَوابَ صاحِبِهِ كامِلٌ مِثْلُ ثَوابِ مَن يَأْتِي بِالهَدْيِ مِنَ القادِرِينَ عَلَيْهِ.

وثالِثُها: أنَّها كامِلَةٌ في أنَّ حَجَّ المُتَمَتِّعِ إذا أتى بِهَذا الصِّيامِ يَكُونُ كامِلًا مِثْلَ حَجِّ مَن لَمْ يَأْتِ بِهَذا التَّمَتُّعِ.

النَّوْعُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا قالَ: أوْجَبْتُ عَلَيْكُمُ الصِّيامَ عَشَرَةَ أيّامٍ، لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَكُونَ هُناكَ دَلِيلٌ يَقْتَضِي خُرُوجَ بَعْضِ هَذِهِ الأيّامِ عَنْ هَذا اللَّفْظِ، فَإنَّ تَخْصِيصَ العامِّ كَثِيرٌ في الشَّرْعِ والعُرْفِ، فَلَوْ قالَ: ثَلاثَةُ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٌ إذا رَجَعْتُمْ، بَقِيَ احْتِمالُ أنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِحَسَبِ بَعْضِ الدَّلائِلِ المُخَصَّصَةِ، فَإذا قالَ بَعْدَهُ: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ، فَهَذا يَكُونُ تَنْصِيصًا عَلى أنَّ هَذا المُخَصَّصَ لَمْ يُوجَدْ ألْبَتَّةَ، فَتَكُونَ دَلالَتُهُ أقْوى واحْتِمالُهُ لِلتَّخْصِيصِ والنَّسْخِ أبْعَدَ.

النَّوْعُ الرّابِعُ: أنَّ مَراتِبَ الأعْدادِ أرْبَعَةٌ: آحادٌ، وعَشَراتٌ، ومِئِينَ، وأُلُوفٌ، وما وراءَ ذَلِكَ فَإمّا أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا أوْ مَكْسُورًا، وكَوْنُ العَشَرَةُ عَدَدًا مَوْصُوفًا بِالكَمالِ بِهَذا التَّفْسِيرِ أمْرٌ يَحْتاجُ إلى التَّعْرِيفِ، فَصارَ

صفحة ١٣٤

تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنَّما أوْجَبْتُ هَذا العَدَدَ لِكَوْنِهِ عَدَدًا مَوْصُوفًا بِصِفَةِ الكَمالِ، خالِيًا عَنِ الكَسْرِ والتَّرْكِيبِ.

النَّوْعُ الخامِسُ: أنَّ التَّوْكِيدَ طَرِيقَةٌ مَشْهُورَةٌ في كَلامِ العَرَبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحَجِّ: ٤٦] وقالَ: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنْعامِ: ٣٨ ] . والفائِدَةُ فِيهِ أنَّ الكَلامَ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالعِباراتِ الكَثِيرَةِ، ويُعْرَفُ بِالصِّفاتِ الكَثِيرَةِ، أبْعَدُ عَنِ السَّهْوِ والنِّسْيانِ مِنَ الكَلامِ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالعِبارَةِ الواحِدَةِ، فالتَّعْبِيرُ بِالعِباراتِ الكَثِيرَةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ في نَفْسِهِ مُشْتَمِلًا عَلى مَصالِحَ كَثِيرَةٍ، ولا يَجُوزُ الإخْلالُ بِها، أمّا ما عُبِّرَ عَنْهُ بِعِبارَةٍ واحِدَةٍ فَإنَّهُ لا يُعْلَمُ مِنهُ كَوْنُهُ مَصْلَحَةً مُهِمَّةً لا يَجُوزُ الإخْلالُ بِها، وإذا كانَ التَّوْكِيدُ مُشْتَمِلًا عَلى هَذِهِ الحِكْمَةِ كانَ ذِكْرُهُ في هَذا المَوْضِعِ دَلالَةً عَلى أنَّ رِعايَةَ العَدَدِ في هَذا الصَّوْمِ مِنَ المُهِمّاتِ الَّتِي لا يَجُوزُ إهْمالُها ألْبَتَّةَ.

النَّوْعُ السّادِسُ: في بَيانِ فائِدَةِ هَذا الكَلامِ أنَّ هَذا الخِطابَ مَعَ العَرَبِ، ولَمْ يَكُونُوا أهْلَ حِسابٍ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بَيانًا قاطِعًا لِلشَّكِّ والرَّيْبِ، وهَذا كَما رُوِيَ أنَّهُ قالَ في الشَّهْرِ: هَكَذا وهَكَذا، وأشارَ بِيَدَيْهِ ثَلاثًا، وأشارَ مَرَّةً أُخْرى وأمْسَكَ إبْهامَهُ في الثّالِثَةِ مُنَبِّهًا بِالإشارَةِ الأُولى عَلى ثَلاثِينَ، وبِالثّانِيَةِ عَلى تِسْعَةٍ وعِشْرِينَ.

النَّوْعُ السّابِعُ: أنَّ هَذا الكَلامَ يُزِيلُ الإبْهامَ المُتَوَلِّدَ مِن تَصْحِيفِ الخَطِّ، وذَلِكَ لِأنَّ سَبْعَةً وتِسْعَةً مُتَشابِهَتانِ في الخَطِّ، فَإذا قالَ بَعْدَهُ: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ زالَ هَذا الِاشْتِباهُ.

النَّوْعُ الثّامِنُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الواجِبُ بَعْدَ الرُّجُوعِ أنْ يُكْمِلَ سَبْعَةَ أيّامٍ، عَلى أنَّهُ يَحْسُبُ مِن هَذِهِ السَّبْعَةِ تِلْكَ الثَّلاثَةَ المُتَقَدِّمَةَ، حَتّى يَكُونَ الباقِي عَلَيْهِ بَعْدُ مِنَ الحَجِّ أرْبَعَةً سِوى تِلْكَ الثَّلاثَةِ المُتَقَدِّمَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الواجِبُ بَعْدَ الرُّجُوعِ سَبْعَةً سِوى تِلْكَ الثَّلاثَةِ المُتَقَدِّمَةِ، فَهَذا الكَلامُ مُحْتَمِلٌ لِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، فَإذا قالَ بَعْدَهُ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ زالَ هَذا الإشْكالُ، وبَيَّنَ أنَّ الواجِبَ بَعْدَ الرُّجُوعِ سَبْعَةٌ سِوى الثَّلاثَةِ المُتَقَدِّمَةِ.

النَّوْعُ التّاسِعُ: أنَّ اللَّفْظَ وإنْ كانَ خَبَرًا لَكِنَّ المَعْنى أمْرٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلْتَكُنْ تِلْكَ الصِّياماتُ صِياماتٍ كامِلَةً؛ لِأنَّ الحَجَّ المَأْمُورَ بِهِ حَجٌّ تامٌّ عَلى ما قالَ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وهَذِهِ الصِّياماتُ جُبْراناتٌ لِلْخَلَلِ الواقِعِ في ذَلِكَ الحَجِّ، فَلْتَكُنْ هَذِهِ الصِّياماتُ صِياماتٍ كامِلَةً حَتّى يَكُونَ جابِرًا لِلْخَلَلِ الواقِعِ في ذَلِكَ الحَجِّ، الَّذِي يَجِبُ أنْ يَكُونَ تامًّا كامِلًا، والمُرادُ بِكَوْنِ هَذِهِ الصِّياماتِ كامِلَةً ما ذَكَرْنا في بَيانِ كَوْنِ الحَجِّ تامًّا، وإنَّما عُدِلَ عَنْ لَفْظِ الأمْرِ إلى لَفْظِ الخَبَرِ؛ لِأنَّ التَّكْلِيفَ بِالشَّيْءِ إذا كانَ مُتَأكَّدًا جِدًّا فالظّاهِرُ دُخُولُ المُكَلَّفِ بِهِ في الوُجُودِ، فَلِهَذا السَّبَبِ جازَ أنْ يُجْعَلَ الإخْبارُ عَنِ الشَّيْءِ بِالوُقُوعِ كِنايَةً عَنْ تَأكُّدِ الأمْرِ بِهِ، ومُبالَغَةِ الشَّرْعِ في إيجابِهِ.

النَّوْعُ العاشِرُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أمَرَ بِصِيامِ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنَ الحَجِّ، فَلَيْسَ في هَذا القَدْرِ بَيانُ أنَّهُ طاعَةٌ عَظِيمَةٌ كامِلَةٌ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَلَمّا قالَ بَعْدَهُ: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ الطّاعَةَ في غايَةِ الكَمالِ، وذَلِكَ لِأنَّ الصَّوْمَ مُضافٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِلامِ الِاخْتِصاصِ عَلى ما قالَ تَعالى: ”الصَّوْمُ لِي“ والحَجُّ أيْضًا مُضافٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِلامِ الِاخْتِصاصِ، عَلى ما قالَ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وكَما دَلَّ النَّصُّ عَلى مَزِيدِ اخْتِصاصٍ لِهاتَيْنِ العِبادَتَيْنِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فالعَقْلُ دَلَّ أيْضًا عَلى ذَلِكَ، أمّا في حَقِّ الصَّوْمِ فَلِأنَّهُ عِبادَةٌ لا يَطَّلِعُ العَقْلُ ألْبَتَّةَ عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ فِيها، وهو مَعَ ذَلِكَ شاقٌّ عَلى النَّفْسِ جِدًّا، فَلا جَرَمَ لا يُؤْتى بِهِ إلّا لِمَحْضِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، والحَجُّ أيْضًا عِبادَةٌ لا يَطَّلِعُ العَقْلُ ألْبَتَّةَ عَلى

صفحة ١٣٥

وجْهِ الحِكْمَةِ فِيها، وهو مَعَ ذَلِكَ شاقٌّ جِدًّا؛ لِأنَّهُ يُوجِبُ مُفارَقَةَ الأهْلِ والوَطَنِ، ويُوجِبُ التَّباعُدَ عَنْ أكْثَرِ اللَّذّاتِ، فَلا جَرَمَ لا يُؤْتى بِهِ إلّا لِمَحْضِ مَرْضاتِهِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الأيّامَ العَشَرَةَ بَعْضُهُ واقِعٌ في زَمانِ الحَجِّ فَيَكُونُ جَمْعًا بَيْنَ شَيْئَيْنِ شاقَّيْنِ جِدًّا، وبَعْضُهُ واقِعٌ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الحَجِّ، وهو انْتِقالٌ مَن شاقٍّ إلى شاقٍّ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِكَثْرَةِ الثَّوابِ وعُلُوِّ الدَّرَجَةِ؛ فَلا جَرَمَ أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى صِيامَ هَذِهِ الأيّامِ العَشَرَةِ، وشَهِدَ سُبْحانَهُ عَلى أنَّهُ عِبادَةٌ في غايَةِ الكَمالِ والعُلُوِّ، فَقالَ: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ فَإنَّ التَّنْكِيرَ في هَذا المَوْضِعِ يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ الحالِ، فَكَأنَّهُ قالَ: عَشَرَةٌ وأيَّةُ عَشَرَةٍ، عَشَرَةٌ كامِلَةٌ، فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ العَشَرَةِ اشْتِمالُ هَذِهِ الكَلِمَةِ عَلى هَذِهِ الفَوائِدِ النَّفِيسَةِ، وسَقَطَ بِهَذا البَيانِ طَعْنُ المُلْحِدِينَ في هَذِهِ الآيَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ، وأقْرَبُ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ ذِكْرُ ما يَلْزَمُ المُتَمَتِّعُ مِنَ الهَدْيِ وبَدَلِهِ، وأبْعَدُ مِنهم ذِكْرُ تَمَتُّعِهِمْ. فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفُوا، فَقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّهُ راجِعٌ إلى الأقْرَبِ، وهو لُزُومُ الهَدْيِ وبَدَلِهِ عَلى المُتَمَتِّعِ، أيْ إنَّما يَكُونُ إذا لَمْ يَكُنِ المُتَمَتِّعُ مِن حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ، فَأمّا إذا كانَ مِن أهْلِ الحَرَمِ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُهُ الهَدْيُ ولا بَدَلُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذا الهَدْيَ إنَّما لَزِمَ الآفاقِيَّ؛ لِأنَّهُ كانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِ أنْ يُحْرِمَ عَنِ الحَجِّ مِنَ المِيقاتِ، فَلَمّا أحْرَمَ مِنَ المِيقاتِ عَنِ العُمْرَةِ، ثُمَّ أحْرَمَ عَنِ الحَجِّ لا مِنَ المِيقاتِ، فَقَدْ حَصَلَ هُناكَ الخَلَلُ، فَجُعِلَ مَجْبُورًا بِهَذا الدَّمِ، والمَكِّيُّ لا يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُحْرِمَ مِنَ المِيقاتِ، فَإقْدامُهُ عَلى التَّمَتُّعِ لا يُوقِعُ خَلَلًا في حَجِّهِ، فَلا جَرَمَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الهَدْيُ ولا بَدَلٌ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الأبْعَدِ، وهو ذِكْرُ التَّمَتُّعِ، وعِنْدَهُ لا مُتْعَةَ ولا قِرانَ لِحاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ، ومَن تَمَتَّعَ أوْ قَرَنَ كانَ عَلَيْهِ دَمٌ هو دَمُ جِنايَةٍ لا يَأْكُلُ مِنهُ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الحُجَّةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ﴾ عامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ الحَرَمِيُّ.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ كِنايَةٌ، فَوَجَبَ عَوْدُها إلى المَذْكُورِ الأقْرَبِ، وهو وُجُوبُ الهَدْيِ، وإذا خَصَّ إيجادَ الهَدْيِ بِالمُتَمَتِّعِ الَّذِي يَكُونُ آفاقِيًّا لَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ غَيْرَ الآفاقِيِّ قَدْ يَكُونُ أيْضًا مُتَمَتِّعًا.

الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى شَرَعَ القِرانَ والمُتْعَةَ إبانَةً لِنَسْخِ ما كانَ عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ في تَحْرِيمِهِمُ العُمْرَةَ في أشْهُرِ الحَجِّ، والنَّسْخُ يَثْبُتُ في حَقِّ النّاسِ كافَّةً.

الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ مَن كانَ مِن أهْلِ الإفْرادِ كانَ مِن أهْلِ المُتْعَةِ قِياسًا عَلى المَدَنِيِّ، إلّا أنَّ المُتَمَتِّعَ المَكِّيَّ لا دَمَ عَلَيْهِ لِما ذَكَرْناهُ.

حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ كِنايَةٌ، فَوَجَبَ عَوْدُها إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ البَعْضُ أوْلى مِنَ البَعْضِ.

وجَوابُهُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ عَوْدُهُ إلى الأقْرَبِ أوْلى ؟ لِأنَّ القُرْبَ سَبَبٌ لِلرُّجْحانِ، ألَيْسَ أنَّ مَذْهَبَهُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ المَذْكُورَ عَقِيبَ الجُمَلِ مُخْتَصٌّ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، وإنَّما تَمَيَّزَتْ تِلْكَ الجُمْلَةُ عَنْ سائِرِ الجُمَلِ بِسَبَبِ القُرْبِ، فَكَذا هَهُنا.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِحاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ، فَقالَ مالِكٌ: هم أهْلُ مَكَّةَ وأهْلُ ذِي

صفحة ١٣٦

طُوًى قالَ: فَلَوْ أنَّ أهْلَ مِنًى أحْرَمُوا بِالعُمْرَةِ مِن حَيْثُ يَجُوزُ لَهم، ثُمَّ أقامُوا بِمَكَّةَ حَتّى حَجُّوا كانُوا مُتَمَتِّعِينَ، وسُئِلَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ أهْلِ الحَرَمِ أيَجِبُ عَلَيْهِمْ ما يَجِبُ عَلى المُتَمَتِّعِ ؟ قالَ: نَعَمْ، ولَيْسَ هم مِثْلَ أهْلِ مَكَّةَ، فَقِيلَ لَهُ: فَأهْلُ مِنًى ؟ فَقالَ: لا أرى ذَلِكَ إلّا لِأهْلِ مَكَّةَ خاصَّةً، وقالَ طاوُسُ: حاضِرُو المَسْجِدِ الحَرامِ هم أهْلُ الحَرَمِ، وقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هُمُ الَّذِينَ يَكُونُونَ عَلى أقَلَّ مِن مَسافَةِ القَصْرِ مِن مَكَّةَ، فَإنْ كانُوا عَلى مَسافَةِ القَصْرِ، فَلَيْسُوا مِنَ الحاضِرِينَ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حاضِرُو المَسْجِدِ الحَرامِ أهْلُ المَواقِيتِ، وهي ذُو الحُلَيْفَةِ والجُحْفَةُ وقَرْنٌ ويَلَمْلَمُ وذاتُ العِرْقِ، فَكُلُّ مَن كانَ مِن أهْلِ مَوْضِعٍ مِن هَذِهِ المَواضِعِ، أوْ مِن أهْلِ ما وراءَها إلى مَكَّةَ فَهو مِن حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ، هَذا هو تَفْصِيلُ مَذاهِبِ النّاسِ.

ولَفْظُ الآيَةِ مُوافِقٌ لِمَذْهَبِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ هُمُ الَّذِينَ يُشاهِدُونَ المَسْجِدَ الحَرامِ ويَحْضُرُونَهُ، فَلَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ إلّا عَلَيْهِمْ، إلّا أنَّ الشّافِعِيَّ قالَ: كَثِيرًا ما ذَكَرَ اللَّهُ المَسْجِدَ الحَرامَ، والمُرادُ مِنهُ الحَرَمُ، قالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الإسْراءِ: ١] ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّما أُسَرِيَ بِهِ مِنَ الحَرَمِ لا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وقالَ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحَجِّ: ٣٣] والمُرادُ الحَرَمُ؛ لِأنَّ الدِّماءَ لا تُراقُ في البَيْتِ والمَسْجِدِ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: المُرادُ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ هَهُنا ما ذَكَرْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: الحاضِرُ ضِدُّ المُسافِرِ، وكُلُّ مَن لَمْ يَكُنْ مُسافِرًا كانَ حاضِرًا، ولَمّا كانَ حُكْمُ السَّفَرِ إنَّما ثَبَتَ في مَسافَةِ القَصْرِ، فَكُلُّ مَن كانَ دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ لَمْ يَكُنْ مُسافِرًا وكانَ حاضِرًا.

الثّانِي: أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي أهْلَ القُرى حاضِرَةً وحاضِرِينَ، وأهْلَ البَرِّ: بادِيَةً وبادِينَ، ومَشْهُورُ كَلامِ النّاسِ: أهِلُ البَدْوِ والحَضَرِ يُرادُ بِهِما أهْلُ الوَبَرِ والمَدَرِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الفَرّاءُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَن﴾ بِمَعْنى عَلى، أيْ ذَلِكَ الفَرْضُ الَّذِي هو الدَّمُ، أوِ الصَّوْمُ لازِمٌ عَلى مَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ مَكَّةَ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«واشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلاءَ» “ أيْ عَلَيْهِمْ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اللَّهُ تَعالى ذَكَرَ حُضُورَ الأهْلِ، والمُرادُ حُضُورُ المُحْرِمِ لا حُضُورُ الأهْلِ؛ لِأنَّ الغالِبَ عَلى الرَّجُلِ أنَّهُ يَسْكُنُ حَيْثُ أهْلُهُ ساكِنُونَ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المَسْجِدُ الحَرامُ إنَّما وُصِفَ بِهَذا الوَصْفِ لِأنَّ أصْلَ الحَرامِ والمَحْرُومِ المَمْنُوعُ عَنِ المَكاسِبِ، والشَّيْءُ المَنهِيُّ عَنْهُ حَرامٌ؛ لِأنَّهُ مُنِعَ مِن إتْيانِهِ، والمَسْجِدُ الحَرامُ المَمْنُوعُ مِن أنْ يُفْعَلَ فِيهِ ما مُنِعَ عَنْ فِعْلِهِ، قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ حَرامٌ وحَرَمٌ مِثْلُ زَمانٌ وزَمَنٌ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ فِيما فُرِضَ عَلَيْكم: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ لِمَن تَهاوَنَ بِحُدُودِهِ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: العِقابُ والمُعاقَبَةُ سِيّانِ، وهو مُجازاةُ المُسِيءِ عَلى إساءَتِهِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ العاقِبَةِ؛ كَأنَّهُ يُرادُ عاقِبَةُ فِعْلِ المُسِيءِ، كَقَوْلِ القائِلِ: لَتَذُوقَنَّ عاقِبَةَ فِعْلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском