Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:31

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:31

2:31Page 6

وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣١

And He taught Adam the names - all of them. Then He showed them to the angels and said, "Inform Me of the names of these, if you are truthful."

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: قَوْلُهُ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ أيْ عَلَّمَهُ صِفاتِ الأشْياءِ ونُعُوتَها وخَواصَّها، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الِاسْمَ اشْتِقاقُهُ إمّا مِنَ السِّمَةِ أوْ مِنَ السُّمُوِّ، فَإنْ كانَ مِنَ السِّمَةِ كانَ الِاسْمُ هو العَلامَةَ، وصِفاتُ الأشْياءِ ونُعُوتُها وخَواصُّها دالَّةٌ عَلى ماهِيّاتِها، فَصَحَّ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأسْماءِ: الصِّفاتُ، وإنْ كانَ مِنَ السُّمُوِّ فَكَذَلِكَ؛ لِأنَّ دَلِيلَ الشَّيْءِ كالمُرْتَفِعِ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإنَّ العِلْمَ بِالدَّلِيلِ حاصِلٌ قَبْلَ العِلْمِ بِالمَدْلُولِ، فَكانَ الدَّلِيلُ أسْمى في الحَقِيقَةِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا امْتِناعَ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الِاسْمِ الصِّفَةُ، بَقِيَ أنَّ أهْلَ النَّحْوِ خَصَّصُوا لَفْظَ الِاسْمِ بِالألْفاظِ المَخْصُوصَةِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ عُرْفٌ حادِثٌ لا اعْتِبارَ بِهِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ مُمْكِنٌ بِحَسْبَ اللُّغَةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ هو المُرادَ لا غَيْرُهُ، لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ الفَضِيلَةَ في مَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ أكْثَرُ مِنَ الفَضِيلَةِ في مَعْرِفَةِ أسْمائِها، وحَمْلُ الكَلامِ المَذْكُورِ لِإظْهارِ الفَضِيلَةِ عَلى ما يُوجِبُ مَزِيدَ الفَضِيلَةِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى ما لَيْسَ كَذَلِكَ.

وثانِيها: أنَّ التَّحَدِّيَ إنَّما يَجُوزُ ويَحْسُنُ بِما يَتَمَكَّنُ السّامِعُ مِن مِثْلِهِ في الجُمْلَةِ، فَإنَّ مَن كانَ عالِمًا بِاللُّغَةِ والفَصاحَةِ، يَحْسُنُ أنْ يَقُولَ لَهُ غَيْرُهُ عَلى سَبِيلِ التَّحَدِّي: ائْتِ بِكَلامٍ مِثْلِ كَلامِي في الفَصاحَةِ، أمّا العَرَبِيُّ فَلا يَحْسُنُ مِنهُ أنْ يَقُولَ لِلزَّنْجِيِّ في مَعْرِضِ التَّحَدِّي: تَكَلَّمْ بِلُغَتِي، وذَلِكَ لِأنَّ العَقْلَ لا طَرِيقَ لَهُ إلى مَعْرِفَةِ اللُّغاتِ البَتَّةَ: بَلْ ذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالتَّعْلِيمِ، فَإنْ حَصَلَ التَّعْلِيمُ، حَصَلَ العِلْمُ بِهِ وإلّا فَلا، أمّا العِلْمُ بِحَقائِقِ الأشْياءِ، فالعَقْلُ مُتَمَكِّنٌ مِن تَحْصِيلِهِ فَصَحَّ وُقُوعُ التَّحَدِّي فِيهِ.

القَوْلُ الثّانِي: وهو المَشْهُورُ، أنَّ المُرادَ أسْماءُ كُلِّ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن أجْناسِ المُحْدَثاتِ مِن جَمِيعِ اللُّغاتِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِها ولَدُ آدَمَ اليَوْمَ مِنَ العَرَبِيَّةِ والفارِسِيَّةِ والرُّومِيَّةِ وغَيْرِها، وكانَ ولَدُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَتَكَلَّمُونَ بِهَذِهِ اللُّغاتِ، فَلَمّا ماتَ آدَمُ وتَفَرَّقَ ولَدُهُ في نَواحِي العالَمِ تَكَلَّمَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِلُغَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن تِلْكَ اللُّغاتِ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ اللِّسانُ، فَلَمّا طالَتِ المُدَّةُ وماتَ مِنهم قَرْنٌ بَعْدَ قَرْنٍ نَسُوا سائِرَ اللُّغاتِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في تَغَيُّرِ الألْسِنَةِ في ولَدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ أهْلُ المَعانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ﴾ لا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وعَلَّمَ آدَمَ أسْماءَ المُسَمَّياتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وعَلَّمَ آدَمَ مُسَمَّياتِ الأسْماءِ، قالُوا: لَكِنَّ الأوَّلَ أوْلى؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٣] ولَمْ يَقُلْ: أنْبِئُونِي بِهَؤُلاءِ وأنْبَأهم بِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: فَلَمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى أنْواعَ جَمِيعِ المُسَمَّياتِ، وكانَ في المُسَمَّياتِ ما لا يَكُونُ عاقِلًا، فَلِمَ قالَ عَرَضَهم ولَمْ يَقُلْ عَرَضَها ؟ قُلْنا: لِأنَّهُ لَمّا كانَ في جُمْلَتِها المَلائِكَةُ والإنْسُ والجِنُّ وهُمُ العُقَلاءُ، فَغُلِّبَ الأكْمَلُ؛ لِأنَّهُ جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ بِتَغْلِيبِ الكامِلِ عَلى النّاقِصِ كُلَّما غَلَّبُوا.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾ عَلى جَوازِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما اسْتَنْبَأهم مَعَ عِلْمِهِ تَعالى بِعَجْزِهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّبْكِيتِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .

صفحة ١٦٣

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ ما ظَهَرَ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عِلْمِهِ بِالأسْماءِ مُعْجِزَةٌ دالَّةٌ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، والأقْرَبُ أنَّهُ كانَ مَبْعُوثًا إلى حَوّاءَ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إلى مَن تَوَجَّهَ التَّحَدِّي إلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ جَمِيعَهم وإنْ كانُوا رُسُلًا فَقَدْ يَجُوزُ الإرْسالُ إلى الرَّسُولِ كَبِعْثَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ حُصُولَ ذَلِكَ العِلْمِ لَهُ ناقِضٌ لِلْعادَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُعْجِزًا، وإذا ثَبَتَ كَوْنُهُ مُعْجِزًا ثَبَتَ كَوْنُهُ رَسُولًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لا نُسَلِّمُ أنَّ ذَلِكَ العِلْمَ ناقِضٌ لِلْعادَةِ؛ لِأنَّ حُصُولَ العِلْمِ بِاللُّغَةِ لِمَن عَلَّمَهُ تَعالى، وعَدَمَ حُصُولِهِ لِمَن لَمْ يُعَلِّمْهُ اللَّهُ لَيْسَ بِناقِضٍ لِلْعادَةِ، وأيْضًا فَإمّا أنْ يُقالَ: المَلائِكَةُ عَلِمُوا كَوْنَ تِلْكَ الأسْماءِ مَوْضُوعَةً لِتِلْكَ المُسَمَّياتِ أوْ ما عَلِمُوا ذَلِكَ، فَإنْ عَلِمُوا ذَلِكَ فَقَدْ قَدَرُوا عَلى أنْ يَذْكُرُوا أسْماءَ تِلْكَ المُسَمَّياتِ، فَحِينَئِذٍ تَحْصُلُ المُعارَضَةُ ولا تَظْهَرُ المَزِيَّةُ والفَضِيلَةُ، وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَكَيْفَ عَرَفُوا أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أصابَ فِيما ذَكَرَ مِن كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الألْفاظِ اسْمًا لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ المُسَمَّياتِ ؟

واعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ دَفْعُ هَذا السُّؤالِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: رُبَّما كانَ لِكُلِّ صِنْفٍ مِن أصْنافِ المَلائِكَةِ لُغَةٌ مِن هَذِهِ اللُّغاتِ، وكانَ كُلُّ صِنْفٍ جاهِلًا بِلُغَةِ الصِّنْفِ الآخَرِ، ثُمَّ إنَّ جَمِيعَ أصْنافِ المَلائِكَةِ حَضَرُوا، وإنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَدَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ تِلْكَ اللُّغاتِ بِأسْرِها، فَعَرَفَ كُلُّ صِنْفٍ إصابَتَهُ في تِلْكَ اللُّغَةِ خاصَّةً، فَعَرَفُوا بِهَذا الطَّرِيقِ صِدْقَهُ إلّا أنَّهم بِأسْرِهِمْ عَجَزُوا عَنْ مَعْرِفَةِ تِلْكَ اللُّغاتِ بِأسْرِها، فَكانَ ذَلِكَ مُعْجِزًا.

الثّانِي: لا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى عَرَّفَهم قَبْلَ أنْ يَسْمَعُوا مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تِلْكَ الأسْماءَ ما اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى صِدْقِ آدَمَ، فَلَمّا سَمِعُوا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تِلْكَ الأسْماءَ عَرَفُوا صِدْقَهُ فِيها، فَعَرَفُوا كَوْنَهُ مُعْجِزًا، سَلَّمْنا أنَّهُ ظَهَرَ عَلَيْهِ فِعْلٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ الكَراماتِ، أوْ مِن بابِ الإرْهاصِ وهُما عِنْدَنا جائِزانِ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ الكَلامُ في هَذِهِ المَسْألَةِ فَرْعًا عَلى الكَلامِ فِيهِما، واحْتَجَّ مَن قَطَعَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ نَبِيًّا في ذَلِكَ الوَقْتِ بِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ لَوْ كانَ نَبِيًّا في ذَلِكَ الزَّمانِ لَكانَ قَدْ صَدَرَتِ المَعْصِيَةُ عَنْهُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ نَبِيًّا في ذَلِكَ الزَّمانِ، أمّا المُلازَمَةُ فَلِأنَّ صُدُورَ الزَّلَّةِ عَنْهُ كانَ بَعْدَ هَذِهِ الواقِعَةِ بِالِاتِّفاقِ، وتِلْكَ الزَّلَّةُ مِن بابِ الكَبائِرِ عَلى ما سَيَأْتِي شَرْحُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والإقْدامُ عَلى الكَبِيرَةِ يُوجِبُ اسْتِحْقاقَ الطَّرْدِ والتَّحْقِيرِ واللَّعْنِ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى الأنْبِياءِ غَيْرُ جائِزٍ فَيَجِبُ أنْ يُقالَ: وقَعَتْ تِلْكَ الواقِعَةُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ.

وثانِيها: لَوْ كانَ رَسُولًا في ذَلِكَ الوَقْتِ لَكانَ إمّا أنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إلى أحَدٍ أوْ لا يَكُونُ، فَإنْ كانَ مَبْعُوثًا إلى أحَدٍ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إلى المَلائِكَةِ أوِ الإنْسِ أوِ الجِنِّ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، ولا يَجُوزُ جَعْلُ الأدْوَنِ رَسُولًا إلى الأشْرَفِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ [قائِدٌ] والأُمَّةَ تَبَعٌ، وجَعْلُ الأدْوَنِ مَتْبُوعَ الأشْرَفِ خِلافُ الأصْلِ، وأيْضًا فالمَرْءُ إلى قَبُولِ القَوْلِ مِمَّنْ هو مِن جِنْسِهِ أمْكَنُ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنْعامِ: ٩] ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إلى البَشَرِ؛ لِأنَّهُ ما كانَ هُناكَ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ إلّا حَوّاءَ، وإنَّ حَوّاءَ إنَّما عَرَفَتِ التَّكْلِيفَ لا بِواسِطَةِ آدَمَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٥] شافَهَهُما بِهَذا التَّكْلِيفِ، وما جَعَلَ آدَمَ واسِطَةً، ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إلى الجِنِّ؛ لِأنَّهُ ما كانَ في السَّماءِ أحَدٌ مِنَ الجِنِّ، ولا جائِزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إلى أحَدٍ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن جَعْلِهِ رَسُولا التَّبْلِيغُ فَحَيْثُ لا مُبَلَّغَ لَمْ يَكُنْ

صفحة ١٦٤

فِي جَعْلِهِ رَسُولًا فائِدَةٌ، وهَذا الوَجْهُ لَيْسَ في غايَةِ القُوَّةِ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ [طَهَ: ١٢٢] فَهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما اجْتَباهُ بَعْدَ الزَّلَّةِ فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ قَبْلَ الزَّلَّةِ ما كانَ مُجْتَبًى، وإذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الوَقْتَ مُجْتَبًى وجَبَ أنْ لا يَكُونَ رَسُولًا؛ لِأنَّ الرِّسالَةَ والِاجْتِباءَ مُتَلازِمانِ؛ لِأنَّ الِاجْتِباءَ لا مَعْنى لَهُ إلّا التَّخْصِيصُ بِأنْواعِ التَّشْرِيفاتِ، وكُلُّ مَن جَعَلَهُ اللَّهُ رَسُولًا فَقَدْ خَصَّهُ بِذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٢٤] .

* * *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وُجُوهًا:

أحَدُها: مَعْناهُ أعْلِمُونِي أسْماءَ هَؤُلاءِ إنْ عَلِمْتُمْ أنَّكم تَكُونُونَ صادِقِينَ في ذَلِكَ الإعْلامِ.

وثانِيها: مَعْناهُ أخْبِرُونِي ولا تَقُولُوا إلّا حَقًّا وصِدْقًا، فَيَكُونُ الغَرَضُ مِنهُ التَّوْكِيدَ لِما نَبَّهَهم عَلَيْهِ مِنَ القُصُورِ والعَجْزِ؛ لِأنَّهُ مَتى تَمَكَّنَ في أنْفُسِهِمُ العِلْمُ بِأنَّهم إنْ أخْبَرُوا لَمْ يَكُونُوا صادِقِينَ ولا لَهم إلَيْهِ سَبِيلٌ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ مُتَعَذَّرٌ عَلَيْهِمْ. وثالِثُها: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قَوْلِكم أنَّهُ لا شَيْءَ مِمّا يَتَعَبَّدُ بِهِ الخَلْقُ إلّا وأنْتُمْ تَصْلُحُونَ [لَهُ]، وتَقُومُونَ بِهِ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ.

ورابِعُها: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قَوْلِكم أنِّي لَمْ أخْلُقْ خَلْقًا إلّا كُنْتُمْ أعْلَمَ مِنهُ فَأخْبِرُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ.

* * *

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى فَضْلِ العِلْمِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ما أظْهَرَ كَمالَ حِكْمَتِهِ في خَلْقِهِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا بِأنْ أظْهَرَ عِلْمَهُ، فَلَوْ كانَ في الإمْكانِ وُجُودُ شَيْءٍ أشْرَفَ مِنَ العِلْمِ لَكانَ مِنَ الواجِبِ إظْهارُ فَضْلِهِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ لا بِالعِلْمِ، واعْلَمْ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ الكِتابُ والسُّنَّةُ والمَنقُولُ، أمّا الكِتابُ فَوُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى العِلْمَ بِالحِكْمَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَظَّمَ أمْرَ الحِكْمَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عِظَمِ شَأْنِ العِلْمِ.

بَيانُ أنَّهُ تَعالى سَمّى العِلْمَ بِالحِكْمَةِ ما يُرْوى عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: تَفْسِيرُ الحِكْمَةِ في القُرْآنِ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: مَواعِظُ القُرْآنِ، قالَ في البَقَرَةِ: ﴿وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣١] يَعْنِي مَواعِظَ القُرْآنِ، وفي النِّساءِ: ﴿وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [النِّساءِ: ١١٣] يَعْنِي المَواعِظَ، ومِثْلُها في آلِ عِمْرانَ.

وثانِيها: الحِكْمَةُ بِمَعْنى الفَهْمِ والعِلْمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ١٢] وفي لُقْمانَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ [لُقْمانَ: ١٢] يَعْنِي الفَهْمَ والعِلْمَ، وفي الأنْعامِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ﴾ [الأنْعامِ: ٨٩] .

وثالِثُها: الحِكْمَةُ بِمَعْنى النُّبُوَّةِ في النِّساءِ: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [النِّساءِ: ٥٤] يَعْنِي النُّبُوَّةَ وفي ص: ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ [ص: ٢٠] يَعْنِي النُّبُوَّةَ، وفي البَقَرَةِ: ﴿وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥١] .

ورابِعُها: القُرْآنُ في النَّحْلِ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٥] وفي البَقَرَةِ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٩] . وجَمِيعُ هَذِهِ الوُجُوهِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ تَرْجِعُ إلى العِلْمِ، ثُمَّ تَفَكَّرْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أعْطى مِنَ العِلْمِ إلّا القَلِيلَ قالَ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسْراءِ: ٨٥] وسَمّى الدُّنْيا بِأسْرِها قَلِيلًا ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ [النِّساءِ: ٧٧] فَما سَمّاهُ قَلِيلًا لا يُمْكِنُنا أنْ نُدْرِكَ كَمِّيَّتَهُ فَما ظَنُّكَ بِما سَمّاهُ كَثِيرًا، ثُمَّ البُرْهانُ العَقْلِيُّ عَلى قِلَّةِ الدُّنْيا وكَثْرَةِ الحِكْمَةِ أنَّ الدُّنْيا مُتَناهِي القَدْرِ مُتَناهِي العَدَدِ مُتَناهِي المُدَّةِ، والعِلْمُ لا نِهايَةَ لِقَدْرِهِ وعَدَدِهِ ومُدَّتِهِ، ولا لِلسِّعاداتِ الحاصِلَةِ مِنهُ، وذَلِكَ يُنَبِّهُكَ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ.

الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٩] وقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ سَبْعِ نَفَرٍ

صفحة ١٦٥

فِي كِتابِهِ، فَرَّقَ بَيْنَ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ فَقالَ: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ [المائِدَةِ: ١٠٠] يَعْنِي الحَلالَ والحَرامَ، وفَرَّقَ بَيْنَ الأعْمى والبَصِيرِ، فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [الرَّعْدِ: ١٦] وفَرَّقَ بَيْنَ النُّورِ والظُّلْمَةِ فَقالَ: ﴿أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ﴾ [الرَّعْدِ: ١٦] وفَرَّقَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وبَيْنَ الظِّلِّ والحَرُورِ، وإذا تَأمَّلْتَ وجَدْتَ كُلَّ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ العالِمِ والجاهِلِ.

الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٥٩] والمُرادُ مِن أُولِي الأمْرِ العُلَماءُ في أصَحِّ الأقْوالِ؛ لِأنَّ المُلُوكَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ طاعَةُ العُلَماءِ ولا يَنْعَكِسُ، ثُمَّ انْظُرْ إلى هَذِهِ المَرْتَبَةِ فَإنَّهُ تَعالى ذَكَرَ العالِمِ في مَوْضِعَيْنِ مِن كِتابِهِ في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ قالَ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨]، وقالَ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٥٩] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى زادَ في الإكْرامِ فَجَعَلَهم في المَرْتَبَةِ الأُولى في آيَتَيْنِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧] وقالَ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرَّعْدِ: ٤٣] .

الرّابِعُ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المُجادَلَةِ: ١١] واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الدَّرَجاتِ لِأرْبَعَةِ أصْنافٍ: أوَّلُها: لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ بَدْرٍ قالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنْفالِ: ٤] .

والثّانِيَةُ: لِلْمُجاهِدِينَ قالَ: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ﴾ [النِّساءِ: ٩٥] .

والثّالِثَةُ: لِلصّالِحِينَ قالَ: ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ [طَهَ: ٧٥] .

الرّابِعَةُ: لِلْعُلَماءِ، قالَ: ﴿والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المُجادَلَةِ: ١١] واللَّهُ فَضَّلَ أهْلَ بَدْرٍ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِدَرَجاتٍ، وفَضَّلَ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ بِدَرَجاتٍ، وفَضَّلَ الصّالِحِينَ عَلى هَؤُلاءِ بِدَرَجاتٍ، ثُمَّ فَضَّلَ العُلَماءَ عَلى جَمِيعِ الأصْنافِ بِدَرَجاتٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ العُلَماءُ أفْضَلَ النّاسِ.

الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطِرٍ: ٢٨] فَإنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ العُلَماءَ في كِتابِهِ بِخَمْسِ مَناقِبَ، أحَدُها: الإيمانُ ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧] .

وثانِيها: التَّوْحِيدُ والشَّهادَةُ ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولُو العِلْمِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨] .

وثالِثُها: البُكاءُ ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسْراءِ: ١٠٩] .

ورابِعُها: الخُشُوعُ ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ [الإسْراءِ: ١٠٧] الآيَةَ.

وخامِسُها: الخَشْيَةُ ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطِرٍ: ٢٨] أمّا الأخْبارُ فَوُجُوهٌ:

أحَدُها: رَوى ثابِتٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«مَن أحَبَّ أنْ يَنْظُرَ إلى عُتَقاءِ اللَّهِ مِنَ النّارِ فَلْيَنْظُرْ إلى المُتَعَلِّمِينَ، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما مِن مُتَعَلِّمٍ يَخْتَلِفُ إلى بابِ عالِمٍ إلّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ عِبادَةَ سَنَةٍ، وبَنى لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ مَدِينَةً في الجَنَّةِ، ويَمْشِي عَلى الأرْضِ والأرْضُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ، ويُمْسِي ويُصْبِحُ مَغْفُورًا لَهُ، وشَهِدَتِ المَلائِكَةُ لَهم بِأنَّهم عُتَقاءُ اللَّهِ مِنَ النّارِ» “ .

وثانِيها: عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن طَلَبَ العِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ العِلْمُ، فَيَكُونَ لِلَّهِ، ومَن طَلَبَ العِلْمَ لِلَّهِ فَهو كالصّائِمِ نَهارَهُ وكالقائِمِ لَيْلَهُ، وإنَّ بابًا مِنَ العِلْمِ يَتَعَلَّمُهُ الرَّجُلُ خَيْرٌ مِن

صفحة ١٦٦

أنْ يَكُونَ لَهُ أبُو قُبَيْسٍ ذَهَبًا فَيُنْفِقَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ» “ .

وثالِثُها: عَنِ الحَسَنِ مَرْفُوعًا ”«مَن جاءَهُ المَوْتُ وهو يَطْلُبُ العِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الإسْلامَ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأنْبِياءِ دَرَجَةٌ واحِدَةٌ في الجَنَّةِ» “ .

ورابِعُها: أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ مَرْفُوعًا ”«يَبْعَثُ اللَّهُ العِبادَ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُمَيِّزُ العُلَماءَ فَيَقُولُ: يا مَعْشَرَ العُلَماءِ، إنِّي لَمْ أضَعْ نُورِي فِيكم إلّا لِعِلْمِي بِكم، ولَمْ أضَعْ عِلْمِي فِيكم لِأُعَذِّبَكم، انْطَلِقُوا فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم» “ .

وخامِسُها: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مُعَلِّمُ الخَيْرِ إذا ماتَ بَكى عَلَيْهِ طَيْرُ السَّماءِ ودَوابُّ الأرْضِ وحِيتانُ البُحُورِ» “ .

وسادِسُها: أبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ”«مَن صَلّى خَلْفَ عالِمٍ مِنَ العُلَماءِ فَكَأنَّما صَلّى خَلْفَ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ» “ .

وسابِعُها: ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا ”«فُضِّلَ العالِمُ عَلى العابِدِ بِسَبْعِينَ دَرَجَةً بَيْنَ كُلِّ دَرَجَةٍ عَدْوُ الفَرَسِ سَبْعِينَ عامًا، وذَلِكَ أنَّ الشَّيْطانَ يَضَعُ البِدْعَةَ لِلنّاسِ فَيُبْصِرُها العالِمُ فَيُزِيلُها، والعابِدُ يُقْبِلُ عَلى عِبادَتِهِ لا يَتَوَجَّهُ ولا يَتَعَرَّفُ لَها» “ .

وثامِنُها: الحَسَنُ مَرْفُوعًا، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«رَحْمَةُ اللَّهِ عَلى خُلَفائِي، فَقِيلَ: مَن خُلَفاؤُكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: الَّذِينَ يُحْيُونَ سُنَّتِي ويُعَلِّمُونَها عِبادَ اللَّهِ» “ .

وتاسِعُها: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن خَرَجَ يَطْلُبُ بابًا مِنَ العِلْمِ لِيَرُدَّ بِهِ باطِلًا إلى حَقٍّ أوْ ضَلالًا إلى هُدًى كانَ عَمَلُهُ كَعِبادَةِ أرْبَعِينَ عامًا» “ .

وعاشِرُها: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِعَلِيٍّ حِينَ بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ ”«لَأنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا واحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِمّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوْ تَغْرُبُ» “ .

الحادِيَ عَشَرَ: ابْنُ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا ”«مَن طَلَبَ العِلْمَ لِيُحَدِّثَ بِهِ النّاسَ ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ أعْطاهُ أجْرَ سَبْعِينَ نَبِيًّا» “ .

الثّانِي عَشَرَ: عامِرٌ الجُهَنِيُّ مَرْفُوعًا ”«يُؤْتى بِمِدادِ طالِبِ العِلْمِ ودَمِ الشَّهِيدِ يَوْمَ القِيامَةِ لا يُفَضَّلُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ» “ وفي رِوايَةٍ «فَيُرَجَّحُ مِدادُ العُلَماءِ» .

الثّالِثَ عَشَرَ: أبُو واقِدٍ اللَّيْثِيُّ: ”«أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَما هو جالِسٌ والنّاسُ مَعَهُ إذْ أقْبَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ أمّا أحَدُهم فَرَأى فُرْجَةً في الحَلْقَةِ فَجَلَسَ إلَيْها، وأمّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهم، وأمّا الثّالِثُ فَإنَّهُ رَجَعَ وفَرَّ، فَلَمّا فَرَغَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن كَلامِهِ قالَ: أُخْبِرُكم عَنِ النَّفَرِ الثَّلاثَةِ، أمّا الأوَّلُ: فَآوى إلى اللَّهِ فَآواهُ اللَّهُ، وأمّا الثّانِي: فاسْتَحْيا مِنَ اللَّهِ فاسْتَحْيا اللَّهُ مِنهُ، وأمّا الثّالِثُ: فَأعْرَضَ عَنِ اللَّهِ فَأعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ» “ رَواهُ مُسْلِمٌ.

* * *

وأمّا الآثارُ فَمِن وُجُوهٍ:

(أ) العالِمُ أرْأفُ بِالتِّلْمِيذِ مِنَ الأبِ والأُمِّ؛ لِأنَّ الآباءَ والأُمَّهاتِ يَحْفَظُونَهُ مِن نارِ الدُّنْيا وآفاتِها، والعُلَماءُ يَحْفَظُونَهُ مِن نارِ الآخِرَةِ وشَدائِدِها.

(ب) قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: بِمَ وجَدْتَ هَذا العِلْمَ ؟ قالَ: بِلِسانٍ سَئُولٍ، وقَلْبٍ عَقُولٍ.

(ج) قالَ بَعْضُهم: سَلْ مَسْألَةَ الحَمْقى، واحْفَظْ حِفْظَ الأكْياسِ.

(د) مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ قالَ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ تَعَلَّمِ العِلْمَ فَإنْ كانَ لَكَ مالٌ كانَ العِلْمُ لَكَ جَمالًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ مالٌ كانَ العِلْمُ لَكَ مالًا.

(ه) قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: لا خَيْرَ في الصَّمْتِ عَنِ العِلْمِ كَما لا خَيْرَ في الكَلامِ عَنِ الجَهْلِ.

(و) قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: العُلَماءُ ثَلاثَةٌ عالِمٌ

صفحة ١٦٧

بِاللَّهِ غَيْرُ عالِمٍ بِأمْرِ اللَّهِ، وعالِمٌ بِأمْرِ اللَّهِ غَيْرُ عالِمٍ بِاللَّهِ، وعالِمٌ بِاللَّهِ وبِأمْرِ اللَّهِ.

أمّا الأوَّلُ: فَهو عَبْدٌ قَدِ اسْتَوْلَتِ المَعْرِفَةُ الإلَهِيَّةُ عَلى قَلْبِهِ، فَصارَ مُسْتَغْرِقًا بِمُشاهَدَةِ نُورِ الجَلالِ وصَفَحاتِ الكِبْرِياءِ، فَلا يَتَفَرَّغُ لِتَعَلُّمِ عِلْمِ الأحْكامِ إلّا ما لا بُدَّ مِنهُ.

الثّانِي: هو الَّذِي يَكُونُ عالِمًا بِأمْرِ اللَّهِ وغَيْرَ عالِمٍ بِاللَّهِ وهو الَّذِي عَرَفَ الحَلالَ والحَرامَ وحَقائِقَ الأحْكامِ لَكِنَّهُ لا يَعْرِفُ أسْرارَ جَلالِ اللَّهِ.

أمّا العالِمُ بِاللَّهِ وبِأحْكامِ اللَّهِ فَهو جالِسٌ عَلى الحَدِّ المُشْتَرَكِ بَيْنَ عالَمِ المَعْقُولاتِ وعالَمِ المَحْسُوساتِ فَهو تارَةً مَعَ اللَّهِ بِالحُبِّ لَهُ، وتارَةً مَعَ الخَلْقِ بِالشَّفَقَةِ والرَّحْمَةِ، فَإذا رَجَعَ مِن رَبِّهِ إلى الخَلْقِ صارَ مَعَهم كَواحِدٍ مِنهم كَأنَّهُ لا يَعْرِفُ اللَّهَ، وإذا خَلا بِرَبِّهِ مُشْتَغِلًا بِذِكْرِهِ وخِدْمَتِهِ فَكَأنَّهُ لا يَعْرِفُ الخَلْقَ، فَهَذا سَبِيلُ المُرْسَلِينَ والصِّدِّيقِينَ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«سائِلِ العُلَماءَ، وخالِطِ الحُكَماءَ، وجالِسِ الكُبَراءَ» “ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «سائِلِ العُلَماءَ» أيِ العُلَماءَ بِأمْرِ اللَّهِ غَيْرَ العالِمِينَ بِاللَّهِ، فَأمَرَ بِمُساءَلَتِهِمْ عِنْدَ الحاجَةِ إلى اللَّهِ اسْتِفْتاءً مِنهم، وأمّا الحُكَماءُ فَهُمُ العالِمُونَ بِاللَّهِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ أوامِرَ اللَّهِ فَأمَرَ بِمُخالَطَتِهِمْ، وأمّا الكُبَراءُ فَهُمُ العالِمُونَ بِاللَّهِ وبِأحْكامِ اللَّهِ فَأمَرَ بِمُجالَسَتِهِمْ؛ لِأنَّ في تِلْكَ المُجالَسَةِ مَنافِعَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ثُمَّ قالَ شَقِيقٌ البَلْخِيُّ: لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ ثَلاثُ عَلاماتٍ، أمّا العالِمُ بِأمْرِ اللَّهِ فَلَهُ ثَلاثُ عَلاماتٍ: أنْ يَكُونَ ذاكِرًا بِاللِّسانِ دُونَ القَلْبِ، وأنْ يَكُونَ خائِفًا مِنَ الخَلْقِ دُونَ الرَّبِّ، وأنْ يَسْتَحْيِيَ مِنَ النّاسِ في الظّاهِرِ ولا يَسْتَحْيِيَ مِنَ اللَّهِ في السِّرِّ، وأمّا العالِمُ بِاللَّهِ فَإنَّهُ يَكُونُ ذاكِرًا خائِفًا مُسْتَحْيِيًا.

أمّا الذِّكْرُ فَذِكْرُ القَلْبِ لا ذِكْرُ اللِّسانِ، وأمّا الخَوْفُ فَخَوْفُ الرِّياءِ لا خَوْفُ المَعْصِيَةِ، وأمّا الحَياءُ فَحَياءُ ما يَخْطُرُ عَلى القَلْبِ لا حَياءُ الظّاهِرِ، وأمّا العالِمُ بِاللَّهِ وبِأمْرِ اللَّهِ فَلَهُ سِتَّةُ أشْياءَ، الثَّلاثَةُ الَّتِي ذَكَرْناها لِلْعالِمِ بِاللَّهِ فَقَطْ مَعَ ثَلاثَةٍ أُخْرى: كَوْنُهُ جالِسًا عَلى الحَدِّ المُشْتَرَكِ بَيْنَ عالَمِ الغَيْبِ وعالَمِ الشَّهادَةِ، وكَوْنُهُ مُعَلِّمًا لِلْقِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ، وكَوْنُهُ بِحَيْثُ يَحْتاجُ الفَرِيقانِ الأوَّلانِ إلَيْهِ وهو يَسْتَغْنِي عَنْهُما، ثُمَّ قالَ: مَثَلُ العالِمِ بِاللَّهِ وبِأمْرِ اللَّهِ كَمَثَلِ الشَّمْسِ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، ومَثَلُ العالِمِ بِاللَّهِ فَقَطْ، كَمَثَلِ القَمَرِ يَكْمُلُ تارَةً ويَنْقُصُ تارَةً أُخْرى، ومَثَلُ العالِمِ بِأمْرِ اللَّهِ فَقَطْ، كَمَثَلِ السِّراجِ يُحْرِقُ نَفْسَهُ ويُضِيءُ لِغَيْرِهِ.

(ز) قالَ فَتْحٌ المَوْصِلِيُّ: ألَيْسَ المَرِيضُ إذا امْتَنَعَ عَنْهُ الطَّعامُ والشَّرابُ والدَّواءُ يَمُوتُ ؟ فَكَذا القَلْبُ إذا امْتَنَعَ عَنْهُ العِلْمُ والفِكْرُ والحِكْمَةُ يَمُوتُ.

(ح) قالَ شَقِيقٌ البَلْخِيُّ: النّاسُ يَقُومُونَ مِن مَجْلِسِي عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ: كافِرٌ مَحْضٌ، ومُنافِقٌ مَحْضٌ، ومُؤْمِنٌ مَحْضٌ، وذَلِكَ لِأنِّي أُفَسِّرُ القُرْآنَ فَأقُولُ عَنِ اللَّهِ وعَنِ الرَّسُولِ فَمَن لا يُصَدِّقُنِي فَهو كافِرٌ مَحْضٌ، ومَن ضاقَ قَلْبُهُ مِنهُ فَهو مُنافِقٌ مَحْضٌ، ومِن نَدِمَ عَلى ما صَنَعَ، وعَزَمَ عَلى أنْ لا يُذْنِبَ كانَ مُؤْمِنًا مَحْضًا.

وقالَ أيْضًا: ثَلاثَةٌ مِنَ النَّوْمِ يُبْغِضُها اللَّهُ تَعالى، وثَلاثَةٌ مِنَ الضَّحِكِ: النَّوْمُ بَعْدَ صَلاةِ الفَجْرِ وقَبْلَ صَلاةِ العَتَمَةِ، والنَّوْمُ في الصَّلاةِ، والنَّوْمُ عِنْدَ مَجْلِسِ الذِّكْرِ، والضَّحِكُ خَلْفَ الجِنازَةِ، والضَّحِكُ في المَقابِرِ، والضَّحِكُ في مَجْلِسِ الذِّكْرِ.

(ط) قالَ بَعْضُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا﴾ [الرَّعْدِ: ١٧] السَّيْلُ هَهُنا العِلْمُ، شَبَّهَهُ اللَّهُ تَعالى بِالماءِ لِخَمْسِ خِصالٍ: أحَدُها: كَما أنَّ المَطَرَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ كَذَلِكَ العِلْمُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ.

والثّانِي: كَما أنَّ إصْلاحَ الأرْضِ بِالمَطَرِ فَإصْلاحُ الخَلْقِ بِالعِلْمِ.

الثّالِثُ: كَما أنَّ الزَّرْعَ والنَّباتَ لا يَخْرُجُ بِغَيْرِ المَطَرِ كَذَلِكَ الأعْمالُ والطّاعاتُ لا تَخْرُجُ بِغَيْرِ العِلْمِ.

والرّابِعُ: كَما أنَّ المَطَرَ فَرْعُ الرَّعْدِ والبَرْقِ كَذَلِكَ العِلْمُ فَإنَّهُ فَرْعُ الوَعْدِ والوَعِيدِ.

الخامِسُ: كَما أنَّ المَطَرَ نافِعٌ وضارٌّ، كَذَلِكَ العِلْمُ نافِعٌ

صفحة ١٦٨

وضارٌّ: نافِعٌ لِمَن عَمِلَ بِهِ ضارٌّ لِمَن لَمْ يَعْمَلْ بِهِ.

(ي) كَمْ مِن مُذَكِّرٍ بِاللَّهِ ناسٍ لِلَّهِ، وكَمْ مِن مُخَوِّفٍ بِاللَّهِ جَرِيءٌ عَلى اللَّهِ، وكَمْ مِن مُقَرِّبٍ إلى اللَّهِ بَعِيدٌ عَنِ اللَّهِ، وكَمْ مِن داعٍ إلى اللَّهِ فارٌّ مِنَ اللَّهِ، وكَمْ مِن تالٍ كِتابَ اللَّهِ مُنْسَلِخٌ عَنْ آياتِ اللَّهِ. (يا) الدُّنْيا بُسْتانٌ زُيِّنَتْ بِخَمْسَةِ أشْياءَ: عِلْمُ العُلَماءِ، وعَدْلُ الأُمَراءِ، وعِبادَةُ العُبّادِ، وأمانَةُ التُّجّارِ، ونَصِيحَةُ المُحْتَرِفِينَ.

فَجاءَ إبْلِيسُ بِخَمْسَةِ أعْلامٍ فَأقامَها بِجَنْبِ هَذِهِ الخَمْسِ جاءَ بِالحَسَدِ فَرَكَزَهُ في جَنْبِ العِلْمِ، وجاءَ بِالجَوْرِ فَرَكَزَهُ بِجَنْبِ العَدْلِ، وجاءَ بِالرِّياءِ فَرَكَزَهُ بِجَنْبِ العِبادَةِ، وجاءَ بِالخِيانَةِ فَرَكَزَها بِجَنْبِ الأمانَةِ، وجاءَ بِالغِشِّ فَرَكَزَهُ بِجَنْبِ النَّصِيحَةِ.

(يب) فُضِّلَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ عَلى التّابِعِينَ بِخَمْسَةِ أشْياءَ: أوَّلُها: لَمْ يَأْمُرْ أحَدًا بِشَيْءٍ حَتّى عَمِلَهُ.

والثّانِي: لَمْ يَنْهَ أحَدًا عَنْ شَيْءٍ حَتّى انْتَهى عَنْهُ.

والثّالِثُ: كُلُّ مَن طَلَبَ مِنهُ شَيْئًا مِمّا رَزَقَهُ اللَّهُ تَعالى لَمْ يَبْخَلْ بِهِ مِنَ العِلْمِ والمالِ.

والرّابِعُ: كانَ يَسْتَغْنِي بِعِلْمِهِ عَنِ النّاسِ، والخامِسُ: كانَتْ سَرِيرَتُهُ وعَلانِيَتُهُ سَواءً.

(يج) إذا أرَدْتَ أنْ تَعْلَمَ أنَّ عِلْمَكَ يَنْفَعُكَ أمْ لا فاطْلُبْ مِن نَفْسِكَ خَمْسَ خِصالٍ: حُبُّ الفَقْرِ لِقِلَّةِ المُؤْنَةِ، وحُبُّ الطّاعَةِ طَلَبًا لِلثَّوابِ، وحُبُّ الزُّهْدِ في الدُّنْيا طَلَبًا لِلْفَراغِ، وحُبُّ الحِكْمَةِ طَلَبًا لِصَلاحِ القَلْبِ، وحُبُّ الخَلْوَةِ طَلَبًا لِمُناجاةِ الرَّبِّ.

(يد) اطْلُبْ خَمْسَةً في خَمْسَةٍ، الأوَّلُ: اطْلُبِ العِزَّ في التَّواضُعِ لا في المالِ والعَشِيرَةِ.

والثّانِي: اطْلُبِ الغِنى في القَناعَةِ لا في الكَثْرَةِ.

والثّالِثُ: اطْلُبِ الأمْنَ في الجَنَّةِ لا في الدُّنْيا.

والرّابِعُ: اطْلُبِ الرّاحَةَ في القِلَّةِ لا في الكَثْرَةِ.

والخامِسُ: اطْلُبْ مَنفَعَةَ العِلْمِ في العَمَلِ لا في كَثْرَةِ الرِّوايَةِ.

(يه) قالَ ابْنُ المُبارَكِ: ما جاءَ فَسادُ هَذِهِ الأُمَّةِ إلّا مِن قِبَلِ الخَواصِّ وهم خَمْسَةٌ: العُلَماءُ، والغُزاةُ، والزُّهّادُ: والتُّجّارُ، والوُلاةُ.

أمّا العُلَماءُ فَهم ورَثَةُ الأنْبِياءِ، وأمّا الزُّهّادُ فَعِمادُ أهْلِ الأرْضِ، وأمّا الغُزاةُ فَجُنْدُ اللَّهِ في الأرْضِ، وأمّا التُّجّارُ فَأُمَناءُ اللَّهِ في أرْضِهِ، وأمّا الوُلاةُ فَهُمُ الرُّعاةُ، فَإذا كانَ العالِمُ لِلدِّينِ واضِعًا ولِلْمالِ رافِعًا فَبِمَن يَقْتَدِي الجاهِلُ ؟ وإذا كانَ الزّاهِدُ في الدُّنْيا راغِبًا فَبِمَن يَقْتَدِي التّائِبُ ؟ وإذا كانَ الغازِي طامِعًا مُرائِيًا فَكَيْفَ يَظْفَرُ بِالعَدُوِّ ؟ وإذا كانَ التّاجِرُ خائِنًا فَكَيْفَ تَحْصُلُ الأمانَةُ ؟ وإذا كانَ الرّاعِي ذِئْبًا فَكَيْفَ تَحْصُلُ الرِّعايَةُ ؟

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском