Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Taha 20:72–79
20:72–76Page 316
قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ ٧٢
They said, "Never will we prefer you over what has come to us of clear proofs and [over] He who created us.1 So decree whatever you are to decree. You can only decree for this worldly life.
إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ٧٣
Indeed, we have believed in our Lord that He may forgive us our sins and what you compelled us [to do] of magic. And Allāh is better and more enduring."1
إِنَّهُۥ مَن يَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمٗا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ٧٤
Indeed, whoever comes to his Lord as a criminal - indeed, for him is Hell; he will neither die therein nor live.
وَمَن يَأۡتِهِۦ مُؤۡمِنٗا قَدۡ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلۡعُلَىٰ ٧٥
But whoever comes to Him as a believer having done righteous deeds - for those will be the highest degrees [in position]:
جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ٧٦
Gardens of perpetual residence beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of one who purifies himself.1
صفحة ٧٧
قوله تعالى: ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ والَّذِي فَطَرَنا فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى تَهْدِيدَ فِرْعَوْنَ لِأُولَئِكَ حَكى جَوابَهم عَنْ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى حُصُولِ اليَقِينِ التّامِّ والبَصِيرَةِ الكامِلَةِ لَهم في أُصُولِ الدِّينِ، فَقالُوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ طَلَبَ مِنهُمُ الرُّجُوعَ عَنِ الإيمانِ وإلّا فَعَلَ بِهِمْ ما أوْعَدَهم فَقالُوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ جَوابًا لِما قالَهُ وبَيَّنُوا العِلَّةَ وهي أنَّ الَّذِي جاءَهم بَيِّناتٌ وأدِلَّةٌ، والَّذِي يَذْكُرُهُ فِرْعَوْنُ مَحْضُ الدُّنْيا، ومَنافِعُ الدُّنْيا ومَضارُّها لا تُعارِضُ مَنافِعَ الآخِرَةِ ومَضارَّها، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّقْدِيرَ لَنْ نُؤْثِرَكَ يا فِرْعَوْنُ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ وعَلى الَّذِي فَطَرَنا أيْ وعَلى طاعَةِ الَّذِي فَطَرَنا وعَلى عِبادَتِهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَفْضًا عَلى القَسَمِ. واعْلَمْ أنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنَّهم مَتى أصَرُّوا عَلى الإيمانِ فَعَلَ فِرْعَوْنُ ما أوْعَدَهم بِهِ فَقالُوا: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ لا عَلى مَعْنى أنَّهم أمَرُوهُ بِذَلِكَ لَكِنْ أظْهَرُوا أنَّ ذَلِكَ الوَعِيدَ لا يُزِيلُهُمُ البَتَّةَ عَنْ إيمانِهِمْ وعَمّا عَرَفُوهُ مِنَ الحَقِّ عِلْمًا وعَمَلًا، ثُمَّ بَيَّنُوا ما لِأجْلِهِ يَسْهُلُ عَلَيْهِمِ احْتِمالُ ذَلِكَ فَقالُوا: ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وقُرِئَ: ”تُقْضى هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا“ ووَجْهُها أنَّ الحَياةَ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ مُنْتَصِبَةٌ عَلى الظَّرْفِ فاتُّسِعَ في الظَّرْفِ بِإجْرائِهِ مُجْرى المَفْعُولِ بِهِ كَقَوْلِكَ: في صُمْتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ صِيمَ، والمَعْنى أنَّ قَضاءَكَ وحُكْمَكَ إنَّما يَكُونُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا وهي كَيْفَ كانَتْ فانِيَةً وإنَّما مَطْلَبُنا سَعادَةُ الآخِرَةِ وهي باقِيَةٌ، والعَقْلُ يَقْتَضِي تَحَمُّلَ الضَّرَرِ الفانِي المُتَوَصَّلِ بِهِ إلى السَّعادَةِ الباقِيَةِ ثُمَّ قالُوا: ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ ولَمّا كانَ أقْرَبُ خَطاياهم عَهْدًا ما أظْهَرُوهُ مِنَ السِّحْرِ، قالُوا: ﴿وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ وذَكَرُوا في ذَلِكَ الإكْراهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُلُوكَ في ذَلِكَ الزَّمانِ كانُوا يَأْخُذُونَ البَعْضَ مِن رَعِيَّتِهِمْ ويُكَلِّفُونَهم تَعَلُّمَ السِّحْرِ فَإذا شاخَ بَعَثُوا إلَيْهِ أحْداثًا لِيُعَلِّمَهم لِيَكُونَ في كُلِّ وقْتٍ مَن يُحْسِنُهُ فَقالُوا هَذا القَوْلَ لِأجْلِ ذَلِكَ أيْ كُنّا في التَّعَلُّمِ أوَّلًا والتَّعْلِيمِ ثانِيًا مُكْرَهِينَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وثانِيها: أنَّ رُؤَساءَ السَّحَرَةِ كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ، اثْنانِ مِنَ القِبْطِ، والباقِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَقالُوا لِفِرْعَوْنَ: أرِنا مُوسى نائِمًا فَرَأوْهُ فَوَجَدُوهُ تَحْرُسُهُ عَصاهُ فَقالُوا: ما هَذا بِساحِرٍ، السّاحِرُ إذا نامَ بَطَلَ سِحْرُهُ فَأبى إلّا أنْ يُعارِضُوهُ.
وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ: إنَّ السَّحَرَةَ حُشِرُوا مِنَ المَدائِنِ لِيُعارِضُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأُحْضِرُوا بِالحَشْرِ وكانُوا مُكْرَهِينَ في الحُضُورِ ورُبَّما كانُوا مُكْرَهِينَ أيْضًا في إظْهارِ السِّحْرِ.
ورابِعُها: قالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: دَعْوَةُ السُّلْطانِ إكْراهٌ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ دَعْوَةَ السُّلْطانِ إذا لَمْ يَكُنْ
صفحة ٧٨
مَعَها خَوْفٌ لَمْ تَكُنْ إكْراهًا، ثُمَّ قالُوا: ﴿واللَّهُ خَيْرٌ﴾ ثَوابًا لِمَن أطاعَهُ. ﴿وأبْقى﴾ عِقابًا لِمَن عَصاهُ، وهَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ . قالَ الحَسَنُ: سُبْحانَ اللَّهِ القَوْمُ كُفّارٌ وهم أشَدُّ الكافِرِينَ كُفْرًا ثَبَتَ في قُلُوبِهِمِ الإيمانُ في طَرْفَةِ عَيْنٍ فَلَمْ يَتَعاظَمْ عِنْدَهم أنْ قالُوا: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى، واللَّهِ إنَّ أحَدَكُمُ اليَوْمَ لَيَصْحَبُ القُرْآنَ سِتِّينَ عامًا ثُمَّ إنَّهُ يَبِيعُ دِينَهُ بِثَمَنٍ حَقِيرٍ، ثُمَّ خَتَمُوا هَذا الكَلامَ بِشَرْحِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ وأحْوالِ المُجْرِمِينَ في عَرْصَةِ القِيامَةِ، فَقالُوا في المُجْرِمِينَ: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ ضَمِيرُ الشَّأْنِ يَعْنِي أنَّ الأمْرَ والشَّأْنَ كَذا وكَذا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ في القَطْعِ عَلى وعِيدِ أصْحابِ الكَبائِرِ قالُوا: صاحِبُ الكَبِيرَةِ مُجْرِمٌ وكُلُّ مُجْرِمٍ فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ وكَلِمَةُ ”مَن“ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ تُفِيدُ العُمُومَ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَجُوزُ اسْتِثْناءُ كُلِّ واحِدٍ مِنها والِاسْتِثْناءُ يُخْرِجُ مِنَ الكَلامِ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ، واعْتَرَضَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ مِن أصْحابِنا عَلى هَذا الكَلامِ، فَقالَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُجْرِمٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ المُجْرِمَ في مُقابَلَةِ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] وأيْضًا فَإنَّهُ قالَ: ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ والمُؤْمِنُ صاحِبُ الكَبِيرَةِ وإنْ عُذِّبَ بِالنّارِ لا يَكُونُ بِهَذا الوَصْفِ، وفي الخَبَرِ الصَّحِيحِ: ”«يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنَ الإيمانِ» “ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الِاعْتِراضاتِ ضَعِيفَةٌ، أمّا قَوْلُهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ المُجْرِمَ في مُقابَلَةِ المُؤْمِنِ فَهَذا مُسَلَّمٌ لَكِنَّ هَذا إنَّما يَنْفَعُ لَوْ ثَبَتَ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ، ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ أنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ فَهَذا المُعْتَرِضُ كَأنَّهُ بَنى هَذا الِاعْتِراضَ عَلى مَذْهَبِ نَفْسِهِ وذَلِكَ ساقِطٌ، قَوْلُهُ ثانِيًا: إنَّهُ لا يَلِيقُ بِصاحِبِ الكَبِيرَةِ أنْ يُقالَ في حَقِّهِ: إنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيى، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ فَإنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ في غايَةِ الشِّدَّةِ قالَ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، وأمّا الحَدِيثُ فَيُقالُ: ”القُرْآنُ مُتَواتِرٌ فَلا يُعارِضُهُ خَبَرُ الواحِدِ“ . ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّهُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ ولِلْخَصْمِ أنْ يُجِيبَ فَيَقُولُ: ذَلِكَ يُفِيدُ الظَّنَّ فَيَجُوزُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ في العَمَلِيّاتِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ لَيْسَتْ مِنَ العَمَلِيّاتِ بَلْ مِنَ الِاعْتِقاداتِ، فَلا يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْها هَهُنا. فَإنِ اعْتَرَضَ إنْسانٌ آخَرُ، وقالَ: أجْمَعْنا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَشْرُوطَةٌ بِنَفْيِ التَّوْبَةِ وبِأنْ لا يَكُونَ عِقابُهُ مُحْبَطًا بِثَوابِ طاعَتِهِ، والقَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ هو أنْ لا يُوجَدَ ما يُحْبِطُ ذَلِكَ العِقابَ ولَكِنْ عِنْدَنا العَفْوُ مُحْبِطٌ لِلْعِقابِ، وعِنْدَنا أنَّ المُجْرِمَ الَّذِي لا يُوجَدُ في حَقِّهِ العَفْوُ لا بُدَّ وأنْ يَدْخُلَ جَهَنَّمَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاعْتِراضَ أيْضًا ضَعِيفٌ أمّا شَرْطُ نَفْيِ التَّوْبَةِ فَلا حاجَةَ إلَيْهِ لِأنَّهُ قالَ: ﴿مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِ مُجْرِمًا والتّائِبُ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ أتى رَبَّهُ حالَ كَوْنِهِ مُجْرِمًا. وأمّا صاحِبُ الصَّغِيرَةِ فَلِأنَّهُ لا يُسَمّى مُجْرِمًا لِأنَّ المُجْرِمَ اسْمٌ لِلذَّمِّ فَلا يَجُوزُ إطْلاقُهُ عَلى صاحِبِ الصَّغِيرَةِ، بَلِ الِاعْتِراضُ الصَّحِيحُ أنْ نَقُولَ: عُمُومُ هَذا الوَعِيدِ مُعارَضٌ بِما جاءَ بَعْدَهُ مِن عُمُومِ الوَعْدِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ وكَلامُنا فِيمَن أتى بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ ثُمَّ أتى بَعْدَ ذَلِكَ بِبَعْضِ الكَبائِرِ. فَإنْ قِيلَ: عِقابُ المَعْصِيَةِ يُحْبِطُ ثَوابَ الطّاعَةِ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ثَوابُ الإيمانِ يَدْفَعُ عِقابَ المَعْصِيَةِ فَإنْ قالُوا: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ لَعْنُهُ وإقامَةُ الحَدِّ عَلَيْهِ. قُلْنا: أمّا
صفحة ٧٩
اللَّعْنُ لِلْغَيْرِ جائِزٌ عِنْدَنا، وأمّا إقامَةُ الحَدِّ عَلَيْهِ فَقَدْ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ المِحْنَةِ كَما في حَقِّ التّائِبِ، وقَدْ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] فاللَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إقامَةُ الحَدِّ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلْمَدْحِ والتَّعْظِيمِ، وإذا لَمْ يَبْقَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ الثَّوابُ كَما قُلْنا. فَدَلَّنا ذَلِكَ عَلى أنَّ عِقابَ الكَبِيرَةِ أوْلى بِإزالَةِ ثَوابِ الطّاعَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ الطّاعاتِ بِدَفْعِ عِقابِ الكَبِيرَةِ الطّارِئَةِ. هَذا مُنْتَهى كَلامِهِمْ في مَسْألَةِ الوَعِيدِ قُلْنا حاصِلُ الكَلامِ يَرْجِعُ إلى أنَّ النَّصَّ الدّالَّ عَلى إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ صارَ مُعارِضًا لِلنُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ، فَلِمَ كانَ تَرْجِيحُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ أوْلى مِنَ العَكْسِ ؟ وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ كانَ يَنْقَسِمُ إلى السّارِقِ وغَيْرِ السّارِقِ، فالسّارِقُ يَنْقَسِمُ إلى المُؤْمِنِ وإلى غَيْرِ المُؤْمِنِ فَلَمْ يَكُنْ لِأحَدِهِما مَزِيَّةٌ عَلى الآخَرِ في العُمُومِ والخُصُوصِ، فَإذا تَعارَضا تَساقَطا. ثُمَّ نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ كَلِمَةَ ”مَن“ في إفادَةِ العُمُومِ قَطْعِيَّةٌ بَلْ ظَنِّيَّةٌ، ومَسْألَتُنا قَطْعِيَّةٌ؛ فَلا يَجُوزُ التَّعْوِيلُ عَلى ما ذَكَرْتُهُ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ مَذْكُورٌ في كِتابِ المَحْصُولِ في الأُصُولِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَتِ المُجَسِّمَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ فَقالُوا: الجِسْمُ إنَّما يَأْتِي رَبَّهُ لَوْ كانَ الرَّبُّ في المَكانِ. وجَوابُهُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ إتْيانَهم مَوْضِعَ الوَعْدِ إتْيانًا إلى اللَّهِ مَجازًا كَقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الجِسْمُ الحَيُّ لا بُدَّ وأنْ يَبْقى إمّا حَيًّا أوْ يَصِيرُ مَيِّتًا فَخُلُوُّهُ عَنِ الوَصْفَيْنِ مُحالٌ، فَمَعْناهُ في الآيَةِ أنَّهُ يَكُونُ في جَهَنَّمَ بِأسْوَأِ حالٍ لا يَمُوتُ مَوْتَةً مُرِيحَةً ولا يَحْيا حَياةً مُمْتِعَةً. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ آتِيًا بِكُلِّ الصّالِحاتِ. وذَلِكَ بِالِاتِّفاقِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ولا مُمْكِنٍ فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى أداءِ الواجِباتِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مَن أتى بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُ الدَّرَجاتُ العُلى، ثُمَّ فَسَّرَها فَقالَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى حُصُولِ العَفْوِ لِأصْحابِ الكَبائِرِ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الدَّرَجاتِ العُلى مِنَ الجَنَّةِ لِمَن أتى رَبَّهُ بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَسائِرُ الدَّرَجاتِ الَّتِي هي غَيْرُ عالِيَةٍ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ لِغَيْرِهِمْ. ما هم إلّا العُصاةُ مِن أهْلِ الإيمانِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأقُولُ: لَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الدَّرَجاتِ العالِيَةَ هي جَزاءُ مَن تَزَكّى أيْ تَطَهَّرَ عَنِ الذُّنُوبِ وجَبَ بِحُكْمِ ذَلِكَ الخِطابِ أنَّ الدَّرَجاتِ الَّتِي لا تَكُونُ عالِيَةً أنْ لا تَكُونَ جَزاءَ مَن تَزَكّى فَهي لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَكُونُ قَدْ أتى بِالمَعاصِي وعَفا اللَّهُ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ عَنْهم، واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ أنَّ فِرْعَوْنَ فَعَلَ بِأُولَئِكَ القَوْمِ المُؤْمِنِينَ ما أوْعَدَهم بِهِ، ولَكِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ في الأخْبارِ.
20:77–79Page 317
وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ ٧٧
And We had inspired to Moses, "Travel by night with My servants and strike for them a dry path through the sea; you will not fear being overtaken [by Pharaoh] nor be afraid [of drowning]."
فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلۡيَمِّ مَا غَشِيَهُمۡ ٧٨
So Pharaoh pursued them with his soldiers, and there covered them from the sea that which covered them,1
وَأَضَلَّ فِرۡعَوۡنُ قَوۡمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ ٧٩
And Pharaoh led his people astray and did not guide [them].
صفحة ٨٠
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ .
واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في تِلْكَ الحالَةِ كَثُرَ مُسْتَجِيبُوهُ. فَأرادَ اللَّهُ تَعالى تَمْيِيزَهم مِن طائِفَةِ فِرْعَوْنَ وخَلاصَهم فَأوْحى إلَيْهِ أنْ يَسْرِيَ بِهِمْ لَيْلًا، والسُّرى اسْمٌ لِسَيْرِ اللَّيْلِ والإسْراءُ مِثْلُهُ، فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في أنْ يَسْرِيَ بِهِمْ لَيْلًا، قُلْنا لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ اجْتِماعُهم لا بِمَشْهَدٍ مِنَ العَدُوِّ فَلا يَمْنَعُهم عَنِ اسْتِكْمالِ مُرادِهِمْ في ذَلِكَ.
وثانِيها: لِيَكُونَ عائِقًا عَنْ طَلَبِ فِرْعَوْنَ ومُتَّبِعِيهِ.
وثالِثُها: لِيَكُونَ إذا تَقارَبَ العَسْكَرانِ لا يَرى عَسْكَرُ مُوسى عَسْكَرَ فِرْعَوْنَ فَلا يَهابُوهم، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أيْ فاجْعَلْ لَهم مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ لَهُ في مالِهِ سَهْمًا، وضَرَبَ اللَّبِنَ عَمِلَهُ.
والثّانِي: بَيِّنْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ بِالضَّرْبِ بِالعَصا وهو أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِالعَصا حَتّى يَنْفَلِقَ، فَعَدّى الضَّرْبَ إلى الطَّرِيقِ. والحاصِلُ أنَّهُ أُرِيدَ بِضَرْبِ الطَّرِيقِ جَعْلُ الطَّرِيقِ بِالضَّرْبِ يَبَسًا، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ جَمِيعَ أسْبابِ الأمْنِ كانَ حاصِلًا في ذَلِكَ الطَّرِيقِ:
أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَبَسًا، قُرِئَ ”يابِسًا ويَبْسًا“ بِفَتْحِ الياءِ وتَسْكِينِ الباءِ فَمَن قالَ: يابِسًا جَعَلَهُ بِمَعْنى الطَّرِيقِ، ومَن قالَ يَبَسًا بِتَحْرِيكِ الباءِ فاليَبَسُ واليابِسُ شَيْءٌ واحِدٌ، والمَعْنى طَرِيقًا أيْبَسَ. ومَن قالَ: يَبْسًا بِتَسْكِينِ الباءِ فَهو مُخَفَّفٌ عَنِ اليَبْسِ، والمُرادُ أنَّهُ ما كانَ فِيهِ وحَلٌ ولا نَداوَةٌ فَضْلًا عَنِ الماءِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ أيْ لا تَخافُ أنْ يُدْرِكَكَ فِرْعَوْنُ فَإنِّي أحُولُ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ بِالتَّأْخِيرِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: قَوْلُهُ: ﴿تَخافُ﴾ رَفَعَهُ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: عَلى الحالِ كَقَوْلِكَ غَيْرُ خائِفٍ ولا خاشٍ.
والثّانِي: عَلى الِابْتِداءِ أيْ أنْتَ لا تَخافُ وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، قالَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ: المَعْنى لا تَخافُ فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ [البقرة: ٤٨] أيْ لا تَجْزِي فِيهِ نَفْسٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ لا تَخَفْ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ نَهْيٌ.
والثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ: جَعَلَهُ جَوابَ الشَّرْطِ عَلى مَعْنى إنْ تَضْرِبْ لا تَخَفْ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَخْشى﴾ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُهُما: أنْ يَسْتَأْنِفَ كَأنَّهُ قِيلَ وأنْتَ لا تَخْشى أيْ ومِن شَأْنِكَ أنَّكَ آمِنٌ لا تَخْشى.
وثانِيها: أنْ لا تَكُونَ الألِفُ هي الألِفَ المُنْقَلِبَةَ عَنِ الياءِ الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ ولَكِنْ زائِدَةٌ لِلْإطْلاقِ مِن أجْلِ الفاصِلَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ [الأحزاب: ١٠] .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ مِثْلَ قَوْلِهِ:
وتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ كَأنْ لَمْ تَرَيْ قَبْلِي أسِيرًا يَمانِيا
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَخْشى﴾ والمَعْنى أنَّكَ لا تَخافُ إدْراكَ فِرْعَوْنَ ولا تَخْشى الغَرَقَ بِالماءِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ قالَ أبُو مُسْلِمٍ: زَعَمَ رُواةُ اللُّغَةِ أنَّ ”أتْبَعَهم وتَبِعَهم“ واحِدٌ، وذَلِكَ جائِزٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً والمَعْنى: أتْبَعَهم فِرْعَوْنُ جُنُودَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤] ﴿أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] وقالَ الزَّجّاجُ: قُرِئَ: ”فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ
صفحة ٨١
وجُنُودُهُ“ أيْ ومَعَهُ جُنُودُهُ وقُرِئَ: بِجُنُودِهِ، ومَعْناهُ ألْحَقَ جُنُودَهُ بِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَعَهم، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَغَشِيَهُمْ﴾ فالمَعْنى: عَلاهم وسَتَرَهم، وما غَشِيَهم تَعْظِيمٌ لِلْأمْرِ أيْ غَشِيَهم ما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى وقُرِئَ: [ فَغَشّاهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهم ] وفاعِلُ غَشّاهم إمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أوْ ما غَشِيَهم أوْ فِرْعَوْنُ لِأنَّهُ الَّذِي ورَّطَ جُنُودَهُ وتَسَبَّبَ في هَلاكِهِمْ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ فاحْتَجَّ القاضِي بِهِ، وقالَ: لَوْ كانَ الضَّلالُ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَما جازَ أنْ يُقالَ: وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ، بَلْ وجَبَ أنْ يُقالَ: اللَّهُ تَعالى أضَلَّهم، ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّهُ بِذَلِكَ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خالِقًا لِلْكُفْرِ لِأنَّ مَن ذَمَّ غَيْرَهُ بِشَيْءٍ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ هو غَيْرَ فاعِلٍ لِذَلِكَ الفِعْلِ وإلّا لاسْتَحَقَّ ذَلِكَ الذَّمَّ، وقَوْلُهُ: ﴿وما هَدى﴾ تَهَكَّمَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٢٩] ولْنَذْكُرِ القِصَّةَ وما فِيها مِنَ المَباحِثِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى أنْ يَقْطَعَ بِقَوْمِهِ البَحْرَ وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَنُو إسْرائِيلَ اسْتَعارُوا مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ الحُلِيَّ والدَّوابَّ لِعِيدٍ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ فَخَرَجَ بِهِمْ لَيْلًا وهم سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وثَلاثَةُ آلافٍ ونَيِّفٌ لَيْسَ فِيهِمُ ابْنُ سِتِّينَ ولا عِشْرِينَ وقَدْ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَهِدَ إلَيْهِمْ عِنْدَ مَوْتِهِ أنْ يَخْرُجُوا بِعِظامِهِ مَعَهم مِن مِصْرَ فَلَمْ يَخْرُجُوا بِها فَتَحَيَّرَ القَوْمُ حَتّى دَلَّتْهم عَجُوزٌ عَلى مَوْضِعِ العِظامِ فَأخَذُوها، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْعَجُوزِ: احْتَكِمِي فَقالَتْ: أكُونُ مَعَكَ في الجَنَّةِ.
وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ وأبا بَكْرٍ هَجَمُوا عَلى رَجُلٍ مِنَ العَرَبِ وامْرَأةٍ لَيْسَ لَهم إلّا عَنْزٌ فَذَبَحُوها لَهُما فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إذا سَمِعْتَ بِرَجُلٍ قَدْ ظَهَرَ بِيَثْرِبَ فَأْتِهِ فَلَعَلَّ اللَّهَ يَرْزُقُكَ مِنهُ خَيْرًا، فَلَمّا سَمِعَ بِظُهُورِ الرَّسُولِ ﷺ أتاهُ مَعَ امْرَأتِهِ فَقالَ: أتَعْرِفُنِي ؟ قالَ: نَعَمْ عَرَفْتُكَ فَقالَ لَهُ: احْتَكِمْ، فَقالَ: ثَمانُونَ ضانِيَةً فَأعْطاهُ إيّاها وقالَ لَهُ: ”أما إنَّ عَجُوزَ بَنِي إسْرائِيلَ خَيْرٌ مِنكَ“» وخَرَجَ فِرْعَوْنُ في طَلَبِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى مُقَدِّمَتِهِ ألْفُ ألْفٍ وخَمْسُمِائَةِ ألْفٍ سِوى الجَنْبَيْنِ والقَلْبِ، فَلَمّا انْتَهى مُوسى إلى البَحْرِ قالَ: هَهُنا أُمِرْتُ ثُمَّ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْبَحْرِ: انْفَرِقْ فَأبى، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فَضَرَبَهُ فانْفَلَقَ فَقالَ لَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ادْخُلُوا فِيهِ فَقالُوا: كَيْفَ وأرْضُهُ رَطْبَةٌ فَدَعا اللَّهَ فَهَبَّتْ عَلَيْهِ الصَّبا فَجَفَّتْ فَقالُوا: نَخافُ الغَرَقَ في بَعْضِنا فَجَعَلَ بَيْنَهم كُوًى حَتّى يَرى بَعْضُهم بَعْضًا ثُمَّ دَخَلُوا حَتّى جاوَزُوا البَحْرَ فَأقْبَلَ فِرْعَوْنُ إلى تِلْكَ الطُّرُقِ فَقالَ قَوْمُهُ لَهُ: إنَّ مُوسى قَدْ سَحَرَ البَحْرَ فَصارَ كَما تَرى وكانَ عَلى فَرَسٍ حِصانٍ وأقْبَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى في ثَلاثَةٍ وثَلاثِينَ مِنَ المَلائِكَةِ فَصارَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ وأبْصَرَ الحِصانُ الفَرَسُ الحِجْرَ فاقْتَحَمَ بِفِرْعَوْنَ عَلى أثَرِها وصاحَتِ المَلائِكَةُ في النّاسِ الحَقُوا المَلِكَ حَتّى إذا دَخَلَ آخِرُهم وكادَ أوَّلُهم أنْ يَخْرُجَ التَقى البَحْرُ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا فَسَمِعَ بَنُو إسْرائِيلَ خَفْقَةَ البَحْرِ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: ما هَذا يا مُوسى ؟ قالَ: قَدْ أغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ فَرَجَعُوا لِيَنْظُرُوا إلَيْهِمْ فَقالُوا: يا مُوسى ادْعُ اللَّهَ أنْ يُخْرِجَهم لَنا حَتّى نَنْظُرَ إلَيْهِمْ، فَدَعا فَلَفَظَهُمُ البَحْرُ إلى السّاحِلِ وأصابُوا مِن سِلاحِهِمْ، وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا مُحَمَّدُ لَوْ رَأيْتَنِي وأنا أدُسُّ فِرْعَوْنَ في الماءِ والطِّينِ مَخافَةَ أنْ يَتُوبَ فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ وفي القِصَّةِ أبْحاثٌ.
البَحْثُ الأوَّلُ: رُوِيَ في الأخْبارِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ضَرَبَ بِعَصاهُ البَحْرَ حَصَلَ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا يابِسًا يَتَهَيَّأُ طُرُوقُهُ وبَقِيَ الماءُ قائِمًا بَيْنَ الطَّرِيقِ والطَّرِيقِ كالطَّوْدِ العَظِيمِ وهو الجَبَلُ. فَأخَذَ كُلُّ سِبْطٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في طَرِيقٍ مِن هَذِهِ الطُّرُقِ. ومِنهم مَن قالَ: بَلْ حَصَلَ طَرِيقٌ واحِدٌ، وحُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ الأخْبارُ ومِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا إذا حَصَلَ هُناكَ طُرُقٌ
صفحة ٨٢
حَتّى يَكُونَ الماءُ القائِمُ بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ كالطَّوْدِ العَظِيمِ وحُجَّةُ القَوْلِ الثّانِي ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ وذَلِكَ يَتَناوَلُ الطَّرِيقَ الواحِدَ وإنْ أمْكَنَ حَمْلُهُ عَلى الطُّرُقِ نَظَرًا إلى الجِنْسِ.
البَحْثُ الثّانِي: رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ أنْ أظْهَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُمُ الطَّرِيقَ وبَيَّنَها لَهم تَعَنَّتُوا وقالُوا: نُرِيدُ أنْ يَرى بَعْضُنا بَعْضًا وهَذا كالبَعِيدِ وذَلِكَ أنَّ القَوْمَ لَمّا أبْصَرُوا مَجِيءَ فِرْعَوْنَ صارُوا في نِهايَةِ الخَوْفِ والخائِفُ إذا وجَدَ طَرِيقَ الفِرارِ والخَلاصِ كَيْفَ يَتَفَرَّغُ لِلتَّعَنُّتِ البارِدِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عاقِلًا بَلْ كانَ في نِهايَةِ الدَّهاءِ فَكَيْفَ اخْتارَ إلْقاءَ نَفْسِهِ إلى التَّهْلُكَةِ فَإنَّهُ كانَ يَعْلَمُ مِن نَفْسِهِ أنَّ انْفِلاقَ البَحْرِ لَيْسَ بِأمْرِهِ فَعِنْدَ هَذا ذَكَرُوا وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَلى الرَّمَكَةِ فَتَبِعَهُ فَرَسُ فِرْعَوْنَ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا بَعِيدٌ لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنَّ يَكُونَ خَوْضُ المَلِكِ في أمْثالِ هَذِهِ المَواضِعِ مُقَدَّمًا عَلى خَوْضِ جَمِيعِ العَسْكَرِ وما ذَكَرُوهُ إنَّما يَتِمُّ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وأيْضًا فَلَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما قالُوهُ لَكانَ فِرْعَوْنُ في ذَلِكَ الدُّخُولِ كالمَجْبُورِ وذَلِكَ مِمّا يَزِيدُهُ خَوْفًا ويَحْمِلُهُ عَلى الإمْساكِ في أنْ لا يَدْخُلَ وأيْضًا فَأيُّ حاجَةٍ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى هَذِهِ الحِيلَةِ وقَدْ كانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَأْخُذَهُ مَعَ قَوْمِهِ ويَرْمِيَهُ في الماءِ ابْتِداءً، بَلِ الأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّهُ أمَرَ مُقَدِّمَةَ عَسْكَرِهِ بِالدُّخُولِ فَدَخَلُوا وما غَرِقُوا فَغَلَبَ عَلى ظَنِّهِ السَّلامَةُ فَلَمّا دَخَلَ الكُلُّ أغْرَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى.
البَحْثُ الرّابِعُ: أنَّ الَّذِي نَقَلَ عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَدُسُّهُ في الماءِ والطِّينِ خَوْفًا مِن أنْ يُؤْمِنَ فَبَعِيدٌ لِأنَّ المَنعَ مِنَ الإيمانِ لا يَلِيقُ بِالمَلائِكَةِ والأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
البَحْثُ الخامِسُ: الَّذِي رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَلَّمَ البَحْرَ قالَ لَهُ: انْفَلِقْ لِي لِأعْبُرَ عَلَيْكَ، فَقالَ البَحْرُ: لا يَمُرُّ عَلَيَّ رَجُلٌ عاصٍ. فَهو غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَلى أُصُولِنا لِأنَّ عِنْدَنا البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنَّ ذَلِكَ عَلى لِسانِ الحالِ لا عَلى لِسانِ المَقالِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences