Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:3–5, continued
(المَسْألَةُ الثّامِنَةُ): الرِّزْقُ في كَلامِ العَرَبِ هو الحَظُّ، قالَ تَعالى: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٨٢] أيْ حَظَّكم مِن هَذا الأمْرِ، والحَظُّ هو نَصِيبُ الرَّجُلِ وما هو خاصٌّ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، ثُمَّ قالَ بَعْضُهم: الرِّزْقُ كُلُّ شَيْءٍ يُؤْكَلُ أوْ يُسْتَعْمَلُ، وهو باطِلٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنا بِأنْ نُنْفِقَ مِمّا رَزَقَنا، فَقالَ: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ [المُنافِقُونَ: ١٠] فَلَوْ كانَ الرِّزْقُ هو الَّذِي يُؤْكَلُ لَما أمْكَنَ إنْفاقُهُ. وقالَ آخَرُونَ: الرِّزْقُ هو ما يُمْلَكُ وهو أيْضًا باطِلٌ، لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي ولَدًا صالِحًا، أوْ زَوْجَةً صالِحَةً، وهو لا يَمْلِكُ الوَلَدَ ولا الزَّوْجَةَ، ويَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي عَقْلًا أعِيشُ بِهِ، ولَيْسَ العَقْلُ بِمَمْلُوكٍ، وأيْضًا البَهِيمَةُ يَكُونُ لَها رِزْقٌ، ولا يَكُونُ لَها مِلْكٌ. وأمّا في عُرْفِ الشَّرْعِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ أبُو الحُسَيْنِ البَصْرِيُّ: الرِّزْقُ هو تَمْكِينُ الحَيَوانِ مِنَ الِانْتِفاعِ بِالشَّيْءِ والحَظْرُ عَلى غَيْرِهِ أنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ، فَإذا قُلْنا: قَدْ رَزَقَنا اللَّهُ تَعالى الأمْوالَ، فَمَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ مَكَّنَنا مِنَ الِانْتِفاعِ بِها، وإذا سَألْناهُ تَعالى أنْ يَرْزُقَنا مالًا فَإنّا نَقْصِدُ بِذَلِكَ أنْ يَجْعَلَنا بِالمالِ أخَصَّ، وإذا سَألْناهُ أنْ يَرْزُقَ البَهِيمَةَ فَإنّا نَقْصِدُ بِذَلِكَ أنْ يَجْعَلَها بِهِ أخَصَّ، وإنَّما تَكُونُ بِهِ أخَصَّ إذا مَكَّنَها مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ، ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ أنْ يَمْنَعَها مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ، واعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ لَمّا فَسَّرُوا الرِّزْقَ بِذَلِكَ لا جَرَمَ قالُوا: الحَرامُ لا يَكُونُ رِزْقًا. وقالَ أصْحابُنا: الحَرامُ قَدْ يَكُونُ رِزْقًا، فَحُجَّةُ الأصْحابِ مِن وجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: أنَّ الرِّزْقَ في أصْلِ اللُّغَةِ هو الحَظُّ والنَّصِيبُ عَلى ما بَيَّنّاهُ، فَمَنِ انْتَفَعَ بِالحَرامِ فَذَلِكَ الحَرامُ صارَ حَظًّا ونَصِيبًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رِزْقًا لَهُ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هُودٍ: ٦] وقَدْ يَعِيشُ الرَّجُلُ طُولَ عُمُرِهِ لا يَأْكُلُ إلّا مِنَ السَّرِقَةِ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ طُولَ عُمُرِهِ لَمْ يَأْكُلْ مِن رِزْقِهِ شَيْئًا. أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ احْتَجُّوا بِالكِتابِ والسُّنَّةِ والمَعْنى. أمّا الكِتابُ فَوُجُوهٌ:
أحَدُها قَوْلُهُ
صفحة ٢٩
تَعالى: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ مَدَحَهم عَلى الإنْفاقِ مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَلَوْ كانَ الحَرامُ رِزْقًا لَوَجَبَ أنْ يَسْتَحِقُّوا المَدْحَ إذا أنْفَقُوا مِنَ الحَرامِ، وذَلِكَ باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ.
وثانِيها: لَوْ كانَ الحَرامُ رِزْقًا لَجازَ أنْ يُنْفِقَ الغاصِبُ مِنهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ [المُنافِقُونَ: ١٠] وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْغاصِبِ أنْ يُنْفِقَ مِمّا أخَذَهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الحَرامَ لا يَكُونُ رِزْقًا.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ [يُونُسَ: ٥٩] فَبَيَّنَ أنَّ مَن حَرَّمَ رِزْقَ اللَّهِ فَهو مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ الحَرامَ لا يَكُونُ رِزْقًا، وأمّا السُّنَّةُ فَما رَواهُ أبُو الحُسَيْنِ في كِتابِ الغَرَرِ بِإسْنادِهِ «عَنْ صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ، قالَ: كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ جاءَهُ عَمْرُو بْنُ قُرَّةَ، فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيَّ الشِّقْوَةَ، فَلا أرانِي أُرْزَقُ إلّا مِن دُفِّي بِكَفِّي، فائْذَنْ لِي في الغِناءِ مِن غَيْرِ فاحِشَةٍ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”لا إذْنَ لَكَ، ولا كَرامَةَ، ولا نِعْمَةَ، كَذَبْتَ أيْ عَدُوَّ اللَّهِ، لَقَدْ رَزَقَكَ اللَّهُ رِزْقًا طَيِّبًا، فاخْتَرْتَ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِن رِزْقِهِ مَكانَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ مِن حَلالِهِ، أما إنَّكَ لَوْ قُلْتَ بَعْدَ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ شَيْئًا ضَرَبْتُكَ ضَرْبًا وجِيعًا“» وأمّا المَعْنى فَإنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَ المُكَلَّفَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِالحَرامِ، وأمَرَ غَيْرَهُ بِمَنعِهِ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ، ومَن مَنَعَ مِن أخْذِ الشَّيْءِ والِانْتِفاعِ بِهِ لا يُقالُ إنَّهُ رَزَقَهُ إيّاهُ، ألا تَرى أنَّهُ لا يُقالُ: إنَّ السُّلْطانَ قَدْ رَزَقَ جُنْدَهُ مالًا قَدْ مَنَعَهم مِن أخْذِهِ، وإنَّما يُقالُ: إنَّهُ رَزَقَهم ما مَكَّنَهم مِن أخْذِهِ، ولا يَمْنَعُهم مِنهُ، ولا أمَرَ بِمَنعِهِمْ مِنهُ، أجابَ أصْحابُنا عَنِ التَّمَسُّكِ بِالآياتِ بِأنَّهُ وإنْ كانَ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ، لَكِنَّهُ كَما يُقالُ: يا خالِقَ المُحْدَثاتِ والعَرْشِ والكُرْسِيِّ، ولا يُقالُ: يا خالِقَ الكِلابِ والخَنازِيرِ، وقالَ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنْسانِ: ٦] فَخَصَّ اسْمَ العِبادِ بِالمُتَّقِينَ، وإنْ كانَ الكُفّارُ أيْضًا مِنَ العِبادِ، وكَذَلِكَ هَهُنا خَصَّ اسْمَ الرِّزْقِ بِالحَلالِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ، وإنْ كانَ الحَرامُ رِزْقًا أيْضًا، وأجابُوا عَنِ التَّمَسُّكِ بِالخَبَرِ بِأنَّهُ حُجَّةٌ لَنا، لِأنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«فاخْتَرْتَ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِن رِزْقِهِ» “ صَرِيحٌ في أنَّ الرِّزْقَ قَدْ يَكُونُ حَرامًا، وأجابُوا عَنِ المَعْنى بِأنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ مَحْضُ اللُّغَةِ، وهو أنَّ الحَرامَ هَلْ يُسَمّى رِزْقًا أمْ لا ؟ ولا مَجالَ لِلدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ في الألْفاظِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
(المَسْألَةُ التّاسِعَةُ): أصْلُ الإنْفاقِ إخْراجُ المالِ مِنَ اليَدِ، ومِنهُ نَفَقَ المَبِيعُ نَفاقًا إذا كَثُرَ المُشْتَرُونَ لَهُ، ونَفَقَتِ الدّابَّةُ إذا ماتَتْ أيْ خَرَجَ رُوحُها، ونافِقاءُ الفَأْرَةِ لِأنَّها تَخْرُجُ مِنها ومِنهُ النَّفَقُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ﴾ [الأنْعامِ: ٣٥] .
(المَسْألَةُ العاشِرَةُ): في قَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ فَوائِدُ:
أحَدُها: أدْخَلَ مِنَ التَّبْعِيضِيَّةَ صِيانَةً لَهم، وكَفًّا عَنِ الإسْرافِ والتَّبْذِيرِ المَنهِيِّ عَنْهُ.
وثانِيها: قَدَّمَ مَفْعُولَ الفِعْلِ دَلالَةً عَلى كَوْنِهِ أهَمَّ، كَأنَّهُ قالَ: ويَخُصُّونَ بَعْضَ المالِ بِالتَّصَدُّقِ بِهِ.
وثالِثُها: يَدْخُلُ في الإنْفاقِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، الإنْفاقُ الواجِبُ، والإنْفاقُ المَندُوبُ، والإنْفاقُ الواجِبُ أقْسامٌ:
أحَدُها: الزَّكاةُ وهي قَوْلُهُ في آيَةِ الكَنْزِ: ﴿ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٤] .
وثانِيها: الإنْفاقُ عَلى النَّفْسِ وعَلى مَن تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ.
وثالِثُها: الإنْفاقُ في الجِهادِ.
وأمّا الإنْفاقُ المَندُوبُ فَهو أيْضًا إنْفاقٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [المُنافِقُونَ: ١٠] وأرادَ بِهِ الصَّدَقَةَ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المُنافِقُونَ: ١٠] فَكُلُّ هَذِهِ الإنْفاقاتِ داخِلَةٌ تَحْتَ الآيَةِ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِاسْتِحْقاقِ المَدْحِ.
2:4Page 2
وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٤
And who believe in what has been revealed to you, [O Muḥammad], and what was revealed before you, and of the Hereafter they are certain [in faith].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ عامٌّ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، سَواءٌ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُؤْمِنًا بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، أوْ ما كانَ مُؤْمِنًا بِهِما، ودَلالَةُ اللَّفْظِ العامِّ عَلى بَعْضِ ما دَخَلَ فِيهِ التَّخْصِيصُ أضْعَفُ مِن دَلالَةِ اللَّفْظِ الخاصِّ عَلى ذَلِكَ البَعْضِ، لِأنَّ العامَّ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ، والخاصَّ لا يَحْتَمِلُهُ، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةً، وقَدْ شَرَّفَ اللَّهُ تَعالى المُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ فَذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أهْلَ الكِتابِ الَّذِينَ آمَنُوا بِالرَّسُولِ: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأمْثالِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ لِأنَّ في هَذا التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ مَزِيدَ تَشْرِيفٍ لَهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٨] ثُمَّ تَخْصِيصُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأمْثالِهِ بِهَذا التَّشْرِيفِ تَرْغِيبٌ لِأمْثالِهِ في الدِّينِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في ذِكْرِ هَذا الخاصِّ بَعْدَ ذَلِكَ العامِّ، ثُمَّ نَقُولُ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
(المَسْألَةُ الأُولى): لا نِزاعَ بَيْنَ أصْحابِنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ في أنَّ الإيمانَ إذا عُدِّيَ بِالباءِ فالمُرادُ مِنهُ التَّصْدِيقُ، فَإذا قُلْنا: فُلانٌ آمَنَ بِكَذا، فالمُرادُ أنَّهُ صَدَّقَ بِهِ، ولا يَكُونُ المُرادُ أنَّهُ صامَ وصَلّى، فالمُرادُ بِالإيمانِ هَهُنا التَّصْدِيقُ بِالِاتِّفاقِ، لَكِنْ لا بُدَّ مَعَهُ مِنَ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ الإيمانَ هَهُنا خَرَجَ مَخْرَجَ المَدْحِ، والمُصَدِّقُ مَعَ الشَّكِّ لا يَأْمَنُ أنْ يَكُونَ كاذِبًا، فَهو إلى الذَّمِّ أقْرَبُ.
* * *
(المَسْألَةُ الثّانِيَةُ): المُرادُ مِن إنْزالِ الوَحْيِ وكَوْنِ القُرْآنِ مُنْزَلًا، ومُنَزَّلًا، ومَنزُولًا بِهِ - أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ في السَّماءِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، فَنَزَلَ عَلى الرَّسُولِ بِهِ، وهَذا كَما يُقالُ: نَزَلَتْ رِسالَةُ الأمِيرِ مِنَ القَصْرِ، والرِّسالَةُ لا تَنْزِلُ، لَكِنَّ المُسْتَمِعَ يَسْمَعُ الرِّسالَةَ مِن عُلُوٍّ فَيَنْزِلُ ويُؤَدِّي في سُفْلٍ. وقَوْلُ الأمِيرِ لا يُفارِقُ ذاتَهُ، ولَكِنَّ السّامِعَ يَسْمَعُ فَيَنْزِلُ ويُؤَدِّي بِلَفْظِ نَفْسِهِ، ويُقالُ: فُلانٌ يَنْقُلُ الكَلامَ إذا سَمِعَ في مَوْضِعٍ وأدّاهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سَمِعَ جِبْرِيلُ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وكَلامُهُ لَيْسَ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ عِنْدَكم ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى لَهُ سَمْعًا لِكَلامِهِ، ثُمَّ أقْدَرَهُ عَلى عِبارَةٍ يُعَبِّرُ بِها عَنْ ذَلِكَ الكَلامِ القَدِيمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ خَلَقَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كِتابَةً بِهَذا النَّظْمِ المَخْصُوصِ، فَقَرَأهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَفِظَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ أصْواتًا مُقَطَّعَةً بِهَذا النَّظْمِ المَخْصُوصِ في جِسْمٍ مَخْصُوصٍ، فَيَتَلَقَّفَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَخْلُقَ لَهُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِأنَّهُ هو العِبارَةُ المُؤَدِّيَةُ لِمَعْنى ذَلِكَ الكَلامِ القَدِيمِ.
* * *
(المَسْألَةُ الثّالِثَةُ): قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ هَذا الإيمانُ واجِبٌ؛ لِأنَّهُ قالَ في آخِرِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٥] فَثَبَتَ أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذا الإيمانُ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مُفْلِحًا، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ واجِبٌ وجَبَ تَحْصِيلُ العِلْمِ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ؛ لِأنَّ المَرْءَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَقُومَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عِلْمًا وعَمَلًا إلّا إذا عَلِمَهُ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْهُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ عَلَيْهِ القِيامُ بِهِ، إلّا أنَّ تَحْصِيلَ هَذا العِلْمِ واجِبٌ عَلى سَبِيلِ الكِفايَةِ، فَإنَّ تَحْصِيلَ العِلْمِ بِالشَّرائِعِ
صفحة ٣١
النّازِلَةِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ غَيْرُ واجِبٍ عَلى العامَّةِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ فالمُرادُ بِهِ ما أُنْزِلَ عَلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ مُحَمَّدٍ، والإيمانُ بِهِ واجِبٌ عَلى الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ما تَعَبَّدَنا الآنَ بِهِ حَتّى يُلْزِمَنا مَعْرِفَتَهُ عَلى التَّفْصِيلِ، بَلْ إنْ عَرَفْنا شَيْئًا مِن تَفاصِيلِهِ فَهُناكَ يَجِبُ عَلَيْنا الإيمانُ بِتِلْكَ التَّفاصِيلِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
(المَسْألَةُ الأُولى): الآخِرَةُ صِفَةُ الدّارِ الآخِرَةِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُتَأخِّرَةٌ عَنِ الدُّنْيا، وقِيلَ لِلدُّنْيا دُنْيا لِأنَّها أدْنى مِنَ الآخِرَةِ.
(المَسْألَةُ الثّانِيَةُ): اليَقِينُ هو العِلْمُ بِالشَّيْءِ بَعْدَ أنْ كانَ صاحِبُهُ شاكًّا فِيهِ، فَلِذَلِكَ لا يَقُولُ القائِلُ: تَيَقَّنْتُ وُجُودَ نَفْسِي، وتَيَقَّنْتُ أنَّ السَّماءَ فَوْقِي، لِما أنَّ العِلْمَ بِهِ غَيْرُ مُسْتَدْرَكٍ، ويُقالُ ذَلِكَ في العِلْمِ الحادِثِ بِالأُمُورِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ العِلْمُ ضَرُورِيًّا أوِ اسْتِدْلالِيًّا، فَيَقُولُ القائِلُ: تَيَقَّنْتُ ما أرَدْتُهُ بِهَذا الكَلامِ، وإنْ كانَ قَدْ عَلِمَ مُرادَهُ بِالِاضْطِرارِ، ويَقُولُ: تَيَقَّنْتُ أنَّ الإلَهَ واحِدٌ، وإنْ كانَ قَدْ عَلِمَهُ بِالِاكْتِسابِ؛ ولِذَلِكَ لا يُوصَفُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ يَتَيَقَّنُ الأشْياءَ.
(المَسْألَةُ الثّالِثَةُ): أنَّ اللَّهَ تَعالى مَدَحَهم عَلى كَوْنِهِمْ مُتَيَقِّنِينَ بِالآخِرَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يُمْدَحُ المَرْءُ بِأنْ يَتَيَقَّنَ وُجُودَ الآخِرَةِ فَقَطْ، بَلْ لا يَسْتَحِقُّ المَدْحَ إلّا إذا تَيَقَّنَ وُجُودَ الآخِرَةِ مَعَ ما فِيها مِنَ الحِسابِ والسُّؤالِ وإدْخالِ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ، والكافِرِينَ النّارَ. رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«يا عَجَبًا كُلَّ العَجَبِ مِنَ الشّاكِّ في اللَّهِ وهو يَرى خَلْقَهُ، وعَجَبًا مِمَّنْ يَعْرِفُ النَّشْأةَ الأُولى ثُمَّ يُنْكِرُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ، وعَجَبًا مِمَّنْ يُنْكِرُ البَعْثَ والنُّشُورَ وهو في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ يَمُوتُ ويَحْيا - يَعْنِي النَّوْمَ واليَقَظَةَ - وعَجَبًا مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِالجَنَّةِ وما فِيها مِنَ النَّعِيمِ ثُمَّ يَسْعى لِدارِ الغُرُورِ، وعَجَبًا مِنَ المُتَكَبِّرِ الفَخُورِ وهو يَعْلَمُ أنَّ أوَّلَهُ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ، وآخِرَهُ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ» “ .
2:5Page 2
أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥
Those are upon [right] guidance from their Lord, and it is those who are the successful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
(المَسْألَةُ الأُولى): في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ ثَلاثَةٌ:
أحَدُها: أنْ يَنْوِيَ الِابْتِداءَ ”بِالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ“، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا قِيلَ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ فَخَصَّ المُتَّقِينَ بِأنَّ الكِتابَ هُدًى لَهم كانَ لِسائِلٍ أنْ يَسْألَ فَيَقُولَ: ما السَّبَبُ في اخْتِصاصِ المُتَّقِينَ بِذَلِكَ ؟ فَوَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ جَوابًا عَنْ هَذا السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِي يَكُونُ مُنْشَغِلًا بِالإيمانِ وإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ والفَوْزِ بِالفَلاحِ والنَّجاةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِ.
وثانِيها: أنْ لا يَنْوِيَ الِابْتِداءَ بِهِ، بَلْ يَجْعَلَهُ تابِعًا ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ ثُمَّ يَقَعُ الِابْتِداءُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ سَبَبٍ في أنْ صارَ المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ مُخْتَصِّينَ بِالهُدى ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّ أُولَئِكَ المَوْصُوفِينَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ أنْ يَفُوزُوا دُونَ النّاسِ بِالهُدى عاجِلًا وبِالفَلاحِ آجِلًا.
وثالِثُها: أنْ يُجْعَلَ المَوْصُولُ الأوَّلُ صِفَةَ ”المُتَّقِينَ“، ويُرْفَعَ الثّانِي عَلى الِابْتِداءِ، و﴿أُولَئِكَ﴾ خَبَرُهُ، ويَكُونُ المُرادُ جَعْلَ اخْتِصاصِهِمْ بِالفَلاحِ والهُدى تَعْرِيضًا بِأهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ لَمْ
صفحة ٣٢
يُؤْمِنُوا بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهم ظانُّونَ أنَّهم عَلى الهُدى، وطامِعُونَ أنَّهم يَنالُونَ الفَلاحَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* * *
(المَسْألَةُ الثّانِيَةُ): مَعْنى الِاسْتِعْلاءِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى هُدًى﴾ بَيانٌ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنَ الهُدى واسْتِقْرارِهِمْ عَلَيْهِ حَيْثُ شُبِّهَتْ حالُهم بِحالِ مَنِ اعْتَلى الشَّيْءَ ورَكِبَهُ، ونَظِيرُهُ ”فُلانٌ عَلى الحَقِّ، أوْ عَلى الباطِلِ“ وقَدْ صَرَّحُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ: ”جَعَلَ الغِوايَةَ مَرْكَبًا، وامْتَطى الجَهْلَ“، وتَحْقِيقُ القَوْلِ في كَوْنِهِمْ عَلى الهُدى تَمَسُّكُهم بِمُوجِبِ الدَّلِيلِ، لِأنَّ الواجِبَ عَلى المُتَمَسِّكِ بِالدَّلِيلِ أنْ يَدُومَ عَلى ذَلِكَ ويَحْرُسَهُ عَنِ المَطاعِنِ والشُّبَهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى ومَدَحَهم بِالإيمانِ بِما أنْزَلَ عَلَيْهِ أوَّلًا، ومَدَحَهم بِالإقامَةِ عَلى ذَلِكَ والمُواظَبَةِ عَلى حِراسَتِهِ عَنِ الشُّبَهِ ثانِيًا، وذَلِكَ واجِبٌ عَلى المُكَلَّفِ، لِأنَّهُ إذا كانَ مُتَشَدِّدًا في الدِّينِ خائِفًا وجِلًا فَلا بُدَّ مِن أنْ يُحاسِبَ نَفْسَهُ في عِلْمِهِ وعَمَلِهِ، ويَتَأمَّلَ حالَهُ فِيهِما، فَإذا حَرَسَ نَفْسَهُ عَنِ الإخْلالِ كانَ مَمْدُوحًا بِأنَّهُ عَلى هُدًى وبَصِيرَةٍ، وإنَّما نَكَّرَ ﴿هُدًى﴾ لِيُفِيدَ ضَرْبًا مُبْهَمًا لا يُبْلَغُ كُنْهُهُ ولا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ، كَما يُقالُ: لَوْ أبْصَرْتَ فَلانًا لَأبْصَرْتَ رَجُلًا. قالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الهُدى مِنَ اللَّهِ كَثِيرٌ، ولا يُبْصِرُهُ إلّا بَصِيرٌ، ولا يَعْمَلُ بِهِ إلّا يَسِيرٌ، ألا تَرى أنَّ نُجُومَ السَّماءِ يُبْصِرُها البُصَراءُ، ولا يَهْتَدِي بِها إلّا العُلَماءُ.
* * *
(المَسْألَةُ الثّالِثَةُ): في تَكْرِيرِ ﴿أُولَئِكَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم كَما ثَبَتَ لَهُمُ الِاخْتِصاصُ بِالهُدى ثَبَتَ لَهُمُ الِاخْتِصاصُ بِالفَلاحِ أيْضًا، فَقَدْ تَمَيَّزُوا عَنْ غَيْرِهِمْ بِهَذَيْنِ الِاخْتِصاصَيْنِ. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ جاءَ مَعَ العاطِفِ ؟ وما الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [الأعْرافِ: ١٧٩] قُلْنا: قَدِ اخْتَلَفَ الخَبَرانِ هُنا، فَلِذَلِكَ دَخَلَ العاطِفُ بِخِلافِ الخَبَرَيْنِ ثَمَّتَ، فَإنَّهُما مُتَّفِقانِ؛ لِأنَّ التَّسْجِيلَ عَلَيْهِمْ بِالغَفْلَةِ وتَشْبِيهَهم بِالبَهائِمِ شَيْءٌ واحِدٌ، وكانَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ مُقَرِّرَةً لِما في الأُولى، فَهي مِنَ العَطْفِ بِمَعْزِلٍ.
* * *
(المَسْألَةُ الرّابِعَةُ): ﴿هُمُ﴾ فَصْلٌ، ولَهُ فائِدَتانِ: إحْداهُما: الدَّلالَةُ عَلى أنَّ الوارِدَ بَعْدَهُ خَبَرٌ لا صِفَةٌ، وثانِيَتُهُما: حَصْرُ الخَبَرِ في المُبْتَدَأِ، فَإنَّكَ لَوْ قُلْتَ: الإنْسانُ ضاحِكٌ، فَهَذا لا يُفِيدُ أنَّ الضّاحِكِيَّةَ لا تَحْصُلُ إلّا في الإنْسانِ، أمّا لَوْ قُلْتَ: الإنْسانُ هو الضّاحِكُ، فَهَذا يُفِيدُ أنَّ الضّاحِكِيَّةَ لا تَحْصُلُ إلّا في الإنْسانِ.
* * *
(المَسْألَةُ الخامِسَةُ): مَعْنى التَّعْرِيفِ في ﴿المُفْلِحُونَ﴾ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُتَّقِينَ هُمُ النّاسُ الَّذِينَ بَلَغَكَ أنَّهم يُفْلِحُونَ في الآخِرَةِ، كَما إذا بَلَغَكَ أنَّ إنْسانًا قَدْ تابَ مِن أهْلِ بَلَدِكَ، فاسْتَخْبَرْتَ: مَن هو ؟ فَقِيلَ: زَيْدٌ التّائِبُ، أيْ هو الَّذِي أُخْبِرْتَ بِتَوْبَتِهِ، أوْ عَلى أنَّهُمُ الَّذِينَ إنْ حَصَلَتْ صِفَةُ ﴿المُفْلِحُونَ﴾ فَهم هم، كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: هَلْ عَرَفْتَ الأسَدَ وما جُبِلَ عَلَيْهِ مِن فَرْطِ الإقْدامِ ؟ إنَّ زَيْدًا هو هو.
(المَسْألَةُ السّادِسَةُ): المُفْلِحُ الظّافِرُ بِالمَطْلُوبِ، كَأنَّهُ الَّذِي انْفَتَحَتْ لَهُ وُجُوهُ الظَّفَرِ، ولَمْ تَسْتَغْلِقْ عَلَيْهِ، والمُفْلِجُ بِالجِيمِ مِثْلُهُ، والتَّرْكِيبُ دالٌّ عَلى مَعْنى الشَّقِّ والفَتْحِ، ولِهَذا سُمِّيَ الزَّرّاعُ فَلّاحًا، ومَشْقُوقُ الشَّفَةِ السُّفْلى أفْلَحَ، وفي المَثَلِ ”الحَدِيدُ بِالحَدِيدِ يُفْلَحُ“، وتَحْقِيقُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِالقِيامِ بِما يَلْزَمُهم عِلْمًا وعَمَلًا بَيَّنَ نَتِيجَةَ ذَلِكَ وهو الظَّفَرُ بِالمَطْلُوبِ الَّذِي هو النَّعِيمُ الدّائِمُ مِن غَيْرِ شَوْبٍ عَلى وجْهِ الإجْلالِ والإعْظامِ، لِأنَّ ذَلِكَ هو الثَّوابُ المَطْلُوبُ لِلْعِباداتِ.
* * *
(المَسْألَةُ السّابِعَةُ): هَذِهِ الآياتُ يَتَمَسَّكُ الوَعِيدِيَّةُ بِها مِن وجْهٍ، والمُرْجِئَةُ مِن وجْهٍ آخَرَ. أمّا الوَعِيدِيَّةُ فَمِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ يَقْتَضِي الحَصْرَ، فَوَجَبَ فِيمَن أخَلَّ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ أنْ لا
صفحة ٣٣
يَكُونَ مُفْلِحًا، وذَلِكَ يُوجِبُ القَطْعَ عَلى وعِيدِ تارِكِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ. الثّانِي: أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِكَوْنِ ذَلِكَ الوَصْفِ عِلَّةً لِذَلِكَ الحُكْمِ، فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ عِلَّةُ الفَلاحِ هي فِعْلَ الإيمانِ والصَّلاةِ والزَّكاةِ، فَمَن أخَلَّ بِهَذِهِ الأشْياءِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ عِلَّةُ الفَلاحِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ الفَلاحُ. أمّا المُرْجِئَةُ فَقَدِ احْتَجُّوا بِأنَّ اللَّهَ حَكَمَ بِالفَلاحِ عَلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المَوْصُوفُ بِهَذِهِ الأشْياءِ مُفْلِحًا وإنْ زَنى وسَرَقَ وشَرِبَ الخَمْرَ، وإذا ثَبَتَ في هَذِهِ الطّائِفَةِ تَحَقُّقُ العَفْوِ ثَبَتَ في غَيْرِهِمْ ضَرُورَةً، إذْ لا قائِلَ بِالفَرْقِ. والجَوابُ: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الِاحْتِجاجَيْنِ مَعارَضٌ بِالآخَرِ فَيَتَساقَطانِ، ثُمَّ الجَوابُ عَنْ قَوْلِ الوَعِيدِيَّةِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ الكامِلُونَ في الفَلاحِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ صاحِبُ الكَبِيرَةِ غَيْرَ كامِلٍ في الفَلاحِ، ونَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ، فَإنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ كامِلًا في الفَلاحِ وهو غَيْرُ جازِمٍ بِالخَلاصِ مِنَ العَذابِ، بَلْ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَكُونَ خائِفًا مِنهُ، وعَنِ الثّانِي: أنَّ نَفْيَ السَّبَبِ الواحِدِ لا يَقْتَضِي نَفْيَ المُسَبَّبِ، فَعِنْدَنا مِن أسْبابِ الفَلاحِ عَفْوُ اللَّهِ تَعالى. والجَوابُ عَنْ قَوْلِ المُرْجِئَةِ: أنَّ وصْفَهم بِالتَّقْوى يَكْفِي في نَيْلِ الثَّوابِ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ اتِّقاءَ المَعاصِي، واتِّقاءَ تَرْكِ الواجِباتِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences