Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Taha 20:66–71
20:66–68Page 316
قَالَ بَلۡ أَلۡقُواْۖ فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِيُّهُمۡ يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ ٦٦
He said, "Rather, you throw." And suddenly their ropes and staffs seemed to him from their magic that they were moving [like snakes].
فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةٗ مُّوسَىٰ ٦٧
And he sensed within himself apprehension, did Moses.
قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٦٨
We [i.e., Allāh] said, "Fear not. Indeed, it is you who are superior.
صفحة ٧١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ المَوْعِدِ وهو يَوْمُ الزِّينَةِ وتَقَدَّمَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: ٦٤] صارَ ذَلِكَ مُغْنِيًا عَنْ قَوْلِهِ فَحَضَرُوا هَذا المَوْضِعَ وقالُوا: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ وقَوْلُهُ: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ مَعْناهُ إمّا أنْ تُلْقِيَ ما مَعَكَ قَبْلَنا، وإمّا أنْ نُلْقِيَ ما مَعَنا قَبْلَكَ، وهَذا التَّخْيِيرُ مَعَ تَقْدِيمِهِ في الذِّكْرِ حُسْنُ أدَبٍ مِنهم وتَواضُعٌ لَهُ، فَلا جَرَمَ رَزَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى الإيمانَ بِبَرَكَتِهِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قابَلَ أدَبَهم بِأدَبٍ فَقالَ: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَقُولَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ فَيَأْمُرُهم بِما هو سِحْرٌ وكُفْرٌ لِأنَّهم إذا قَصَدُوا بِذَلِكَ تَكْذِيبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كُفْرًا. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: لا نُسَلِّمُ أنَّ نَفْسَ الإلْقاءِ كُفْرٌ ومَعْصِيَةٌ؛ لِأنَّهم إذا ألْقَوْا وكانَ غَرَضُهم أنْ يَظْهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ الإلْقاءِ وبَيْنَ مُعْجِزَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو مُوسى كانَ ذَلِكَ الإلْقاءُ إيمانًا وإنَّما الكُفْرُ هو القَصْدُ إلى تَكْذِيبِ مُوسى، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أمَرَ بِالإلْقاءِ لا بِالقَصْدِ إلى التَّكْذِيبِ فَزالَ السُّؤالُ.
وثانِيها: ذَلِكَ الأمْرُ كانَ مَشْرُوطًا والتَّقْدِيرُ: ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ إنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣] أيْ إنْ كُنْتُمْ قادِرِينَ.
وثالِثُها: أنَّهُ لَمّا تَعَيَّنَ ذَلِكَ طَرِيقًا إلى كَشْفِ الشُّبْهَةِ صارَ ذَلِكَ جائِزًا. وهَذا كالمُحِقِّ إذا عَلِمَ أنَّ في قَلْبِ واحِدٍ شُبْهَةً وأنَّهُ لَوْ لَمْ يُطالِبْهُ بِذِكْرِها وتَقْرِيرِها بِأقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَبَقِيَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ في قَلْبِهِ، ويَخْرُجُ بِسَبَبِها عَنِ الدِّينِ فَإنَّ لِلْمُحِقِّ أنْ يُطالِبَهُ بِتَقْرِيرِها عَلى أقْصى الوُجُوهِ، ويَكُونُ غَرَضُهُ مِن ذَلِكَ أنْ يُجِيبَ عَنْها ويُزِيلَ أثَرَها عَنْ قَلْبِهِ فَمُطالَبَتُهُ بِذِكْرِ الشُّبْهَةِ لِهَذا الغَرَضِ تَكُونُ جائِزَةً فَكَذا هَهُنا.
ورابِعُها: أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ أمْرًا بَلْ يَكُونُ مَعْناهُ إنَّكم إنْ أرَدْتُمْ فِعْلَهُ فَلا مانِعَ مِنهُ حِسًّا لِكَيْ يَنْكَشِفَ الحَقُّ.
وخامِسُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا شَكَّ أنَّهُ كانَ كارِهًا لِذَلِكَ ولا شَكَّ أنَّهُ نَهاهم عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أمْرًا لَهم بِذَلِكَ لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ كَوْنِهِ ناهِيًا وآمِرًا بِالفِعْلِ الواحِدِ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مَحْمُولٍ عَلى ظاهِرِهِ وحِينَئِذٍ يَزُولُ الإشْكالُ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قَدَّمَهم في الإلْقاءِ عَلى نَفْسِهِ مَعَ أنَّ تَقْدِيمَ اسْتِماعِ الشُّبْهَةِ عَلى اسْتِماعِ الحُجَّةِ غَيْرُ جائِزٍ فَكَذا تَقْدِيمُ إيرادِ الشُّبْهَةِ عَلى إيرادِ الحُجَّةِ وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ لِاحْتِمالِ أنَّهُ رُبَّما أدْرَكَ الشُّبْهَةَ ثُمَّ لا يَتَفَرَّغُ لِإدْراكِ الحُجَّةِ بَعْدَهُ فَيَبْقى حِينَئِذٍ في الكُفْرِ والضَّلالِ ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ بِسَبَبِ أنَّهم لَمّا قَدَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ قابَلَ ذَلِكَ بِأنْ قَدَّمَهم عَلى نَفْسِهِ لِأنَّ أمْثالَ ذَلِكَ إنَّما يَحْسُنُ فِيما يَرْجِعُ إلى حَظِّ النَّفْسِ، فَأمّا ما يَرْجِعُ إلى الدَّلِيلِ والشُّبْهَةِ فَغَيْرُ جائِزٍ. والجَوابُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ أظْهَرَ المُعْجِزَةَ مَرَّةً واحِدَةً فَما كانَ بِهِ حاجَةٌ إلى إظْهارِها مَرَّةً أُخْرى والقَوْمُ إنَّما جاءُوا لِمُعارَضَتِهِ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَوْ أنِّي بَدَأْتُ بِإظْهارِ المُعْجِزَةِ أوَّلًا لَكُنْتُ كالسَّبَبِ في إقْدامِهِمْ عَلى إظْهارِ السِّحْرِ وقَصْدِ إبْطالِ المُعْجِزَةِ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، ولَكِنِّي أُفَوِّضُ الأمْرَ إلَيْهِمْ حَتّى أنَّهم بِاخْتِيارِهِمْ يُظْهِرُونَ ذَلِكَ السِّحْرَ ثُمَّ أنا أُظْهِرُ المُعْجِزَ الَّذِي يُبْطِلُ سِحْرَهم فَيَكُونُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ سَبَبًا لِإزالَةِ الشُّبْهَةِ، وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَإنَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لِوُقُوعِ الشُّبْهَةِ فَكانَ ذَلِكَ
صفحة ٧٢
أوْلى. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم“ مَيْلًا مِن هَذا الجانِبِ ومَيْلًا مِن هَذا الجانِبِ فَخُيِّلَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ الأرْضَ كُلَّها حَيّاتٌ وأنَّها تَسْعى فَخافَ، فَلَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا﴾ ألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي أعْظَمُ مِن حَيّاتِهِمْ ثُمَّ أخَذَتْ تَزْدادُ عِظَمًا حَتّى مَلَأتِ الوادِيَ، ثُمَّ صَعَدَتْ وعَلَتْ حَتّى عَلَّقَتْ ذَنَبَها بِطَرَفِ القُبَّةِ، ثُمَّ هَبَطَتْ فَأكَلَتْ كُلَّ ما عَمِلُوا في المَيْلَيْنِ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْها لا يَحْسَبُونَ إلّا أنَّهُ سِحْرٌ، ثُمَّ أقْبَلَتْ نَحْوَ فِرْعَوْنَ لِتَبْتَلِعَهُ فاتِحَةً فاها ثَمانِينَ ذِراعًا فَصاحَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخَذَها فَإذا هي عَصا كَما كانَتْ ونَظَرَتِ السَّحَرَةُ فَإذا هي لَمْ تَدَعْ مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ شَيْئًا إلّا أكَلَتْهُ، فَعَرَفَتِ السَّحَرَةُ أنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ وقالُوا: أيْنَ حِبالُنا وعِصِيُّنا لَوْ لَمْ تَكُنْ سِحْرًا لَبَقِيَتْ فَخَرُّوا سُجَّدًا وقالُوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في عَدَدِ السَّحَرَةِ قالَ القاسِمُ بْنُ سَلّامٍ: كانُوا سَبْعِينَ ألْفًا مَعَ كُلِّ واحِدٍ عَصا وحَبْلٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانُوا بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا مَعَ كُلِّ واحِدٍ عَصًا وحَبْلٌ، وقالَ وهْبٌ: كانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وعِكْرِمَةُ كانُوا تِسْعَمِائَةٍ: ثَلَثُمِائَةٍ مِنَ الفُرْسِ وثَلَثُمِائَةٍ مِنَ الرُّومِ وثَلَثُمِائَةٍ مِنَ الإسْكَنْدَرِيَّةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ ساحِرًا اثْنانِ مِنهم مِنَ القِبْطِ وسَبْعُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، أكْرَهَهم فِرْعَوْنُ عَلى ذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّ الِاخْتِلافَ والتَّفاوُتَ واقِعٌ في عَدَدٍ كَثِيرٍ، وظاهِرُ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِنهُ، والأقْوالُ إذا تَعارَضَتْ تَساقَطَتْ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ في إذا هَذِهِ ”إذا“ المُفاجَأةُ، والتَّحْقِيقُ فِيها أنَّها ”إذا“ الكائِنَةُ بِمَعْنى الوَقْتِ الطّالِبَةُ ناصِبًا لَها وجُمْلَةً تُضافُ إلَيْها خُصَّتْ في بَعْضِ المَواضِعِ بِأنْ تَكُونَ ناصِبًا فِعْلًا مَخْصُوصًا وهو فِعْلُ المُفاجَأةِ، والجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةٌ لا غَيْرُ، فَتَقْدِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهُمْ﴾ فَفاجَأ مُوسى وقْتَ تَخَيُّلِ سَعْيِ حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ وهَذا تَمْثِيلٌ، والمَعْنى عَلى مُفاجَأتِهِ حِبالَهم وعِصِيَّهم مُخَيِّلَةً إلَيْهِ السَّعْيَ اهـ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ ”عُصِيُّهم“ بِالضَّمِّ وهو الأصْلُ والكَسْرُ إتْباعٌ نَحْوَ دُلِيٌّ ودِلِيٌّ وقُسِيٌّ وقِسِيٌّ، وقُرِئَ ”تُخَيَّلُ“ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقُ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الحِبالِ والعِصِيِّ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الكَيْدِ والسِّحْرِ، وقالَ الفَرّاءُ أيْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ سَعْيُها.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمُرادُ أنَّهم بَلَغُوا في سِحْرِهِمُ المَبْلَغَ الَّذِي صارَ يُخَيَّلُ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها تَسْعى كَسَعْيِ ما يَكُونُ حَيًّا مِنَ الحَيّاتِ لا أنَّها كانَتْ حَيَّةً في الحَقِيقَةِ، ويُقالُ: إنَّهم حَشَوْها بِما إذا وقَعَتِ الشَّمْسُ عَلَيْهِ يَضْطَرِبُ ويَتَحَرَّكُ. ولَمّا كَثُرَتْ واتَّصَلَ بَعْضُها بِبَعْضٍ فَمَن رَآها كانَ يَظُنُّ أنَّها تَسْعى، فَأمّا ما رُوِيَ عَنْ وهْبٍ أنَّهم سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ وعَيْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى تَخَيَّلَ ذَلِكَ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ فَهَذا غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ وقْتُ إظْهارِ المُعْجِزَةِ والأدِلَّةِ وإزالَةِ الشُّبْهَةِ فَلَوْ صارَ بِحَيْثُ لا يُمَيِّزُ المَوْجُودَ عَنِ الخَيالِ الفاسِدِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِن إظْهارِ المُعْجِزَةِ فَحِينَئِذٍ يَفْسُدُ المَقْصُودُ
صفحة ٧٣
فَإذَنِ المُرادُ أنَّهُ شاهَدَ شَيْئًا لَوْلا عِلْمُهُ بِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لِذَلِكَ الشَّيْءِ لَظَنَّ فِيها أنَّها تَسْعى.
20:69Page 316
وَأَلۡقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوٓاْۖ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيۡدُ سَٰحِرٖۖ وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ ٦٩
And throw what is in your right hand; it will swallow up what they have crafted. What they have crafted is but the trick of a magician, and the magician will not succeed wherever he is."
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾، فالإيجاسُ اسْتِشْعارُ الخَوْفِ أيْ وجَدَ في نَفْسِهِ خَوْفًا، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ لا مَزِيدَ في إزالَةِ الخَوْفِ عَلى ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ كَلَّمَهُ أوَّلًا وعَرَضَ عَلَيْهِ المُعْجِزاتِ الباهِرَةَ كالعَصا واليَدِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى صَيَّرَها كَما كانَتْ بَعْدَ أنْ كانَتْ كَأعْظَمِ ثُعْبانٍ، ثُمَّ إنَّهُ أعْطاهُ الِاقْتِراحاتِ الثَّمانِيَةَ وذَكَرَ ما أعْطاهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ المِنَنِ الثَّمانِيَةِ ثُمَّ قالَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ فَمَعَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ الكَثِيرَةِ كَيْفَ وقَعَ الخَوْفُ في قَلْبِهِ، والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ الخَوْفَ إنَّما كانَ لِما طُبِعَ الآدَمِيُّ عَلَيْهِ مِن ضَعْفِ القَلْبِ، وإنْ كانَ قَدْ عَلِمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم لا يَصِلُونَ إلَيْهِ وأنَّ اللَّهَ ناصِرُهُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
وثانِيها: أنَّهُ خافَ أنْ تَدْخُلَ عَلى النّاسِ شُبْهَةٌ فِيما يَرَوْنَهُ فَيَظُنُّوا أنَّهم قَدْ ساوَوْا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويَشْتَبِهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وهَذا التَّأْوِيلُ مُتَأكَّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ.
وثالِثُها: أنَّهُ خافَ حَيْثُ بَدَءُوا وتَأخَّرَ إلْقاؤُهُ أنْ يَنْصَرِفَ بَعْضُ القَوْمِ قَبْلَ مُشاهَدَةِ ما يُلْقِيهِ فَيَدُومُوا عَلى اعْتِقادِ الباطِلِ.
ورابِعُها: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا بِأنْ لا يَفْعَلَ شَيْئًا إلّا بِالوَحْيِ فَلَمّا تَأخَّرَ نُزُولُ الوَحْيِ عَلَيْهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ خافَ أنْ لا يَنْزِلَ الوَحْيُ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَيَبْقى في الخَجالَةِ.
وخامِسُها: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خافَ مِن أنَّهُ لَوْ أبْطَلَ سِحْرَ أُولَئِكَ الحاضِرِينَ فَلَعَلَّ فِرْعَوْنَ قَدْ أعَدَّ أقْوامًا آخَرِينَ فَيَأْتِيهِ بِهِمْ فَيَحْتاجُ مَرَّةً أُخْرى إلى إبْطالِ سِحْرِهِمْ وهَكَذا مِن غَيْرِ أنْ يَظْهَرَ لَهُ مَقْطَعٌ، وحِينَئِذٍ لا يَتِمُّ الأمْرُ ولا يَحْصُلُ المَقْصُودُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أزالَ ذَلِكَ الخَوْفَ بِالإجْمالِ أوَّلًا وبِالتَّفْصِيلِ ثانِيًا، أمّا الإجْمالُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ ودَلالَتُهُ عَلى أنَّ خَوْفَهُ كانَ لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى أنَّ أمْرَهُ لا يَظْهَرُ لِلْقَوْمِ فَآمَنَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ وفِيهِ أنْواعٌ مِنَ المُبالَغَةِ:
أحَدُها: ذِكْرُ كَلِمَةِ التَّأْكِيدِ وهي ”إنَّ“ .
وثانِيها: تَكْرِيرُ الضَّمِيرِ.
وثالِثُها: لامُ التَّعْرِيفِ.
ورابِعُها: لَفْظُ العُلُوِّ وهو الغَلَبَةُ الظّاهِرَةُ، وأمّا التَّفْصِيلُ فَقَوْلُهُ: ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ لِمَ لَمْ يَقُلْ: وألْقِ عَصاكَ. والجَوابُ: جازَ أنْ يَكُونَ تَصْغِيرًا لَها أيْ لا تُبالِ بِكَثْرَةِ حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ وألْقِ العُوَيْدَ الفَرْدَ الصَّغِيرَ الجِرْمِ الَّذِي بِيَمِينِكَ فَإنَّهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى يَتَلَقَّفُها عَلى وحْدَتِهِ وكَثْرَتِها وصِغَرِهِ وعِظَمِها وجائِزٌ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لَها أيْ لا تَحْتَفِلْ بِهَذِهِ الأجْرامِ الكَثِيرَةِ فَإنَّ في يَمِينِكَ شَيْئًا أعْظَمُ مِنها كُلِّها وهَذِهِ عَلى كَثْرَتِها أقَلُّ شَيْءٍ عِنْدَها فَألْقِهِ يَتَلَقَّفْها بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى ويَمْحَقْها، أمّا قَوْلُهُ: ﴿تَلْقَفْ﴾ أيْ فَإنَّكَ إذا ألْقَيْتَها فَإنَّها ”تَلْقَفْ ما صَنَعُوا“ قِراءَةُ العامَّةِ تَلَقَّفْ بِالجَزْمِ والتَّشْدِيدِ أيْ فَألْقِها تَتَلَقَّفْها، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”تَلَقَّفُ“ بِالتَّشْدِيدِ وضَمِّ الفاءِ عَلى مَعْنى الحالِ أيْ ألْقِها مُتَلَقِّفَةً أوْ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِسُكُونِ اللّامِ مَعَ التَّخْفِيفِ أيْ تَأْخُذْ بِفِيها ابْتِلاعًا بِسُرْعَةٍ، واللَّقْفُ والتَّلَقُّفُ جَمِيعًا يَرْجِعانِ إلى هَذا المَعْنى، و”صَنَعُوا“ هَهُنا بِمَعْنى اخْتَلَقُوا وزَوَّرُوا، والعَرَبُ تَقُولُ في الكَذِبِ: هو كَلامٌ مَصْنُوعٌ ومَوْضُوعٌ وصِحَّةُ قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفْ﴾ أنَّهُ إذا ألْقى ذَلِكَ وصارَتْ حَيَّةً تَلَقَّفَتْ ما صَنَعُوا وفي قَوْلِهِ: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ ألْقى العَصا وصارَتْ حَيَّةً وتَلَقَّفَتْ ما صَنَعُوهُ، وفي التَّلَقُّفِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ ما ألْقَوْهُ تَلَقَّفَتْهُ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ عِظَمِ جَسَدِها وشِدَّةِ قُوَّتِها. وقَدْ حُكِيَ عَنِ السَّحَرَةِ أنَّهم عِنْدَ التَّلَقُّفِ أيْقَنُوا بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ مِن مَقْدُورِ البَشَرِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: ظُهُورُ حَرَكَةِ
صفحة ٧٤
العَصا عَلى وجْهٍ لا يَكُونُ مِثْلُهُ بِالحِيلَةِ.
وثانِيها: زِيادَةُ عِظَمِهِ عَلى وجْهٍ لا يَتِمُّ ذَلِكَ بِالحِيلَةِ.
وثالِثُها: ظُهُورُ الأعْضاءِ عَلَيْهِ مِنَ العَيْنِ والمَنخِرَيْنِ والفَمِ وغَيْرِها ولا يَتِمُّ ذَلِكَ بِالحِيلَةِ.
ورابِعُها: تَلَقُّفُ جَمِيعِ ما ألْقَوْهُ عَلى كَثْرَتِهِ وذَلِكَ لا يَتِمُّ بِالحِيلَةِ.
وخامِسُها: عَوْدُهُ خَشَبَةً صَغِيرَةً كَما كانَتْ، وشَيْءٌ مِن ذَلِكَ لا يَتِمُّ بِالحِيلَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ ما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ، والمَعْنى أنَّ الَّذِي مَعَكَ يا مُوسى مُعْجِزَةٌ إلَهِيَّةٌ والَّذِي مَعَهم تَمْوِيهاتٌ باطِلَةٌ فَكَيْفَ يَحْصُلُ التَّعارُضُ. وقُرِئَ ”كَيْدُ ساحِرٍ“ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ فَمَن رَفَعَ فَعَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ ومَن نَصَبَ فَعَلى أنَّها كافَّةٌ، وقُرِئَ ”كَيْدُ سِحْرٍ“ بِمَعْنى ذِي سِحْرٍ أوْ ذَوِي سِحْرٍ أوْ هم لِتَوَغُّلِهِمْ في سِحْرِهِمْ كَأنَّهُمُ السِّحْرُ بِعَيْنِهِ وبِذاتِهِ أوْ بَيِّنُ الكَيْدِ لِأنَّهُ يَكُونُ سِحْرًا وغَيْرَ سِحْرٍ، كَما يُبَيَّنُ المِائَةُ بِدِرْهَمٍ، ونَحْوُهُ عِلْمُ فِقْهٍ وعِلْمُ نَحْوٍ، بَقِيَ سَؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ وحَّدَ السّاحِرَ، ولَمْ يَجْمَعْ. الجَوابُ: لِأنَّ القَصْدَ في هَذا الكَلامِ إلى مَعْنى الجِنْسِيَّةِ لا إلى مَعْنى العَدَدِ فَلَوْ جَمَعَ تُخِيَّلَ أنَّ المَقْصُودَ هو العَدَدُ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ أيْ هَذا الجِنْسَ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ نَكَّرَ أوَّلًا ثُمَّ عَرَّفَ ثانِيًا.
الجَوابُ: كَأنَّهُ قالَ: هَذا الَّذِي أتَوْا بِهِ قِسْمٌ واحِدٌ مِن أقْسامِ السِّحْرِ وجَمِيعُ أقْسامِ السِّحْرِ لا فائِدَةَ فِيهِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا الكَلامَ عَلى هَذا الوَجْهِ أبْلَغُ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ السّاحِرَ لا يَحْصُلُ لَهُ مَقْصُودُهُ بِالسِّحْرِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا وذَلِكَ يَقْتَضِي نَفْيَ السِّحْرِ بِالكُلِّيَّةِ. الجَوابُ: الكَلامُ في السِّحْرِ وحَقِيقَتُهُ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَلا وجْهَ لِلْإعادَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
20:70–71Page 316
فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدٗا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ ٧٠
So the magicians fell down in prostration.1 They said, "We have believed in the Lord of Aaron and Moses."
قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ وَلَتَعۡلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابٗا وَأَبۡقَىٰ ٧١
[Pharaoh] said, "You believed him [i.e., Moses] before I gave you permission. Indeed, he is your leader who has taught you magic. So I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides, and I will crucify you on the trunks of palm trees, and you will surely know which of us is more severe in [giving] punishment and more enduring."
قوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ ألْقى ما في يَمِينِهِ وصارَ حَيَّةً تَلْقَفُ ما صَنَعُوا وظَهَرَ الأمْرُ فَخَرُّوا عِنْدَ ذَلِكَ سُجَّدًا وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا في الطَّبَقَةِ العُلْيا مِن عِلْمِ السِّحْرِ فَلَمّا رَأوْا ما فَعَلَهُ مُوسى
صفحة ٧٥
عَلَيْهِ السَّلامُ خارِجًا عَنْ صِناعَتِهِمْ عَرَفُوا أنَّهُ لَيْسَ مِنَ السِّحْرِ البَتَّةَ ويُقالُ: قالَ رَئِيسُهم: كُنّا نُغالِبُ النّاسَ بِالسِّحْرِ وكانَتِ الآلاتُ تَبْقى عَلَيْنا لَوْ غَلَبَنا فَلَوْ كانَ هَذا سِحْرًا فَأيْنَ ما ألْقَيْناهُ ؟ فاسْتَدَلُّوا بِتَغَيُّرِ أحْوالِ الأجْسامِ عَلى الصّانِعِ العالِمِ القادِرِ وبِظُهُورِها عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَلا جَرَمَ تابُوا وآمَنُوا وأتَوْا بِما هو النِّهايَةُ في الخُضُوعِ وهو السُّجُودُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ فَلَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّهم أُجْبِرُوا عَلى السُّجُودِ وإلّا لَما كانُوا مَحْمُودِينَ بَلِ التَّأْوِيلُ فِيهِ ما قالَ الأخْفَشُ وهو أنَّهم مِن سُرْعَةِ ما سَجَدُوا كَأنَّهم أُلْقُوا، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ما أعْجَبَ أمْرَهم قَدْ ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم لِلْكُفْرِ والجُحُودِ، ثُمَّ ألْقَوْا رُءُوسَهم بَعْدَ ساعَةٍ لِلشُّكْرِ والسُّجُودِ. فَما أعْظَمَ الفَرْقَ بَيْنَ الإلْقاءَيْنِ، ورُوِيَ أنَّهم لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهم حَتّى رَأوُا الجَنَّةَ والنّارَ ورَأوْا ثَوابَ أهْلِها. وعَنْ عِكْرِمَةَ: لَمّا خَرُّوا سُجَّدًا أراهُمُ اللَّهُ في سُجُودِهِمْ مَنازِلَهُمُ الَّتِي يَصِيرُونَ إلَيْها في الجَنَّةِ. قالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ أراهم عِيانًا لَصارُوا مُلْجَئِينَ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِهِ قَوْلُهم: ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ [طه: ٧٣] . وجَوابُهُ: لَمّا جازَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قَطْعِهِ بِكَوْنِهِ مَغْفُورًا لَهُ أنْ يَقُولَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ [الشعراء: ٨٢] فَلِمَ لا يَجُوزُ مِثْلُهُ في حَقِّ السَّحَرَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ تُنَبِّهُ عَلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ مِن أُمُورِ الرُّبُوبِيَّةِ ونَفاذِ القَضاءِ الإلَهِيِّ وقَدَرِهِ في جُمْلَةِ المُحْدَثاتِ، وذَلِكَ لِأنَّ ظُهُورَ تِلْكَ الأدِلَّةِ كانَتْ بِمَرْأًى مِنَ الكُلِّ ومَسْمَعٍ فَكانَ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ فِيها جَلِيًّا ظاهِرًا وهو أنَّهُ حَدَثَتْ أُمُورٌ فَلا بُدَّ لَها مِن مُؤَثِّرٍ والعِلْمُ بِذَلِكَ ضَرُورِيٌّ، وذَلِكَ المُؤَثِّرُ إمّا الخَلْقُ، وإمّا غَيْرُهم. والأوَّلُ بَدِيهِيُّ البُطْلانِ لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى إيجادِ الحَيَواناتِ وتَعْظِيمِ جُثَّتِها دُفْعَةً واحِدَةً ثُمَّ يُصَغِّرُها مَرَّةً أُخْرى كَما كانَتْ، وهَذِهِ العُلُومُ الجَلِيَّةُ مَتى حَصَلَتْ في العَقْلِ أفادَتِ القَطْعَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن مُدَبِّرٍ لِهَذا العالَمِ، فَماذا يَقُولُ ألا تَرى أنَّ أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ جَهِلُوا صِحَّةَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ وهَذا في نِهايَةِ البُعْدِ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ ارْتِيابُ العاقِلِ فِيهِ، وإذًا فَقَدْ عَرَفُوا صِحَّتَها لَكِنَّهم أصَرُّوا عَلى الجَهْلِ وكَرِهُوا تَحْصِيلَ العِلْمِ والسَّعادَةِ لِأنْفُسِهِمْ وأحَبُّوا تَحْصِيلَ الجَهْلِ والشَّقاوَةِ لِأنْفُسِهِمْ ما أرى أنَّ عاقِلًا يَرْضى بِذَلِكَ لِنَفْسِهِ قَطُّ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: العَقْلُ والدَّلِيلُ لا يَكْفِي بَلْ لا بُدَّ مِن مُدَبِّرٍ يَخْلُقُ هَذِهِ المُقَدِّماتِ في القُلُوبِ، ويَخْلُقُ الشُّعُورَ بِكَيْفِيَّةِ تَرْتِيبِها وبِكَيْفِيَّةِ اسْتِنْتاجِها لِلنَّتِيجَةِ حَتّى إنَّهُ مَتى فَعَلَ ذَلِكَ حَصَلَتِ النَّتائِجُ في القُلُوبِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ فَإنَّهُ لا اعْتِمادَ عَلى العُقُولِ والقُلُوبِ في مَجارِيها وتَصَرُّفاتِها ومَن طَرَحَ التَّعَصُّبَ عَنْ قَلْبِهِ ونَظَرَ إلى أحْوالِ نَفْسِهِ في مَجارِي أفْكارِهِ وأنْظارِهِ ازْدادَ وُثُوقًا بِما ذَكَرْناهُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ فاعْلَمْ أنَّ التَّعْلِيمِيَّةَ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: إنَّهم آمَنُوا بِاللَّهِ الَّذِي عَرَفُوهُ مِن قِبَلِ هارُونَ ومُوسى فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ لا تُسْتَفادُ إلّا مِنَ الإمامِ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ بَلْ في قَوْلِهِمْ: ﴿آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ فائِدَتانِ سِوى ما ذَكَرُوهُ:
الفائِدَةُ الأُولى: وهي أنَّ فِرْعَوْنَ ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] والإلَهِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] فَلَوْ أنَّهم قالُوا: آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ لَكانَ فِرْعَوْنُ يَقُولُ: إنَّهم آمَنُوا بِي لا بِغَيْرِي، فَلِقَطْعِ هَذِهِ التُّهْمَةِ اخْتارُوا هَذِهِ العِبارَةَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهم قَدَّمُوا ذِكْرَ هارُونَ عَلى مُوسى لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَدَّعِي رُبُوبِيَّتَهُ لِمُوسى بِناءً عَلى أنَّهُ رَبّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨] فالقَوْمُ لَمّا احْتَرَزُوا عَنْ إيهاماتِ فِرْعَوْنَ لا جَرَمَ قَدَّمُوا ذِكْرَ هارُونَ عَلى مُوسى قَطْعًا لِهَذا الخَيالِ.
صفحة ٧٦
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: وهي أنَّهم لَمّا شاهَدُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّهُما بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ والدَّرَجاتِ الشَّرِيفَةِ لا جَرَمَ قالُوا: رَبِّ هارُونَ ومُوسى لِأجْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا شاهَدَ مِنهُمُ السُّجُودَ والإقْرارَ خافَ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاقْتِداءِ سائِرِ النّاسِ بِهِمْ في الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وبِرَسُولِهِ فَفي الحالِ ألْقى شُبْهَةً أُخْرى في النَّبِيِّ فَقالَ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وهَذا الكَلامُ مُشْتَمِلٌ عَلى شُبْهَتَيْنِ:
إحْداهُما: قَوْلُهُ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ وتَقْرِيرُهُ أنَّ الِاعْتِمادَ عَلى الخاطِرِ الأوَّلِ غَيْرُ جائِزٍ بَلْ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ البَحْثِ والمُناظَرَةِ والِاسْتِعانَةِ بِالخَواطِرِ، فَلَمّا لَمْ تَفْعَلُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ بَلْ في الحالِ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ إيمانَكم لَيْسَ عَنِ البَصِيرَةِ بَلْ عَنْ سَبَبٍ آخَرَ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ يَعْنِي أنَّكم تَلامِذَتُهُ في السِّحْرِ فاصْطَلَحْتُمْ عَلى أنْ تُظْهِرُوا العَجْزَ مِن أنْفُسِكم تَرْوِيجًا لِأمْرِهِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، ثُمَّ بَعْدَ إيرادِ الشُّبْهَةِ اشْتَغَلَ بِالتَّهْدِيدِ تَنْفِيرًا لَهم عَنِ الإيمانِ وتَنْفِيرًا لِغَيْرِهِمْ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِمْ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فلأقطعن أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ قُرِئَ ”لَأقْطَعَنَّ ولَأصْلِبَنَّ“ بِالتَّخْفِيفِ. والقَطْعُ مِن خِلافٍ أنْ تُقْطَعَ اليَدُ اليُمْنى والرِّجْلُ اليُسْرى لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ العُضْوَيْنِ خِلافُ الآخَرِ، فَإنَّ هَذا يَدٌ وذاكَ رِجْلٌ وهَذا يَمِينٌ وذاكَ شِمالٌ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن خِلافٍ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ أيْ: لَأُقَطِّعَنَّها مُخْتَلِفاتٍ لِأنَّها إذا خالَفَ بَعْضُها بَعْضًا فَقَدِ اتَّصَفَتْ بِالِاخْتِلافِ ثُمَّ قالَ: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ فَشَبَّهَ تَمَكُّنَ المَصْلُوبِ في الجِذْعِ بِتَمَكُّنِ الشَّيْءِ المُوعى في وِعائِهِ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ والَّذِي يُقالُ في المَشْهُورِ أنَّ ”في“ بِمَعْنى عَلى فَضَعِيفٌ ثُمَّ قالَ: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أيُّنا﴾ نَفْسَهُ لَعَنَهُ اللَّهُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أيُّنا﴾ يُشْعِرُ بِأنَّهُ أرادَ نَفْسَهُ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ وفِيهِ تَصالُفٌ بِاقْتِدارِهِ وقَهْرِهِ وما ألِفَهُ مِن تَعْذِيبِ النّاسِ بِأنْواعِ العَذابِ واسْتِضْعافِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ الهُزْءِ بِهِ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَطُّ لَمْ يَكُنْ مِنَ التَّعْذِيبِ في شَيْءٍ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ مَعَ قُرْبِ عَهْدِهِ بِمُشاهَدَةِ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً بِتِلْكَ العَظَمَةِ الَّتِي شَرَحْتُمُوها وذَكَرْتُمْ أنَّها قَصَدَتِ ابْتِلاعَ قَصْرِ فِرْعَوْنَ وآلَ الأمْرُ إلى أنِ اسْتَغاثَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن شَرِّ ذَلِكَ الثُّعْبانِ فَمَعَ قُرْبِ عَهْدِهِ بِذَلِكَ وعَجْزِهِ عَنْ دَفْعِهِ كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُهَدِّدَ السَّحَرَةَ ويُبالِغَ في وعِيدِهِمْ إلى هَذا الحَدِّ ويَسْتَهْزِئَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ في أشَدِّ الخَوْفِ في قَلْبِهِ إلّا أنَّهُ كانَ يُظْهِرُ تِلْكَ الجَلادَةَ والوَقاحَةَ تَمْشِيَةً لِنامُوسِهِ وتَرْوِيجًا لِأمْرِهِ، ومَنِ اسْتَقْرى أحْوالَ أهْلِ العالَمِ عَلِمَ أنَّ العاجِزَ قَدْ يَفْعَلُ أمْثالَ هَذِهِ الأشْياءِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ أنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ عَذابَ اللَّهِ أشَدُّ مِن عَذابِ البَشَرِ، ثُمَّ إنَّهُ أنْكَرَ ذَلِكَ، وأيْضًا فَقَدْ كانَ عالِمًا بِكَذِبِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما خالَطَهُمُ البَتَّةَ وما لَقِيَهم وكانَ يَعْرِفُ مِن سَحَرَتِهِ أنَّ أُسْتاذَ كُلِّ واحِدٍ مَن هو وكَيْفَ حَصَّلَ ذَلِكَ العِلْمَ، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ كانَ يَقُولُ هَذِهِ الأشْياءَ، فَثَبَتَ أنَّ سَبِيلَهُ في كُلِّ ذَلِكَ ما ذَكَرْناهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”كانُوا في أوَّلِ النَّهارِ سَحَرَةً، وفي آخِرِهِ شُهَداءَ“ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences