Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:30, continued
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِحَمْدِكَ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: بِحَمْدِكَ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ نُسَبِّحُ لَكَ حامِدِينَ لَكَ، ومُتَلَبِّسِينَ بِحَمْدِكَ، وأمّا المَعْنى فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنّا إذا سَبَّحْناكَ فَنَحْمَدُكَ سُبْحانَكَ يَعْنِي لَيْسَ تَسْبِيحُنا تَسْبِيحًا مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ، بَلْ تَسْتَحِقُّ بِحَمْدِكَ وجَلالِكَ هَذا التَّسْبِيحَ.
الثّانِي: أنّا نُسَبِّحُكَ بِحَمْدِكَ فَإنَّهُ لَوْلا إنْعامُكَ عَلَيْنا بِالتَّوْفِيقِ لَمْ نَتَمَكَّنْ مِن ذَلِكَ كَما قالَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ: يا رَبِّ كَيْفَ أقْدِرُ أنْ أشْكُرَكَ وأنا لا أصِلُ إلى شُكْرِ نِعْمَتِكَ إلّا بِنِعْمَتِكَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: ”الآنَ قَدْ شَكَرْتَنِي حَيْثُ عَرَفْتَ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنِّي“، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ مِن هَذا التَّسْبِيحِ فَرُوِيَ «أنَّ أبا ذَرٍّ دَخَلَ بِالغَداةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ بِالعَكْسِ، فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ بِأبِي أنْتَ وأُمِّي: أيُّ الكَلامِ أحَبُّ إلى اللَّهِ ؟ قالَ: ما اصْطَفاهُ اللَّهُ لِمَلائِكَتِهِ: ”سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ“» رَواهُ مُسْلِمٌ، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قالَ: ”«كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فَمَرَّ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ فَقالَ لَهُ: رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي وأنْتَ جالِسٌ لا تُصَلِّي، فَقالَ لَهُ: امْضِ إلى عَمَلِكَ إنْ كانَ لَكَ عَمَلٌ، فَقالَ ما أظُنُّ إلّا سَيَمُرُّ بِكَ مَن يُنْكِرُ عَلَيْكَ، فَمَرَّ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قالَ: يا فُلانُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ يُصَلِّي وأنْتَ جالِسٌ، فَقالَ لَهُ مِثْلَها فَوَثَبَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ، وقالَ: هَذا مِن عَمَلِي ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ وصَلّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ مِن صِلاتِهِ قامَ إلَيْهِ عُمَرُ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ مَرَرْتُ آنِفًا عَلى فُلانٍ وأنْتَ تُصَلِّي وهو جالِسٌ، فَقُلْتُ لَهُ: نَبِيُّ اللَّهِ يُصَلِّي وأنْتَ جالِسٌ، فَقالَ لِي: مُرَّ إلى عَمَلِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَلّا ضَرَبْتَ عُنُقَهُ، فَقامَ عُمَرُ مُسْرِعًا لِيَلْحَقَهُ فَيَقْتُلَهُ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: يا عُمَرُ ارْجِعْ فَإنَّ غَضَبَكَ عِزٌّ ورِضاكَ حُكْمٌ، إنَّ لِلَّهِ في السَّماواتِ مَلائِكَةً لَهُ غِنًى بِصَلاتِهِمْ عَنْ صَلاةِ فُلانٍ، فَقالَ عُمَرُ يا رَسُولَ اللَّهِ وما صَلاتُهم ؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَأتاهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ سَألَكَ عُمَرُ عَنْ صَلاةِ أهْلِ السَّماءِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ وأخْبِرْهُ بِأنَّ أهْلَ سَماءِ الدُّنْيا سُجُودٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، يَقُولُونَ: سُبْحانَ ذِي المُلْكِ والمَلَكُوتِ، وأهْلَ السَّماءِ الثّانِيَةِ قِيامٌ إلى يَوْمِ
صفحة ١٦٠
القِيامَةِ يَقُولُونَ: سُبْحانَ ذِي العِزَّةِ والجَبَرُوتِ، وأهْلَ السَّماءِ الثّالِثَةِ رُكُوعٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ يَقُولُونَ: سُبْحانَ الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ، فَهَذا هو تَسْبِيحُ المَلائِكَةِ» “ .
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿نُسَبِّحُ﴾ أيْ نُصَلِّي والتَّسْبِيحُ هو الصَّلاةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: التَّقْدِيسُ التَّطْهِيرُ، ومِنهُ الأرْضُ المُقَدَّسَةُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: نُطَهِّرُكَ أيْ نَصِفُكَ بِما يَلِيقُ بِكَ مِنَ العُلُوِّ والعِزَّةِ.
وثانِيها: قَوْلُ مُجاهِدٍ: نُطَهِّرُ أنْفُسَنا مِن ذُنُوبِنا وخَطايانا ابْتِغاءً لِمَرْضاتِكَ.
وثالِثُها: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ نُطَهِّرُ أفْعالَنا مِن ذُنُوبِنا حَتّى تَكُونَ خالِصَةً لَكَ.
ورابِعُها: نُطَهِّرُ قُلُوبَنا عَنِ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِكَ حَتّى تَصِيرَ مُسْتَغْرِقَةً في أنْوارِ مَعْرِفَتِكَ.
قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى العَدْلِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهم: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ أضافُوا هَذِهِ الأفْعالَ إلى أنْفُسِهِمْ فَلَوْ كانَتْ أفْعالًا لِلَّهِ تَعالى لَما حَسُنَ التَّمَدُّحُ بِذَلِكَ، ولا فَضْلَ لِذَلِكَ عَلى سَفْكِ الدِّماءِ؛ إذْ كُلُّ ذَلِكَ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى.
وثانِيها: لَوْ كانَ الفَسادُ والقَتْلُ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى لَكانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ أنْ يَقُولَ: إنِّي مالِكٌ أفْعَلُ ما أشاءُ.
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يَقْتَضِي التَّبَرِّيَ مِنَ الفَسادِ والقَتْلِ، لَكِنَّ التَّبَرِّيَ مِن فِعْلِ نَفْسِهِ مُحالٌ.
ورابِعُها: إذا كانَ لا فاحِشَةَ ولا قُبْحَ ولا جَوْرَ ولا ظُلْمَ ولا فَسادَ إلّا بِصُنْعِهِ وخَلْقِهِ ومَشِيئَتِهِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ التَّنْزِيهُ والتَّقْدِيسُ ؟
وخامِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِ العَدْلِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ خالِقًا لِلْكُفْرِ لَكانَ خَلَقَهم لِذَلِكَ الكُفْرِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الجَوابُ نَعَمْ خَلَقَهم لِيُفْسِدُوا ولِيَقْتُلُوا، فَلَمّا لَمْ يَرْضَ بِهَذا الجَوابِ سَقَطَ هَذا المَذْهَبُ.
وسادِسُها: لَوْ كانَ الفَسادُ والقَتْلُ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى لَكانَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى ألْوانِهِمْ وأجْسامِهِمْ، وكَما لا يَصِحُّ التَّعَجُّبُ مِن هَذِهِ الأشْياءِ فَكَذا مِنَ الفَسادِ والقَتْلِ، والجَوابُ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ المُعارَضَةِ بِمَسْألَةِ الدّاعِي والعِلْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: إنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ كَيْفَ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنِ السُّؤالِ الَّذِي ذَكَرُوهُ ؟ قُلْنا: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ السُّؤالَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ لِلتَّعَجُّبِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ جَوابًا لَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ قالَ تَعالى: لا تَتَعَجَّبُوا مِن أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَن يُفْسِدُ ويَقْتُلُ، فَإنِّي أعْلَمُ مَعَ هَذا بِأنَّ فِيهِمْ جَمْعًا مِنَ الصّالِحِينَ والمُتَّقِينَ، وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
وثانِيها: أنَّهُ لِلْغَمِّ فَيَكُونُ الجَوابُ لا تَغْتَمُّوا بِسَبَبِ وُجُودِ المُفْسِدِينَ فَإنِّي أعْلَمُ أيْضًا أنَّ فِيهِمْ جَمْعًا مِنَ المُتَّقِينَ، ومَن لَوْ أقْسَمَ عَلَيَّ لَأبَرَّهُ.
وثالِثُها: أنَّهُ طَلَبُ الحِكْمَةِ فَجَوابُهُ أنَّ مَصْلَحَتَكم فِيهِ أنْ تَعْرِفُوا وجْهَ الحِكْمَةِ فِيهِ عَلى الإجْمالِ دُونَ التَّفْصِيلِ، بَلْ رُبَّما كانَ ذَلِكَ التَّفْصِيلُ مَفْسَدَةً لَكم.
ورابِعُها: أنَّهُ التِماسٌ؛ لِأنْ يَتْرُكَهم في الأرْضِ وجَوابُهُ: إنِّي أعْلَمُ أنَّ مَصْلَحَتَكم أنْ تَكُونُوا في السَّماءِ لا في الأرْضِ، وفِيهِ وجْهٌ خامِسٌ: وهو أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ قالَ تَعالى: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وهو أنَّ مَعَكم إبْلِيسَ، وأنَّ في قَلْبِهِ حَسَدًا وكِبْرًا ونِفاقًا.
ووَجْهٌ سادِسٌ: وهو أنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ، فَإنَّكم لَمّا وصَفْتُمْ أنْفُسَكم بِهَذِهِ المَدائِحِ فَقَدِ اسْتَعْظَمْتُمْ أنْفُسَكم فَكَأنَّكم أنْتُمْ بِهَذا الكَلامِ في تَسْبِيحِ أنْفُسِكم لا في تَسْبِيحِي، ولَكِنِ اصْبِرُوا حَتّى يَظْهَرَ البَشَرُ فَيَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعْرافِ: ٢٣] وبِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٢] وبِقَوْلِهِ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النَّمْلِ: ١٩] .
صفحة ١٦١
﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أعْلَمَ أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا سَألُوا عَنْ وجْهِ الحِكْمَةِ في خَلْقِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ وإسْكانِهِ تَعالى إيّاهم في الأرْضِ، وأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ وجْهِ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أرادَ تَعالى أنْ يَزِيدَهم بَيانًا، وأنْ يُفَصِّلَ لَهم ذَلِكَ المُجْمَلَ، فَبَيَّنَ تَعالى لَهم مِن فَضْلِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما لَمْ يَكُنْ مِن ذَلِكَ مَعْلُومًا لَهم، وذَلِكَ بِأنْ عَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلَيْهِمْ لِيُظْهِرَ بِذَلِكَ كَمالَ فَضْلِهِ وقُصُورَهم عَنْهُ في العِلْمِ، فَيَتَأكَّدَ ذَلِكَ الجَوابُ الإجْمالِيُّ بِهَذا الجَوابِ التَّفْصِيلِيِّ وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الأشْعَرِيُّ والجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ: اللُّغاتُ كُلُّها تَوْقِيفِيَّةٌ، بِمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِتِلْكَ الألْفاظِ، وتِلْكَ المَعانِي، وبِأنَّ تِلْكَ الألْفاظَ مَوْضُوعَةٌ لِتِلْكَ المَعانِي، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ والكَلامُ عَلى التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ سُؤالًا وجَوابًا ذَكَرْناهُ في أُصُولِ الفِقْهِ.
وقالَ أبُو هاشِمٍ: إنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقَدُّمِ لُغَةٍ اصْطِلاحِيَّةٍ، واحْتَجَّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ الوَضْعُ مَسْبُوقًا بِالِاصْطِلاحِ بِأُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لَوْ حَصَلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِأنَّهُ تَعالى وضَعَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لِهَذا المَعْنى لَكانَ ذَلِكَ العِلْمُ إمّا أنْ يَحْصُلَ لِلْعاقِلِ أوْ لِغَيْرِ العاقِلِ، لا جائِزٌ أنْ يَحْصُلَ لِلْعاقِلِ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَصَلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِأنَّهُ تَعالى وضَعَ ذَلِكَ اللَّفْظَ لِذَلِكَ المَعْنى لَصارَتْ صِفَةُ اللَّهِ تَعالى مَعْلُومَةً بِالضَّرُورَةِ مَعَ أنَّ ذاتَهُ مَعْلُومَةٌ بِالِاسْتِدْلالِ، وذَلِكَ مُحالٌ، ولا جائِزَ أنْ يَحْصُلَ لِغَيْرِ العاقِلِ؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ في العُقُولِ أنْ يَحْصُلَ العِلْمُ بِهَذِهِ اللُّغاتِ مَعَ ما فِيها مِنَ الحِكَمِ العَجِيبَةِ لِغَيْرِ العاقِلِ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِالتَّوْقِيفِ فاسِدٌ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى خاطَبَ المَلائِكَةَ وذَلِكَ يُوجِبُ تَقَدُّمَ لُغَةٍ عَلى ذَلِكَ التَّكَلُّمِ.
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ يَقْتَضِي إضافَةَ التَّعْلِيمِ إلى الأسْماءِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي في تِلْكَ الأسْماءِ أنَّها كانَتْ أسْماءً قَبْلَ ذَلِكَ التَّعْلِيمِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ اللُّغاتُ حاصِلَةً قَبْلَ ذَلِكَ التَّعْلِيمِ.
ورابِعُها: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَحَدّى المَلائِكَةَ بِعِلْمِ الأسْماءِ فَلا بُدَّ وأنْ تَعْلَمَ المَلائِكَةُ كَوْنَهُ صادِقًا في تَعْيِينِ تِلْكَ الأسْماءِ لِتِلْكَ المُسَمَّياتِ، وإلّا لَمْ يَحْصُلِ العِلْمُ بِصِدْقِهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ وضْعُ تِلْكَ الأسْماءِ لِتِلْكَ المُسَمَّياتِ مُتَقَدِّمًا عَلى ذَلِكَ التَّعْلِيمِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ بِخَلْقِ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِأنَّ واضِعًا وضَعَ هَذِهِ الأسْماءَ لِهَذِهِ المُسَمَّياتِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ أنَّ ذَلِكَ الواضِعَ هو اللَّهُ تَعالى أوِ النّاسُ ؟ وعَلى هَذا لا يَلْزَمُ أنْ تَصِيرَ الصِّفَةُ مَعْلُومَةً بِالضَّرُورَةِ حالَ كَوْنِ الذّاتِ مَعْلُومَةً بِالدَّلِيلِ، سَلَّمْنا أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ هَذا العِلْمَ في العاقِلِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ
صفحة ١٦٢
يُقالَ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ في غَيْرِ العاقِلِ، والتَّعْوِيلُ عَلى الِاسْتِعْبادِ في هَذا المَقامِ مُسْتَبْعَدٌ، وعَنِ الثّانِي: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: خاطَبَ المَلائِكَةَ بِطَرِيقٍ آخَرَ بِالكِتابَةِ وغَيْرِها، وعَنِ الثّالِثِ: لا شَكَّ أنَّ إرادَةَ اللَّهِ تَعالى وضْعَ تِلْكَ الألْفاظِ لِتِلْكَ المَعانِي سابِقَةٌ عَلى التَّعْلِيمِ، فَكَفى ذَلِكَ في إضافَةِ التَّعْلِيمِ إلى الأسْماءِ، وعَنِ الرّابِعِ: ما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences