Ar-RaziTaha · 20:25–35

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Taha 20:25–35, continued

وعَنِ الخامِسِ: أنَّهُ إذا دَعا إظْهارًا لِلتَّضَرُّعِ ثُمَّ رَضِيَ بِما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى فَذاكَ أعْظَمُ المَقاماتِ وهو الجَوابُ عَنِ البَقِيَّةِ إذا ثَبَتَ أنَّهُ مِنَ العِباداتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِالعِبادَةِ وبِالصَّلاةِ أمْرًا ورَدَ مُجْمَلًا لا جَرَمَ شَرَعَ في أجَلِّ العِباداتِ وهو الدُّعاءُ.

الوَجْهُ الرّابِعُ: في فَضْلِ الدُّعاءِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَقْتَصِرْ في بَيانِ فَضْلِ الدُّعاءِ عَلى الأمْرِ بِهِ بَلْ بَيَّنَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُ يَغْضَبُ إذا لَمْ يُسْألْ فَقالَ: ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣]، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ» “ ولَكِنْ يَجْزِمُ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي فَلِهَذا السِّرِّ جَزَمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالدُّعاءِ وقالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ .

الوَجْهُ الخامِسُ: في فَضْلِ الدُّعاءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وفِيهِ كَرامَةٌ عَظِيمَةٌ لِأُمَّتِنا لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ فَضَّلَهُمُ اللَّهُ تَفْضِيلًا عَظِيمًا فَقالَ في حَقِّهِمْ: ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] وقالَ أيْضًا: ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] ثُمَّ مَعَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ العَظِيمَةِ قالُوا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ [البقرة: ٧٠] وأنَّ الحَوارِيِّينَ مَعَ جَلالَتِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] سَألُوا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَسْألَ لَهم مائِدَةً تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى رَفَعَ هَذِهِ الواسِطَةَ في أُمَّتِنا فَقالَ مُخاطِبًا لَهم مِن غَيْرِ واسِطَةٍ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقالَ: ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] فَلِهَذا السَّبَبِ لَمّا حَصَلَتْ هَذِهِ الفَضِيلَةُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ عَرَفَها لا جَرَمَ فَقالَ: ”«اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ» ﷺ “ فَلا جَرَمَ رَفَعَ يَدَيْهِ ابْتِداءً فَقالَ:

صفحة ٣٤

﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى جَعَلَ العِبادَ عَلى سَبْعَةِ أقْسامٍ:

أحَدُها: عَبْدُ العِصْمَةِ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَخْصُوصًا بِمَزِيدِ العِصْمَةِ: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] فَلا جَرَمَ طَلَبَ زَوائِدَ العِصْمَةِ فَقالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ .

وثانِيها: عَبْدُ الصَّفْوَةِ: ﴿وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ [النمل: ٥٩] ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَخْصُوصًا بِمَزِيدِ الصَّفْوَةِ: ﴿يامُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] فَلا جَرَمَ أرادَ مَزِيدَ الصَّفْوَةِ فَقالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ .

وثالِثُها: عَبْدُ البِشارَةِ: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧، ١٨] وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ: ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ فَأرادَ مَزِيدَ البِشارَةِ فَقالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ .

ورابِعُها: عَبْدُ الكَرامَةِ: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾ [الزخرف: ٦٨] ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ: ﴿لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾ [طه: ٤٦] فَأرادَ الزِّيادَةَ عَلَيْها فَقالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ .

وخامِسُها: عَبْدُ المَغْفِرَةِ: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩]، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ [ص: ٣٥] فَغَفَرَ لَهُ فَأرادَ الزِّيادَةَ فَقالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ .

وسادِسُها: عَبْدُ الخِدْمَةِ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] فَطَلَبَ الزِّيادَةَ فِيها فَقالَ: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ .

وسابِعُها: عَبْدُ القُرْبَةِ: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَخْصُوصًا بِالقُرْبِ: ﴿ونادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] فَأرادَ كَمالَ القُرْبِ فَقالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ .

* * *

الفَصْلُ الثّالِثُ: في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَهُ بِالأشْياءِ السِّتَّةِ [ الَّتِي ]:

أحَدُها: مَعْرِفَةُ التَّوْحِيدِ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا﴾ .

وثانِيها: أمَرَهُ بِالعِبادَةِ والصَّلاةِ: ﴿فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ .

وثالِثُها: مَعْرِفَةُ الآخِرَةِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ .

ورابِعُها: حِكْمَةُ أفْعالِهِ في الدُّنْيا: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ .

وخامِسُها: عَرْضُ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ عَلَيْهِ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ .

وسادِسُها: إرْسالُهُ إلى أعْظَمِ النّاسِ كُفْرًا وعُتُوًّا فَكانَتْ هَذِهِ التَّكالِيفُ الشّاقَّةُ سَبَبًا لِلْقَهْرِ فَأرادَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ جَبْرَ هَذا القَهْرِ بِالمُعْجِزِ فَعَرَّفَهُ أنَّ كُلَّ مَن سَألَهُ قَرُبَ مِنهُ فَقالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ فَأرادَ جَبْرَ القَهْرِ الحاصِلِ مِن هَذِهِ التَّكالِيفِ بِالقُرْبِ مِنهُ فَقالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ أوْ يُقالُ خافَ شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ، فَدَعا لِيَصِلَ بِسَبَبِ الدُّعاءِ إلى مَقامِ القُرْبِ فَيَصِيرَ مَأْمُونًا مِن غَوائِلِ شَياطِينِ الجِنِّ والإنْسِ.

وثانِيها: أنَّ المُرادَ أنَّهُ أرادَ الذَّهابَ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فَأرادَ أنْ يَقْطَعَ طَمَعَ الخَلْقِ عَنْ نَفْسِهِ بِالكُلِّيَّةِ فَعَرَفَ أنَّ مَن دَعا رَبَّهُ قَرَّبَهُ لَهُ وقَرَّبَهُ لَدَيْهِ فَحِينَئِذٍ تَنْقَطِعُ الأطْماعُ بِالكُلِّيَّةِ فَقالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ .

وثالِثُها: الوُجُودُ كالنُّورِ، والعَدَمُ كالظُّلْمَةِ وكُلُّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى فَهو عَدَمٌ مَحْضٌ، فَكُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ، فالكُلُّ كَأنَّهم في ظُلُماتِ العَدَمِ وإظْلالِ عالَمِ الأجْسامِ والإمْكانِ فَقالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ حَتّى يَجْلِسَ قَلْبِي في بَهِيِّ ضَوْءِ المَعْرِفَةِ وسادَةِ شَرْحِ الصَّدْرِ، والجالِسُ في الضَّوْءِ لا يَرى مَن كانَ جالِسًا في الظُّلْمَةِ فَحِينَ جَلَسَ في ضَوْءِ شَرْحِ الصَّدْرِ لا يَرى أحَدًا في الوُجُودِ فَلِهَذا عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ فَإنَّ العَبْدَ في مَقامِ الِاسْتِغْراقِ لا يَتَفَرَّغُ لِشَيْءٍ مِنَ المُهِمّاتِ.

ورابِعُها: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ فَإنَّ عَيْنَ العَيْنِ ضَعِيفَةٌ فَأطْلِعْ يا إلَهِي شَمْسَ التَّوْفِيقِ حَتّى أرى كُلَّ شَيْءٍ كَما

صفحة ٣٥

هُوَ، وهَذا في مَعْنى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ”«أرِنا الأشْياءَ كَما هي» “ واعْلَمْ أنَّ شَرْحَ الصَّدْرِ مُقَدِّمَةٌ لِسُطُوعِ الأنْوارِ الإلَهِيَّةِ في القَلْبِ، والِاسْتِماعَ مُقَدِّمَةُ الفَهْمِ الحاصِلِ مِن سَماعِ الكَلامِ، فاللَّهُ تَعالى أعْطى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ المُقَدِّمَةَ الثّانِيَةَ وهي ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ فَلا جَرَمَ نَسَجَ مُوسى عَلى ذَلِكَ المِنوالِ فَطَلَبَ المُقَدِّمَةَ الأُخْرى فَقالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ولَمّا آلَ الأمْرُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ قِيلَ لَهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] والعِلْمُ هو المَقْصُودُ، فَلَمّا كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كالمُقَدِّمَةِ لِمَقْدِمِ مُحَمَّدٍ ﷺ لا جَرَمَ أُعْطِيَ المُقَدِّمَةَ، ولَمّا كانَ مُحَمَّدٌ كالمَقْصُودِ لا جَرَمَ أُعْطِيَ المَقْصُودَ، فَسُبْحانَهُ ما أدَقَّ حِكْمَتَهُ في كُلِّ شَيْءٍ.

وسادِسُها: الدّاعِي لَهُ صِفَتانِ:

إحْداهُما: أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلرَّبِّ: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] .

وثانِيَتُهُما: أنْ يَكُونَ الرَّبُّ لَهُ: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] أضافَ نَفْسَهُ إلَيْنا وما أضافَنا إلى نَفْسِهِ، والمُشْتَغِلُ بِالدُّعاءِ قَدْ صارَ كامِلًا مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، فَأرادَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ يَرْتَعَ في هَذا البُسْتانِ فَقالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ .

وسابِعُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ شَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إلَهِي لَمّا قُلْتَ: ﴿وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ صِرْتُ قَرِيبًا مِنكَ، ولَكِنْ أُرِيدُ قُرْبَكَ مِنِّي فَقالَ: يا مُوسى أما سَمِعْتَ قَوْلِي: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] فاشْتَغِلْ بِالدُّعاءِ حَتّى أصِيرَ قَرِيبًا مِنكَ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ .

وثامِنُها: قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ وقالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ما تَرَكَهُ عَلى هَذِهِ الحالَةِ بَلْ قالَ: ﴿وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] فانْظُرْ إلى التَّفاوُتِ، فَإنَّ شَرْحَ الصَّدْرِ هو أنْ يَصِيرَ الصَّدْرُ قابِلًا لِلنُّورِ، والسِّراجُ المُنِيرُ هو أنْ يُعْطِيَ النُّورَ، فالتَّفاوُتُ بَيْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ومُحَمَّدٍ ﷺ كالتَّفاوُتِ بَيْنَ الآخِذِ والمُعْطِي ثُمَّ نَقُولُ: إلَهَنا إنَّ دِينَنا وهي كَلِمَةُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ نُورٌ، والوُضُوءُ نُورٌ، والصَّلاةُ نُورٌ، والقَبْرُ نُورٌ، والجَنَّةُ نُورٌ، فَبِحَقِّ أنْوارِكَ الَّتِي أعْطَيْتَنا في الدُّنْيا لا تَحْرِمْنا أنْوارَ فَضْلِكَ وإحْسانِكَ يَوْمَ القِيامَةِ.

* * *

الفَصْلُ الرّابِعُ: في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَرْحِ الصَّدْرِ فَقالَ: نُورٌ يُقْذَفُ في القَلْبِ، فَقِيلَ: وما أمارَتُهُ فَقالَ: التَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ والإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ النُّزُولِ»، ويَدُلُّ عَلى أنَّ شَرْحَ الصَّدْرِ عِبارَةٌ عَنِ النُّورِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ عَشَرَةَ أشْياءَ ووَصَفَها بِالنُّورِ:

أحَدُها: وصَفَ ذاتَهُ بِالنُّورِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٣٥] .

وثانِيها: الرَّسُولَ: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] .

وثالِثُها: القُرْآنَ: ﴿واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .

ورابِعُها: الإيمانَ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٢] .

وخامِسُها: عَدْلَ اللَّهِ: ﴿وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ [الزمر: ٦٩] .

وسادِسُها: ضِياءَ القَمَرِ: ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦] .

وسابِعُها: النَّهارَ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] .

وثامِنُها: البَيِّناتِ: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] .

وتاسِعُها: الأنْبِياءَ: ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥] .

وعاشِرُها: المَعْرِفَةَ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ﴾ [النور: ٣٥] إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: كَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ بِمَعْرِفَةِ أنْوارِ جَلالِكَ وكِبْرِيائِكَ.

وثانِيها: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾، بِالتَّخَلُّقِ بِأخْلاقِ رُسُلِكَ وأنْبِيائِكَ.

وثالِثُها: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾، بِاتِّباعِ وحْيِكَ وامْتِثالِ أمْرِكَ ونَهْيِكَ.

ورابِعُها: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾، بِنُورِ الإيمانِ

صفحة ٣٦

والإيقانِ بِإلَهِيَّتِكَ.

وخامِسُها: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ بِالإطِّلاعِ عَلى أسْرارِ عَدْلِكَ في قَضائِكَ وحُكْمِكَ.

وسادِسُها: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ بِالِانْتِقالِ مِن نُورِ شَمْسِكَ وقَمَرِكَ إلى أنْوارِ جَلالِ عِزَّتِكَ كَما فَعَلَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ انْتَقَلَ مِنَ الكَوْكَبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ إلى حَضْرَةِ العِزَّةِ.

وسابِعُها: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ مِن مُطالَعَةِ نَهارِكَ ولَيْلِكَ إلى مُطالَعَةِ نَهارِ فَضْلِكَ ولَيْلِ عَدْلِكَ.

وثامِنُها: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ بِالإطِّلاعِ عَلى مَجامِعِ آياتِكَ ومَعاقِدِ بَيِّناتِكَ في أرْضِكَ وسَماواتِكَ.

وتاسِعُها: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ في أنْ أكُونَ خَلْفَ صُوَرِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ ومُتَشَبِّهًا بِهِمْ في الِانْقِيادِ لِحُكْمِ رَبِّ العالَمِينَ.

وعاشِرُها: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ بِأنْ تَجْعَلَ سِراجَ الإيمانِ في قَلْبِي كالمِشْكاةِ الَّتِي فِيها المِصْباحُ.

واعْلَمْ أنَّ- شَرْحَ الصَّدْرِ عِبارَةٌ عَنْ إيقادِ النُّورِ في القَلْبِ حَتّى يَصِيرَ القَلْبُ كالسِّراجِ، وذَلِكَ النُّورُ كالنّارِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن أرادَ أنْ يَسْتَوْقِدَ سِراجًا احْتاجَ إلى سَبْعَةِ أشْياءَ: زَنْدٌ وحَجَرٌ وحِراقٌ وكِبْرِيتٌ ومِسْرَجَةٌ وفَتِيلَةٌ ودُهْنٌ. فالعَبْدُ إذا طَلَبَ النُّورَ الَّذِي هو شَرْحُ الصَّدْرِ افْتَقَرَ إلى هَذِهِ السَّبْعَةِ.

فَأوَّلُها: لا بُدَّ مِن زَنْدِ المُجاهَدَةِ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] .

وثانِيها: حَجَرُ التَّضَرُّعِ: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ .

وثالِثُها: حِراقُ مَنعِ الهَوى: ﴿ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ [النازعات: ٤٠] .

ورابِعُها: كِبْرِيتُ الإنابَةِ: ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ﴾ الزُّمَرِ: ٥٤ ] مُلَطِّخًا رُءُوسَ تِلْكَ الخَشَباتِ بِكِبْرِيتِ تُوبُوا إلى اللَّهِ.

وخامِسُها: مِسْرَجَةُ الصَّبْرِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] .

وسادِسُها: فَتِيلَةُ الشُّكْرِ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] .

وسابِعُها: دُهْنُ الرِّضا: ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان: ٢٤] أيِ ارْضَ بِقَضاءِ رَبِّكَ فَإذا صَلَحَتْ هَذِهِ الأدَواتُ فَلا تُعَوِّلْ عَلَيْها بَلْ يَنْبَغِي أنْ لا تَطْلُبَ المَقْصُودَ إلّا مِن حَضْرَتِهِ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ [فاطر: ٢] ثُمَّ اطْلُبْها بِالخُشُوعِ والخُضُوعِ: ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] فَعِنْدَ ذَلِكَ تَرْفَعُ يَدَ التَّضَرُّعِ وتَقُولُ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ فَهُنالِكَ تَسْمَعُ؛ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ [طه: ٣٦] ثُمَّ نَقُولُ هَذا النُّورُ الرُّوحانِيُّ المُسَمّى بِشَرْحِ الصَّدْرِ أفْضَلُ مِنَ الشَّمْسِ الجُسْمانِيَّةِ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: الشَّمْسُ تَحْجُبُها غَمامَةٌ، وشَمْسُ المَعْرِفَةِ لا يَحْجُبُها السَّماواتُ السَّبْعُ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] .

وثانِيها: الشَّمْسُ تَغِيبُ لَيْلًا وتَعُودُ نَهارًا، قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] أمّا شَمْسُ المَعْرِفَةِ فَلا تَغِيبُ لَيْلًا: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا﴾ [المزمل: ٦] ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ [آل عمران: ١٧] بَلْ أكْمَلُ الخِلَعِ الرُّوحانِيَّةِ تَحْصُلُ في اللَّيْلِ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] .

وثالِثُها: الشَّمْسُ تَفْنى: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] وشَمْسُ المَعْرِفَةِ لا تَفْنى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] .

ورابِعُها: الشَّمْسُ إذا قابَلَها القَمَرُ انْكَسَفَتْ أمّا هَهُنا فَشَمْسُ المَعْرِفَةِ وهي مَعْرِفَةُ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ما لَمْ يُقابِلْها قَمَرٌ أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَمْ يَصِلْ نُورُهُ إلى عالَمِ الجَوارِحِ.

وخامِسُها: الشَّمْسُ تُسَوِّدُ الوُجُوهَ والمَعْرِفَةُ تُبَيِّضُها: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] .

وسادِسُها: الشَّمْسُ تَحْرِقُ والمَعْرِفَةُ تُنْجِي مِنَ الحَرْقِ، جُزْ يا مُؤْمِنُ فَإنَّ نُورَكَ قَدْ أطْفَأ لَهَبِي.

وسابِعُها: الشَّمْسُ تَصْدَعُ والمَعْرِفَةُ تَصْعَدُ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] .

وثامِنُها: الشَّمْسُ مَنفَعَتُها في الدُّنْيا والمَعْرِفَةُ مَنفَعَتُها في العُقْبى: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ﴾ [الكهف: ٤٦] .

وتاسِعُها: الشَّمْسُ في السَّماءِ زِينَةٌ لِأهْلِ الأرْضِ والمَعْرِفَةُ في الأرْضِ زِينَةٌ لِأهْلِ السَّماءِ.

وعاشِرُها: الشَّمْسُ فَوْقانِيُّ الصُّورَةِ تَحْتانِيُّ المَعْنى

صفحة ٣٧

وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الحَسَدِ مَعَ التَّكَبُّرِ، والمَعارِفُ الإلَهِيَّةُ تَحْتانِيَّةُ الصُّورَةِ فَوْقانِيَّةُ المَعْنى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى التَّواضُعِ مَعَ الشَّرَفِ.

وحادِي عَشَرِها: الشَّمْسُ تَعْرِفُ أحْوالَ الخَلْقِ، وبِالمَعْرِفَةِ يَصِلُ القَلْبُ إلى الخالِقِ.

وثانِي عَشَرِها: الشَّمْسُ تَقَعُ عَلى الوَلِيِّ والعَدُوِّ، والمَعْرِفَةُ لا تَحْصُلُ إلّا لِلْوَلِيِّ فَلَمّا كانَتِ المَعْرِفَةُ مَوْصُوفَةً بِهَذِهِ الصِّفاتِ النَّفِيسَةِ لا جَرَمَ قالَ مُوسى: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ وأمّا النُّكَتُ:

فَإحْداها: الشَّمْسُ سِراجٌ اسْتَوْقَدَها اللَّهُ تَعالى لِلْفَناءِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] والمَعْرِفَةُ اسْتَوْقَدَها لِلْبَقاءِ فالَّذِي خَلَقَها لِلْفَناءِ لَوْ قَرُبَ الشَّيْطانُ مِنها لاحْتَرَقَ: ﴿شِهابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩] والمَعْرِفَةُ الَّتِي خَلَقَها لِلْبَقاءِ كَيْفَ يَقْرُبُ مِنها الشَّيْطانُ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ .

وثانِيَتُها: اسْتَوْقَدَ اللَّهُ الشَّمْسَ في السَّماءِ وإنَّها تُزِيلُ الظُّلْمَةَ عَنْ بَيْتِكَ مَعَ بُعْدِها عَنْ بَيْتِكَ، وأوْقَدَ شَمْسَ المَعْرِفَةِ في قَلْبِكَ أفَلا تُزِيلُ ظُلْمَةَ المَعْصِيَةِ والكُفْرِ عَنْ قَلْبِكَ مَعَ قُرْبِها مِنكَ.

وثالِثَتُها: مَنِ اسْتَوْقَدَ سِراجًا فَإنَّهُ لا يَزالُ يَتَعَهَّدُهُ ويَمُدُّهُ، واللَّهُ تَعالى هو المُوقِدُ لِسِراجِ المَعْرِفَةِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ﴾ [الحجرات: ٧] أفَلا يَمُدُّهُ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ .

ورابِعَتُها: اللِّصُّ إذا رَأى السِّراجَ يُوقَدُ في البَيْتِ لا يَقْرُبُ مِنهُ واللَّهُ قَدْ أوْقَدَ سِراجَ المَعْرِفَةِ في قَلْبِكَ فَكَيْفَ يَقْرُبُ الشَّيْطانُ مِنهُ فَلِهَذا قالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ .

وخامِسَتُها: المَجُوسُ أوْقَدُوا نارًا فَلا يُرِيدُونَ إطْفاءَها والمَلِكُ القُدُّوسُ أوْقَدَ سِراجَ الإيمانِ في قَلْبِكَ فَكَيْفَ يَرْضى بِإطْفائِهِ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْطى قَلْبَ المُؤْمِنِ تِسْعَ كَراماتٍ.

أحَدُها: الحَياةُ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] فَلَمّا رَغِبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الحَياةِ الرُّوحانِيَّةِ قالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ثُمَّ النُّكْتَةُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «مَن أحْيا أرْضًا مَيْتَةً فَهي لَهُ»، فالعَبْدُ لَمّا أحْيا أرْضًا فَهي لَهُ فالرَّبُّ لَمّا خَلَقَ القَلْبَ وأحْياهُ بِنُورِ الإيمانِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ فِيهِ نَصِيبٌ: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ [الأنعام: ٩١] وكَما أنَّ الإيمانَ حَياةُ القَلْبِ، فالكُفْرُ مَوْتُهُ: ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢١] .

وثانِيها: الشِّفاءُ: ﴿ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤] فَلَمّا رَغِبَ مُوسى في الشِّفاءِ رَفَعَ الأيْدِيَ قالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ والنُّكْتَةُ أنَّهُ تَعالى لَمّا جَعَلَ الشِّفاءَ في العَسَلِ بَقِيَ شِفاءً أبَدًا فَهَهُنا لَمّا وُضِعَ الشِّفاءُ في الصَّدْرِ فَكَيْفَ لا يَبْقى شِفاءً أبَدًا.

وثالِثُها: الطَّهارَةُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ [الحجرات: ٣] فَلَمّا رَغِبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في تَحْصِيلِ طَهارَةِ التَّقْوى قالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ والنُّكْتَةُ أنَّ الصّائِغَ إذا امْتَحَنَ الذَّهَبَ مَرَّةً فَبَعْدَ ذَلِكَ لا يُدْخِلُهُ في النّارِ فَهَهُنا لَمّا امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَ المُؤْمِنِ فَكَيْفَ يُدْخِلُهُ النّارَ ثانِيًا ولَكِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ في النّارِ قَلْبَ الكافِرِ: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: ٣٧] .

ورابِعُها: الهِدايَةُ ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ فَرَغِبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في طَلَبِ زَوائِدِ الهِدايَةِ فَقالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ والنُّكْتَةُ أنَّ الرَّسُولَ يَهْدِي نَفْسَكَ، والقُرْآنَ يَهْدِي رُوحَكَ، والمَوْلى يَهْدِي قَلْبَكَ، فَلَمّا كانَتِ الهِدايَةُ مِنَ الكُفْرِ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ لا جَرَمَ تارَةً تَحْصُلُ وأُخْرى لا تَحْصُلُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] وهِدايَةُ الرُّوحِ لَمّا كانَتْ مِنَ القُرْآنِ فَتارَةً تَحْصُلُ وأُخْرى لا تَحْصُلُ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] أمّا هِدايَةُ القَلْبِ فَلَمّا كانَتْ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَإنَّها لا تَزُولُ لِأنَّ الهادِيَ لا يَزُولُ: ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] .

وخامِسُها: الكِتابَةُ: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ [المجادلة: ٢٢] فَلَمّا رَغِبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في تِلْكَ الكِتابَةِ قالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ وفِيهِ نُكَتٌ:

صفحة ٣٨

الأُولى: أنَّ الكاغَدَةَ لَيْسَ لَها خَطَرٌ عَظِيمٌ وإذا كُتِبَ فِيها القُرْآنُ لَمْ يَجُزْ إحْراقُها فَقَلْبُ المُؤْمِنِ كُتِبَ فِيهِ جَمِيعُ أحْكامِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالكَرِيمِ إحْراقُهُ.

الثّانِيَةُ: بِشْرٌ الحافِيُّ أكْرَمَ كاغَدًا فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعالى فَنالَ سَعادَةَ الدّارَيْنِ، فَإكْرامُ قَلْبٍ فِيهِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِذَلِكَ.

والثّالِثَةُ: كاغَدٌ لَيْسَ فِيهِ خَطٌّ إذا كُتِبَ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمِ عَظُمَ قَدْرُهُ حَتّى إنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ والحائِضِ أنْ يَمَسَّهُ بَلْ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: لَيْسَ لَهُ أنْ يَمَسَّ جِلْدَ المُصْحَفِ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] فالقَلْبُ الَّذِي فِيهِ أكْرَمُ المَخْلُوقاتِ: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] كَيْفَ يَجُوزُ لِلشَّيْطانِ الخَبِيثِ أنْ يَمَسَّهُ واللَّهُ أعْلَمُ.

وسادِسُها: السَّكِينَةُ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤] فَلَمّا رَغِبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في طَلَبِ السَّكِينَةِ قالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ والنُّكْتَةُ أنَّ «أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ خائِفًا فَلَمّا نَزَلَتِ السَّكِينَةُ عَلَيْهِ قالَ: ﴿لا تَحْزَنْ﴾ فَلَمّا نَزَلَتْ سَكِينَةُ الإيمانِ فَرَجَوْا أنْ يَسْمَعُوا خِطابَ: ﴿ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت: ٣٠] وأيْضًا لَمّا نَزَلَتِ السَّكِينَةُ صارَ مِنَ الخُلَفاءِ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ»﴾ [النور: ٥٥] أيْ أنْ يَصِيرُوا خُلَفاءَ اللَّهِ في أرْضِهِ.

وسابِعُها: المَحَبَّةُ والزِّينَةُ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] والنُّكْتَةُ أنَّ مَن ألْقى حَبَّةً في أرْضٍ فَإنَّهُ لا يُفْسِدُها ولا يَحْرِقُها فَهو سُبْحانَهُ وتَعالى ألْقى حَبَّةَ المَحَبَّةِ في أرْضِ القَلْبِ فَكَيْفَ يَحْرِقُها.

وثامِنُها: ﴿فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٣] والنُّكْتَةُ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِ أصْحابِهِ ثُمَّ إنَّهُ ما تَرَكَهم [ في ] غَيْبَةٍ ولا حُضُورٍ: ”«سَلامٌ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ» “ فالرَّحِيمُ كَيْفَ يَتْرُكُهم.

وتاسِعُها: الطُّمَأْنِينَةُ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] ومُوسى طَلَبَ الطُّمَأْنِينَةَ فَقالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ والنُّكْتَةُ أنَّ حاجَةَ العَبْدِ لا نِهايَةَ لَها فَلِهَذا لَوْ أُعْطِيَ كُلَّ ما في العالَمِ مِنَ الأجْسامِ فَإنَّهُ لا يَكْفِيهِ لَأنَّ حاجَتَهُ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ والأجْسامَ مُتَناهِيَةٌ، والمُتَناهِي لا يَصِيرُ مُقابِلًا لِغَيْرِ المُتَناهِي بَلِ الَّذِي يَكْفِي في الحاجَةِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ الكَمالُ الَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ، وما ذاكَ إلّا لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] ولَمّا عَرَفْتَ حَقِيقَةَ شَرْحِ الصَّدْرِ لِلْمُؤْمِنِينَ فاعْرِفْ صِفاتِ قُلُوبِ الكافِرِينَ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ .

وثانِيها: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ .

وثالِثُها: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ .

ورابِعُها: ﴿وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ .

وخامِسُها: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ .

وسادِسُها: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ .

وسابِعُها: ﴿أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ .

وثامِنُها: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ .

وتاسِعُها: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ . إلَهَنا وسَيِّدَنا بِفَضْلِكَ وإحْسانِكَ أغْلِقْ هَذِهِ الأبْوابَ التِّسْعَةَ مِن خِذْلانِكَ عَنّا واجْبُرْنا بِإحْسانِكَ وافْتَحْ لَنا تِلْكَ الأبْوابَ التِّسْعَةَ مِن إحْسانِكَ بِفَضْلِكَ ورَحْمَتِكَ إنَّكَ عَلى ما تَشاءُ قَدِيرٌ.

* * *

الفَصْلُ الخامِسُ: في حَقِيقَةِ شَرْحِ الصَّدْرِ، ذَكَرَ العُلَماءُ فِيهِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ لا يَبْقى لِلْقَلْبِ التِفاتٌ إلى الدُّنْيا لا بِالرَّغْبَةِ ولا بِالرَّهْبَةِ، أمّا الرَّغْبَةُ فَهي أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقَ القَلْبِ بِالأهْلِ والوَلَدِ وبِتَحْصِيلِ مَصالِحِهِمْ ودَفْعِ المَضارِّ عَنْهم، وأمّا الرَّهْبَةُ فَهي أنْ يَكُونَ خائِفًا مِنَ الأعْداءِ والمُنازِعِينَ فَإذا شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ صَغُرَ كُلُّ ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا في عَيْنِ هِمَّتِهِ، فَيَصِيرُ كالذُّبابِ والبَقِّ والبَعُوضِ لا تَدْعُوهُ رَغْبَةٌ إلَيْها ولا تَمْنَعُهُ رَهْبَةٌ عَنْها، فَيَصِيرُ الكُلُّ عِنْدَهُ كالعَدَمِ وحِينَئِذٍ يُقْبِلُ القَلْبُ بِالكُلِّيَّةِ نَحْوَ طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ القَلْبَ في المِثالِ كَيَنْبُوعٍ مِنَ الماءِ، والقُوَّةُ البَشَرِيَّةُ لِضَعْفِها كاليَنْبُوعِ الصَّغِيرِ، فَإذا فَرَّقْتَ ماءَ العَيْنِ

صفحة ٣٩

الواحِدَةِ عَلى الجَداوِلِ الكَثِيرَةِ ضَعُفَتِ الكُلُّ، فَأمّا إذا انْصَبَّ الكُلُّ في مَوْضِعٍ واحِدٍ قَوِيَ، فَسَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ أنْ يَشْرَحَ لَهُ صَدْرَهُ بِأنْ يُوقِفَهُ عَلى مَعايِبِ الدُّنْيا وقُبْحِ صِفاتِها حَتّى يَصِيرَ قَلْبُهُ نَفُورًا عَنْها فَإذا حَصَلَتِ النَّفْرَةُ تَوَجَّهَ إلى عالِمِ القُدُسِ ومَنازِلِ الرُّوحانِيّاتِ بِالكُلِّيَّةِ.

الثّانِي: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا نُصِّبَ لِذَلِكَ المَنصِبِ العَظِيمِ احْتاجَ إلى تَكالِيفَ شاقَّةٍ مِنها ضَبْطُ الوَحْيِ والمُواظَبَةُ عَلى خِدْمَةِ الخالِقِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ومِنها إصْلاحُ العالَمِ الجَسَدانِيِّ فَكَأنَّهُ صارَ مُكَلَّفًا بِتَدْبِيرِ العالَمَيْنِ، والِالتِفاتُ إلى أحَدِهِما يَمْنَعُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالآخَرِ، ألا تَرى أنَّ المُشْتَغِلَ بِالإبْصارِ يَصِيرُ مَمْنُوعًا عَنِ السَّماعِ والمُشْتَغِلَ بِالسَّماعِ يَصِيرُ مَمْنُوعًا عَنِ الإبْصارِ والخَيالِ، فَهَذِهِ القُوى مُتَجاذِبَةٌ مُتَنازِعَةٌ وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُحْتاجًا إلى الكُلِّ، ومَنِ اسْتَأْنَسَ بِجَمالِ الحَقِّ اسْتَوْحَشَ مِن جَمالِ الخَلْقِ فَسَألَ مُوسى رَبَّهُ أنْ يَشْرَحَ صَدْرَهُ بِأنْ يَفِيضَ عَلَيْهِ كَمالًا مِنَ القُوَّةِ لِتَكُونَ قُوَّتُهُ وافِيَةً بِضَبْطِ العالَمَيْنِ فَهَذا هو المُرادُ مِن شَرْحِ الصَّدْرِ. وذَكَرَ العُلَماءُ لِهَذا المَعْنى أمْثِلَةً:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском