Ar-RaziTaha · 20:92–101

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Taha 20:92–101

20:92–95Page 318

قَالَ يَٰهَٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذۡ رَأَيۡتَهُمۡ ضَلُّوٓاْ ٩٢

[Moses] said, "O Aaron, what prevented you, when you saw them going astray,

أَلَّا تَتَّبِعَنِۖ أَفَعَصَيۡتَ أَمۡرِي ٩٣

From following me? Then have you disobeyed my order?"

قَالَ يَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡيَتِي وَلَا بِرَأۡسِيٓۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَيۡنَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِي ٩٤

[Aaron] said, "O son of my mother, do not seize [me] by my beard or by my head. Indeed, I feared that you would say, 'You caused division among the Children of Israel, and you did not observe [or await] my word.'"

قَالَ فَمَا خَطۡبُكَ يَٰسَٰمِرِيُّ ٩٥

[Moses] said, "And what is your case, O Sāmirī?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ياهارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ ﴿قالَ ياابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ .

اعْلَمْ أنَّ الطّاعِنِينَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ أمَرَ هارُونَ بِاتِّباعِهِ أوْ لَمْ يَأْمُرْهُ، فَإنْ أمَرَهُ بِهِ فَإمّا أنْ يَكُونَ هارُونُ قَدِ اتَّبَعَهُ أوْ لَمْ يَتَّبِعْهُ، فَإنِ اتَّبَعَهُ كانَتْ مَلامَةُ مُوسى لِهارُونَ مَعْصِيَةً وذَنْبًا لِأنَّ مَلامَةَ غَيْرِ المُجْرِمِ مَعْصِيَةٌ، وإنْ لَمْ يَتَّبِعْهُ كانَ هارُونُ تارِكًا لِلْواجِبِ فَكانَ فاعِلًا لِلْمَعْصِيَةِ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما أمَرَهُ بِاتِّباعِهِ كانَتْ مَلامَتُهُ إيّاهُ بِتَرْكِ الِاتِّباعِ مَعْصِيَةً فَثَبَتَ أنَّ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ يَلْزَمُ إسْنادُ المَعْصِيَةِ إمّا إلى مُوسى أوْ إلى هارُونَ. وثانِيها: قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هارُونُ قَدْ عَصاهُ، وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ العِصْيانُ مُنْكَرًا، وإلّا لَكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كاذِبًا وهو مَعْصِيَةٌ، فَإذا فَعَلَ هارُونُ ذَلِكَ فَقَدْ فَعَلَ المَعْصِيَةَ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ياابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ وهَذا مَعْصِيَةٌ لِأنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ فَعَلَ ما قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ النَّصِيحَةِ والوَعْظِ والزَّجْرِ، فَإنْ كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ بَحَثَ عَنِ الواقِعَةِ، وبَعْدَ أنْ عَلِمَ أنَّ هارُونَ قَدْ فَعَلَ ما قَدَرَ عَلَيْهِ، كانَ الأخْذُ بِرَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ مَعْصِيَةً، وإنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ تَعَرُّفِ الحالِ كانَ ذَلِكَ أيْضًا مَعْصِيَةً. ورابِعُها: أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ فَإنْ كانَ الأخْذُ بِلِحْيَتِهِ وبِرَأْسِهِ جائِزًا كانَ قَوْلُ هارُونَ لا تَأْخُذْ مَنعًا لَهُ عَمّا كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعْصِيَةً، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الأخْذُ جائِزًا كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فاعِلًا لِلْمَعْصِيَةِ، فَهَذِهِ أمْثِلَةٌ لَطِيفَةٌ في هَذا البابِ.

والجَوابُ عَنِ الكُلِّ: أنّا بَيَّنّا في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾ [البَقَرَةِ: ٣٦] أنْواعًا مِنَ الدَّلائِلِ الجَلِيَّةِ في أنَّهُ لا يَجُوزُ صُدُورُ المَعْصِيَةِ مِنَ الأنْبِياءِ، وحاصِلُ هَذِهِ الوُجُوهِ تَمَسُّكٌ بِظَواهِرَ قابِلَةٍ لِلتَّأْوِيلِ ومُعارَضَةُ ما يَبْعُدُ عَنِ التَّأْوِيلِ بِما يَتَسارَعُ إلَيْهِ التَّأْوِيلُ غَيْرُ جائِزٍ، إذا ثَبَتَتْ هَذِهِ المُقَدِّمَةُ فاعْلَمْ أنَّ لَنا في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الإشْكالاتِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنّا وإنِ اخْتَلَفْنا في جَوازِ المَعْصِيَةِ عَلى الأنْبِياءِ لَكِنِ اتَّفَقْنا عَلى جَوازِ تَرْكِ الأوْلى عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ كَذَلِكَ فالفِعْلُ الَّذِي يَفْعَلُهُ أحَدُهُما ويَمْنَعُهُ الآخَرُ أعْنِي بِهِما مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ لَعَلَّهُ كانَ أحَدُهُما أوْلى والآخَرُ كانَ تَرْكَ الأوْلى، فَلِذَلِكَ فَعَلَهُ أحَدُهُما وتَرَكَهُ الآخَرُ، فَإنْ قِيلَ هَذا التَّأْوِيلُ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما كانَ جازِمًا فِيما يَأْتِي بِهِ فِعْلًا كانَ أوْ تَرْكًا، وفِعْلُ المَندُوبِ وتَرْكُهُ لا يُجْزَمُ بِهِ، قُلْنا: تَقْيِيدُ المُطْلَقِ بِالدَّلِيلِ غَيْرُ مُمْتَنَعٍ، فَنَحْنُ نَحْمِلُ ذَلِكَ الجَزْمَ في الفِعْلِ والتَّرْكِ عَلى أنَّ المُرادَ افْعَلْ ذَلِكَ أوِ اتْرُكْهُ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ الأصْلَحَ، وقَدْ يُتْرَكُ ذَلِكَ الشَّرْطُ إذا كانَ تَواطُؤُهُما عَلى رِعايَتِهِ مَعْلُومًا مُتَقَرِّرًا. وثانِيها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أقْبَلَ وهو غَضْبانُ عَلى قَوْمِهِ فَأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ وجَرَّهُ إلَيْهِ كَما يَفْعَلُ الإنْسانُ بِنَفْسِهِ مِثْلَ ذَلِكَ عِنْدَ الغَضَبِ، فَإنَّ الغَضْبانَ المُتَفَكِّرَ قَدْ يَعَضُّ عَلى شَفَتَيْهِ، ويَفْتِلُ أصابِعَهُ، ويَقْبِضُ لِحْيَتِهِ، فَأجْرى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخاهُ هارُونَ

صفحة ٩٤

مَجْرى نَفْسِهِ لِأنَّهُ كانَ أخاهُ وشَرِيكَهُ فَصَنَعَ بِهِ ما يَصْنَعُ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ في حالِ الفِكْرِ والغَضَبِ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ خافَ مِن أنْ يَتَوَهَّمَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن سُوءِ ظَنِّهِمْ أنَّهُ مُنْكِرٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مُعاوِنٍ لَهُ، ثُمَّ أخَذَ في شَرْحِ القِصَّةِ فَقالَ: ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، وثالِثُها: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا عَلى نِهايَةِ سُوءِ الظَّنِّ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى إنَّ هارُونَ غابَ عَنْهم غَيْبَةً فَقالُوا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: أنْتَ قَتَلْتَهُ، فَلَمّا واعَدَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتَمَّها بِعَشْرٍ وكَتَبَ لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ ثُمَّ رَجَعَ فَرَأى في قَوْمِهِ ما رَأى فَأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ لِيُدْنِيَهُ فَيَتَفَحَّصَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الواقِعَةِ، فَخافَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَسْبِقَ إلى قُلُوبِهِمْ ما لا أصْلَ لَهُ، فَقالَ إشْفاقًا عَلى مُوسى: لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي؛ لِئَلّا يَظُنَّ القَوْمُ ما لا يَلِيقُ بِكَ. ورابِعُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلًا حَدِيدًا مَجْبُولًا عَلى الحِدَّةِ والخُشُونَةِ والتَّصَلُّبِ في كُلِّ شَيْءٍ شَدِيدَ الغَضَبِ لِلَّهِ تَعالى ولِدِينِهِ فَلَمْ يَتَمالَكْ حِينَ رَأى قَوْمَهُ يَعْبُدُونَ عِجْلًا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى مِن بَعْدِ ما رَأوْا مِنَ الآياتِ العِظامِ أنْ ألْقى ألْواحَ التَّوْراةِ لِما غَلَبَ عَلى ذِهْنِهِ مِنَ الدَّهْشَةِ العَظِيمَةِ غَضَبًا لِلَّهِ تَعالى وحَمِيَّةً، وعَنَّفَ بِأخِيهِ وخَلِيفَتِهِ عَلى قَوْمِهِ فَأقْبَلَ عَلَيْهِ إقْبالَ العَدُوِّ المُكاشِرِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابَ ساقِطٌ لِأنَّهُ يُقالُ: هَبْ أنَّهُ كانَ شَدِيدَ الغَضَبِ ولَكِنْ مَعَ ذَلِكَ الغَضَبِ الشَّدِيدِ هَلْ كانَ يَبْقى عاقِلًا مُكَلَّفًا أمْ لا ؟ فَإنْ بَقِيَ عاقِلًا مُكَلَّفًا فالأسْئِلَةُ باقِيَةٌ بِتَمامِها، أكْثَرُ ما في البابِ أنَّكَ ذَكَرْتَ أنَّهُ أتى بِغَضَبٍ شَدِيدٍ وذَلِكَ مِن جُمْلَةِ المَعاصِي فَقَدْ زِدْتَ إشْكالًا آخَرَ، فَإنْ قُلْتُمْ بِأنَّهُ في ذَلِكَ الغَضَبِ لَمْ يَبْقَ عاقِلًا ولا مُكَلَّفًا فَهَذا مِمّا لا يَرْتَضِيهِ مُسْلِمٌ البَتَّةَ فَهَذِهِ أجْوِبَةُ مَن لَمْ يُجَوِّزِ الصَّغائِرَ، وأمّا مَن جَوَّزَها فَلا شَكَّ في سُقُوطِ السُّؤالِ واللَّهُ أعْلَمُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ لا صِلَةٌ، والمُرادُ ما مَنَعَكَ أنْ تَتَّبِعَنِي. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَتَّبِعَنِي فَأقامَ مَنَعَكَ مَقامَ دَعاكَ، وفي الِاتِّباعِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما مَنَعَكَ مِنِ اتِّباعِي بِمَن أطاعَكَ واللُّحُوقِ بِي وتَرْكِ المُقامِ بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ. والثّانِي: أنْ تَتَّبِعَنِي في وصِيَّتِي إذْ قُلْتُ لَكَ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٤٢] فَلِمَ تَرَكْتَ قِتالَهم وتَأْدِيبَهم وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ ثُمَّ قالَ: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تارِكَ المَأْمُورِ بِهِ عاصٍ والعاصِي مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقابِ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ [الجِنِّ: ٢٣] ولِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها﴾ [النِّساءِ: ١٤] فَمَجْمُوعُ الآيَتَيْنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، فَأجابَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: ﴿ياابْنَ أُمَّ﴾ قِيلَ: إنَّما خاطَبَهُ بِذَلِكَ لِيَدْفَعَهُ عَنْهُ فَيَتْرُكَهُ، وقِيلَ: كانَ أخاهُ لِأُمِّهِ: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ، فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المَنهِيِّ فاعِلًا لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحْزابِ: ١] وقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٥] والَّذِي فِيهِ أنَّهُ أخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ، وهَذا القَدْرُ لا يَدُلُّ عَلى الِاسْتِخْفافِ بِهِ بَلْ قَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِسائِرِ الأغْراضِ عَلى ما بَيَّنّاهُ، ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إنَّهُ أخَذَ ذُؤابَتَيْهِ بِيَمِينِهِ ولِحْيَتَهُ بِيَسارِهِ ثُمَّ قالَ: ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: (ما مَنَعَكَ أنْ لا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أمَرَهُ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ يَحْسُنُ في جَوابِهِ أنْ يُقالَ: إنَّما لَمْ أمْتَثِلْ قَوْلَكَ خَوْفًا مِن أنْ تَقُولَ: ﴿ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ فَهَلْ يَجُوزُ مِثْلُ هَذا الكَلامِ عَلى العاقِلِ ؟ . والجَوابُ: لَعَلَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أمَرَهُ بِالذَّهابِ إلَيْهِ بِشَرْطِ أنْ لا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلى فَسادٍ في القَوْمِ فَلَمّا قالَ مُوسى:

صفحة ٩٥

”ما مَنَعَكَ أنْ لا تَتَّبِعَنِ“ قالَ لِأنَّكَ إنَّما أمَرْتَنِي بِاتِّباعِكَ إذا لَمْ يَحْصُلِ الفَسادُ، فَلَوْ جِئْتُكَ مَعَ حُصُولِ الفَسادِ ما كُنْتُ مُراقِبًا لِقَوْلِكَ. قالَ الإمامُ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ: الهِدايَةُ أنْفَعُ مِنَ الدَّلالَةِ، فَإنَّ السَّحَرَةَ كانُوا أجانِبَ عَنِ الإيمانِ وما رَأوْا إلّا آيَةً واحِدَةً فَآمَنُوا، وتَحَمَّلُوا العَذابَ الشَّدِيدَ في الدُّنْيا ولَمْ يَرْجِعُوا عَنِ الإيمانِ، وأمّا قَوْمُهُ فَإنَّهم رَأوُا انْقِلابَ العَصا ثُعْبانًا والتَقَمَ كُلَّ ما جَمَعَهُ السَّحَرَةُ ثُمَّ عادَ عَصًا، ورَأوُا اعْتِرافَ السَّحَرَةِ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسِحْرٍ وأنَّهُ أمْرٌ إلَهِيٌّ، ورَأوُا الآياتِ التِّسْعَ مُدَّةً مَدِيدَةً، ثُمَّ رَأوُا انْفِراقَ البَحْرِ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا، وأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْجاهم مِنَ الغَرَقِ وأهْلَكَ أعْداءَهم مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ مَعَ ما شاهَدُوا مِن هَذِهِ الآياتِ لَمّا خَرَجُوا مِنَ البَحْرِ ورَأوْا قَوْمًا يَعْبُدُونَ البَقَرَ قالُوا: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ، ولَمّا سَمِعُوا صَوْتًا مِن عِجْلٍ عَكَفُوا عَلى عِبادَتِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَحْصُلُ الغَرَضُ بِالدَّلائِلِ بَلْ بِالهِدايَةِ، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”يا ابْنَ أُمِّ“ بِكَسْرِ المِيمِ والإضافَةِ ودَلَّتْ كَسْرَةُ المِيمِ عَلى الياءِ والباقُونَ بِالفَتْحِ وتَقْدِيرُهُ يا ابْنَ أُمّاهَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

20:96–101Page 318

قَالَ بَصُرۡتُ بِمَا لَمۡ يَبۡصُرُواْ بِهِۦ فَقَبَضۡتُ قَبۡضَةٗ مِّنۡ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذۡتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتۡ لِي نَفۡسِي ٩٦

He said, "I saw what they did not see, so I took a handful [of dust] from the track of the messenger1 and threw it,2 and thus did my soul entice me."

قَالَ فَٱذۡهَبۡ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَۖ وَإِنَّ لَكَ مَوۡعِدٗا لَّن تُخۡلَفَهُۥۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلۡتَ عَلَيۡهِ عَاكِفٗاۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِي ٱلۡيَمِّ نَسۡفًا ٩٧

[Moses] said, "Then go. And indeed, it is [decreed] for you in [this] life to say, 'No contact.'1 And indeed, you have an appointment [in the Hereafter] you will not fail to keep. And look at your 'god' to which you remained devoted. We will surely burn it and blow it [i.e., its ashes] into the sea with a blast.

إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَسِعَ كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمٗا ٩٨

Your god is only Allāh, except for whom there is no deity. He has encompassed all things in knowledge."

كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ مَا قَدۡ سَبَقَۚ وَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكۡرٗا ٩٩

Thus, [O Muḥammad], We relate to you from the news of what has preceded. And We have certainly given you from Us a message [i.e., the Qur’ān].

مَّنۡ أَعۡرَضَ عَنۡهُ فَإِنَّهُۥ يَحۡمِلُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وِزۡرًا ١٠٠

Whoever turns away from it - then indeed, he will bear on the Day of Resurrection a burden [i.e., great sin],

خَٰلِدِينَ فِيهِۖ وَسَآءَ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ حِمۡلٗا ١٠١

[Abiding] eternally therein,1 and evil it is for them on the Day of Resurrection as a load -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَما خَطْبُكَ ياسامِرِيُّ﴾ ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ ﴿قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا فَرَغَ مِن مُخاطَبَةِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَرَفَ العُذْرَ لَهُ في التَّأْخِيرِ أقْبَلَ عَلى السّامِرِيِّ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ كانَ حاضِرًا مَعَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا قَطَعَ مُوسى الكَلامَ مَعَ هارُونَ أخَذَ في التَّكَلُّمِ مَعَ السّامِرِيِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعِيدًا ثُمَّ حَضَرَ السّامِرِيُّ مِن بَعْدُ أوْ ذَهَبَ إلَيْهِ مُوسى لِيُخاطِبَهُ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَما خَطْبُكَ ياسامِرِيُّ﴾ والخَطْبُ مَصْدَرٌ، خَطَبَ الأمْرَ إذا طَلَبَهُ، فَإذا قِيلَ لِمَن يَفْعَلُ شَيْئًا: ما خَطْبُكَ ؟ مَعْناهُ ما طَلَبُكَ لَهُ والغَرَضُ مِنهُ الإنْكارُ عَلَيْهِ وتَعْظِيمُ صُنْعِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ السّامِرِيُّ عُذْرَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ (بَصِرْتُ بِما لَمْ يَبْصِرُوا بِهِ) بِالكَسْرِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (بِما لَمْ تَبْصُرُوا) بِالتّاءِ المُعْجَمَةِ مِن فَوْقُ، والباقُونَ بِالياءِ أيْ بِما لَمْ يَبْصُرْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الإبْصارِ قَوْلانِ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلِمْتُ بِما لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ ومِنهُ قَوْلُهم: رَجُلٌ بَصِيرٌ أيْ

صفحة ٩٦

عالِمٌ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقالَ الزَّجّاجُ في تَقْرِيرِهِ: أبْصَرْتُهُ بِمَعْنى رَأيْتُهُ وبَصُرْتُ بِهِ بِمَعْنى صِرْتُ بِهِ بَصِيرًا عالِمًا، وقالَ آخَرُونَ: رَأيْتُ ما لَمْ يَرَوْهُ فَقَوْلُهُ: بَصُرْتُ بِهِ بِمَعْنى أبْصَرْتُهُ وأرادَ أنَّهُ رَأى دابَّةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخَذَ مِن مَوْضِعِ حافِرِ دابَّتِهِ قَبْضَةً مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ ”قُبْضَةً“ بِضَمِّ القافِ وهي اسْمٌ لِلْمَقْبُوضِ كالغُرْفَةِ والضُّفَّةِ، وأمّا القَبْضَةُ فالمَرَّةُ مِنَ القَبْضِ وإطْلاقُها عَلى المَقْبُوضِ مِن تَسْمِيَةِ المَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ كَضَرْبِ الأمِيرِ وقُرِئَ أيْضًا فَقَبَصْتُ قَبْصَةً بِالضّادِ والصّادِ فالضّادُ بِجَمِيعِ الكَفِّ والصّادُ بِأطْرافِ الأصابِعِ ونَظِيرِهُما الخَضْمُ والقَضْمُ الخاءُ بِجَمِيعِ الفَمِ والقافُ بِمُقَدَّمِهِ. قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ مِن أثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عامَّةُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المُرادُ بِالرَّسُولِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأرادَ بِأثَرِهِ التُّرابَ الَّذِي أخَذَهُ مِن مَوْضِعِ حافِرِ دابَّتِهِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا أنَّهُ مَتى رَآهُ فَقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّما رَآهُ يَوْمَ فُلِقَ البَحْرُ، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا نَزَلَ لِيَذْهَبَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الطُّورِ أبْصَرَهُ السّامِرِيُّ مِن بَيْنِ النّاسِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ السّامِرِيَّ كَيْفَ اخْتَصَّ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعْرِفَتِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ النّاسِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ: إنَّما عَرَفَهُ لِأنَّهُ رَآهُ في صِغَرِهِ وحَفِظَهُ مِنَ القَتْلِ حِينَ أمَرَ فِرْعَوْنُ بِذَبْحِ أوْلادِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانَتِ المَرْأةُ تَلِدُ وتَطْرَحُ ولَدَها حَيْثُ لا يَشْعُرُ بِهِ آلُ فِرْعَوْنَ فَتَأْخُذُ المَلائِكَةُ الوِلْدانَ فَيُرَبُّونَهم حَتّى يَتَرَعْرَعُوا ويَخْتَلِطُوا بِالنّاسِ فَكانَ السّامِرِيُّ مِمَّنْ أخَذَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَعَلَ كَفَّ نَفْسِهِ في فِيهِ وارْتَضَعَ مِنهُ العَسَلَ واللَّبَنَ فَلَمْ يَزَلْ يَخْتَلِفُ إلَيْهِ حَتّى عَرَفَهُ، فَلَمّا رَآهُ عَرَفَهُ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ بِمَعْنى رَأيْتُ ما لَمْ يَرَوْهُ، ومَن فَسَّرَ الكَلِمَةَ بِالعِلْمِ فَهو صَحِيحٌ ويَكُونُ المَعْنى عَلِمْتُ أنَّ تُرابَ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ خاصِّيَّةُ الإحْياءِ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: لَيْسَ في القُرْآنِ تَصْرِيحٌ بِهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ فَهَهُنا وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالرَّسُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبِأثَرِهِ سُنَّتَهُ ورَسْمَهُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ: فُلانٌ يَقْفُو أثَرَ فُلانٍ ويَقْبِضُ أثَرَهُ إذا كانَ يَمْتَثِلُ رَسْمَهُ، والتَّقْدِيرُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أقْبَلَ عَلى السّامِرِيِّ بِاللَّوْمِ والمَسْألَةِ عَنِ الأمْرِ الَّذِي دَعاهُ إلى إضْلالِ القَوْمِ في بابِ العِجْلِ، فَقالَ: بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ، أيْ عَرَفْتُ أنَّ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ بِحَقٍّ، وقَدْ كُنْتُ قَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِكَ أيُّها الرَّسُولُ، أيْ شَيْئًا مِن سُنَّتِكَ ودِينِكَ فَقَذَفْتُهُ أيْ طَرَحْتُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أعْلَمَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما لَهُ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنَّما أوْرَدَ بِلَفْظِ الإخْبارِ عَنْ غائِبٍ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِرَئِيسِهِ وهو مُواجِهٌ لَهُ: ما يَقُولُ الأمِيرُ في كَذا وبِماذا يَأْمُرُ الأمِيرُ، وأمّا دُعاؤُهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولًا مَعَ جَحْدِهِ وكُفْرِهِ فَعَلى مِثْلِ مَذْهَبِ مَن حَكى اللَّهُ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحِجْرِ: ٦] وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالإنْزالِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ لَيْسَ فِيهِ إلّا مُخالَفَةُ المُفَسِّرِينَ ولَكِنَّهُ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ باسِمِ الرَّسُولِ ولَمْ يَجْرِ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرٌ حَتّى تُجْعَلَ لامُ التَّعْرِيفِ إشارَةً إلَيْهِ، فَإطْلاقُ لَفْظِ الرَّسُولِ لِإرادَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ تَكْلِيفٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ. وثانِيها: أنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الإضْمارِ وهو قَبْضَةٌ مِن أثَرِ حافِرِ فَرَسِ الرَّسُولِ والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ. وثالِثُها: أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّعَسُّفِ في بَيانِ أنَّ السّامِرِيَّ كَيْفَ اخْتَصَّ مِن بَيْنِ جَمِيعِ النّاسِ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعْرِفَتِهِ، ثُمَّ كَيْفَ

صفحة ٩٧

عَرَفَ أنَّ لِتُرابِ حافِرِ فَرَسِهِ هَذا الأثَرَ، والَّذِي ذَكَرُوهُ مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي رَبّاهُ فَبَعِيدٌ، لِأنَّ السّامِرِيَّ إنْ عَرَفَ جِبْرِيلَ حالَ كَمالِ عَقْلِهِ عَرَفَ قَطْعًا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ صادِقٌ، فَكَيْفَ يُحاوِلُ الإضْلالَ وإنْ كانَ ما عَرَفَهُ حالَ البُلُوغِ فَأيُّ مَنفَعَةٍ لِكَوْنِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُرَبِّيًا لَهُ في الطُّفُولِيَّةِ في حُصُولِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ. ورابِعُها: أنَّهُ لَوْ جازَ اطِّلاعُ بَعْضِ الكَفَرَةِ عَلى تُرابٍ هَذا شَأْنُهُ لَكانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلَعَلَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اطَّلَعَ عَلى شَيْءٍ آخَرَ يُشْبِهُ ذَلِكَ فَلِأجْلِهِ أتى بِالمُعْجِزاتِ ويَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى سُؤالِ مَن يَطْعَنُ في المُعْجِزاتِ ويَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهم لِاخْتِصاصِهِمْ بِمَعْرِفَةِ بَعْضِ الأدْوِيَةِ الَّتِي لَها خاصِّيَّةُ أنْ تُفِيدَ حُصُولَ تِلْكَ المُعْجِزَةِ أتَوْا بِتِلْكَ المُعْجِزَةِ، وحِينَئِذٍ يَنْسَدُّ بابُ المُعْجِزاتِ بِالكُلِّيَّةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ فالمَعْنى فَعَلْتُ ما دَعَتْنِي إلَيْهِ نَفْسِي، وسَوَّلَتْ مَأْخُوذٌ مِنَ السُّؤالِ فالمَعْنى لَمْ يَدْعُنِي إلى ما فَعَلْتُهُ أحَدٌ غَيْرِي بَلِ اتَّبَعْتُ هَوايَ فِيهِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ السّامِرِيِّ أجابَهُ بِأنْ بَيَّنَ حالَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وبَيَّنَ حالَ إلَهِهِ أمّا حالُهُ في الدُّنْيا فَقَوْلُهُ: ﴿فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ المُرادَ: أنِّي لا أمَسُّ ولا أُمَسُّ قالُوا: وإذا مَسَّهُ أحَدٌ حُمَّ الماسُّ والمَمْسُوسُ فَكانَ إذا أرادَ أحَدٌ أنْ يَمَسَّهُ صاحَ خَوْفًا مِنَ الحُمّى وقالَ لا مِساسَ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا مِساسَ﴾ المَنعُ مِن أنْ يُخالِطَ أحَدًا أوْ يُخالِطَهُ أحَدٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخْرَجَهُ مِن مَحَلَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ وقالَ لَهُ: اخْرُجْ أنْتَ وأهْلُكَ فَخَرَجَ طَرِيدًا إلى البَرارِي، اعْتَرَضَ الواحِدِيُّ عَلَيْهِ فَقالَ: الرَّجُلُ إذا صارَ مَهْجُورًا فَلا يَقُولُ هو لا مِساسَ، وإنَّما يُقالُ لَهُ ذَلِكَ، وهَذا الِاعْتِراضُ ضَعِيفٌ لِأنَّ الرَّجُلَ إذا بَقِيَ طَرِيدًا فَرِيدًا فَإذا قِيلَ لَهُ: كَيْفَ حالُكَ فَلَهُ أنْ يَقُولَ: لا مِساسَ أيْ لا يَماسُّنِي أحَدٌ ولا أماسُّ أحَدًا، والمَعْنى: إنِّي أجْعَلُكَ يا سامِرِيُّ في المَطْرُودِيَّةِ بِحَيْثُ لَوْ أرَدْتَ أنْ تُخْبِرَ غَيْرَكَ عَنْ حالِكَ لَمْ تَقُلْ إلّا أنَّهُ لا مِساسَ، وهَذا الوَجْهُ أحْسَنُ وأقْرَبُ إلى نَظْمِ الكَلامِ مِنَ الأوَّلِ. وثالِثُها: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ وهو أنَّهُ يَجُوزُ في حَمْلِهِ ما أُرِيدُ مَسَّ النِّساءِ فَيَكُونُ مِن تَعْذِيبِ اللَّهِ إيّاهُ انْقِطاعُ نَسْلِهِ فَلا يَكُونُ لَهُ ولَدٌ يُؤْنِسُهُ فَيُخْلِيَهُ اللَّهُ تَعالى مِن زِينَتِي الدُّنْيا اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكَهْفِ: ٤٦] وقُرِئَ: لا مَساسَ بِوَزْنِ فَجارَ وهو اسْمُ عَلَمٍ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ مِنَ المَسِّ، وأمّا شَرْحُ حالِهِ في الآخِرَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ والمَوْعِدُ بِمَعْنى الوَعْدِ أيْ هَذِهِ عُقُوبَتُكَ في الدُّنْيا ثُمَّ لَكَ الوَعْدُ بِالمَصِيرِ إلى عَذابِ الآخِرَةِ فَأنْتَ مِمَّنْ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ وذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ، قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفَةِ: لَنْ تُخْلَفَهُ بِفَتْحِ اللّامِ أيْ لَنْ تُخْلَفَ ذَلِكَ الوَعْدَ أيْ سَيَأْتِيكَ بِهِ اللَّهُ ولَنْ يَتَأخَّرَ عَنْكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والحَسَنُ بِكَسْرِ اللّامِ أيْ تَجِيءُ إلَيْهِ ولَنْ تَغِيبَ عَنْهُ ولَنْ تَتَخَلَّفَ عَنْهُ، وفَتْحُ اللّامِ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ كَأنَّهُ قالَ: مَوْعِدًا حَقًّا لا خُلْفَ فِيهِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَنْ نُخْلَفَهُ بِالنُّونِ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَكى قَوْلَ اللَّهِ تَعالى بِلَفْظِهِ كَما مَرَّ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لِأهَبَ لَكِ﴾ [مَرْيَمَ: ١٩] وأمّا شَرْحُ حالِ إلَهِهِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ قالَ المُفَضَّلُ في ظَلْتَ: إنَّهُ يُقْرَأُ بِفَتْحِ الظّاءِ وكَسْرِها وكَذَلِكَ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٦٥] وأصْلُهُ ظَلِلْتَ فَحُذِفَتِ اللّامُ الأُولى وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ إذا كانَتِ اللّامُ الثّانِيَةُ ساكِنَةً تَسْتَحِبُّ العَرَبُ طَرْحَ الأُولى، ومَن كَسَرَ الظّاءَ نَقَلَ كَسْرَةَ اللّامِ السّاقِطَةِ إلَيْها، ومَن فَتَحَها تَرَكَ الظّاءَ عَلى حالِها وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ في المُضاعَفِ يَقُولُونَ: مَسْتُهُ ومَسَسْتُهُ ثُمَّ قالَ: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ وجْهانِ:

صفحة ٩٨

أحَدُهُما: المُرادُ إحْراقُهُ بِالنّارِ وهَذا أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ صارَ لَحْمًا ودَمًا، لِأنَّ الذَّهَبَ لا يُمْكِنُ إحْراقُهُ بِالنّارِ، وقالَ السُّدِّيُّ: أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَبْحِ العِجْلِ فَذُبِحَ فَسالَ مِنهُ الدَّمُ ثُمَّ أُحْرِقَ ثُمَّ نُسِفَ رَمادُهُ، وفي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَنَذْبَحَنَّهُ ولَنُحَرِّقَنَّهُ. وثانِيهِما: لَنُحَرِّقَنَّهُ أيْ لَنَبْرُدَنَّهُ بِالمِبْرَدِ، يُقالُ: حَرَقَهُ يَحْرُقُهُ إذا بَرَدَهُ، وهَذِهِ القِراءَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَنْقَلِبْ لَحْمًا ولا دَمًا فَإنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ أنْ يُبَرَدَ بِالمِبْرَدِ، ويُمْكِنَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ صارَ لَحْمًا فَذُبِحَ ثُمَّ بُرِدَتْ عِظامُهُ بِالمِبْرَدِ حَتّى صارَتْ بِحَيْثُ يُمْكِنُ نَسْفُها.

قِراءَةُ العامَّةِ بِضَمِّ النُّونِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ ومَعْناهُ لَنُحَرِّقَنَّهُ بِالنّارِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ لَنَحْرُقَنَّهُ بِفَتْحِ النُّونِ وضَمِّ الرّاءِ خَفِيفَةً يَعْنِي لَنَبْرُدَنَّهُ، واعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا فَرَغَ مِن إبْطالِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ السّامِرِيُّ عادَ إلى بَيانِ الدِّينِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿إنَّما إلَهُكُمُ﴾ أيِ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ والتَّعْظِيمِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْلَمُ مَن يَعْبُدُهُ ومَن لا يَعْبُدُهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском