Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:7–8, continued
ورابِعُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الخالِقُ لِلدَّواعِي الَّتِي تُوجِبُ المَعاصِيَ، فَيَكُونُ هو المُلْجِئَ إلَيْها فَيَقْبُحُ أنْ يُعاقِبَ عَلَيْها، إنَّما قُلْنا إنَّهُ الخالِقُ لِتِلْكَ الدَّواعِي، لَمّا بَيَّنّا أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ عَنْ مَقْدِرَةٍ يَتَوَقَّفُ عَلى انْضِمامِ الدّاعِيَةِ الَّتِي يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى إلَيْها، وبَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الجَبْرَ، وتَعْذِيبُ المَجْبُورِ قَبِيحٌ في العُقُولِ، ورُبَّما قَرَّرُوا هَذا مِن وجْهٍ آخَرَ، فَقالُوا: إذا كانَتِ الأوامِرُ والنَّواهِي الشَّرْعِيَّةُ قَدْ جاءَتْ إلى شَخْصَيْنِ مِنَ النّاسِ فَقَبِلَها أحَدُهُما وخالَفَها الآخَرُ فَأُثِيبَ أحَدُهُما وعُوقِبَ الآخَرُ، فَإذا قِيلَ لِمَ قَبِلَ هَذا وخالَفَ الآخَرُ ؟ فَيُقالُ: لِأنَّ القابِلَ أحَبَّ الثَّوابَ وحَذِرَ العِقابَ فَأطاعَ، والآخَرُ لَمْ يُحِبَّ ولَمْ يَحْذَرْ فَعَصى، أوْ أنَّ هَذا أصْغى إلى مَن وعَظَهُ وفَهِمَ عَنْهُ مَقالَتَهُ فَأطاعَ، وهَذا لَمْ يُصْغِ ولَمْ يَفْهَمْ فَعَصى، فَيُقالُ: ولِمَ أصْغى هَذا وفَهِمَ ولَمْ يُصْغِ ذَلِكَ ولَمْ يَفْهَمْ ؟ فَنَقُولُ: لِأنَّ هَذا لَبِيبٌ حازِمٌ فَطِنٌ، وذَلِكَ أخْرَقُ جاهِلٌ غَبِيٌّ، فَيُقالُ: ولِمَ اخْتُصَّ هَذا بِالحَزْمِ والفِطْنَةِ دُونَ ذاكَ؟ ولا شَكَّ أنَّ الفِطْنَةَ والبَلادَةَ مِنَ الأحْوالِ الغَرِيزِيَّةِ فَإنَّ الإنْسانَ لا يَخْتارُ الغَباوَةَ والخَرَقَ ولا يَفْعَلُهُما في نَفْسِهِ فَإذا تَناهَتِ التَّعْلِيلاتُ إلى أُمُورٍ خَلَقَها اللَّهُ تَعالى اضْطِرارًا عَلِمْنا أنَّ كُلَّ هَذِهِ الأُمُورِ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ يُمْكِنُكَ أنْ تُسَوِّيَ بَيْنَ الشَّخْصَيْنِ اللَّذَيْنِ أطاعَ أحَدُهُما وعَصى الآخَرُ في كُلِّ حالٍ أعْنِي في العَقْلِ والجَهْلِ، والفَطانَةِ والغَباوَةِ، والحَزْمِ والخَرَقِ، والمُعَلِّمِينَ والباعِثِينَ والزّاجِرِينَ، ولا يُمْكِنُكَ أنْ تَقُولَ إنَّهُما لَوِ اسْتَوَيا في ذَلِكَ كُلِّهِ لَما اسْتَوَيا في الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ، فَإذَنْ سَبَبُ الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ مِنَ الأشْخاصِ أُمُورٌ وقَعَتْ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ، وعِنْدَ هَذا يُقالُ: أيْنَ مِنَ العَدْلِ والرَّحْمَةِ والكَرَمِ أنْ يُخْلَقَ العاصِي عَلى ما خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الفَظاظَةِ والجَسارَةِ، والغَباوَةِ والقَساوَةِ، والطَّيْشِ والخَرَقِ، ثُمَّ يُعاقِبُهُ عَلَيْهِ؟ وهَلّا خَلَقَهُ مِثْلَ ما خَلَقَ الطّائِعَ لَبِيبًا حازِمًا عارِفًا عالِمًا، وأيْنَ مِنَ العَدْلِ أنْ يُسَخِّنَ قَلْبَهُ ويُقَوِّيَ غَضَبَهُ ويُلْهِبَ دِماغَهُ ويُكْثِرَ طَيْشَهُ ولا يَرْزُقَهُ ما رَزَقَ غَيْرَهُ مِن مُؤَدِّبٍ أدِيبٍ ومُعَلِّمٍ عالِمٍ، وواعِظٍ مُبَلِّغٍ، بَلْ يُقَيِّضُ لَهُ أضْدادَ هَؤُلاءِ في أفْعالِهِمْ وأخْلاقِهِمْ فَيَتَعَلَّمُ مِنهم، ثُمَّ يُؤاخِذُهُ بِما يُؤاخِذُ بِهِ اللَّبِيبَ الحازِمَ، والعاقِلَ العالِمَ، البارِدَ الرَّأْسِ، المُعْتَدِلَ مِزاجِ القَلْبِ، اللَّطِيفَ الرُّوحِ الَّذِي رَزَقَهُ مُرَبِّيًا شَفِيقًا، ومُعَلِّمًا كامِلًا؟ ما هَذا مِنَ العَدْلِ والرَّحْمَةِ والكَرَمِ والرَّأْفَةِ في شَيْءٍ ! فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ القَوْلَ بِالعِقابِ عَلى خِلافِ قَضايا العُقُولِ.
وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى إنَّما كَلَّفَنا النَّفْعَ لِعَوْدِهِ إلَيْنا؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسْراءِ: ٧] فَإذا عَصَيْنا فَقَدْ فَوَّتْنا عَلى أنْفُسِنا تِلْكَ المَنافِعَ، فَهَلْ يَحْسُنُ في العُقُولِ أنْ يَأْخُذَ الحَكِيمُ إنْسانًا ويَقُولَ لَهُ: إنِّي أُعَذِّبُكَ العَذابَ الشَّدِيدَ؛ لِأنَّكَ فَوَّتَّ عَلى نَفْسِكَ بَعْضَ المَنافِعِ، فَإنَّهُ يُقالُ لَهُ: إنْ تَحْصِيلَ النَّفْعِ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إلى دَفْعِ الضَّرَرِ، فَهَبْ أنِّي فَوَّتُّ عَلى نَفْسِي أدْوَنَ المَطْلُوبَيْنِ أفَتَفُوتُ عَلَيَّ لِأجْلِ ذَلِكَ أعْظَمُها، وهَلْ يَحْسُنُ مِنَ السَّيِّدِ أنْ يَأْخُذَ عَبْدَهُ ويَقُولَ إنَّكَ قَدَرْتَ عَلى أنْ تَكْتَسِبَ دِينارًا لِنَفْسِكَ ولِتَنْتَفِعَ بِهِ خاصَّةً مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي فِيهِ غَرَضٌ البَتَّةَ، فَلَمّا لَمْ تَكْتَسِبْ ذَلِكَ الدِّينارَ، ولَمْ تَنْتَفِعْ بِهِ آخُذُكَ وأقْطَعُ أعْضاءَكَ إرْبًا إرْبًا، لا شَكَّ أنَّ هَذا نِهايَةُ السَّفاهَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ ؟! ثُمَّ قالُوا: هَبْ أنّا سَلَّمْنا هَذا العِقابَ فَمِن أيْنَ القَوْلُ بِالدَّوامِ ؟ وذَلِكَ لِأنَّ أقْسى النّاسِ قَلْبًا وأشَدَّهم غِلْظَةً وفَظاظَةً وبُعْدًا عَنِ الخَيْرِ إذا أخَذَ مَن بالَغَ في الإساءَةِ إلَيْهِ وعَذَّبَهُ يَوْمًا أوْ شَهْرًا أوْ سَنَةً فَإنَّهُ يَشْبَعُ مِنهُ ويَمَلُّ، فَلَوْ بَقِيَ مُواظِبًا عَلَيْهِ لامَهُ كُلُّ أحَدٍ، ويُقالُ
صفحة ٥٢
هَبْ أنَّهُ بالَغَ هَذا في إضْرارِكَ، ولَكِنْ إلى مَتى هَذا التَّعْذِيبُ؟ فَإمّا أنْ تَقْتُلَهُ وتُرِيحَهُ، وإمّا أنْ تُخَلِّصَهُ، فَإذا قَبُحَ هَذا مِنَ الإنْسانِ الَّذِي يَلْتَذُّ بِالِانْتِقامِ، فالغَنِيُّ عَنِ الكُلِّ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا الدَّوامُ الَّذِي يُقالُ ؟! .
وسادِسُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ نَهى عِبادَهُ عَنِ اسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ، فَقالَ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ [الإسْراءِ: ٣٣] وقالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشُّورى: ٤٠] ثُمَّ إنَّ العَبْدَ هَبْ أنَّهُ عَصى اللَّهَ تَعالى طُولَ عُمْرِهِ فَأيْنَ عُمْرُهُ مِنَ الأبَدِ ؟ فَيَكُونُ العِقابُ المُؤَبَّدُ ظُلْمًا.
وسابِعُها: أنَّ العَبْدَ لَوْ واظَبَ عَلى الكُفْرِ طُولَ عُمْرِهِ فَإذا تابَ ثُمَّ ماتَ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وأجابَ دُعاءَهُ وقَبِلَ تَوْبَتَهُ، ألا تَرى أنَّ هَذا الكَرِيمَ العَظِيمَ ما بَقِيَ في الآخِرَةِ، أوْ عُقُولُ أُولَئِكَ المُعَذَّبِينَ ما بَقِيَتْ فَلِمَ لا يَتُوبُونَ عَنْ مَعاصِيهِمْ ؟ وإذا تابُوا فَلِمَ لا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعالى مِنهم تَوْبَتَهم، ولِمَ لا يَسْمَعُ نِداءَهم، ولِمَ يُخَيِّبُ رَجاءَهُمْ؟ ولِمَ كانَ في الدُّنْيا في الرَّحْمَةِ والكَرَمِ إلى حَيْثُ قالَ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافِرٍ: ٦٠] ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ [النَّمْلِ: ٦٢] وفي الآخِرَةِ صارَ بِحَيْثُ كُلَّما كانَ تَضَرُّعُهم إلَيْهِ أشَدَّ فَإنَّهُ لا يُخاطِبُهم إلّا بِقَوْلِهِ: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٠٨] قالُوا: فَهَذِهِ الوُجُوهُ مِمّا تُوجِبُ القَطْعَ بِعَدَمِ العِقابِ، ثُمَّ قالَ مَن آمَنَ مِن هَؤُلاءِ بِالقُرْآنِ: العُذْرُ عَمّا ورَدَ في القُرْآنِ مِن أنْواعِ العَذابِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ التَّمَسُّكَ بِالدَّلائِلِ اللَّفْظِيَّةِ لا يُفِيدُ اليَقِينَ، والدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ تُفِيدُ اليَقِينَ، والمَظْنُونُ لا يُعارِضُ المَقْطُوعَ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الدَّلائِلَ اللَّفْظِيَّةَ لا تُفِيدُ اليَقِينَ، لِأنَّ الدَّلائِلَ اللَّفْظِيَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى أُصُولٍ كُلُّها ظَنِّيَّةٌ والمَبْنِيُّ عَلى الظَّنِّيِّ ظَنِّيٌّ، وإنَّما قُلْنا إنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى أُصُولٍ ظَنِّيَّةٍ؛ لِأنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى نَقْلِ اللُّغاتِ ونَقْلِ النَّحْوِ والتَّصْرِيفِ، ورُواةُ هَذِهِ الأشْياءِ لا يُعْلَمُ بُلُوغُهم إلى حَدِّ التَّواتُرِ، فَكانَتْ رِوايَتُهم مَظْنُونَةً، وأيْضًا فَهي مَبْنِيَّةٌ عَلى عَدَمِ الِاشْتِراكِ وعَدَمِ المَجازِ وعَدَمِ التَّخْصِيصِ وعَدَمِ الإضْمارِ بِالزِّيادَةِ والنُّقْصانِ وعَدَمِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وكُلُّ ذَلِكَ أُمُورٌ ظَنِّيَّةٌ، وأيْضًا فَهي مَبْنِيَّةٌ عَلى عَدَمِ المُعارِضِ العَقْلِيِّ، فَإنَّهُ بِتَقْدِيرِ وُجُودِهِ لا يُمْكِنُ القَوْلُ بِصِدْقِهِما ولا بِكَذِبِهِما مَعًا، ولا يُمْكِنُ تَرْجِيحُ النَّقْلِ عَلى العَقْلِ؛ لِأنَّ العَقْلَ أصْلُ النَّقْلِ، والطَّعْنُ في العَقْلِ يُوجِبُ الطَّعْنَ في العَقْلِ والنَّقْلِ مَعًا، لَكِنَّ عَدَمَ المُعارِضِ العَقْلِيِّ مَظْنُونٌ، هَذا إذا لَمْ يُوجَدْ، فَكَيْفَ وقَدْ وجَدْنا هَهُنا دَلائِلَ عَقْلِيَّةً عَلى خِلافِ هَذِهِ الظَّواهِرِ، فَثَبَتَ أنَّ دَلالَةَ هَذِهِ الدَّلائِلِ النَّقْلِيَّةِ ظَنِّيَّةٌ، وأمّا أنَّ الظَّنِّيَّ لا يُعارِضُ اليَقِينِيَّ فَلا شَكَّ فِيهِ.
وثانِيها: وهو أنَّ التَّجاوُزَ عَنِ الوَعِيدِ مُسْتَحْسَنٌ فِيما بَيْنَ النّاسِ، قالَ الشّاعِرُ:
وإنِّي إذا أوْعَدْتُهُ أوْ وعَدْتُهُ لَمُخْلِفُ إيعادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي
بَلِ الإصْرارُ عَلى تَحْقِيقِ الوَعِيدِ كَأنَّهُ يُعَدُّ لُؤْمًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَصْلُحَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا بِناءً عَلى حَرْفٍ وهو أنَّ أهْلَ السُّنَّةِ جَوَّزُوا نَسْخَ الفِعْلِ قَبْلَ مُدَّةِ الِامْتِثالِ، وحاصِلُ حُرُوفِهِمْ فِيهِ أنَّ الأمْرَ يُسَنُّ تارَةً لِحِكْمَةٍ تَنْشَأُ مِن نَفْسِ المَأْمُورِ بِهِ، وتارَةً لِحِكْمَةٍ تَنْشَأُ مِن نَفْسِ الأمْرِ، فَإنَّ السَّيِّدَ قَدْ يَقُولُ لِعَبْدِهِ افْعَلِ الفِعْلَ الفُلانِيَّ غَدًا، وإنْ كانَ يَعْلَمُ في الحالِ أنَّهُ سَيَنْهاهُ عَنْهُ غَدًا، ويَكُونُ مَقْصُودُهُ مِن ذَلِكَ الأمْرِ أنْ يُظْهِرَ العَبْدُ الِانْقِيادَ لِسَيِّدِهِ في ذَلِكَ ويُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلى طاعَتِهِ، فَكَذَلِكَ إذا عَلِمَ اللَّهُ مِنَ العَبْدِ أنَّهُ سَيَمُوتُ غَدًا فَإنَّهُ يَحْسُنُ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ أنْ يَقُولَ: صَلِّ غَدًا إنْ عِشْتَ، ولا يَكُونُ المَقْصُودُ مِن هَذا الأمْرِ تَحْصِيلَ المَأْمُورِ بِهِ؛ لِأنَّهُ هَهُنا مُحالٌ بَلِ المَقْصُودُ حِكْمَةٌ تَنْشَأُ مِن نَفْسِ الأمْرِ فَقَطْ، وهو حُصُولُ الِانْقِيادِ والطّاعَةِ وتَرْكُ التَّمَرُّدِ، إذا ثَبَتَ هَذا
صفحة ٥٣
فَنَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ الخَبَرُ أيْضًا كَذَلِكَ ؟ فَتارَةً يَكُونُ مَنشَأُ الحِكْمَةِ مِنَ الأخْبارِ هو الشَّيْءَ المُخْبَرَ عَنْهُ وذَلِكَ في الوَعْدِ، وتارَةً يَكُونُ مَنشَأُ الحِكْمَةِ هو نَفْسَ الخَبَرِ لا المُخْبَرَ عَنْهُ كَما في الوَعِيدِ، فَإنَّ الأخْبارَ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ مِمّا يُفِيدُ الزَّجْرَ عَنِ المَعاصِي والإقْدامَ عَلى الطّاعاتِ، فَإذا حَصَلَ هَذا المَقْصُودُ جازَ أنْ لا يُوجَدَ المُخْبَرُ عَنْهُ كَما في الوَعِيدِ، وعِنْدَ هَذا قالُوا: إنَّ وعْدَ اللَّهِ بِالثَّوابِ حَقٌّ لازِمٌ، وأمّا تَوَعُّدُهُ بِالعِقابِ فَغَيْرُ لازِمٍ، وإنَّما قُصِدَ بِهِ صَلاحُ المُكَلَّفِينَ مَعَ رَحْمَتِهِ الشّامِلَةِ لَهم، كالوالِدِ يُهَدِّدُ ولَدَهُ بِالقَتْلِ والسَّمْلِ والقَطْعِ والضَّرْبِ، فَإنْ قَبِلَ الوَلَدُ أمْرَهُ فَقَدِ انْتَفَعَ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ فَما في قَلْبِ الوالِدِ مِنَ الشَّفَقَةِ يَرُدُّهُ عَنْ قَتْلِهِ وعُقُوبَتِهِ، فَإنْ قِيلَ فَعَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ يَكُونُ ذَلِكَ كَذِبًا والكَذِبُ قَبِيحٌ، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّ كُلَّ كَذِبٍ قَبِيحٌ بَلِ القَبِيحُ هو الكَذِبُ الضّارُّ، فَأمّا الكَذِبُ النّافِعُ فَلا، ثُمَّ إنْ سَلَّمْنا ذَلِكَ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّهُ كَذِبٌ، ألَيْسَ أنَّ جَمِيعَ عُمُوماتِ القُرْآنِ مَخْصُوصَةٌ ولا يُسَمّى ذَلِكَ كَذِبًا، ألَيْسَ أنَّ كُلَّ المُتَشابِهاتِ مَصْرُوفَةٌ عَنْ ظَواهِرِها، ولا يُسَمّى ذَلِكَ كَذِبًا فَكَذا هَهُنا.
وثالِثُها: ألَيْسَ أنَّ آياتِ الوَعِيدِ في حَقِّ العُصاةِ مَشْرُوطَةٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هَذا الشَّرْطُ مَذْكُورًا في صَرِيحِ النَّصِّ، فَهي أيْضًا عِنْدَنا مَشْرُوطَةٌ بِعَدَمِ العَفْوِ وإنْ لَمْ يَكُنْ هَذا الشَّرْطُ مَذْكُورًا بِصَرِيحِ النَّصِّ صَرِيحًا، أوْ نَقُولُ: مَعْناهُ أنَّ العاصِيَ يَسْتَحِقُّ هَذِهِ الأنْواعَ مِنَ العِقابِ فَيُحْمَلُ الإخْبارُ عَنِ الوُقُوعِ عَلى الإخْبارِ عَنِ اسْتِحْقاقِ الوُقُوعِ فَهَذا جُمْلَةُ ما يُقالُ في تَقْرِيرِ هَذا المَذْهَبِ، وأمّا الَّذِينَ أثْبَتُوا وُقُوعَ العَذابِ، فَقالُوا إنَّهُ نُقِلَ إلَيْنا عَلى سَبِيلِ التَّواتُرِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وُقُوعُ العَذابِ فَإنْكارُهُ يَكُونُ تَكْذِيبًا لِلرَّسُولِ، وأمّا الشُّبَهُ الَّتِي تَمَسَّكْتُمْ بِها في نَفْيِ العِقابِ فَهي مَبْنِيَّةٌ عَلى الحُسْنِ والقُبْحِ وذَلِكَ مِمّا لا نَقُولُ بِهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
2:8Page 3
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ ٨
And of the people are some who say, "We believe in Allāh and the Last Day," but they are not believers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ ذَلِكَ في وصْفِ المُنافِقِينَ، قالُوا: وصَفَ اللَّهُ الأصْنافَ الثَّلاثَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ والمُنافِقِينَ فَبَدَأ بِالمُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ الَّذِينَ صَحَّتْ سَرائِرُهم وسَلِمَتْ ضَمائِرُهم، ثُمَّ أتْبَعَهم بِالكافِرِينَ الَّذِينَ مِن صِفَتِهِمُ الإقامَةُ عَلى الجُحُودِ والعِنادِ، ثُمَّ وصَفَ حالَ مَن يَقُولُ بِلِسانِهِ إنَّهُ مُؤْمِنٌ وضَمِيرُهُ يُخالِفُ ذَلِكَ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في حَقِيقَةِ النِّفاقِ لا يَتَخَلَّصُ إلّا بِتَقْسِيمٍ نَذْكُرُهُ فَنَقُولُ: أحْوالُ القَلْبِ أرْبَعَةٌ، وهي الِاعْتِقادُ المُطابِقُ المُسْتَفادُ عَنِ الدَّلِيلِ وهو العِلْمُ، والِاعْتِقادُ المُطابِقُ المُسْتَفادُ لا عَنِ الدَّلِيلِ وهو اعْتِقادُ المُقَلِّدِ، والِاعْتِقادُ غَيْرُ المُطابِقِ وهو الجَهْلُ، وخُلُوُّ القَلْبِ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ، فَهَذِهِ أقْسامٌ أرْبَعَةٌ، وأمّا أحْوالُ اللِّسانِ فَثَلاثَةٌ: الإقْرارُ، والإنْكارُ، والسُّكُوتُ، فَيَحْصُلُ مِن تَرْكِيباتِها اثْنا عَشَرَ قِسْمًا.
النَّوْعُ الأوَّلُ: ما إذا حَصَلَ العِرْفانُ القَلْبِيُّ، فَهَهُنا إمّا أنْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ الإقْرارُ بِاللِّسانِ أوِ الإنْكارُ بِاللِّسانِ أوِ السُّكُوتُ. القِسْمُ الأوَّلُ: ما إذا حَصَلَ العِرْفانُ بِالقَلْبِ والإقْرارُ بِاللِّسانِ فَهَذا الإقْرارُ إنْ كانَ اخْتِيارِيًّا فَصاحِبُهُ مُؤْمِنٌ حَقًّا بِالِاتِّفاقِ، وإنْ كانَ اضْطِرارِيًّا وهو ما إذا عَرَفَ بِقَلْبِهِ ولَكِنَّهُ يَجِدُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ لَوْلا الخَوْفُ لَما أقَرَّ، بَلْ أنْكَرَ، فَهَذا يَجِبُ أنْ يُعَدَّ مُنافِقًا؛ لِأنَّهُ بِقَلْبِهِ مُنْكِرٌ مُكَذِّبٌ، فَإذا كانَ بِاللِّسانِ مُقِرًّا مُصَدِّقًا وجَبَ أنْ يُعَدَّ مُنافِقًا؛ لِأنَّهُ بِقَلْبِهِ
صفحة ٥٤
مُنْكِرٌ مُكَذِّبٌ بِوُجُوبِ الإقْرارِ، القِسْمُ الثّانِي: أنْ يَحْصُلَ العِرْفانُ القَلْبِيُّ والإنْكارُ اللِّسانِيُّ، فَهَذا الإنْكارُ إنْ كانَ اضْطِرارِيًّا كانَ صاحِبُهُ مُسْلِمًا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٦] وإنْ كانَ اخْتِيارِيًّا كانَ كافِرًا مُعانِدًا.
القِسْمُ الثّالِثُ: أنْ يَحْصُلَ العِرْفانُ القَلْبِيُّ ويَكُونُ اللِّسانُ خالِيًا عَنِ الإقْرارِ والإنْكارِ، فَهَذا السُّكُوتُ إمّا أنْ يَكُونَ اضْطِرارِيًّا أوِ اخْتِيارِيًّا، فَإنْ كانَ اضْطِرارِيًّا فَذَلِكَ إذا خافَ ذَكَرَهُ بِاللِّسانِ فَهَذا مُسْلِمٌ حَقًّا أوْ كَما إذا عَرَفَ اللَّهَ بِدَلِيلِهِ ثُمَّ لَمّا تَمَّمَ النَّظَرَ ماتَ فَجْأةً، فَهَذا مُؤْمِنٌ قَطْعًا؛ لِأنَّهُ أتى بِكُلِّ ما كُلِّفَ بِهِ ولَمْ يَجِدْ زَمانَ الإقْرارِ والإنْكارِ فَكانَ مَعْذُورًا فِيهِ، وأمّا إنْ كانَ اخْتِيارِيًّا فَهو كَمَن عَرَفَ اللَّهَ بِدَلِيلِهِ ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالإقْرارِ، فَهَذا مَحَلُّ البَحْثِ، ومَيْلُ الغَزالِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى أنَّهُ يَكُونُ مُؤْمِنًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنَ الإيمانِ“» وهَذا الرَّجُلُ قَلْبُهُ مَمْلُوءٌ مِن نُورِ الإيمانِ فَكَيْفَ لا يَخْرُجُ مِنَ النّارِ؟ .
النَّوْعُ الثّانِي: أنْ يَحْصُلَ في القَلْبِ الِاعْتِقادُ التَّقْلِيدِيُّ، فَإمّا أنْ يُوجَدَ مَعَهُ الإقْرارُ، أوِ الإنْكارُ أوِ السُّكُوتُ:
القِسْمُ الأوَّلُ: أنْ يُوجَدَ مَعَهُ الإقْرارُ، ثُمَّ ذَلِكَ الإقْرارُ إنْ كانَ اخْتِيارِيًّا فَهَذا هو المَسْألَةُ المَشْهُورَةُ مِن أنَّ المُقَلِّدَ هَلْ هو مُؤْمِنٌ أمْ لا ؟ وإنْ كانَ اضْطِرارِيًّا فَهَذا يُفَرَّعُ عَلى الصُّورَةِ الأُولى، فَإنْ حَكَمْنا في الصُّورَةِ الأُولى بِالكُفْرِ، فَهَهُنا لا كَلامَ، وإنْ حَكَمْنا هُناكَ بِالإيمانِ وجَبَ أنْ يُحْكَمَ هَهُنا بِالنِّفاقِ؛ لِأنَّ في هَذِهِ الصُّورَةِ لَوْ كانَ القَلْبُ عارِفًا لَكانَ هَذا الشَّخْصُ مُنافِقًا، فَبِأنْ يَكُونَ مُنافِقًا عِنْدَ التَّقْلِيدِ كانَ أوْلى.
القِسْمُ الثّانِي: الِاعْتِقادُ التَّقْلِيدِيُّ مَعَ الإنْكارِ اللِّسانِيِّ، ثُمَّ هَذا الإنْكارُ إنْ كانَ اخْتِيارِيًّا فَلا شَكَّ في الكُفْرِ، وإنْ كانَ اضْطِرارِيًّا وحَكَمْنا بِإيمانِ المُقَلِّدِ وجَبَ أنْ نَحْكُمَ بِالإيمانِ في هَذِهِ الصُّورَةِ.
القِسْمُ الثّالِثُ: الِاعْتِقادُ التَّقْلِيدِيُّ مَعَ السُّكُوتِ اضْطِرارِيًّا كانَ أوِ اخْتِيارِيًّا، وحُكْمُهُ حُكْمُ القِسْمِ الثّالِثِ مِنَ النَّوْعِ الأوَّلِ إذا حَكَمْنا بِإيمانِ المُقَلِّدِ.
النَّوْعُ الثّالِثُ: الإنْكارُ القَلْبِيُّ فَإمّا أنْ يُوجَدَ مَعَهُ الإقْرارُ اللِّسانِيُّ، أوِ الإنْكارُ اللِّسانِيُّ، أوِ السُّكُوتُ.
القِسْمُ الأوَّلُ: أنْ يُوجَدَ مَعَهُ الإقْرارُ اللِّسانِيُّ، فَذَلِكَ الإقْرارُ إنْ كانَ اضْطِرارِيًّا فَهو المُنافِقُ وإنْ كانَ اخْتِيارِيًّا فَهو مِثْلُ أنْ يَعْتَقِدَ بِناءً عَلى شُبْهَةٍ أنَّ العالَمَ قَدِيمٌ ثُمَّ بِالِاخْتِيارِ أقَرَّ بِاللِّسانِ أنَّ العالَمَ مُحْدَثٌ، وهَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ؛ لِأنَّهُ إذا جازَ أنْ يَعْرِفَ بِالقَلْبِ ثُمَّ يُنْكِرَ بِاللِّسانِ وهو كُفْرُ الجُحُودِ والعِنادِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَجْهَلَ بِالقَلْبِ ثُمَّ يُقِرَّ بِاللِّسانِ ؟ فَهَذا القِسْمُ أيْضًا مِنَ النِّفاقِ.
القِسْمُ الثّانِي: أنْ يُوجَدَ الإنْكارُ القَلْبِيُّ ويُوجَدَ الإنْكارُ اللِّسانِيُّ فَهَذا كافِرٌ ولَيْسَ بِمُنافِقٍ؛ لِأنَّهُ ما أظْهَرَ شَيْئًا بِخِلافِ باطِنِهِ.
القِسْمُ الثّالِثُ: أنْ يُوجَدَ الإنْكارُ القَلْبِيُّ مَعَ السُّكُوتِ اللِّسانِيِّ فَهَذا كافِرٌ ولَيْسَ بِمُنافِقٍ؛ لِأنَّهُ ما أظْهَرَ شَيْئًا.
النَّوْعُ الرّابِعُ: القَلْبُ الخالِي عَنْ جَمِيعِ الِاعْتِقاداتِ فَهَذا إمّا أنْ يُوجَدَ مَعَهُ الإقْرارُ أوِ الإنْكارُ أوِ السُّكُوتُ.
القِسْمُ الأوَّلُ: إذا وُجِدَ الإقْرارُ فَهَذا الإقْرارُ إمّا أنْ يَكُونَ اخْتِيارِيًّا أوِ اضْطِرارِيًّا، فَإنْ كانَ اخْتِيارِيًّا، فَإنْ كانَ صاحِبُهُ في مُهْلَةِ النَّظَرِ لَمْ يَلْزَمْهُ الكُفْرُ، لَكِنَّهُ فَعَلَ ما لا يَجُوزُ حَيْثُ أخْبَرَ عَمّا لا يَدْرِي أنَّهُ هَلْ هو صادِقٌ فِيهِ أمْ لا ؟ وإنْ كانَ لا في مُهْلَةِ النَّظَرِ فَفِيهِ نَظَرٌ، أمّا إذا كانَ اضْطِرارِيًّا لَمْ يَكْفُرْ صاحِبُهُ؛ لِأنَّ تَوَقُّفَهُ إذا كانَ في مُهْلَةِ النَّظَرِ وكانَ يَخافُ عَلى نَفْسِهِ مِن تَرْكِ الإقْرارِ لَمْ يَكُنْ عَمَلُهُ قَبِيحًا.
القِسْمُ الثّانِي: القَلْبُ الخالِي مَعَ الإنْكارِ بِاللِّسانِ وحُكْمُهُ عَلى العَكْسِ مِن حُكْمِ القِسْمِ العاشِرِ.
القِسْمُ الثّالِثُ: القَلْبُ الخالِي مَعَ اللِّسانِ الخالِي، فَهَذا إنْ كانَ في مُهْلَةِ النَّظَرِ فَذاكَ هو الواجِبُ، وإنْ كانَ خارِجًا عَنْ مُهْلَةِ النَّظَرِ وجَبَ تَكْفِيرُهُ ولا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالنِّفاقِ ألْبَتَّةَ، فَهَذِهِ هي الأقْسامُ المُمْكِنَةُ في هَذا البابِ، وقَدْ ظَهَرَ مِنهُ أنَّ النِّفاقَ ما هو، وأنَّهُ الَّذِي لا يُطابِقُ ظاهِرُهُ باطِنَهُ سَواءٌ كانَ في باطِنِهِ ما يُضادُّ ما في ظاهِرِهِ أوْ كانَ باطِنُهُ خالِيًا عَمّا يُشْعِرُ بِهِ ظاهِرُهُ، وإذْ عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ قَوْلَهُ:
صفحة ٥٥
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ المُرادُ مِنهُ المُنافِقُونَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ كُفْرَ الكافِرِ الأصْلِيِّ أقْبَحُ، أمْ كُفْرَ المُنافِقِ ؟ قالَ قَوْمٌ: كُفْرُ الكافِرِ الأصْلِيِّ أقْبَحُ؛ لِأنَّهُ جاهِلٌ بِالقَلْبِ كاذِبٌ بِاللِّسانِ، والمُنافِقُ جاهِلٌ بِالقَلْبِ صادِقٌ بِاللِّسانِ، وقالَ آخَرُونَ بَلِ المُنافِقُ أيْضًا كاذِبٌ بِاللِّسانِ، فَإنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ كَوْنِهِ عَلى ذَلِكَ الِاعْتِقادِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحُجُراتِ: ١٤] وقالَ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المُنافِقُونَ: ١] ثُمَّ إنَّ المُنافِقَ اخْتُصَّ بِمَزِيدِ أُمُورٍ مُنْكَرَةٍ:
أحَدُها: أنَّهُ قَصَدَ التَّلْبِيسَ والكافِرُ الأصْلِيُّ ما قَصَدَ ذَلِكَ.
وثانِيها: أنَّ الكافِرَ عَلى طَبْعِ الرِّجالِ، والمُنافِقَ عَلى طَبْعِ الخُنُوثَةِ.
وثالِثُها: أنَّ الكافِرَ ما رَضِيَ لِنَفْسِهِ بِالكَذِبِ بَلِ اسْتَنْكَفَ مِنهُ ولَمْ يَرْضَ إلّا بِالصِّدْقِ، والمُنافِقُ رَضِيَ بِذَلِكَ.
ورابِعُها: أنَّ المُنافِقَ ضَمَّ إلى كُفْرِهِ الِاسْتِهْزاءَ بِخِلافِ الكافِرِ الأصْلِيِّ، ولِأجْلِ غِلَظِ كُفْرِهِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النِّساءِ: ١٤٥] .
وخامِسُها: قالَ مُجاهِدٌ: إنَّهُ تَعالى ابْتَدَأ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ في أرْبَعِ آياتٍ، ثُمَّ ثَنّى بِذِكْرِ الكُفّارِ في آيَتَيْنِ ثُمَّ ثَلَّثَ بِذِكْرِ المُنافِقِينَ في ثَلاثَ عَشْرَةَ آيَةً، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُنافِقَ أعْظَمُ جُرْمًا.
وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ كَثْرَةَ الِاقْتِصاصِ بِخَبَرِهِمْ لا تُوجِبُ كَوْنَ جُرْمِهِمْ أعْظَمَ، فَإنْ عُظِّمَ فَلِغَيْرِ ذَلِكَ، وهو ضَمُّهم إلى الكُفْرِ وُجُوهًا مِنَ المَعاصِي كالمُخادَعَةِ والِاسْتِهْزاءِ، وطَلَبِ الغَوائِلِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ كَثْرَةَ الِاقْتِصاصِ بِخَبَرِهِمْ تَدُلُّ عَلى أنَّ الِاهْتِمامَ بِدَفْعِ شَرِّهِمْ أشَدُّ مِنَ الِاهْتِمامِ بِدَفْعِ شَرِّ الكُفّارِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ الكُفّارِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لا يَعْرِفُ اللَّهَ تَعالى وأقَرَّ بِهِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا، لِقَوْلِهِ: ﴿وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ وقالَتِ الكَرّامِيَّةُ: إنَّهُ يَكُونُ مُؤْمِنًا.
الثّانِي: أنَّها تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ كُلَّ المُكَلَّفِينَ عارِفُونَ بِاللَّهِ، ومَن لَمْ يَكُنْ بِهِ عارِفًا لا يَكُونُ مُكَلَّفًا، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ لَوْ كانُوا عارِفِينَ بِاللَّهِ وقَدْ أقَرُّوا بِهِ لَكانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ إقْرارُهم بِذَلِكَ إيمانًا؛ لِأنَّ مَن عَرَفَ اللَّهَ تَعالى وأقَرَّ بِهِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ غَيْرَ العارِفِ لَوْ كانَ مَعْذُورًا لَما ذَمَّ اللَّهُ هَؤُلاءِ عَلى عَدَمِ العِرْفانِ، فَبَطَلَ قَوْلُ مَن قالَ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ: إنَّ مَن لا يَعْرِفُ هَذِهِ الأشْياءَ يَكُونُ مَعْذُورًا.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرُوا في اشْتِقاقِ لَفْظِ الإنْسانِ وُجُوهًا:
أحَدُها: يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: سُمِّيَ إنْسانًا؛ لِأنَّهُ عُهِدَ إلَيْهِ فَنَسِيَ، وقالَ الشّاعِرُ:
سُمِّيتَ إنْسانًا لِأنَّكَ ناسِي
.
وقالَ أبُو الفَتْحِ البُسْتِيُّ:
فَيا أكْثَرَ النّاسِ إحْسانًا إلى النّاسِ ∗∗∗ وأكْثَرَ النّاسِ إفْضالًا عَلى النّاسِ
نَسِيتُ عَهْدَكَ والنِّسْيانُ مُغْتَفَرٌ ∗∗∗ فاغْفِرْ فَأوَّلُ ناسٍ أوَّلُ النّاسِ
وثانِيها: سُمِّيَ إنْسانًا لِاسْتِئْناسِهِ بِمِثْلِهِ.
وثالِثُها: قالُوا: الإنْسانُ إنَّما سُمِّيَ إنْسانًا لِظُهُورِهِمْ وأنَّهم يُؤْنِسُونَ أيْ يُبْصِرُونَ مِن قَوْلِهِ: ﴿آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾ [القَصَصِ: ٢٩] كَمّا سُمِّيَ الجِنُّ لِاجْتِنانِهِمْ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا يَجِبُ في كُلِّ لَفْظٍ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِن شَيْءٍ آخَرَ وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى جَعْلِ لَفْظِ الإنْسانِ مُشْتَقًّا مِن شَيْءٍ آخَرَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّها نَزَلَتْ في مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ
صفحة ٥٦
ومُعَتَّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، كانُوا إذا لَقُوا المُؤْمِنِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ والتَّصْدِيقَ ويَقُولُونَ إنّا لَنَجِدُ في كِتابِنا نَعْتَهُ وصِفَتَهُ ولَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ إذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: لَفْظَةُ ”مَن“ لَفْظَةٌ صالِحَةٌ لِلتَّثْنِيَةِ، والجَمْعِ، والواحِدِ.
أمّا في الواحِدِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ [الأنْعامِ: ٢٥] وفي الجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ [يُونُسَ: ٤٢] والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ مُوَحَّدُ اللَّفْظِ مَجْمُوعُ المَعْنى، فَعِنْدَ التَّوْحِيدِ يُرْجَعُ إلى اللَّفْظِ، وعِنْدَ الجَمْعِ يُرْجَعُ إلى المَعْنى، وحَصَلَ الأمْرانِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَقُولُ﴾ لَفْظُ الواحِدِ و﴿آمَنّا﴾ لَفْظُ الجَمْعِ وبَقِيَ مِن مَباحِثِ الآيَةِ أسْئِلَةٌ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: المُنافِقُونَ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ ولَكِنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلِمَ كَذَّبَهم في ادِّعائِهِمُ الإيمانَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ؟ .
والجَوابُ: إنْ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى مُنافِقِي المُشْرِكِينَ فَلا إشْكالَ؛ لِأنَّ أكْثَرَهم كانُوا جاهِلِينَ بِاللَّهِ ومُنْكِرِينَ البَعْثَ والنُّشُورَ، وإنْ حَمَلْناها عَلى مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ وهُمُ اليَهُودُ فَإنَّما كَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّ إيمانَ اليَهُودِ بِاللَّهِ لَيْسَ بِإيمانٍ؛ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَهُ جِسْمًا، وقالُوا عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وكَذَلِكَ إيمانُهم بِاليَوْمِ الآخِرِ لَيْسَ بِإيمانٍ، فَلَمّا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ كانَ خُبْثُهم فِيهِ مُضاعَفًا؛ لِأنَّهم كانُوا بِقُلُوبِهِمْ يُؤْمِنُونَ بِهِ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ الباطِلِ، وبِاللِّسانِ يُوهِمُونَ المُسْلِمِينَ بِهَذا الكَلامِ: إنّا آمَنّا لِلَّهِ مِثْلَ إيمانِكم، فَلِهَذا كَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ طابَقَ قَوْلُهُ: ﴿وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ قَوْلَهم: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ والأوَّلُ في ذِكْرِ شَأْنِ الفِعْلِ لا الفاعِلِ، والثّانِي في ذِكْرِ شَأْنِ الفاعِلِ لا الفِعْلِ ؟ .
والجَوابُ: أنَّ مَن قالَ: فُلانٌ ناظَرَ في المَسْألَةِ الفُلانِيَّةِ، فَلَوْ قُلْتَ إنَّهُ لَمْ يُناظِرْ في تِلْكَ المَسْألَةِ كُنْتَ قَدْ كَذَّبْتَهُ، أمّا لَوْ قُلْتَ: إنَّهُ لَيْسَ مِنَ النّاظِرِينَ كُنْتَ قَدْ بالَغْتَ في تَكْذِيبِهِ، يَعْنِي أنَّهُ لَيْسَ مِن هَذا الجِنْسِ فَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ ؟ فَكَذا هَهُنا لَمّا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ فَلَوْ قالَ اللَّهُ ما آمَنُوا كانَ ذَلِكَ تَكْذِيبًا لَهم، أمّا لَمّا قالَ: ﴿وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ كانَ ذَلِكَ مُبالَغَةً في تَكْذِيبِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ [المائِدَةِ: ٣٧] هو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِمْ: وما يَخْرُجُونَ مِنها.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما المُرادُ بِاليَوْمِ الآخِرِ ؟
الجَوابُ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الوَقْتُ الَّذِي لا حَدَّ لَهُ وهو الأبَدُ الدّائِمُ، الَّذِي لا يَنْقَطِعُ لَهُ أمَدٌ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الوَقْتُ المَحْدُودُ مِنَ النُّشُورِ إلى أنْ تَدْخُلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ؛ لِأنَّهُ آخِرُ الأوْقاتِ المَحْدُودَةِ، وما بَعْدَهُ فَلا حَدَّ لَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences