Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Taha 20:25–35, continued
المِثالُ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ البَدَنَ بِالكُلِّيَّةِ كالمَمْلَكَةِ، والصَّدْرَ كالقَلْعَةِ، والفُؤادَ كالقَصْرِ، والقَلْبَ كالتَّخْتِ، والرُّوحَ كالمَلِكِ، والعَقْلَ كالوَزِيرِ، والشَّهْوَةَ كالعامِلِ الكَبِيرِ الَّذِي يَجْلِبُ النِّعَمَ إلى البَلْدَةِ، والغَضَبَ كالِاسْفِهْسالارِ الَّذِي يَشْتَغِلُ بِالضَّرْبِ والتَّأْدِيبِ أبَدًا، والحَواسَّ كالجَواسِيسِ وسائِرَ القُوى كالخَدَمِ والعُمْلَةِ والصُّنّاعِ، ثُمَّ إنَّ الشَّيْطانَ خَصْمٌ لِهَذِهِ البَلْدَةِ ولِهَذِهِ القَلْعَةِ ولِهَذا المَلِكِ، فالشَّيْطانُ هو المَلِكُ والهَوى والحِرْصُ وسائِرُ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ جُنُودُهُ، فَأوَّلُ ما أخْرَجَ الرُّوحُ وزِيرَهُ وهو العَقْلُ فَكَذا الشَّيْطانُ أخْرَجَ في مُقابَلَتِهِ الهَوى فَجَعَلَ العَقْلُ يَدْعُو إلى اللَّهِ تَعالى والهَوى يَدْعُو إلى الشَّيْطانِ، ثُمَّ إنَّ الرُّوحَ أخْرَجَ الفِطْنَةَ إعانَةً لِلْعَقْلِ فَأخْرَجَ الشَّيْطانُ في مُقابَلَةِ الفِطْنَةِ الشَّهْوَةَ، فالفِطْنَةُ تُوقِفُكَ عَلى مَعايِبِ الدُّنْيا، والشَّهْوَةُ تُحَرِّكُكَ إلى لَذّاتِ الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ الرُّوحَ أمَدَّ الفِطْنَةَ بِالفِكْرَةِ لِتَقْوى الفِطْنَةُ بِالفِكْرَةِ، فَتَقِفُ عَلى الحاضِرِ والغائِبِ مِنَ المَعائِبِ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«تَفَكُّرُ ساعَةٍ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ سَنَةٍ» “ فَأخْرَجَ الشَّيْطانُ في مُقابَلَةِ الفِكْرَةِ الغَفْلَةَ، ثُمَّ أخْرَجَ الرُّوحُ الحِلْمَ والثَّباتَ فَإنَّ العَجَلَةَ تَرى الحَسَنَ قَبِيحًا والقَبِيحَ حَسَنًا، والحِلْمُ يُوقِفُ العَقْلَ عَلى قُبْحِ الدُّنْيا فَأخْرَجَ الشَّيْطانُ في مُقابَلَتِهِ العَجَلَةَ والسُّرْعَةَ؛ فَلِهَذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما دَخَلَ الرِّفْقُ في شَيْءٍ إلّا زانَهُ ولا الخَرَقُ في شَيْءٍ إلّا شانَهُ» “ ولِهَذا خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ لِيُتَعَلَّمَ مِنهُ الرِّفْقُ والثَّباتُ فَهَذِهِ هي الخُصُومَةُ الواقِعَةُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ، وقَلْبُكَ وصَدْرُكَ هو القَلْعَةُ. ثُمَّ إنَّ لِهَذا الصَّدْرِ الَّذِي هو القَلْعَةُ خَنْدَقًا وهو الزُّهْدُ في الدُّنْيا وعَدَمُ الرَّغْبَةِ فِيها ولَهُ سُورٌ وهو الرَّغْبَةُ في الآخِرَةِ ومَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى، فَإنْ كانَ الخَنْدَقُ عَظِيمًا والسُّورُ قَوِيًّا عَجَزَ عَسْكَرُ الشَّيْطانِ عَنْ تَخْرِيبِهِ فَرَجَعُوا وراءَهم وتَرَكُوا القَلْعَةَ كَما كانَتْ، وإنْ كانَ خَنْدَقُ الزُّهْدِ غَيْرَ عَمِيقٍ وسُورُ حُبِّ الآخِرَةِ غَيْرَ قَوِيٍّ قَدَرَ الخَصْمُ عَلى اسْتِفْتاحِ قَلْعَةِ الصَّدْرِ فَيَدْخُلُها ويَبِيتُ فِيها جُنُودُهُ مِنَ الهَوى والعُجْبِ والكِبْرِ والبُخْلِ وسُوءِ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعالى والنَّمِيمَةِ والغِيبَةِ فَيَنْحَصِرُ المَلِكُ في القَصْرِ ويَضِيقُ الأمْرُ عَلَيْهِ، فَإذا جاءَ مَدَدُ التَّوْفِيقِ وأخْرَجَ هَذا العَسْكَرَ مِنَ القَلْعَةِ انْفَسَحَ الأمْرُ وانْشَرَحَ الصَّدْرُ وخَرَجَتْ ظُلُماتُ الشَّيْطانِ ودَخَلَتْ أنْوارُ هِدايَةِ رَبِّ العالَمِينَ وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ .
المِثالُ الثّانِي: اعْلَمْ أنَّ مَعْدِنَ النُّورِ هو القَلْبُ، واشْتِغالُ الإنْسانِ بِالزَّوْجَةِ والوَلَدِ، والرَّغْبَةُ في مُصاحَبَةِ النّاسِ، والخَوْفُ مِنَ الأعْداءِ هو الحِجابُ المانِعُ مِن وُصُولِ نُورِ شَمْسِ القَلْبِ إلى فَضاءِ الصَّدْرِ فَإذا قَوّى اللَّهُ
صفحة ٤٠
بَصِيرَةَ العَبْدِ حَتّى طالَعَ عَجْزَ الخَلْقِ وقِلَّةَ فائِدَتِهِمْ في الدّارَيْنِ صَغُرُوا في عَيْنِهِ ولا شَكَّ في أنَّهم مِن حَيْثُ هم عَدَمٌ مَحْضٌ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] فَلا يَزالُ العَبْدُ يَتَأمَّلُ فِيما سِوى اللَّهِ تَعالى إلى أنْ يُشاهِدَ أنَّهم عَدَمٌ مَحْضٌ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَزُولُ الحِجابُ بَيْنَ قَلْبِهِ وبَيْنَ أنْوارِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى، وإذا زالَ الحِجابُ امْتَلَأ القَلْبُ مِنَ النُّورِ فَذَلِكَ هو انْشِراحُ الصَّدْرِ.
* * *
الفَصْلُ السّادِسُ: في الصَّدْرِ؛ اعْلَمْ أنَّهُ يَجِيءُ والمُرادُ مِنهُ القَلْبُ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الزمر: ٢٢]، ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾، ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ١٠]، ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] وقَدْ يَجِيءُ والمُرادُ الفَضاءُ الَّذِي فِيهِ الصَّدْرُ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] واخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ مَحَلَّ العَقْلِ هَلْ هو القَلْبُ أوِ الدِّماغُ، وجُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ عَلى أنَّهُ القَلْبُ، وقَدْ شَرَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] وقالَ بَعْضُهُمُ: المَوادُّ أرْبَعَةٌ الصَّدْرُ والقَلْبُ والفُؤادُ واللُّبُّ، فالصَّدْرُ مَقَرُّ الإسْلامِ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الزمر: ٢٢] والقَلْبُ مَقَرُّ الإيمانِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] والفُؤادُ مَقَرُّ المَعْرِفَةِ: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ [النجم: ١١]، ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] واللُّبُّ مَقَرُّ التَّوْحِيدِ: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الرعد: ١٩] .
واعْلَمْ أنَّ القَلْبَ أوَّلُ ما بُعِثَ إلى هَذا العالَمِ بُعِثَ خالِيًا عَنِ النُّقُوشِ كاللَّوْحِ السّاذَجِ وهو في عالَمِ البَدَنِ كاللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَكْتُبُ فِيهِ بِقَلَمِ الرَّحْمَةِ والعَظَمَةِ كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ بِعالَمِ العَقْلِ مِن نُقُوشِ المَوْجُوداتِ وصُوَرِ الماهِيّاتِ وذَلِكَ يَكُونُ كالسَّطْرِ الواحِدِ إلى آخِرِ قِيامِ القِيامَةِ لِهَذا العالَمِ الأصْغَرِ، وذَلِكَ هو الصُّورَةُ المُجَرَّدَةُ والحالَةُ المُطَهَّرَةُ، ثُمَّ إنَّ العَقْلَ يَرْكَبُ سَفِينَةَ التَّوْفِيقِ ويُلْقِيها في بِحارِ أمْواجِ المَعْقُولاتِ وعَوالِمِ الرُّوحانِيّاتِ فَيَحْصُلُ مِن مَهابِّ رِياحِ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ رَخاءُ السَّعادَةِ تارَةً ودَبُورُ الإدْبارِ أُخْرى، فَرُبَّما وصَلَتْ سَفِينَةُ النَّظَرِ إلى جانِبٍ مُشْرِقِ الجَلالِ فَتَسْطَعُ عَلَيْهِ أنْوارُ الإلَهِيَّةِ ويَتَخَلَّصُ العَقْلُ عَنْ ظُلُماتِ الضَّلالاتِ، ورُبَّما تَوَغَّلَتِ السَّفِينَةُ في جُنُوبِ الجَهالاتِ فَتَنْكَسِرُ وتَغْرَقُ فَحَيْثُما تُكُونُ السَّفِينَةُ في مُلْتَطِمِ أمْواجِ العِزَّةِ يَحْتاجُ حافِظُ السَّفِينَةِ إلى التِماسِ الأنْوارِ والهِداياتِ فَيَقُولُ هُناكَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ .
واعْلَمْ أنَّ العَقْلَ إذا أخَذَ في التَّرَقِّي مِن سُفْلِ الإمْكانِ إلى عُلُوِّ الوُجُوبِ كَثُرَ اشْتِغالُهُ بِمُطالَعَةِ الماهِيّاتِ ومُقارَفَةِ المُجَرَّداتِ والمُفارَقاتِ، ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ماهِيَّةٍ فَهي إمّا هي مَعَهُ أوْ هي لَهُ، فَإنْ كانَتْ هي مَعَهُ امْتَلَأتِ البَصِيرَةُ مِن أنْوارِ جَلالِ العِزَّةِ الإلَهِيَّةِ فَلا يَبْقى هُناكَ مُسْتَطْلِعًا لِمُطالَعَةِ سائِرِ الأنْوارِ فَيَضْمَحِلُّ كُلُّ ما سِواهُ مِن بَصَرٍ وبَصِيرَةٍ، وإنْ وقَعَتِ المُطالَعَةُ لِما هو لَهُ حَصَلَتْ هُناكَ حالَةٌ عَجِيبَةٌ، وهي أنَّهُ لَوْ وُضِعَتْ كُرَةٌ صافِيَةٌ مِنَ البَلُّورِ فَوَقَعَ عَلَيْها شُعاعُ الشَّمْسِ فَيَنْعَكِسُ ذَلِكَ الشُّعاعُ إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ فَذَلِكَ المَوْضِعُ الَّذِي إلَيْهِ تَنْعَكِسُ الشُّعاعاتُ يَحْتَرِقُ، فَجَمِيعُ الماهِيّاتِ المُمْكِنَةِ كالبَلُّورِ الصّافِي المَوْضُوعِ في مُقابَلَةِ شَمْسِ القُدُسِ ونُورِ العَظَمَةِ ومَشْرِقِ الجَلالِ، فَإذا وقَعَ لِلْقَلْبِ التِفاتٌ إلَيْها حَصَلَتْ لِلْقَلْبِ نِسْبَةٌ إلَيْها بِأسْرِها فَيَنْعَكِسُ شُعاعُ كِبْرِياءِ الإلَهِيَّةِ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنها إلى القَلْبِ فَيَحْتَرِقُ القَلْبُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ كُلَّما كانَ المَحْرَقُ أكْثَرَ، كانَ الِاحْتِراقُ أتَمَّ فَقالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ حَتّى أقْوى عَلى إدْراكِ دَرَجاتِ المُمْكِناتِ فَأصِلُ إلى مَقامِ الِاحْتِراقِ بِأنْوارِ الجَلالِ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أرِنا الأشْياءَ كَما هي» “ فَلَمّا شاهَدَ احْتِراقَها بِأنْوارِ الجَلالِ قالَ: ”«لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ» “ .
صفحة ٤١
الفَصْلُ السّابِعُ: في بَقِيَّةِ الأبْحاثِ إنَّما قالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ولَمْ يَقُلْ رَبِّ اشْرَحْ صَدْرِي لِيُظْهِرَ أنَّ مَنفَعَةَ ذَلِكَ الشَّرْحِ عائِدَةٌ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا إلى اللَّهِ، وأمّا كَيْفِيَّةُ شَرْحِ صَدْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُفاضَلَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ شَرْحِ صَدْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
* * *
المَطْلُوبُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ والمُرادُ مِنهُ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ خَلْقُها، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ تَحْرِيكُ الدَّواعِي والبَواعِثِ بِفِعْلِ الألْطافِ المُسَهِّلَةِ، فَإنْ قِيلَ: كُلُّ ما أمْكَنَ مِنَ اللُّطْفِ فَقَدْ فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى فَأيُّ فائِدَةٍ في هَذا السُّؤالِ، قُلْنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُناكَ مِنَ الألْطافِ ما لا يَحْسُنُ فِعْلُها إلّا بَعْدَ هَذا السُّؤالِ فَفائِدَةُ السُّؤالِ حُسْنُ فِعْلِ تِلْكَ الألْطافِ.
المَطْلُوبُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ النُّطْقَ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ [الرحمن: ٣، ٤] ولَمْ يَقُلْ وعَلَّمَهُ البَيانَ لِأنَّهُ لَوْ عَطَفَهُ عَلَيْهِ لَكانَ مُغايِرًا لَهُ، أمّا إذا تَرَكَ الحَرْفَ العاطِفَ صارَ قَوْلُهُ: ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ كَأنَّهُ إنَّما يَكُونُ خالِقًا لِلْإنْسانِ إذا عَلَّمَهُ البَيانَ، وذَلِكَ يَرْجِعُ إلى الكَلامِ المَشْهُورِ مِن أنَّ ماهِيَّةَ الإنْسانِ هي الحَيَوانُ النّاطِقُ.
وثانِيها: اتِّفاقُ العُقَلاءِ عَلى تَعْظِيمِ أمْرِ اللِّسانِ، قالَ زُهَيْرٌ:
لِسانُ الفَتى نَصِفٌ ونِصْفٌ فُؤادُهُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا صُورَةُ اللَّحْمِ والدَّمِ
وقالَ عَلِيٌّ: ما الإنْسانُ لَوْلا اللِّسانُ إلّا بَهِيمَةٌ مُهْمَلَةٌ أوْ صُورَةٌ مُمَثَّلَةٌ. والمَعْنى أنّا لَوْ أزَلْنا الإدْراكَ الذِّهْنِيَّ والنُّطْقَ اللِّسانِيَّ لَمْ يَبْقَ مِنَ الإنْسانِ إلّا القَدْرُ الحاصِلُ في البَهائِمِ، وقالُوا: المَرْءُ بِأصْغَرَيْهِ قَلْبُهُ ولِسانُهُ. وقالَ ﷺ: ”«المَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسانِهِ» “ .
وثالِثُها: أنَّ في مُناظَرَةِ آدَمَ مَعَ المَلائِكَةِ ما ظَهَرَتِ الفَضِيلَةُ إلّا بِالنُّطْقِ حَيْثُ قالَ: ﴿قالَ ياآدَمُ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣] .
ورابِعُها: أنَّ الإنْسانَ جَوْهَرٌ مُرَكَّبٌ مِنَ الرُّوحِ والقالَبِ، ورُوحُهُ مِن عالَمِ المَلائِكَةِ فَهو يَسْتَفِيدُ أبَدًا صُوَرَ المُغَيَّباتِ مِن عالَمِ المَلائِكَةِ ثُمَّ بَعْدَ تِلْكَ الِاسْتِفادَةِ يَفِيضُها عَلى عالَمِ الأجْسامِ، وواسِطَتُهُ في تِلْكَ الِاسْتِفادَةِ هي الفِكْرُ الذِّهْنِيُّ، وواسِطَتُهُ في هَذِهِ الإفادَةِ هي النُّطْقُ اللِّسانِيُّ فَكَما أنَّ تِلْكَ الواسِطَةَ أعْظَمُ العِباداتِ حَتّى قِيلَ: ”تَفَكُّرُ ساعَةٍ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ سَنَةٍ“ فَكَذَلِكَ الواسِطَةُ في الإفادَةِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ أشْرَفَ الأعْضاءِ فَقَوْلُهُ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ إشارَةٌ إلى طَلَبِ النُّورِ الواقِعِ في الرُّوحِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ إشارَةٌ إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ وتَسْهِيلِ ذَلِكَ التَّحْصِيلِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَحْصُلُ الكَمالُ في تِلْكَ الِاسْتِفادَةِ الرُّوحانِيَّةِ فَلا يَبْقى بَعْدَ هَذا إلّا المَقامُ البَيانِيُّ وهو إفاضَةُ ذَلِكَ الكَمالِ عَلى الغَيْرِ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِاللِّسانِ. فَلِهَذا قالَ: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ .
وخامِسُها: وهو أنَّ العِلْمَ أفْضَلُ المَخْلُوقاتِ عَلى ما ثَبَتَ، والجُودَ والإعْطاءَ أفْضَلُ الطّاعاتِ، ولَيْسَ في الأعْضاءِ أفْضَلُ مِنَ اليَدِ، فاليَدُ لَمّا كانَتْ آلَةً في العَطِيَّةِ الجُسْمانِيَّةِ قِيلَ: ”«اليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى» “ فالعِلْمُ الَّذِي هو خَيْرٌ مِنَ المالِ لَمّا كانَتْ آلَةُ إعْطائِهِ اللِّسانَ وجَبَ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ الأعْضاءِ، ولا شَكَّ أنَّ اللِّسانَ هو الآلَةُ في إعْطاءِ المَعارِفِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ الأعْضاءِ، ومِنَ النّاسِ مَن مَدَحَ الصَّمْتَ لِوُجُوهٍ:
صفحة ٤٢
أحَدُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الصَّمْتُ حِكْمَةٌ وقَلِيلٌ فاعِلُهُ» “ ويُرْوى أنَّ الإنْسانَ تُفَكِّرُ أعْضاؤُهُ اللِّسانَ ويَقُلْنَ اتَّقِ اللَّهَ فِينا فَإنَّكَ إنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنا، وإنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنا.
وثانِيها: أنَّ الكَلامَ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ مِنهُ ما ضَرَرُهُ خالِصٌ أوْ راجِحٌ، ومِنهُ ما يَسْتَوِي الضَّرَرُ والنَّفْعُ فِيهِ ومِنهُ ما نَفْعُهُ راجِحٌ ومِنهُ ما هو خالِصُ النَّفْعِ، أمّا الَّذِي ضَرَرُهُ خالِصٌ أوْ راجِحٌ فَواجِبُ التَّرْكِ، والَّذِي يَسْتَوِي الأمْرانِ فِيهِ فَهو عَيْبٌ، فَبَقِيَ القِسْمانِ الأخِيرانِ وتَخْلِيصُهُما عَنْ زِيادَةِ الضَّرَرِ عُسْرٌ، فالأوْلى تَرْكُ الكَلامِ.
وثالِثُها: أنَّ ما مِن مَوْجُودٍ أوْ مَعْدُومٍ خالِقٍ أوْ مَخْلُوقٍ مَعْلُومٍ أوْ مَوْهُومٍ إلّا واللِّسانُ يَتَناوَلُهُ ويَتَعَرَّضُ لَهُ بِإثْباتٍ أوْ نَفْيٍ، فَإنَّ كُلَّ ما يَتَناوَلُهُ الضَّمِيرُ يُعَبِّرُ عَنْهُ اللِّسانُ بِحَقٍّ أوْ باطِلٍ، وهَذِهِ خاصِّيَّةٌ لا تُوجَدُ في سائِرِ الأعْضاءِ، فَإنَّ العَيْنَ لا تَصِلُ إلى غَيْرِ الألْوانِ والصُّوَرِ، والآذانَ لا تَصِلُ إلّا إلى الأصْواتِ والحُرُوفِ، واليَدَ لا تَصِلُ إلى غَيْرِ الأجْسامِ، وكَذا سائِرُ الأعْضاءِ بِخِلافِ اللِّسانِ فَإنَّهُ رَحْبُ المَيْدانِ لَيْسَ لَهُ نِهايَةٌ ولا حَدٌّ، فَلَهُ في الخَيْرِ مَجالٌ رَحْبٌ ولَهُ في الشَّرِّ بَحْرٌ سَحْبٌ، وإنَّهُ خَفِيفُ المُؤْنَةِ سَهْلُ التَّحْصِيلِ بِخِلافِ سائِرِ المَعاصِي فَإنَّهُ يَحْتاجُ فِيها إلى مُؤَنٍ كَثِيرَةٍ لا يَتَيَسَّرُ تَحْصِيلُها في الأكْثَرِ فَلِذَلِكَ كانَ الأوْلى تَرْكَ الكَلامِ.
ورابِعُها: قالُوا: تَرْكُ الكَلامِ لَهُ أرْبَعَةُ أسْماءٍ الصَّمْتُ والسُّكُوتُ والإنْصاتُ والإصاخَةُ، فَأمّا الصَّمْتُ فَهو أعَمُّها لِأنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِيما يَقْوى عَلى النُّطْقِ وفِيما لا يَقْوى عَلَيْهِ ولِهَذا يُقالُ: مالٌ ناطِقٌ وصامِتٌ وأمّا السُّكُوتُ فَهو تَرْكُ الكَلامِ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى الكَلامِ، والإنْصاتُ سُكُوتٌ مَعَ اسْتِماعٍ ومَتى انْفَكَّ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ لا يُقالُ لَهُ إنْصاتٌ قالَ تَعالى: ﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] والإصاخَةُ اسْتِماعٌ إلى ما يَصْعُبُ إدْراكُهُ كالسِّرِّ والصَّوْتِ مِنَ المَكانِ البَعِيدِ. واعْلَمْ أنَّ الصَّمْتَ عَدَمٌ ولا فَضِيلَةَ فِيهِ بَلِ النُّطْقُ في نَفْسِهِ فَضِيلَةٌ والرَّذِيلَةُ في مُحاوَرَتِهِ، ولَوْلاهُ لَما سَألَ كَلِيمُ اللَّهِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في تِلْكَ العُقْدَةِ الَّتِي كانَتْ في لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: كانَ ذَلِكَ التَّعَقُّدُ خِلْقَةَ اللَّهِ تَعالى فَسَألَ اللَّهَ تَعالى إزالَتَهُ.
الثّانِي: السَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حالَ صِباهُ أخَذَ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ ونَتَفَها فَهَمَّ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ وقالَ هَذا هو الَّذِي يَزُولُ مُلْكِي عَلى يَدِهِ فَقالَتْ آسِيَةُ: إنَّهُ صَبِيٌّ لا يَعْقِلُ وعَلامَتُهُ أنْ تُقَرِّبَ مِنهُ التَّمْرَةَ والجَمْرَةَ فَقَرَّبا إلَيْهِ فَأخَذَ الجَمْرَةَ فَجَعَلَها في فِيهِ، وهَؤُلاءِ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن قالَ: لَمْ تَحْتَرِقُ اليَدُ ولا اللِّسانُ لِأنَّ اليَدَ آلَةُ أخْذِ العَصا وهي الحُجَّةُ، واللِّسانُ آلَةُ الذِّكْرِ، فَكَيْفَ يَحْتَرِقُ ؟ ! ولِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَحْتَرِقْ بِنارِ نَمْرُوذَ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَحْتَرِقْ حِينَ أُلْقِيَ في التَّنُّورِ، فَكَيْفَ يَحْتَرِقُ هُنا ؟ ومِنهم مَن قالَ: احْتَرَقَتِ اليَدُ دُونَ اللِّسانِ لِئَلّا يَحْصُلَ حَقُّ المُواكَلَةِ والمُمالَحَةِ.
الثّالِثُ: احْتَرَقَ اللِّسانُ دُونَ اليَدِ لِأنَّ الصَّوْلَةَ ظَهَرَتْ بِاليَدِ أمّا اللِّسانُ فَقَدْ خاطَبَهُ بِقَوْلِهِ: يا أبَتِ.
والرّابِعُ: احْتَرَقا مَعًا لِئَلّا تَحْصُلَ المُواكَلَةُ والمُخاطَبَةُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما طَلَبَ حَلَّ تِلْكَ العُقْدَةِ ؟ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: لِئَلّا يَقَعَ في أداءِ الرِّسالَةِ خَلَلٌ ألْبَتَّةَ.
وثانِيها: لِإزالَةِ التَّنْفِيرِ لِأنَّ العُقْدَةَ في اللِّسانِ قَدْ تُفْضِي إلى الِاسْتِخْفافِ بِقائِلِها وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلَيْهِ.
وثالِثُها: إظْهارًا لِلْمُعْجِزَةِ فَكَما أنَّ حَبْسَ لِسانِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الكَلامِ كانَ مُعْجِزًا في حَقِّهِ، فَكَذا إطْلاقُ لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُعْجِزٌ في حَقِّهِ.
ورابِعُها: طَلَبُ السُّهُولَةِ لِأنَّ إيرادَ مِثْلِ هَذا الكَلامِ عَلى مِثْلِ فِرْعَوْنَ في جَبَرُوتِهِ وكِبْرِهِ عَسِرٌ جِدًّا، فَإذا انْضَمَّ إلَيْهِ تَعَقُّدُ اللِّسانِ بَلَغَ العُسْرُ إلى النِّهايَةِ، فَسَألَ رَبَّهُ إزالَةَ تِلْكَ العُقْدَةِ تَخْفِيفًا وتَسْهِيلًا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّ تِلْكَ العُقْدَةَ زالَتْ بِالكُلِّيَّةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾
صفحة ٤٣
[طه: ٣٦] وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَقُلْ: واحْلُلِ العُقْدَةَ مِن لِسانِي بَلْ قالَ: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ فَإذا حَلَّ عُقْدَةً واحِدَةً فَقَدْ آتاهُ اللَّهُ سُؤْلَهُ، والحَقُّ أنَّهُ انْحَلَّ أكْثَرُ العُقَدِ وبَقِيَ مِنها شَيْءٌ قَلِيلٌ لِقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] أيْ يُقارِبُ أنْ لا يُبِينَ، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ كانَ يُبِينُ مَعَ بَقاءِ قَدْرٍ مِنَ الِانْعِقادِ في لِسانِهِ وأُجِيبَ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ أيْ لا يَأْتِي بِبَيانٍ ولا حُجَّةٍ.
والثّانِي: أنَّ ”كادَ“ بِمَعْنى قَرُبَ، ولَوْ كانَ المُرادُ هو البَيانَ اللِّسانِيَّ لَكانَ مَعْناهُ أنَّهُ لا يُقارِبُ البَيانَ، فَكانَ فِيهِ نَفْيُ البَيانِ بِالكُلِّيَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّهُ خاطَبَ فِرْعَوْنَ والجَمْعَ وكانُوا يَفْقَهُونَ كَلامَهُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ البَيانِ أصْلًا بَلْ إنَّما قالَ ذَلِكَ تَمْوِيهًا لِيَصْرِفَ الوُجُوهَ عَنْهُ، قالَ أهْلُ الإشارَةِ إنَّما قالَ: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ لِأنَّ حَلَّ العُقَدِ كُلِّها نَصِيبُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] فَلَمّا كانَ ذَلِكَ حَقًّا لِيَتِيمِ أبِي طالِبٍ لا جَرَمَ ما دارَ حَوْلَهُ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَطْلُوبُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ واعْلَمْ أنَّ طَلَبَ الوَزِيرِ إمّا أنْ يَكُونَ لِأنَّهُ خافَ مِن نَفْسِهِ العَجْزَ عَنِ القِيامِ بِذَلِكَ الأمْرِ فَطَلَبَ المُعِينَ، أوْ لِأنَّهُ رَأى أنَّ لِلتَّعاوُنِ عَلى الدِّينِ والتَّظاهُرِ عَلَيْهِ مَعَ مُخالَصَةِ الوُدِّ وزَوالِ التُّهْمَةِ مَزِيَّةً عَظِيمَةً في أمْرِ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ؛ ولِذَلِكَ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤] وقالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ لِي في السَّماءِ وزِيرَيْنِ وفي الأرْضِ وزِيرَيْنِ، فاللَّذانِ في السَّماءِ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ واللَّذانِ في الأرْضِ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ» “ وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الوَزِيرُ مِنَ الوِزْرِ لِأنَّهُ يَتَحَمَّلُ عَنِ المَلِكِ أوْزارَهُ ومُؤَنَهُ أوْ مِنَ الوَزَرِ وهو الجَبَلُ الَّذِي يُتَحَصَّنُ بِهِ لِأنَّ المَلِكَ يَعْتَصِمُ بِرَأْيِهِ في رَعِيَّتِهِ ويُفَوِّضُ إلَيْهِ أُمُورَهُ أوْ مِنَ المُوازَرَةِ وهي المُعاوَنَةُ، والمُوازَرَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن إزارِ الرَّجُلِ وهو المَوْضِعُ الَّذِي يَشُدُّهُ الرَّجُلُ إذا اسْتَعَدَّ لِعَمَلِ أمْرٍ صَعْبٍ قالَهُ الأصْمَعِيُّ، وكانَ القِياسُ أزِيرًا فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ إلى الواوِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إذا أرادَ اللَّهُ بِمَلِكٍ خَيْرًا قَيَّضَ لَهُ وزِيرًا صالِحًا، إنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وإنْ نَوى خَيْرًا أعانَهُ، وإنْ أرادَ شَرًّا كَفَّهُ» “ وكانَ أنُوشِرْوانُ يَقُولُ: لا يَسْتَغْنِي أجْوَدُ السُّيُوفِ عَنِ الصَّقْلِ، ولا أكْرَمُ الدَّوابِّ عَنِ السَّوْطِ، ولا أعْلَمُ المُلُوكِ عَنِ الوَزِيرِ ”.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْ قِيلَ: الِاسْتِعانَةُ بِالوَزِيرِ إنَّما يَحْتاجُ إلَيْها المُلُوكُ، أمّا الرَّسُولُ المُكَلَّفُ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ والوَحْيِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى قَوْمٍ عَلى التَّعْيِينِ فَمِن أيْنَ يَنْفَعُهُ الوَزِيرُ ؟ وأيْضًا فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَهُ شَرِيكًا لَهُ في النُّبُوَّةِ فَقالَ: ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ فَكَيْفَ يَكُونُ وزِيرًا.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ التَّعاوُنَ عَلى الأمْرِ والتَّظاهُرَ عَلَيْهِ مَعَ مُخالَصَةِ الوُدِّ وزَوالِ التُّهْمَةِ لَهُ مَزِيَّةٌ عَظِيمَةٌ في تَأْثِيرِ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ واثِقًا بِأخِيهِ هارُونَ فَسَألَ رَبَّهُ أنْ يَشُدَّ بِهِ أزْرَهُ حَتّى يَتَحَمَّلَ عَنْهُما يُمْكِنُ مِنَ الثِّقَلِ في الإبْلاغِ.
المَطْلُوبُ الخامِسُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الوَزِيرُ مِن أهْلِهِ أيْ مِن أقارِبِهِ.
المَطْلُوبُ السّادِسُ: أنْ يَكُونَ الوَزِيرُ الَّذِي مِن أهْلِهِ هو أخُوهُ هارُونُ وإنَّما سَألَ ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ التَّعاوُنَ عَلى الدِّينِ مَنقَبَةٌ عَظِيمَةٌ، فَأرادَ أنْ لا تَحْصُلَ هَذِهِ الدَّرَجَةُ إلّا لِأهْلِهِ، أوْ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما كانَ في
صفحة ٤٤
غايَةِ المَحَبَّةِ لِصاحِبِهِ والمُوافَقَةِ لَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿هارُونَ﴾ في انْتِصابِهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مَفْعُولُ الجَعْلِ عَلى تَقْدِيرِ: اجْعَلْ هارُونَ أخِي وزِيرًا لِي.
والثّانِي: عَلى البَدَلِ مِن وزِيرًا و“ أخِي ”نَعْتٌ لِهارُونَ أوْ بَدَلٌ، واعْلَمْ أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَخْصُوصًا بِأُمُورٍ، مِنها الفَصاحَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى عَنْ مُوسى: ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ [القصص: ٣٤]، ومِنها أنَّهُ كانَ فِيهِ رِفْقٌ قالَ: ﴿قالَ ياابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤]، ومِنها أنَّهُ كانَ أكْبَرَ سِنًّا مِنهُ.
المَطْلُوبُ السّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: القِراءَةُ العامَّةُ:“ اشْدُدْ بِهِ وأشْرِكْهُ ”عَلى الدُّعاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ:“ أشْدِدْ وأشْرِكْهُ " عَلى الجَزاءِ والجَوابِ، حِكايَةً عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ أنا أفْعَلُ ذَلِكَ، ويَجُوزُ لِمَن قَرَأ عَلى لَفْظِ الأمْرِ أنْ يَجْعَلَ ﴿أخِي﴾ مَرْفُوعًا عَلى الِابْتِداءِ ﴿اشْدُدْ بِهِ﴾ خَبَرَهُ ويُوقَفُ عَلى هارُونَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأزْرُ القُوَّةُ وآزَرَهُ قَوّاهُ قالَ تَعالى: ﴿فَآزَرَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] أيْ أعانَهُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿أزْرِي﴾ أيْ ظَهْرِي، وفي كِتابِ الخَلِيلِ: الأزْرُ الظَّهْرُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَجْعَلَ هارُونَ وزِيرًا لَهُ طَلَبَ مِنهُ أنْ يَشُدَّ بِهِ أزْرَهُ ويَجْعَلَهُ ناصِرًا لَهُ لِأنَّهُ لا اعْتِمادَ عَلى القَرابَةِ.
المَطْلُوبُ الثّامِنُ: قَوْلُهُ: ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ والأمْرُ هَهُنا النُّبُوَّةُ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ أنَّهُ يَشُدُّ بِهِ عَضُدَهُ وهو أكْبَرُ مِنهُ سِنًّا وأفْصَحُ مِنهُ لِسانًا، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَكى عَنْهُما لِأجْلِهِ دَعا بِهَذا الدُّعاءِ، فَقالَ: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ والتَّسْبِيحُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِاللِّسانِ وأنْ يَكُونَ بِالِاعْتِقادِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فالتَّسْبِيحُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، وأمّا الذِّكْرُ فَهو عِبارَةٌ عَنْ وصْفِ اللَّهِ تَعالى بِصِفاتِ الجَلالِ والكِبْرِياءِ، ولا شَكَّ أنَّ النَّفْيَ مُقَدَّمٌ عَلى الإثْباتِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: إنَّكَ عالِمٌ بِأنّا لا نُرِيدُ بِهَذِهِ الطّاعاتِ إلّا وجْهَكَ ورِضاكَ ولا نُرِيدُ بِها أحَدًا سِواكَ.
وثانِيها: ﴿كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ لِأنَّ هَذِهِ الِاسْتِعانَةَ بِهَذِهِ الأشْياءِ لِأجْلِ حاجَتِي في النُّبُوَّةِ إلَيْها.
وثالِثُها: إنَّكَ بَصِيرٌ بِوُجُوهِ مَصالِحِنا فَأعْطِنا ما هو أصْلَحُ لَنا، وإنَّما قَيَّدَ الدُّعاءَ بِهَذا إجْلالًا لِرَبِّهِ عَنْ أنْ يَتَحَكَّمَ عَلَيْهِ وتَفْوِيضًا لِلْأمْرِ بِالكُلِّيَّةِ إلَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences