Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:282–283, continued
والثّانِي: أنَّ المُرادَ تَحَمُّلُ الشَّهادَةِ عَلى الإطْلاقِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ واخْتِيارُ القَفّالِ، قالَ: كَما أمَرَ الكاتِبَ أنْ لا يَأْبى الكِتابَةَ، كَذَلِكَ أمَرَ الشّاهِدَ أنْ لا يَأْبى عَنْ تَحَمُّلِ الشَّهادَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَتَعَلَّقُ بِالآخَرِ، وفي عَدَمِهِما ضَياعُ الحُقُوقِ.
الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ تَحَمُّلُ الشَّهادَةِ إذا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ. الرّابِعُ: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ: أنَّ المُرادَ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ التَّحَمُّلُ أوَّلًا، والأداءُ ثانِيًا.
واحْتَجَّ القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ كَوْنِهِمْ شُهَداءَ، وذَلِكَ لا يَصِحُّ إلّا عِنْدَ أداءِ الشَّهادَةِ، فَأمّا وقْتُ التَّحَمُّلِ فَإنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذَلِكَ الوَقْتَ كَوْنُهم شُهَداءَ.
فَإنْ قِيلَ: يُشْكِلُ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ وكَذَلِكَ سَمّاهُ كاتِبًا قَبْلَ أنْ يَكْتُبَ.
قُلْنا: الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ صارَ مَتْرُوكًا بِالضَّرُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ فَلا يَجُوزُ أنْ نَتْرُكَهُ لِعِلَّةِ ضَرُورَةٍ في تِلْكَ الآيَةِ.
والثّانِي: أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ النَّهْيُ عَنِ الِامْتِناعِ، والأمْرُ بِالفِعْلِ، وذَلِكَ لِلْوُجُوبِ في حَقِّ الكُلِّ، ومَعْلُومٌ أنَّ التَّحَمُّلَ غَيْرُ واجِبٍ عَلى الكُلِّ، فَلَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، وأمّا الأداءُ بَعْدَ التَّحَمُّلِ فَإنَّهُ واجِبٌ عَلى الكُلِّ، ومُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فَكانَ هَذا أوْلى.
الثّالِثُ: أنَّ الأمْرَ بِالإشْهادِ يُفِيدُ أمْرَ الشّاهِدِ بِالتَّحَمُّلِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فَصارَ الأمْرُ بِتَحَمُّلِ الشَّهادَةِ داخِلًا في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ فَكانَ صَرْفُ قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ إلى الأمْرِ بِالأداءِ حَمْلًا لَهُ عَلى فائِدَةٍ جَدِيدَةٍ، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى، فَقَدْ ظَهَرَ بِما ذَكَرْنا دَلالَةُ الآيَةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى الشّاهِدِ أنْ لا يَمْتَنِعَ مِن إقامَةِ الشَّهادَةِ إذا دُعِيَ إلَيْها.
صفحة ١٠١
واعْلَمْ أنَّ الشّاهِدَ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَعَيِّنًا، وإمّا أنْ يَكُونَ فِيهِمْ كَثْرَةٌ، فَإنْ كانَ مُتَعَيِّنًا وجَبَ عَلَيْهِ أداءُ الشَّهادَةِ، وإنْ كانَ فِيهِمْ كَثْرَةٌ صارَ ذَلِكَ فَرْضًا عَلى الكِفايَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ شَرَحْنا دَلالَةَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شاهِدًا فَلا نُعِيدُهُ.
الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَجُوزُ القَضاءُ بِالشّاهِدِ واليَمِينِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا يَجُوزُ، واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ عِنْدَ عَدَمِ شَهادَةِ رَجُلَيْنِ شَهادَةَ الرَّجُلِ والمَرْأتَيْنِ عَلى التَّعْيِينِ، فَلَوْ جَوَّزْنا الِاكْتِفاءَ بِالشّاهِدِ واليَمِينِ لِبَطَلَ ذَلِكَ التَّعْيِينُ، وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّهُ ﷺ قَضى بِالشّاهِدِ واليَمِينِ»، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ مَذْكُورٌ في خِلافِيّاتِ الفِقْهِ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ عِنْدَ المُدايَنَةِ بِالكِتابَةِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالإشْهادِ ثانِيًا، أعادَ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرى عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، فَأمَرَ بِالكِتابَةِ، فَقالَ: ﴿ولا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا إلى أجَلِهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: السَّآمَةُ المَلالُ والضَّجَرُ، يُقالُ: سَئِمْتُ الشَّيْءَ سَأمًا وسَآمَةً، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ البَعْثُ عَلى الكِتابَةِ قَلَّ المالُ أوْ كَثُرَ، فَإنَّ القَلِيلَ مِنَ المالِ في هَذا الِاحْتِياطِ كالكَثِيرِ، فَإنَّ النِّزاعَ الحاصِلَ بِسَبَبِ القَلِيلِ مِنَ المالِ رُبَّما أدّى إلى فَسادٍ عَظِيمٍ ولَجاجٍ شَدِيدٍ، فَأمَرَ تَعالى في الكَثِيرِ والقَلِيلِ بِالكِتابَةِ، فَقالَ: ﴿ولا تَسْأمُوا﴾ أيْ ولا تَمَلُّوا فَتَتْرُكُوا ثُمَّ تَنْدَمُوا.
فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ تَدْخُلُ الحَبَّةُ والقِيراطُ في هَذا الأمْرِ ؟
قُلْنا: لا لِأنَّ هَذا مَحْمُولٌ عَلى العادَةِ، لَيْسَ في العادَةِ أنْ يَكْتُبُوا التّافِهَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”أنْ“ في مَحَلِّ النَّصْبِ لِوَجْهَيْنِ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مَعَ الفِعْلِ مَصْدَرًا فَتَقْدِيرُهُ: ولا تَسْأمُوا كِتابَتَهُ، وإنْ شِئْتَ بِنَزْعِ الخافِضِ تَقْدِيرُهُ: ولا تَسْأمُوا مِن أنْ تَكْتُبُوهُ إلى أجَلِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (أنْ تَكْتُبُوهُ) لا بُدَّ وأنْ يَعُودَ إلى المَذْكُورِ سابِقًا، وهو هَهُنا إمّا الدَّيْنُ وإمّا الحَقُّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ ”ولا يَسْأمُوا أنْ يَكْتُبُوهُ“ بِالياءِ فِيهِما.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأدْنى ألّا تَرْتابُوا﴾ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الكِتابَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى هَذِهِ الفَوائِدِ الثَّلاثِ:
الفائِدَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وفي قَوْلِهِ: (ذَلِكم) وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: (أنْ تَكْتُبُوهُ) لِأنَّهُ في مَعْنى المَصْدَرِ، أيْ ذَلِكَ الكَتْبُ أقْسَطُ. والثّانِي: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ذَلِكُمُ الَّذِي أمَرْتُكم بِهِ مِنَ الكَتْبِ والإشْهادِ لِأهْلِ الرِّضا ومَعْنى ﴿أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ، والقِسْطُ اسْمٌ، والإقْساطُ مَصْدَرٌ، يُقالُ: أقْسَطَ فُلانٌ في الحُكْمِ يُقْسِطُ إقْساطًا إذا عَدَلَ فَهو مُقْسِطٌ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، ويُقالُ: هو قاسِطٌ إذا جارَ، قالَ تَعالى: ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (الجِنِّ: ١٥) وإنَّما كانَ هَذا أعْدَلَ عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ مَكْتُوبًا كانَ إلى اليَقِينِ والصِّدْقِ أقْرَبَ، وعَنِ الجَهْلِ والكَذِبِ أبْعَدَ، فَكانَ أعْدَلَ عِنْدَ اللَّهِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحْزابِ: ٥] أيْ أعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ، وأقْرَبُ إلى الحَقِيقَةِ مِن أنْ تَنْسِبُوهم إلى غَيْرِ آبائِهِمْ.
صفحة ١٠٢
والفائِدَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ﴾ مَعْنى (أقْوَمُ) أبْلَغُ في الِاسْتِقامَةِ، الَّتِي هي ضِدُّ الِاعْوِجاجِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُنْتَصِبَ القائِمَ ضِدُّ المُنْحَنِي المُعْوَجِّ.
فَإنْ قِيلَ: مِمَّ بُنِيَ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، أعْنِي: أقْسَطُ وأقْوَمُ ؟
قُلْنا: يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهَ أنْ يَكُونا مَبْنِيَّيْنِ مِن أقْسَطَ وأقامَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أقْسَطُ مِن قاسِطٍ، وأقْوَمُ مِن قَوِيمٍ.
واعْلَمْ أنَّ الكِتابَةَ إنَّما كانَتْ أقْوَمَ لِلشَّهادَةِ؛ لِأنَّها سَبَبٌ لِلْحِفْظِ والذِّكْرِ، فَكانَتْ أقْرَبَ إلى الِاسْتِقامَةِ، والفَرْقُ بَيْنَ الفائِدَةِ الأُولى والثّانِيَةِ أنَّ الأُولى: تَتَعَلَّقُ بِتَحْصِيلِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، والثّانِيَةَ: بِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الدُّنْيا، وإنَّما قُدِّمَتِ الأُولى عَلى الثّانِيَةِ إشْعارًا بِأنَّ الدِّينَ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلى الدُّنْيا.
والفائِدَةُ الثّالِثَةُ: هي قَوْلُهُ: ﴿وأدْنى ألّا تَرْتابُوا﴾ يَعْنِي أقْرَبُ إلى زَوالِ الشَّكِّ والِارْتِيابِ عَنْ قُلُوبِ المُتَدايِنِينَ، والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ وهَذا الثّالِثِ، الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ يُشِيرانِ إلى تَحْصِيلِ المَصْلَحَةِ، فالأوَّلُ: إشارَةٌ إلى تَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الدِّينِ، والثّانِي: إشارَةٌ إلى تَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الدُّنْيا وهَذا الثّالِثُ: إشارَةٌ إلى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ وعَنِ الغَيْرِ، أمّا عَنِ النَّفْسِ فَإنَّهُ لا يَبْقى في الفِكْرِ أنَّ هَذا الأمْرَ كَيْفَ كانَ، وهَذا الَّذِي قُلْتُ هَلْ كانَ صِدْقًا أوْ كَذِبًا، وأمّا دَفْعُ الضُّرِّ عَنِ الغَيْرِ فَلِأنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ رُبَّما نَسَبَهُ إلى الكَذِبِ والتَّقْصِيرِ فَيَقَعُ في عِقابِ الغِيبَةِ والبُهْتانِ، فَما أحْسَنَ هَذِهِ الفَوائِدَ وما أدْخَلَها في القِسْطِ، وما أحْسَنَ ما فِيها مِنَ التَّرْتِيبِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: (إلّا) فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، والثّانِي: أنَّهُ مُنْقَطِعٌ، أمّا الأوَّلُ فَفِيهِ وجْهانِ الأوَّلُ: أنَّهُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ البَيْعَ بِالدَّيْنِ قَدْ يَكُونُ إلى أجَلٍ قَرِيبٍ، وقَدْ يَكُونُ إلى أجَلٍ بَعِيدٍ، فَلَمّا أمَرَ بِالكِتابَةِ عِنْدَ المُدايَنَةِ، اسْتَثْنى عَنْها ما إذا كانَ الأجَلُ قَرِيبًا، والتَّقْدِيرُ: إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ إلّا أنْ يَكُونَ الأجَلُ قَرِيبًا، وهو المُرادُ مِنَ التِّجارَةِ الحاضِرَةِ والثّانِي: أنَّ هَذا اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ﴾ وأمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي، وهو أنْ يَكُونَ هَذا اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا فالتَّقْدِيرُ: لَكِنَّهُ إذا كانَتِ التِّجارَةُ حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكم فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ لا تَكْتُبُوها، فَهَذا يَكُونُ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا، وإنَّما رَخَّصَ تَعالى في تَرْكِ الكِتابَةِ والإشْهادِ في هَذا النَّوْعِ مِنَ التِّجارَةِ، لِكَثْرَةِ ما يَجْرِي بَيْنَ النّاسِ، فَلَوْ تَكَلَّفَ فِيها الكِتابَةَ والإشْهادَ لَشَقَّ الأمْرُ عَلى الخَلْقِ، ولِأنَّهُ إذا أخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُتَعامِلَيْنِ حَقَّهُ مِن صاحِبِهِ في ذَلِكَ المَجْلِسِ، لَمْ يَكُنْ هُناكَ خَوْفُ التَّجاحُدِ، فَلَمْ يَكُنْ هُناكَ حاجَةٌ إلى الكِتابَةِ والإشْهادِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (أنْ تَكُونَ) فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الكَوْنِ بِمَعْنى الحُدُوثِ والوُقُوعِ كَما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ (كانَ) هَهُنا ناقِصَةً عَلى أنَّ الِاسْمَ تِجارَةٌ حاضِرَةٌ، والخَبَرَ تُدِيرُونَها، والتَّقْدِيرُ: إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةٌ حاضِرَةٌ دائِرَةً بَيْنَكم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ (تِجارَةً) بِالنَّصْبِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ، أمّا القِراءَةُ بِالنَّصْبِ فَعَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، ولا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارِ الِاسْمِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: التَّقْدِيرُ إلّا أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ تِجارَةً حاضِرَةً كِتابَةَ الكِتابِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
صفحة ١٠٣
بَنِي أسَدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بَلاءَنا إذا كانَ يَوْمًا ذا كَواكِبَ أشْهَبا
.
أيْ إذا كانَ اليَوْمَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إلّا أنْ يَكُونَ الأمْرُ والشَّأْنُ تِجارَةً.
وثالِثُها: قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ إلّا أنْ تَكُونَ المُدايَنَةُ تِجارَةً حاضِرَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذا غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ المُدايَنَةَ لا تَكُونُ تِجارَةً حاضِرَةً، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ المُدايَنَةَ إذا كانَتْ إلى أجَلِ ساعَةٍ، صَحَّ تَسْمِيَتُها بِالتِّجارَةِ الحاضِرَةِ، فَإنَّ مَن باعَ ثَوْبًا بِدِرْهَمٍ في الذِّمَّةِ بِشَرْطِ أنْ تُؤَدّى الدِّرْهَمُ في هَذِهِ السّاعَةِ كانَ ذَلِكَ مُدايَنَةً وتِجارَةً حاضِرَةً، وأمّا القِراءَةُ بِالرَّفْعِ، فالوَجْهُ فِيها ما ذَكَرْناهُ في المَسْألَةِ الثّانِيَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: التِّجارَةُ عِبارَةٌ عَنِ التَّصَرُّفِ في المالِ سَواءٌ كانَ حاضِرًا أوْ في الذِّمَّةِ لِطَلَبِ الرِّبْحِ، يُقالُ: تَجَرَ الرَّجُلَ يَتْجَرُ تِجارَةً فَهو تاجِرٌ، واعْلَمْ أنَّهُ سَواءٌ كانَتِ المُبايَعَةُ بِدَيْنٍ أوْ بِعَيْنٍ، فالتِّجارَةُ تِجارَةٌ حاضِرَةٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً﴾ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ، بَلِ المُرادُ مِنَ التِّجارَةِ ما يُتَّجَرُ فِيهِ مِنَ الإبْدالِ، ومَعْنى إدارَتِها بَيْنَهم مُعامَلَتُهم فِيها يَدًا بِيَدٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألّا تَكْتُبُوها﴾ مَعْناهُ: لا مَضَرَّةَ عَلَيْكم في تَرْكِ الكِتابَةِ، ولَمْ يُرِدِ الإثْمَ عَلَيْكم لِأنَّهُ لَوْ أرادَ الإثْمَ لَكانَتِ الكِتابَةُ المَذْكُورَةُ واجِبَةً عَلَيْهِمْ، ويَأْثَمُ صاحِبُ الحَقِّ بِتَرْكِها، وقَدْ ثَبَتَ خِلافُ ذَلِكَ وبَيانُ أنَّهُ لا مَضَرَّةَ عَلَيْهِمْ في تَرْكِها ما قَدَّمْناهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المُرادُ أنَّ الكِتابَةَ وإنْ رُفِعَتْ عَنْهم في التِّجارَةِ إلّا أنَّ الإشْهادَ ما رُفِعَ عَنْهم؛ لِأنَّ الإشْهادَ بِلا كِتابَةٍ أخَفُّ مُؤْنَةً، ولِأنَّ الحاجَةَ إذا وقَعَتْ إلَيْها لا يُخافُ فِيها النِّسْيانُ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الأمْرِ الإرْشادُ إلى طَرِيقِ الِاحْتِياطِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا نَهْيًا لِلْكاتِبِ والشَّهِيدِ عَنْ إضْرارِ مَن لَهُ الحَقُّ، أمّا الكاتِبُ فَبِأنْ يَزِيدَ أوْ يَنْقُصَ أوْ يَتْرُكَ الِاحْتِياطَ، وأمّا الشَّهِيدُ فَبِأنْ لا يَشْهَدَ أوْ يُشْهِدَ بِحَيْثُ لا يَحْصُلُ مَعَهُ نَفْعٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا لِصاحِبِ الحَقِّ عَنْ إضْرارِ الكاتِبِ والشَّهِيدِ، بِأنْ يَضُرَّهُما أوْ يَمْنَعَهُما عَنْ مُهِمّاتِهِما، والأوَّلُ قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ والحَسَنِ وطاوُسٍ وقَتادَةَ، والثّانِي قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَطاءٍ ومُجاهِدٍ.
واعْلَمْ أنَّ كِلا الوَجْهَيْنِ جائِزٌ في اللُّغَةِ، وإنَّما احْتَمَلَ الوَجْهَيْنِ بِسَبَبِ الإدْغامِ الواقِعِ في ”لا يُضارَّ“ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ أصْلُهُ لا يُضارِرْ، بِكَسْرِ الرّاءِ الأُولى، فَيَكُونُ الكاتِبُ والشَّهِيدُ هُما الفاعِلانِ لِلضِّرارِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ أصْلُهُ لا يُضارَرْ بِفَتْحِ الرّاءِ الأُولى، فَيَكُونُ هُما المَفْعُولَ بِهِما الضِّرارُ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ وقَدْ أحْكَمْنا بَيانَ هَذا اللَّفْظِ هُناكَ، والدَّلِيلُ عَلى ما ذَكَرْنا مِنِ احْتِمالِ الوَجْهَيْنِ قِراءَةُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (ولا يُضارِرْ) بِالإظْهارِ والكَسْرِ، وقِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ (ولا يُضارَرْ) بِالإظْهارِ والفَتْحِ، واخْتارَ الزَّجّاجُ القَوْلَ الأوَّلَ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ قالَ وذَلِكَ لِأنَّ اسْمَ الفِسْقِ بِمَن يُحَرِّفُ الكِتابَةَ وبِمَن يَمْتَنِعُ عَنِ الشَّهادَةِ حَتّى يُبْطِلَ الحَقَّ بِالكُلِّيَّةِ أوْلى مِنهُ بِمَن أضَرَّ الكاتِبَ والشَّهِيدَ ولِأنَّهُ تَعالى قالَ فِيمَن يَمْتَنِعُ عَنْ أداءِ الشَّهادَةِ ﴿ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٨٣] والآثِمُ والفاسِقُ مُتَقارِبانِ، واحْتَجَّ مَن نَصَرَ القَوْلَ الثّانِي بِأنَّ هَذا لَوْ كانَ
صفحة ١٠٤
خِطابًا لِلْكاتِبِ والشَّهِيدِ لَقِيلَ: وإنْ تَفْعَلا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكم، وإذا كانَ هَذا خِطابًا لِلَّذِينَ يُقْدِمُونَ عَلى المُدايَنَةِ فالمَنهِيُّونَ عَنِ الضِّرارِ هم واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ وفِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: يُحْتَمَلُ أنَّهُ يُحْمَلُ عَلى هَذا المَوْضِعِ خاصَّةً والمَعْنى: فَإنْ تَفْعَلُوا ما نَهَيْتُكم عَنْهُ مِنَ الضِّرارِ، والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ التَّكْلِيفِ، والمَعْنى: وإنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا مِمّا نَهَيْتُكم عَنْهُ أوْ تَتْرُكُوا شَيْئًا مِمّا أمَرْتُكم بِهِ فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكم، أيْ: خُرُوجٌ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ يَعْنِي فِيما حَذَّرَ مِنهُ هَهُنا، وهو المُضارَّةُ، أوْ يَكُونُ عامًّا، والمَعْنى اتَّقُوا اللَّهَ في جَمِيعِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ يُعَلِّمُكم ما يَكُونُ إرْشادًا واحْتِياطًا في أمْرِ الدُّنْيا، كَما يُعَلِّمُكم ما يَكُونُ إرْشادًا في أمْرِ الدِّينِ ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ مَصالِحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
2:283Page 49
۞ وَإِن كُنتُمۡ عَلَىٰ سَفَرٖ وَلَمۡ تَجِدُواْ كَاتِبٗا فَرِهَٰنٞ مَّقۡبُوضَةٞۖ فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ وَلَا تَكۡتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَۚ وَمَن يَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٢٨٣
And if you are on a journey and cannot find a scribe, then a security deposit [should be] taken. And if one of you entrusts another, then let him who is entrusted discharge his trust [faithfully] and let him fear Allāh, his Lord. And do not conceal testimony, for whoever conceals it - his heart is indeed sinful, and Allāh is Knowing of what you do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ البِياعاتِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: بَيْعٌ بِكِتابٍ وشُهُودٍ، وبَيْعٌ بِرِهانٍ مَقْبُوضَةٍ، وبَيْعُ الأمانَةِ، ولَمّا أمَرَ في آخِرِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالكِتابَةِ والإشْهادِ، واعْلَمْ أنَّهُ رُبَّما تَعَذَّرَ ذَلِكَ في السَّفَرِ إمّا بِأنْ لا يُوجَدَ الكاتِبُ، أوْ إنْ وُجِدَ لَكِنَّهُ لا تُوجَدُ آلاتُ الكِتابَةِ ذَكَرَ نَوْعًا آخَرَ مِنَ الِاسْتِيثاقِ وهو أخْذُ الرَّهْنِ فَهَذا وجْهُ النَّظْمِ وهَذا أبْلَغُ في الِاحْتِياطِ مِنَ الكِتابَةِ والإشْهادِ ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرْنا اشْتِقاقَ السَّفَرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٤] ونُعِيدُهُ هَهُنا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: تَرْكِيبُ هَذِهِ الحُرُوفِ لِلظُّهُورِ والكَشْفِ فالسَّفَرُ هو الكِتابُ؛ لِأنَّهُ يُبَيِّنُ الشَّيْءَ ويُوَضِّحُهُ، وسُمِّيَ السَّفَرُ سَفَرًا؛ لِأنَّهُ يُسْفِرُ عَنْ أخْلاقِ الرِّجالِ، أيْ يَكْشِفُ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا خَرَجَ مِنَ الكِنِّ إلى الصَّحْراءِ فَقَدِ انْكَشَفَ لِلنّاسِ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا خَرَجَ إلى الصَّحْراءِ، فَقَدْ صارَتْ أرْضُ البَيْتِ مُنْكَشِفَةً خالِيَةً، وأسْفَرَ الصُّبْحُ إذا ظَهَرَ، وأسْفَرَتِ المَرْأةُ عَنْ وجْهِها، أيْ كَشَفَتْ، وسَفَرْتُ عَنِ القَوْمِ أُسْفِرُ سِفارَةً إذا كَشَفْتَ ما في قُلُوبِهِمْ، وسَفَرْتُ أُسْفِرُ إذا كَنَسْتَ، والسَّفْرُ الكَنْسُ، وذَلِكَ لِأنَّكَ إذا كَنَسْتَ،
صفحة ١٠٥
فَقَدْ أظْهَرْتَ ما كانَ تَحْتَ الغُبارِ والسَّفْرُ مِنَ الوَرَقِ ما سَفَرَ بِهِ الرِّيحُ، ويُقالُ لِبَقِيَّةِ بَياضِ النَّهارِ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ سَفَرٌ لِوُضُوحِهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أصْلُ الرَّهْنِ مِنَ الدَّوامِ، يُقالُ: رَهُنَ الشَّيْءُ إذا دامَ وثَبَتَ، ونِعْمَةٌ راهِنَةٌ أيْ دائِمَةٌ ثابِتَةٌ.
إذا عَرَفْتَ أصْلَ المَعْنى فَنَقُولُ: أصْلُ الرَّهْنِ مَصْدَرٌ، يُقالُ: رَهَنْتُ عِنْدَ الرَّجُلِ أرْهَنُهُ رَهْنًا إذا وضَعْتَ عِنْدَهُ، قالَ الشّاعِرُ:
يُراهِنُنِي فَيُرْهِنُنِي بَنِيهِ وأُرْهِنُهُ بَنِيَّ بِما أقُولُ
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ المَصادِرَ قَدْ تُنْقَلُ فَتُجْعَلُ أسْماءً ويَزُولُ عَنْها عَمَلُ الفِعْلِ، فَإذا قالَ: رَهَنْتُ عِنْدَ زَيْدٍ رَهْنًا لَمْ يَكُنِ انْتِصابُهُ انْتِصابَ المَصْدَرِ، لَكِنِ انْتِصابُ المَفْعُولِ بِهِ، كَما تَقُولُ: رَهَنْتُ عِنْدَ زَيْدٍ ثَوْبًا، ولَمّا جُعِلَ اسْمًا بِهَذا الطَّرِيقِ جُمِعَ كَما تُجْعَلُ الأسْماءُ، ولَهُ جَمْعانِ: رُهُنٌ ورِهانٌ، ومِمّا جاءَ عَلى رُهُنٍ قَوْلُ الأعْشى:
آلَيْتُ لا أُعْطِيهِ مِن أبْنائِنا ∗∗∗ رُهُنًا فَيُفْسِدَهم كَمَن قَدْ أفْسَدا
وقالَ بُعَيْثٌ:
بانَتْ سُعادُ وأمْسى دُونَها عَدَنُ ∗∗∗ وغَلِقَتْ عِنْدَها مِن قَبْلِكَ الرُّهُنُ
ونَظِيرُهُ قَوْلُنا: رَهْنٌ ورُهُنٌ، سَقْفٌ وسُقُفٌ، ونَشْرٌ ونُشُرٌ، وخَلْقٌ وخُلُقٌ، قالَ الزَّجّاجُ: فَعْلٌ وفُعُلٌ قَلِيلٌ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ الرَّهْنَ جَمْعُهُ رِهانٌ، ثُمَّ الرِّهانُ جَمْعُهُ رُهُنٌ فَيَكُونُ رُهُنٌ جَمْعَ الجَمْعِ وهو كَقَوْلِهِمْ: ثِمارٌ وثُمُرٌ، ومِنَ النّاسِ مَن عَكَسَ هَذا، فَقالَ: الرُّهُنُ جَمْعُهُ رَهْنٌ، والرَّهْنُ جَمْعُهُ رِهانٌ، واعْلَمْ أنَّهُما لَمّا تَعارَضا تَساقَطا لا سِيَّما وسِيبَوَيْهِ لا يَرى جَمْعَ الجَمْعِ مُطَّرِدًا، فَوَجَبَ أنْ لا يُقالَ بِهِ إلّا عِنْدَ الِاتِّفاقِ، وأمّا أنَّ الرِّهانَ جَمْعُ رَهْنٍ فَهو قِياسٌ ظاهِرٌ، مِثْلُ نَعْلٍ ونِعالٍ، وكَبْشٍ وكِباشٍ، وكَعْبٍ وكِعابٍ، وكَلْبٍ وكِلابٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (فَرُهُنٌ) بِضَمِّ الرّاءِ والهاءِ، ورُوِيَ عَنْهُما أيْضًا (فَرُهْنٌ) بِرَفْعِ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ والباقُونَ (فَرِهانٌ) قالَ أبُو عَمْرٍو: لا أعْرِفُ الرِّهانَ إلّا في الخَيْلِ، فَقَرَأْتُ (فَرُهُنٌ) لِلْفَصْلِ بَيْنَ الرِّهانِ في الخَيْلِ وبَيْنَ جَمْعِ الرَّهْنِ، وأمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الهاءِ، فَقالَ الأخْفَشُ: إنَّها قَبِيحَةٌ لِأنَّ فَعْلًا لا يُجْمَعُ عَلى فُعُلٍ إلّا قَلِيلًا شاذًّا كَما يُقالُ: سُقْفٌ وسُقُفٌ تارَةً بِضَمِّ القافِ وأُخْرى بِتَسْكِينِها، وقُلْبٌ وقُلُبٌ لِلنَّخْلِ، ولُحْدٌ ولُحُدٌ وبُسْطٌ وبُسُطٌ وفُرْسٌ وُرْدٌ، وخَيْلٌ وُرُدٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في الآيَةِ حَذْفٌ فَإنْ شِئْنا جَعَلْناهُ مُبْتَدَأً وأضْمَرْنا الخَبَرَ، والتَّقْدِيرُ: فَرَهْنٌ مَقْبُوضَةٌ بَدَلٌ مِنَ الشّاهِدَيْنِ، أوْ ما يَقُومُ مَقامَهُما، أوْ فَعَلَيْهِ رَهْنٌ مَقْبُوضَةٌ، وإنْ شِئْنا جَعَلْناهُ خَبَرًا وأضْمَرْنا المُبْتَدَأ، والتَّقْدِيرُ: فالوَثِيقَةُ رَهْنٌ مَقْبُوضَةٌ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اتَّفَقَتِ الفُقَهاءُ اليَوْمَ عَلى أنَّ الرَّهْنَ في السَّفَرِ والحَضَرِ سَواءٌ في حالِ وُجُودِ الكاتِبِ وعَدَمِهِ، وكانَ مُجاهِدٌ يَذْهَبُ إلى أنَّ الرَّهْنَ لا يَجُوزُ إلّا في السَّفَرِ أخْذًا بِظاهِرِ الآيَةِ، ولا يُعْمَلُ بِقَوْلِهِ اليَوْمَ وإنَّما تَقَيَّدَتِ الآيَةُ بِذِكْرِ السَّفَرِ عَلى سَبِيلِ الغالِبِ، كَقَوْلِهِ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٠١]
صفحة ١٠٦
ولَيْسَ الخَوْفُ مِن شَرْطِ جَوازِ القَصْرِ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: مَسائِلُ الرَّهْنِ كَثِيرَةٌ، واحْتَجَّ مَن قالَ بِأنَّ رَهْنَ المَشاعِ لا يَجُوزُ بِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ الرَّهْنَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا والعَقْلُ أيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الرَّهْنِ اسْتِيثاقُ جانِبِ صاحِبِ الحَقِّ بِمَنعِ الجُحُودِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالقَبْضِ والمَشاعُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا فَوَجَبَ ألّا يَصِحَّ رَهْنُ المَشاعِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِسْمُ الثّالِثُ مِنَ البِياعاتِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ، وهو بَيْعُ الأمانَةِ، أعْنِي ما لا يَكُونُ فِيهِ كِتابَةٌ ولا شُهُودٌ ولا يَكُونُ فِيهِ رَهْنٌ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أمِنَ فُلانٌ غَيْرَهُ إذا لَمْ يَكُنْ خائِفًا مِنهُ، قالَ تَعالى: ﴿هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ﴾ [ يُوسُفَ: ٦٤] فَقَوْلُهُ ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أيْ لَمْ يَخَفْ خِيانَتَهُ وجُحُودَهُ ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ أيْ فَلْيُؤَدِّ المَدْيُونُ الَّذِي كانَ أمِينًا ومُؤْتَمَنًا في ظَنِّ الدّائِنِ، فَلا يُخْلِفُ ظَنَّهُ في أداءِ أمانَتِهِ وحَقِّهِ إلَيْهِ، يُقالُ: أمِنتُهُ وائْتَمَنتُهُ فَهو مَأْمُونٌ ومُؤْتَمَنٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ أيْ هَذا المَدْيُونُ يَجِبُ أنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ ولا يَجْحَدَ، لِأنَّ الدّائِنَ لَمّا عامَلَهُ المُعامَلَةَ الحَسَنَةَ حَيْثُ عَوَّلَ عَلى أمانَتِهِ ولَمْ يُطالِبْهُ بِالوَثائِقِ مِنَ الكِتابَةِ والإشْهادِ والرَّهْنِ فَيَنْبَغِي لِهَذا المَدْيُونِ أنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ ويُعامِلَهُ بِالمُعامَلَةِ الحَسَنَةِ في أنْ لا يُنْكِرَ ذَلِكَ الحَقَّ، وفي أنْ يُؤَدِّيَهُ إلَيْهِ عِنْدَ حُلُولِ الأجَلِ، وفي الآيَةِ قَوْلٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُرْتَهِنِ بِأنْ يُؤَدِّيَ الرَّهْنَ عِنْدَ اسْتِيفاءِ المالِ فَإنَّهُ أمانَةٌ في يَدِهِ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِلْآياتِ المُتَقَدِّمَةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ الكِتابَةِ والإشْهادِ وأخْذِ الرَّهْنِ، واعْلَمْ أنَّ التِزامَ وُقُوعِ النَّسْخِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ يُلْجِئُ إلَيْهِ خَطَأٌ، بَلْ تِلْكَ الأوامِرُ مَحْمُولَةٌ عَلى الإرْشادِ ورِعايَةِ الِاحْتِياطِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى الرُّخْصَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَيْسَ في آيَةِ المُدايَنَةِ نَسْخٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ وفي التَّأْوِيلِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أباحَ تَرْكَ الكِتابَةِ والإشْهادِ والرَّهْنِ عِنْدَ اعْتِقادِ كَوْنِ المَدْيُونِ أمِينًا، ثُمَّ كانَ مِنَ الجائِزِ في هَذا المَدْيُونِ أنْ يُخْلِفَ هَذا الظَّنَّ، وأنْ يَخْرُجَ خائِنًا جاحِدًا لِلْحَقِّ، إلّا أنَّهُ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونَ بَعْضُ النّاسُ مُطَّلِعًا عَلى أحْوالِهِمْ، فَهَهُنا نَدَبَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الإنْسانَ إلى أنْ يَسْعى في إحْياءِ ذَلِكَ الحَقِّ، وأنْ يَشْهَدَ لِصاحِبِ الحَقِّ بِحَقِّهِ، ومَنَعَهُ مِن كِتْمانِ تِلْكَ الشَّهادَةِ سَواءٌ عَرَفَ صاحِبُ الحَقِّ تِلْكَ الشَّهادَةَ أوْ لَمْ يَعْرِفْ وشَدَّدَ فِيهِ بِأنْ جَعَلَهُ آثِمَ القَلْبِ لَوْ تَرَكَها، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَبَرٌ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ، وهو قَوْلُهُ ”«خَيْرُ الشُّهُودِ مَن شَهِدَ قَبْلَ أنْ يُسْتَشْهَدَ» “ .
الوَجْهُ الثّانِي: في تَأْوِيلِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن كِتْمانِ الشَّهادَةِ أنْ يُنْكَرَ العِلْمَ بِتِلْكَ الواقِعَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ ومَن أظْلَمُ﴾ [البقرة: ١٤٠] والمُرادُ الجُحُودُ وإنْكارُ العِلْمِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في كِتْمانِ الشَّهادَةِ والِامْتِناعِ مِن أدائِها عِنْدَ الحاجَةِ إلى إقامَتِها، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ
صفحة ١٠٧
﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وذَلِكَ لِأنَّهُ مَتى امْتَنَعَ عَنْ إقامَةِ الشَّهادَةِ فَقَدْ بَطَلَ حَقُّهُ، وكانَ هو بِالِامْتِناعِ مِنَ الشَّهادَةِ كالمُبْطِلِ لِحَقِّهِ، وحُرْمَةُ مالِ المُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ، فَهَذا بالِغٌ في الوَعِيدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الآثِمُ الفاجِرُ، رُوِيَ أنَّ عُمَرَ كانَ يُعَلِّمُ أعْرابِيًّا ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣، ٤٤] فَكانَ يَقُولُ: طَعامُ اليَتِيمِ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: طَعامُ الفاجِرِ. فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإثْمَ بِمَعْنى الفُجُورِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: آثِمٌ خَبَرُ إنَّ، وقَلْبُهُ رُفِعَ بِآثِمٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ فَإنَّهُ يَأْثَمُ قَلْبُهُ، وقُرِئَ ”قَلْبَهُ“ بِالفَتْحِ كَقَوْلِهِ ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (أثَّمَ قَلْبَهُ) أيْ جَعَلَهُ آثِمًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُتَكَلِّمِينَ قالُوا. إنَّ الفاعِلَ والعارِفَ والمَأْمُورَ والمَنهِيَّ هو القَلْبُ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] وذَكَرْنا طَرَفًا مِنهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧] وهَؤُلاءِ يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ ويَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى أضافَ الآثِمَ إلى القَلْبِ فَلَوْلا أنَّ القَلْبَ هو الفاعِلُ وإلّا لَما كانَ آثِمًا.
وأجابَ مَن خالَفَ في هَذا القَوْلِ بِأنَّ إضافَةَ الفِعْلِ إلى جُزْءٍ مِن أجْزاءِ البَدَنِ إنَّما يَكُونُ لِأجْلِ أنَّ أعْظَمَ أسْبابِ الإعانَةِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ إنَّما يَحْصُلُ مِن ذَلِكَ العُضْوِ، فَيُقالُ: هَذا مِمّا أبْصَرَتْهُ عَيْنِي وسَمِعَتْهُ أُذُنِي وعَرَفَهُ قَلْبِي، ويُقالُ: فُلانٌ خَبِيثُ الفَرْجِ؛ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ أفْعالَ الجَوارِحِ تابِعَةٌ لِأفْعالِ القُلُوبِ ومُتَوَلِّدَةٌ مِمّا يَحْدُثُ في القُلُوبِ مِنَ الدَّواعِي والصَّوارِفِ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلِهَذا السَّبَبِ أُضِيفَ الآثِمُ هَهُنا إلى القَلْبِ.
ثُمَّ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وهو تَحْذِيرٌ مِنَ الإقْدامِ عَلى هَذا الكِتْمانِ؛ لِأنَّ المُكَلَّفَ إذا عَلِمَ أنَّهُ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ ضَمِيرُ قَلْبِهِ كانَ خائِفًا حَذِرًا مِن مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ تَعالى يُحاسِبُهُ عَلى كُلِّ تِلْكَ الأفْعالِ، ويُجازِيهِ عَلَيْها إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences