Ar-RaziTaha · 20:25–35

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Taha 20:25–35

20:25–35Page 313

قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِي صَدۡرِي ٢٥

[Moses] said, "My Lord, expand [i.e., relax] for me my breast [with assurance]

وَيَسِّرۡ لِيٓ أَمۡرِي ٢٦

And ease for me my task

وَٱحۡلُلۡ عُقۡدَةٗ مِّن لِّسَانِي ٢٧

And untie the knot from my tongue

يَفۡقَهُواْ قَوۡلِي ٢٨

That they may understand my speech.

وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي ٢٩

And appoint for me a minister [i.e., assistant] from my family -

هَٰرُونَ أَخِي ٣٠

Aaron, my brother.

ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي ٣١

Increase through him my strength

وَأَشۡرِكۡهُ فِيٓ أَمۡرِي ٣٢

And let him share my task

كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرٗا ٣٣

That we may exalt You much

وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا ٣٤

And remember You much.

إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرٗا ٣٥

Indeed, You are of us ever Seeing."

قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ وكانَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا شاقًّا فَلا جَرَمَ سَألَ رَبَّهُ أُمُورًا ثَمانِيَةً، ثُمَّ خَتَمَها بِما يَجْرِي مَجْرى العِلَّةِ لِسُؤالِ تِلْكَ الأشْياءِ.

المَطْلُوبُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ واعْلَمْ أنَّهُ يُقالُ شَرَحْتُ الكَلامَ أيْ بَيَّنْتُهُ وشَرَحْتُ صَدْرَهُ أيْ وسَّعْتُهُ والأوَّلُ يَقْرُبُ مِنهُ؛ لِأنَّ شَرْحَ الكَلامِ لا يَحْصُلُ إلّا بِبَسْطِهِ. والسَّبَبُ في هَذا السُّؤالِ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ: ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ [الشعراء: ١٣] فَسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُبَدِّلَ ذَلِكَ الضِّيقَ بِالسَّعَةِ، وقالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ فَأفْهَمُ عَنْكَ ما أنْزَلْتَ عَلَيَّ مِنَ الوَحْيِ، وقِيلَ:

صفحة ٢٨

شَجِّعْنِي لِأجْتَرِئَ بِهِ عَلى مُخاطَبَةِ فِرْعَوْنَ ثُمَّ الكَلامُ فِيهِ يَتَعَلَّقُ بِأُمُورٍ:

أحَدُها: فائِدَةُ الدُّعاءِ وشَرائِطُهُ.

وثانِيها: ما السَّبَبُ في أنَّ الإنْسانَ لا يَذْكُرُ وقْتَ الدُّعاءِ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى إلّا الرَّبَّ.

وثالِثُها: ما مَعْنى شَرْحِ الصَّدْرِ.

ورابِعُها: بِماذا يَكُونُ شَرْحُ الصَّدْرِ.

وخامِسُها: كَيْفَ كانَ شَرْحُ الصَّدْرِ في حَقِّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومُحَمَّدٍ ﷺ .

وسادِسُها: صِفَةُ صَدْرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَلْ كانَ مُنْشَرِحًا أوْ لَمْ يَكُنْ مُنْشَرِحًا، فَإنْ كانَ مُنْشَرِحًا كانَ طَلَبُ شَرْحِ الصَّدْرِ تَحْصِيلًا لِلْحاصِلِ وهو مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُنْشَرِحًا فَهو باطِلٌ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالأدْيانِ مِن مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ وأحْوالِ المَعادِ، وكُلُّ ما يَتَعَلَّقُ بِشَرْحِ الصَّدْرِ في بابِ الدِّينِ فَقَدْ حَصَلَ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ تَلَطَّفَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ ثُمَّ كَلَّمَهُ عَلى سَبِيلِ المُلاطَفَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ ثُمَّ أظْهَرَ لَهُ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةَ والكَراماتِ الجَسِيمَةَ، ثُمَّ أعْطاهُ مَنصِبَ الرِّسالَةِ بَعْدَ أنْ كانَ فَقِيرًا، وكُلُّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الإعْزازُ والإكْرامُ فَقَدْ حَصَلَ، ولَوْ أنَّ ذَرَّةً مِن هَذِهِ المَناصِبِ حَصَلَتْ لِأدْوَنِ النّاسِ لَصارَ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ فَبَعْدَ حُصُولِها لِكَلِيمِ اللَّهِ تَعالى يَسْتَحِيلُ أنْ لا يَصِيرَ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا لَمْ يَصِرْ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ بَعْدَ هَذِهِ الأشْياءِ لَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَفْوِيضُ النُّبُوَّةِ إلَيْهِ فَإنَّ مَن كانَ ضَيِّقَ القَلْبِ مُشَوَّشَ الخاطِرِ لا يَصْلُحُ لِلْقَضاءِ عَلى ما قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«لا يَقْضِي القاضِي وهو غَضْبانُ» “ فَكَيْفَ يَصْلُحُ لِلنُّبُوَّةِ الَّتِي أقَلُّ مَراتِبِها القَضاءُ ؟ فَهَذا مَجْمُوعُ الأُمُورِ الَّتِي لا بُدَّ مِنَ البَحْثِ عَنْها في هَذِهِ الآيَةِ.

أمّا البَحْثُ الأوَّلُ: وهو فائِدَةُ الدُّعاءِ وشَرائِطُهُ فَقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] إلّا أنَّهُ نَذْكُرُ مِنها هَهُنا بَعْضَ الفَوائِدِ المُتَعَلِّقَةِ بِهَذا المَوْضِعِ فَنَقُولُ: اعْلَمْ أنَّ لِلْكَمالِ مَراتِبَ ودَرَجاتٍ وأعْلاها أنْ يَكُونَ كامِلًا في ذاتِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، أمّا كَوْنُهُ كامِلًا في ذاتِهِ فَكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ كانَ كَمالُهُ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ كانَ كامِلًا في الأزَلِ ولَكِنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُكَمِّلًا في الأزَلِ؛ لِأنَّ التَّكْمِيلَ عِبارَةٌ عَنْ جَعْلِ الشَّيْءِ كامِلًا، وذَلِكَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا عِنْدَ عَدَمِ الكَمالِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ حاصِلًا في الأزَلِ لاسْتَحالَ التَّأْثِيرُ فِيهِ، فَإنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ وتَكْوِينَ الكائِنِ مُمْتَنِعٌ فَلا جَرَمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ، وإنْ كانَ كامِلًا في الأزَلِ إلّا أنَّهُ يَصِيرُ مُكَمِّلًا فِيما لا يَزالُ، فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ التَّكْمِيلُ مِن صِفاتِ الكَمالِ فَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُكَمِّلًا في الأزَلِ فَقَدْ كانَ عارِيًا عَنْ صِفاتِ الكَمالِ فَيَكُونُ ناقِصًا وهو مُحالٌ، قُلْنا: النُّقْصانُ إنَّما يَلْزَمُ لَوْ كانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا في الأزَلِ لَكُنّا بَيَّنّا أنَّ الفِعْلَ الأزَلِيَّ مُحالٌ فالتَّكْمِيلُ الأزَلِيُّ مُحالٌ فَعَدَمُهُ لا يَكُونُ نُقْصانًا، كَما أنَّ قَوْلَنا: إنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى تَكْوِينِ مِثْلِ نَفْسِهِ لا يَكُونُ نُقْصانًا؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنِ الوُجُودِ في نَفْسِهِ، وكَقَوْلِنا: إنَّهُ لا يَعْلَمُ عَدَدًا مُفَصَّلًا كَحَرَكاتِ أهْلِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما لَهُ عَدَدٌ مُفَصَّلٌ فَهو مُتَناهٍ، وحَرَكاتُ أهْلِ الجَنَّةِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ فَلا يَكُونُ لَهُ عَدَدٌ مُفَصَّلٌ، فامْتَنَعَ ذَلِكَ لا لِقُصُورٍ في العِلْمِ، بَلْ لِكَوْنِهِ في نَفْسِهِ مُمْتَنِعَ الحُصُولِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا قَصَدَ إلى التَّكْوِينِ وكانَ الغَرَضُ مِنهُ تَكْمِيلَ النّاقِصِينَ؛ لِأنَّ المُمْكِناتِ قابِلَةٌ لِلْوُجُودِ وصِفَةُ الوُجُودِ صِفَةُ كَمالٍ فاقْتَضَتْ قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى عَلى التَّكْمِيلِ وضْعَ مائِدَةِ الكَمالِ لِلْمُمْكِناتِ فَأجْلَسَ عَلى المائِدَةِ بَعْضَ المَعْدُوماتِ دُونَ البَعْضِ لِأسْبابٍ:

أحَدُها: أنَّ المَعْدُوماتِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ فَلَوْ أجْلَسَ الكُلَّ عَلى مائِدَةِ الوُجُودِ لَدَخَلَ ما لا نِهايَةَ لَهُ في

صفحة ٢٩

الوُجُودِ.

وثانِيها: أنَّهُ لَوْ أوْجَدَ الكُلَّ لَما بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ قادِرًا عَلى الإيجادِ لَأنَّ إيجادَ المَوْجُودِ مُحالٌ، فَكانَ ذَلِكَ وإنْ كانَ كَمالًا لِلنّاقِصِ لَكِنَّهُ يَقْتَضِي نُقْصانَ الكامِلِ فَإنَّهُ يَنْقَلِبُ القادِرُ مِنَ القُدْرَةِ إلى العَجْزِ.

وثالِثُها: أنَّهُ لَوْ دَخَلَ الكُلُّ في الوُجُودِ لَما بَقِيَ فِيهِ تَمْيِيزٌ فَلا يَتَمَيَّزُ القادِرُ عَلى المُوجِبِ، والقُدْرَةُ كَمالٌ والإيجابُ بِالطَّبْعِ نُقْصانٌ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ أخْرَجَ بَعْضَ المُمْكِناتِ إلى الوُجُودِ فَإنْ قِيلَ عَلَيْهِ سُؤالانِ:

أحَدُهُما: أنَّ المَوْجُوداتِ مُتَناهِيَةٌ والمَعْدُوماتِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ ولا نِسْبَةَ لِلْمُتَناهِي إلى غَيْرِ المُتَناهِي، فَتَكُونُ أيْضًا الضِّيافَةُ ضِيافَةً لِلْأقَلِّ، وأمّا الحِرْمانُ فَإنَّهُ عَدَدٌ لِما لا نِهايَةَ لَهُ، وهَذا لا يَكُونُ وُجُودًا.

الثّانِي: أنَّ البَعْضَ الَّذِي خَصَّهُ بِهَذِهِ الضِّيافَةِ إنْ كانَ لِاسْتِحْقاقٍ حَصَلَ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ فَذَلِكَ الِاسْتِحْقاقُ مِمَّنْ حَصَلَ ؟ وإنْ كانَ لا لِهَذا الِاسْتِحْقاقِ كانَ ذَلِكَ عَبَثًا وهو مُحالٌ كَما قِيلَ:

يُعْطِي ويَمْنَعُ لا بُخْلًا ولا كَرَمًا

وإنَّهُ لا يَلِيقُ بِأكْرَمِ الأكْرَمِينَ. والجَوابُ عَنِ الكُلِّ أنَّ هَذِهِ الشُّبُهاتِ إنَّما تَدُورُ في العُقُولِ والخَيالاتِ لِأنَّ الإنْسانَ يُحاوِلُ قِياسَ فِعْلِهِ عَلى فِعْلِنا، وذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّهُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَهَذا الوُجُودُ الفائِضُ مِن نُورِ رَحْمَتِهِ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ هو الضِّيافَةُ العامَّةُ والمائِدَةُ الشّامِلَةُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] ثُمَّ إنَّ المَوْجُوداتِ انْقَسَمَتْ إلى الجَماداتِ وإلى الحَيَواناتِ، ولا شَكَّ أنَّ الجَمادَ بِالنِّسْبَةِ إلى الحَيَوانِ كالعَدَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى الوُجُودِ لِأنَّ الجَمادَ لا خَبَرَ عِنْدَهُ مِن وُجُودِهِ فَوُجُودُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كالعَدَمِ وعَدَمُهُ كالوُجُودِ، وأمّا الحَيَوانُ فَهو الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ المَوْجُودِ والمَعْدُومِ ويَتَفاوَتانِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، ولِأنَّ الجَمادَ بِالنِّسْبَةِ إلى الحَيَوانِ آلَةٌ، لِأنَّ الحَيَواناتِ تَسْتَعْمِلُ الجَماداتِ في أغْراضِ أنْفُسِها ومَصالِحِها وهي كالعَبْدِ المُطِيعِ المُسَخَّرِ، والحَيَوانُ كالمالِكِ المُسْتَوْلِي، فَكانَتِ الحَيَوانِيَّةُ أفْضَلَ مِنَ الجَمادِيَّةِ فَكَما أنَّ إحْسانَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ اقْتَضَيا وضْعَ مائِدَةِ الوُجُودِ لِبَعْضِ المَعْدُوماتِ دُونَ البَعْضِ كَذَلِكَ اقْتَضَيا وضْعَ مائِدَةِ الحَياةِ لِبَعْضِ المَوْجُوداتِ دُونَ البَعْضِ، فَلا جَرَمَ جَعَلَ بَعْضَ المَوْجُوداتِ أحْياءً دُونَ البَعْضِ.

والحَياةُ بِالنِّسْبَةِ إلى الجَمادِيَّةِ كالنُّورِ بِالنِّسْبَةِ إلى الظُّلْمَةِ، والبَصَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى العَمى، والوُجُودِ بِالنِّسْبَةِ إلى العَدَمِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ صارَ بَعْضُ المَوْجُوداتِ حَيًّا مُدْرِكًا لِلْمُنافِي والمُلائِمِ واللَّذَّةِ والألَمِ والخَيْرِ والشَّرِّ، فَمِن ثَمَّ قالَتِ الأحْياءُ عِنْدَ ذَلِكَ: يا رَبَّ الأرْبابِ إنّا وإنْ وجَدْنا خِلْعَةَ الوُجُودِ وخِلْعَةَ الحَياةِ وشَرَّفْتَنا بِذَلِكَ، لَكِنِ ازْدادَتِ الحاجَةُ لِأنّا حالَ العَدَمِ وحالَ الجَمادِيَّةِ ما كُنّا نَحْتاجُ إلى المُلائِمِ والمُوافِقِ وما كُنّا نَخافُ المُنافِيَ والمُؤْذِيَ، ولَمّا حَصَلَ الوُجُودُ والحَياةُ احْتَجْنا إلى طَلَبِ المُلائِمِ ودَفْعِ المُنافِي، فَإنْ لَمْ تَكُنْ لَنا قُدْرَةٌ عَلى الهَرَبِ والطَّلَبِ والدَّفْعِ والجَذْبِ لَبَقِينا كالزَّمِنِ المُقْعَدِ عَلى الطَّرِيقِ عُرْضَةً لِلْآفاتِ وهَدَفًا لِسِهامِ البَلِيّاتِ فَأعْطِنا مِن خَزائِنِ رَحْمَتِكَ القُدْرَةَ والقُوَّةَ الَّتِي بِها نَتَمَكَّنُ مِنَ الطَّلَبِ تارَةً والهَرَبِ أُخْرى، فاقْتَضَتِ الرَّحْمَةُ التّامَّةُ تَخْصِيصَ بَعْضِ الأحْياءِ بِالقُدْرَةِ، كَما اقْتَضَتْ تَخْصِيصَ بَعْضِ المَوْجُوداتِ بِالحَياةِ وتَخْصِيصَ بَعْضِ المَعْدُوماتِ بِالوُجُودِ.

فَقالَ القادِرُونَ عِنْدَ ذَلِكَ: إلَهَنا الجَوادُ الكَرِيمُ إنَّ الحَياةَ والقُدْرَةَ بِلا عَقْلٍ لا تَكُونُ إلّا لِأحَدِ القِسْمَيْنِ إمّا لِلْمَجانِينَ المُقَيَّدِينَ بِالسَّلاسِلِ والأغْلالِ، وإمّا لِلْبَهائِمِ المُسْتَعْمَلَةِ في حَمْلِ الأثْقالِ وكُلُّ ذَلِكَ مِن صِفاتِ النُّقْصانِ وأنْتَ قَدْ رَقَّيْتَنا مِن حَضِيضِ النُّقْصانِ إلى أوْجِ الكَمالِ فَأفِضْ عَلَيْنا مِنَ العَقْلِ الَّذِي هو أشْرَفُ مَخْلُوقاتِكَ وأعَزُّ مُبْدَعاتِكَ الَّذِي شَرَّفْتَهُ بِقَوْلِكَ: ”بِكَ أُهِينُ وبِكَ أُثِيبُ وبِكَ أُعاقِبُ“ حَتّى نَفُوزَ مِن خَزائِنِ رَحْمَتِكَ بِالخِلَعِ الكامِلَةِ والفَضِيلَةِ التّامَّةِ، فَأعْطاهُمُ العَقْلَ وبَعَثَ في أرْواحِهِمْ نُورَ البَصِيرَةِ وجَوْهَرَ الهِدايَةِ

صفحة ٣٠

فَعِنْدَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ فازُوا بِالخِلَعِ الأرْبَعَةِ، الوُجُودِ والحَياةِ والقُدْرَةِ والعَقْلِ.

فالعَقْلُ خاتَمُ الكُلِّ والخاتَمُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ ألا تَرى أنَّ رَسُولَنا ﷺ لَمّا كانَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ كانَ أفْضَلَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والإنْسانُ لَمّا كانَ خاتَمَ المَخْلُوقاتِ الجُسْمانِيَّةِ كانَ أفْضَلَها، فَكَذَلِكَ العَقْلُ لَمّا كانَ خاتَمَ الخِلَعِ الفائِضَةِ مِن حَضْرَةِ ذِي الجَلالِ كانَ أفْضَلَ الخِلَعِ وأكْمَلَها، ثُمَّ نَظَرَ العَقْلُ في نَفْسِهِ فَرَأى نَفْسَهُ كالجَفْنَةِ المَمْلُوءَةِ مِنَ الجَواهِرِ النَّفِيسَةِ بَلْ كَأنَّها سَماءٌ مَمْلُوءَةٌ مِنَ الكَواكِبِ الزّاهِرَةِ وهي العُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ البَدِيهِيَّةُ المَرْكُوزَةُ في بَداءَةِ العُقُولِ وصَرائِحِ الأذْهانِ، وكَما أنَّ الكَواكِبَ المَرْكُوزَةَ في السَّماواتِ عَلاماتٌ يُهْتَدى بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ، فَكَذَلِكَ الجَواهِرُ المَرْكُوزَةُ في سَماءِ العَقْلِ كَواكِبٌ زاهِرَةٌ يَهْتَدِي بِها السّائِرُونَ في ظُلُماتِ عالَمِ الأجْسامِ إلى أنْوارِ العالَمِ الرُّوحانِيَّةِ وفُسْحَةِ السَّماواتِ وأضْوائِها.

فَلَمّا نَظَرَ العَقْلُ إلى تِلْكَ الكَواكِبِ الزّاهِرَةِ والجَواهِرِ الباهِرَةِ رَأى رَقْمَ الحُدُوثِ عَلى تِلْكَ الجَواهِرِ وعَلى جَمِيعِ تِلْكَ الخِلَعِ فاسْتَدَلَّ بِتِلْكَ الأرْقامِ عَلى راقِمٍ، وبِتِلْكَ النُّقُوشِ عَلى ناقَشٍ، وعِنْدَ ذَلِكَ عَرَفَ أنَّ النَّقّاشَ بِخِلافِ النَّقْشِ، والبانِيَ بِخِلافِ البِناءِ، فانْفَتَحَ لَهُ مِن أعْلى سَماءِ عالَمِ المُحْدَثاتِ رَوازِنُ إلى أضْواءِ لَوائِحِ عالَمِ القِدَمِ، وطالَعَ عالَمَ القِدَمِ الأزَلِيَّةِ والجَلالِ، وكانَ العَقْلُ إنَّما نَظَرَ إلى أضْواءِ عالَمِ الأزَلِيَّةِ مِن ظُلُماتِ عالَمِ الحُدُوثِ والإمْكانِ فَغَلَبَتْهُ دَهْشَةُ أنْوارِ الأزَلِيَّةِ فَعَمِيَتْ عَيْناهُ فَبَقِيَ مُتَحَيِّرًا فالتَجَأ بِطَبْعِهِ إلى مُفِيضِ الأنْوارِ، فَقالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ فَإنَّ البِحارَ عَمِيقَةٌ والظُّلُماتِ مُتَكاثِفَةٌ، وفي الطَّرِيقِ قُطّاعٌ مِنَ الأعْداءِ الدّاخِلَةِ والخارِجَةِ، وشَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ كَثِيرَةٌ، فَإنْ لَمْ تَشْرَحْ لِي صَدْرِي ولَمْ تَكُنْ لِي عَوْنًا في كُلِّ الأُمُورِ؛ انْقَطَعَتْ وصارَتْ هَذِهِ الخِلَعُ سَبَبًا لِنَيْلِ الآفاتِ لا لِلْفَوْزِ بِالدَّرَجاتِ. فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ ما يَصْدُرُ مِنَ العَبْدِ مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ والحَرَكاتِ والسَّكَناتِ فَما لَمْ يَصِرِ العَبْدُ مُرِيدًا لَهُ اسْتَحالَ أنْ يَصِيرَ فاعِلًا لَهُ، فَهَذِهِ الإرادَةُ صِفَةٌ مُحْدَثَةٌ ولا بُدَّ لَها مِن فاعِلٍ، وفاعِلُها إنْ كانَ هو العَبْدَ افْتَقَرَ في تَحْصِيلِ تِلْكَ الإرادَةِ إلى إرادَةٍ أُخْرى، ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ بَلْ لا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى إرادَةٍ يَخْلُقُها مُدَبِّرُ العالَمِ فَيَكُونُ في الحَقِيقَةِ هو المُيَسِّرَ لِلْأُمُورِ وهو المُتَمِّمَ لِجَمِيعِ الأشْياءِ، وتَمامُ التَّحْقِيقِ أنَّ حُدُوثَ الصِّفَةِ لا بُدَّ لَهُ مِن قابِلٍ وفاعِلٍ فَعَبَّرَ عَنِ اسْتِعْدادِ القابِلِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾، وعَبَّرَ عَنْ حُصُولِ الفاعِلِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾، وفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الَّذِي يُعْطِي القابِلَ قابِلِيَّتَهُ والفاعِلَ فاعِلِيَّتَهُ؛ ولِهَذا كانَ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم يَقُولُونَ: يا مُبْتَدِئًا بِالنِّعَمِ قَبْلَ اسْتِحْقاقِها.

ومَجْمُوعُ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ كالبُرْهانِ القاطِعِ عَلى أنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ واقِعَةٌ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ وحِكْمَتِهِ وقُدْرَتِهِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ أيْضًا: كَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إلَهِي لا أكْتَفِي بِشَرْحِ الصَّدْرِ، ولَكِنْ أطْلُبُ مِنكَ تَنْفِيذَ الأمْرِ وتَحْصِيلَ الغَرَضِ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾، أوْ يُقالُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أعْطاهُ الخِلَعَ الأرْبَعَ، وهي الوُجُودُ والحَياةُ والقُدْرَةُ والعَقْلُ، فَكَأنَّهُ قالَ لَهُ: يا مُوسى أعْطَيْتُكَ هَذِهِ الخِلَعَ الأرْبَعَ فَلا بُدَّ في مُقابَلِتِها مِن خِدْماتٍ أرْبَعَ لِتُقابَلَ كُلُّ نِعْمَةٍ بِخِدْمَةٍ. فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ما تِلْكَ الخِدْماتُ ؟ فَقالَ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾، فَإنَّ فِيها أنْواعًا أرْبَعَةً مِنَ الخِدْمَةِ، القِيامُ والقِراءَةُ والرُّكُوعُ والسُّجُودُ، فَإذا أتَيْتَ بِالصَّلاةِ فَقَدْ قابَلْتَ كُلَّ نِعْمَةٍ بِخِدْمَةٍ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُ الخِلْعَةَ الخامِسَةَ وهي خِلْعَةُ الرِّسالَةِ قالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ حَتّى أعْرِفَ أنِّي بِأيِّ خِدْمَةٍ أُقابِلُ هَذِهِ النِّعْمَةَ فَقِيلَ لَهُ بِأنْ تَجْتَهِدَ في أداءِ هَذِهِ الرِّسالَةِ عَلى الوَجْهِ المَطْلُوبِ، فَقالَ مُوسى: يا رَبِّ إنَّ هَذا لا يَتَأتّى مِنِّي مَعَ عَجْزِي وضَعْفِي وقِلَّةِ آلاتِي وقُوَّةِ خَصْمِي فاشْرَحْ لِي صَدْرِي ويَسِّرْ لِي أمْرِي.

* * *

صفحة ٣١

الفَصْلُ الثّانِي: في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ اعْلَمْ أنَّ الدُّعاءَ سَبَبُ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما اشْتَغَلَ مُوسى بِهَذا الدُّعاءِ طَلَبًا لِلْقُرْبِ، فَتَفْتَقِرُ إلى بَيانِ أمْرَيْنِ إلى بَيانِ أنَّ الدُّعاءَ سَبَبُ القُرْبِ، ثُمَّ إلى بَيانِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ القُرْبَ بِهَذا الدُّعاءِ، أمّا بَيانُ أنَّ الدُّعاءَ سَبَبُ القُرْبِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ السُّؤالَ والجَوابَ في كِتابِهِ في عِدَّةِ مَواضِعَ، مِنها أُصُولِيَّةٌ، ومِنها فُرُوعِيَّةٌ، أمّا الأُصُولِيَّةُ فَأوَّلُها في البَقَرَةِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] .

وثانِيها: في بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ١٨٥] .

وثالِثُها: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] .

ورابِعُها: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ [النازعات: ٤٢] وأمّا الفُرُوعِيَّةُ فَسِتَّةٌ مِنها في البَقَرَةِ عَلى التَّوالِي:

أحَدُها: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥] .

وثانِيها: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] .

وثالِثُها: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] .

ورابِعُها: ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] .

وخامِسُها: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] .

وسادِسُها: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] .

وسابِعُها: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] .

وثامِنُها: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٨٣] .

وتاسِعُها: ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] .

وعاشِرُها: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] .

والحادِيَةَ عَشْرَ: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] .

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: جاءَتْ هَذِهِ الأسْئِلَةُ والأجْوِبَةُ عَلى صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ، فالأغْلَبُ فِيها أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا ذَكَرَ السُّؤالَ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ”قُلْ“، وفي صُورَةٍ أُخْرى جاءَ الجَوابُ بِصِيغَةِ: ”فَقُلْ“ مَعَ فاءِ التَّعْقِيبِ، وفي صُورَةِ ثالِثَةٍ ذَكَرَ السُّؤالَ ولَمْ يَذْكُرِ الجَوابَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ [النازعات: ٤٢]، وفي صُورَةٍ رابِعَةٍ ذَكَرَ الجَوابَ ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ لَفْظَ ”قُلْ“ ولا لَفْظَ ”فَقُلْ“ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] ولا بُدَّ لِهَذِهِ الأشْياءِ مِنَ الفائِدَةِ فَنَقُولُ: أمّا الأجْوِبَةُ الوارِدَةُ بِلَفْظِ ”قُلْ“ فَلا إشْكالَ فِيها لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ”قُلْ“ كالتَّوْقِيعِ المُحَدَّدِ في ثُبُوتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وكالتَّشْرِيفِ المُحَدَّدِ في كَوْنِهِ مُخاطَبًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأداءِ الوَحْيِ والتَّبْلِيغِ.

وأمّا الصُّورَةُ الثّانِيَةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] فالسَّبَبُ أنَّ قَوْلَهم: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ [طه: ١٠٥] سُؤالٌ إمّا عَنْ قِدَمِها أوْ عَنْ وُجُوبِ بَقائِها، وهَذِهِ المَسْألَةُ مِن أُمَّهاتِ مَسائِلِ أُصُولِ الدِّينِ فَلا جَرَمَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يُجِيبَ بِلَفْظِ الفاءِ المُفِيدِ لِلتَّعْقِيبِ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: يا مُحَمَّدُ أجِبْ عَنْ هَذا السُّؤالِ في الحالِ ولا تَقْتَصِرْ؛ فَإنَّ الشَّكَّ فِيهِ كُفْرٌ ولا تُمْهِلْ هَذا الأمْرَ لِئَلّا يَقَعُوا في الشَّكِّ والشُّبْهَةِ، ثُمَّ كَيْفِيَّةُ الجَوابِ أنَّهُ قالَ: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾، ولا شَكَّ أنَّ النَّسْفَ مُمْكِنٌ لِأنَّهُ مُمْكِنٌ في حَقِّ كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الجَبَلِ، والحِسُّ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُمْكِنًا في حَقِّ كُلِّ الجَبَلِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِقَدِيمٍ ولا واجِبِ الوُجُودِ؛ لِأنَّ القَدِيمَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ والنَّسْفُ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّهم قالُوا: أخْبِرْنا عَنْ إلَهِكَ أهُوَ ذَهَبٌ أوْ فِضَّةٌ أوْ حَدِيدٌ فَقالَ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ولَمْ يَقُلْ: ”فَقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ“ مَعَ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ مِنَ المُهِمّاتِ، قُلْنا: إنَّهُ تَعالى لَمْ يَحْكِ في هَذا المَوْضِعِ سُؤالَهم، وحَرْفُ الفاءِ مِنَ الحُرُوفِ العاطِفَةِ فَيَسْتَدْعِي سَبْقَ كَلامٍ، فَلَمّا لَمْ يُوجَدْ تَرَكَ الفاءَ بِخِلافِ هَهُنا فَإنَّهُ

صفحة ٣٢

تَعالى حَكى سُؤالَهم فَحَسُنَ عَطْفُ الجَوابِ عَلَيْهِ بِحَرْفِ الفاءِ.

وأمّا الصُّورَةُ الثّالِثَةُ: فَإنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرِ الجَوابَ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ [النازعات: ٤٢] فالحِكْمَةُ فِيهِ أنَّ مَعْرِفَةَ وقْتِ السّاعَةِ عَلى التَّعْيِينِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى المَفاسِدِ الَّتِي شَرَحْناها فِيما سَبَقَ، فَلِهَذا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الجَوابَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِنَ الأسْئِلَةِ ما لا يُجابُ عَنْها.

وأمّا الصُّورَةُ الرّابِعَةُ: وهي قَوْلُهُ: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ في جَوابِهِ ”قُلْ“ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ حالِ الدُّعاءِ وأنَّهُ مِن أعْظَمِ العِباداتِ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: يا عَبْدِي أنْتَ إنَّما تَحْتاجُ إلى الواسِطَةِ في غَيْرِ الدُّعاءِ، أمّا في مَقامِ الدُّعاءِ فَلا واسِطَةَ بَيْنِي وبَيْنَكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ كُلَّ قِصَّةٍ وقَعَتْ لَمْ تَكُنْ مَعْرِفَتُها مِنَ المُهِمّاتِ. قالَ لِرَسُولِهِ ﷺ: اذْكُرْ لَهم تِلْكَ القِصَّةَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ﴾ [المائدة: ٢٧] . ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها﴾ [الأعراف: ١٧٥] . ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مُوسى﴾ [مريم: ٥١]، ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ﴾ [مريم: ٥٤] . ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ﴾ [مريم: ٥٦] . ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ [الحجر: ٥١]، ثُمَّ قالَ في قِصَّةِ يُوسُفَ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] وفي أصْحابِ الكَهْفِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ﴾ [الكهف: ١٣] . وما ذاكَ إلّا لِما في هاتَيْنِ القِصَّتَيْنِ مِنَ العَجائِبِ والغَرائِبِ.

والحاصِلُ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: يا مُحَمَّدُ إذا سُئِلْتَ عَنْ غَيْرِي فَكُنْ أنْتَ المُجِيبَ، وإذا سُئِلْتَ عَنِّي فاسْكُتْ أنْتَ حَتّى أكُونَ أنا القائِلَ.

وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي﴾ [البقرة: ١٨٦] يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ لَهُ [ أنْ يَسْألَ ]، وقَوْلَهُ: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّبَّ قَرِيبٌ مِنَ العَبْدِ.

وثالِثُها: لَمْ يَقُلْ: فالعَبْدُ مِنِّي قَرِيبٌ، بَلْ قالَ: أنا مِنهُ قَرِيبٌ، وهَذا فِيهِ سِرٌّ نَفِيسٌ، فَإنَّ العَبْدَ مُمْكِنُ الوُجُودِ فَهو مِن حَيْثُ هو، هو في مَرْكَزِ العَدَمِ وحَضِيضِ الفَناءِ، فَكَيْفَ يَكُونُ قَرِيبًا، بَلِ القَرِيبُ هو الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَإنَّهُ بِفَضْلِهِ وإحْسانِهِ جَعَلَهُ مَوْجُودًا وقَرَّبَهُ مِن نَفْسِهِ، فالقُرْبُ مِنهُ لا مِنَ العَبْدِ فَلِهَذا قالَ: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] .

ورابِعُها: أنَّ الدّاعِيَ ما دامَ يَبْقى خاطِرُهُ مَشْغُولًا بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ لا يَكُونُ داعِيًا لِلَّهِ تَعالى، فَإذا فَنِيَ عَنِ الكُلِّ وصارَ مُسْتَغْرِقًا بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ الأحَدِ الحَقِّ امْتَنَعَ أنْ يَبْقى في مَقامِ الفَناءِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ مَعَ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَلا جَرَمَ رُفِعَتِ الواسِطَةُ مِنَ البَيْنِ فَما قالَ: فَقُلْ إنِّي قَرِيبٌ، بَلْ قالَ: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] فَثَبَتَ بِما تَقَرَّرَ فَضْلُ الدُّعاءِ وأنَّهُ مِن أعْظَمِ القُرُباتِ ثُمَّ مِن شَأْنِ العَبْدِ إذا أرادَ أنْ يُتْحِفَ مَوْلاهُ أنْ لا يُتْحِفَهُ إلّا بِأحْسَنِ التُّحَفِ والهَدايا فَلا جَرَمَ أوَّلُ ما أرادَ مُوسى أنْ يُتْحِفَ الحَضْرَةَ الإلَهِيَّةَ بِتُحَفِ الطّاعاتِ والعِباداتِ أتْحَفَها بِالدُّعاءِ فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ .

والوَجْهُ الثّانِي: في بَيانِ فَضْلِ الدُّعاءِ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الدُّعاءُ مُخُّ العِبادَةِ» “ ثُمَّ إنَّ أوَّلَ شَيْءٍ أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ (العِبادَةُ) لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ﴾ إخْبارٌ ولَيْسَ بِأمْرٍ إنَّما الأمْرُ قَوْلُهُ: ﴿فاعْبُدْنِي﴾ فَلَمّا كانَ أوَّلُ ما أُورِدَ عَلى مُوسى مِنَ الأوامِرِ هو الأمْرَ بِالعِبادَةِ لا جَرَمَ أوَّلُ ما أتْحَفَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَضْرَةَ الرُّبُوبِيَّةِ مِن تُحَفِ العِبادَةِ هو تُحْفَةُ الدُّعاءِ فَقالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ .

والوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّ الدُّعاءَ نَوْعٌ مِن أنْواعِ العِبادَةِ فَكَما أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَ بِالصَّلاةِ والصَّوْمِ فَكَذَلِكَ أمَرَ بِالدُّعاءِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ﴾ [البقرة: ١٨٦] . ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] . ﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦] . ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾

صفحة ٣٣

[الأعراف: ٥٥] . ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] . ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] . ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥] . وقالَ ﷺ: ”«ادْعُوا بِياذا الجَلالِ والإكْرامِ» “ فَبِهَذِهِ الآياتِ عَرَفْنا أنَّ الدُّعاءَ عِبادَةٌ، قالَ بَعْضُ الجُهّالِ: الدُّعاءُ عَلى خِلافِ العَقْلِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ عَلّامُ الغُيُوبِ يَعْلَمُ ما في الأنْفُسِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ، فَأيُّ حاجَةٍ بِنا إلى الدُّعاءِ.

وثانِيها: أنَّ المَطْلُوبَ إنْ كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ فَلا حاجَةَ إلى الدُّعاءِ وإنْ كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ فَلا فائِدَةَ فِيهِ.

وثالِثُها: الدُّعاءُ يُشْبِهُ الأمْرَ والنَّهْيَ وذَلِكَ مِنَ العَبْدِ في حَقِّ المَوْلى سُوءُ أدَبٍ.

ورابِعُها: المَطْلُوبُ بِالدُّعاءِ إنْ كانَ مِنَ المَصالِحِ فالحَكِيمُ لا يُهْمِلُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَصالِحِ لَمْ يَجُزْ طَلَبُهُ.

وخامِسُها: فَقَدْ جاءَ أنَّ أعْظَمَ مَقاماتِ الصِّدِّيقِينَ الرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ نُدِبَ إلَيْهِ، والدُّعاءُ يُنافِي ذَلِكَ لِأنَّهُ اشْتِغالٌ بِالِالتِماسِ والطَّلَبِ.

وسادِسُها: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ رِوايَةً عَنِ اللَّهِ تَعالى: ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “ فَدَلَّ عَلى أنَّ الأوْلى تَرْكُ الدُّعاءِ، والآياتُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها تَقْتَضِي وُجُوبَ الدُّعاءِ.

وسابِعُها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَرَكَ الدُّعاءَ واكْتَفى بِقَوْلِهِ: ”حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي“ اسْتَحَقَّ المَدْحَ العَظِيمَ فَدَلَّ عَلى أنَّ الأوْلى تَرْكُ الدُّعاءِ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّهُ لَيْسَ الغَرَضُ مِنَ الدُّعاءِ الإعْلامَ بَلْ هو نَوْعُ تَضَرُّعٍ كَسائِرِ التَّضَرُّعاتِ.

وعَنِ الثّانِي: أنَّهُ يَجْرِي مَجْرى أنْ نَقُولَ لِلْجائِعِ والعَطْشانِ إنْ كانَ الشِّبَعُ مَعْلُومَ الوُقُوعِ فَلا حاجَةَ إلى الأكْلِ والشُّرْبِ وإنْ كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ فَلا فائِدَةَ فِيهِ.

وعَنِ الثّالِثِ: أنَّ الصِّيغَةَ وإنْ كانَتْ صِيغَةَ الأمْرِ إلّا أنَّ صُورَةَ التَّضَرُّعِ والخُشُوعِ تَصْرِفُهُ عَنْ ذَلِكَ.

وعَنِ الرّابِعِ: يَجُوزُ أنْ يَصِيرَ مَصْلَحَةً بِشَرْطِ سَبْقِ الدُّعاءِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском