Ar-RaziAl‑Anbya · 21:48–64

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:48–64

21:48–50Page 326

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٱلۡفُرۡقَانَ وَضِيَآءٗ وَذِكۡرٗا لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٨

And We had already given Moses and Aaron the criterion and a light and a reminder1 for the righteous

ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشۡفِقُونَ ٤٩

Who fear their Lord unseen,1 while they are of the Hour apprehensive.

وَهَٰذَا ذِكۡرٞ مُّبَارَكٌ أَنزَلۡنَٰهُۚ أَفَأَنتُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٥٠

And this [Qur’ān] is a blessed message which We have sent down. Then are you with it unacquainted?1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَكَلَّمَ في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ شَرَعَ في قِصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما يَنالُهُ مِن قَوْمِهِ، وتَقْوِيَةً لِقَلْبِهِ عَلى أداءِ الرِّسالَةِ، والصَّبْرِ عَلى كُلِّ عارِضٍ دُونَها، وذَكَرَ هَهُنا مِنها قِصَصًا:

(القِصَّةُ الأُولى، قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ)

ووَجْهُ الِاتِّصالِ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَقُولَ: ﴿إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ أتْبَعَهُ بِأنَّ هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ تَعالى في الأنْبِياءِ قَبْلَهُ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالفُرْقانِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ هو التَّوْراةُ، فَكانَ فُرْقانًا إذْ كانَ يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وكانَ ضِياءً إذْ كانَ لِغايَةِ وُضُوحِهِ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى طُرُقِ الهُدى وسُبُلِ النَّجاةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةِ الشَّرائِعِ، وكانَ ذِكْرًا أيْ مَوْعِظَةً أوْ ذِكْرَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في دِينِهِمْ ومَصالِحِهِمْ أوِ الشَّرَفِ، أمّا الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿وضِياءً﴾ فَرَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قَرَأ ضِياءً بِغَيْرِ واوٍ وهو حالٌ مِنَ الفُرْقانِ، وأمّا القِراءَةُ المَشْهُورَةُ فالمَعْنى آتَيْناهُمُ الفُرْقانَ وهو التَّوْراةُ وآتَيْنا بِهِ ضِياءً وذِكْرى لِلْمُتَّقِينَ. والمَعْنى أنَّهُ في نَفْسِهِ ضِياءٌ وذِكْرى أوْ آتَيْناهُما بِما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ والمَواعِظِ ضِياءً وذِكْرى. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ الفُرْقانِ لَيْسَ التَّوْراةَ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الفُرْقانُ هو النَّصْرُ الَّذِي أُوتِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَقَوْلِهِ:

صفحة ١٥٥

﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنْفالِ: ٤١] يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ وغَيْرِهِ مِنَ الأدْيانِ الباطِلَةِ. وثانِيها: هو البُرْهانُ الَّذِي فَرَّقَ بِهِ دِينَ الحَقِّ عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ. وثالِثُها: فَلَقَ البَحْرَ عَنِ الضَّحّاكِ. ورابِعُها: الخُرُوجُ عَنِ الشُّبُهاتِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى إنَّما خَصَّصَ الذِّكْرى بِالمُتَّقِينَ لِما في قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: مَحَلُّ الَّذِينَ جَرٌّ عَلى الوَصْفِيَّةِ أوْ نَصْبٌ عَلى المَدْحِ أوْ رَفْعٌ عَلَيْهِ، وفي مَعْنى الغَيْبِ وُجُوهٌ: أحَدُها: يَخْشَوْنَ عَذابَ رَبِّهِمْ فَيَأْتَمِرُونَ بِأوامِرِهِ ويَنْتَهُونَ عَنْ نَواهِيهِ، وإيمانُهم بِاللَّهِ غَيْبِيٌّ اسْتِدْلالِيٌّ، فالعِبادُ يَعْمَلُونَ لِلَّهِ في الغَيْبِ واللَّهُ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. وثانِيها: يَخْشَوْنَ رَبَّهم وهم غائِبُونَ عَنِ الآخِرَةِ وأحْكامِها. وثالِثُها: يَخْشَوْنَ رَبَّهم في الخَلَواتِ إذا غابُوا عَنِ النّاسِ وهَذا هو الأقْرَبُ، والمَعْنى أنَّ خَشْيَتَهم مِن عِقابِ اللَّهِ لازِمٌ لِقُلُوبِهِمْ إلّا أنَّ ذَلِكَ مِمّا يُظْهِرُونَهُ في المَلا دُونَ الخَلا ﴿وهم مِنَ﴾ عَذابِ ﴿السّاعَةِ﴾ وسائِرِ ما يَجْرِي فِيها مِنَ الحِسابِ والسُّؤالِ ﴿مُشْفِقُونَ﴾ فَيَعْدِلُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الإشْفاقِ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ قالَ: وكَما أنْزَلْتُ عَلَيْهِمُ الفُرْقانَ فَكَذَلِكَ هَذا القُرْآنُ المُنَزَّلُ عَلَيْكَ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ بَرَكَتُهُ كَثْرَةُ مَنافِعِهِ وغَزارَةُ عُلُومِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ لا إنْكارَ في إنْزالِهِ وفي عَجائِبِ ما فِيهِ فَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ التَّوْراةَ، ثُمَّ هَذا القُرْآنُ مُعْجِزٌ لِاشْتِمالِهِ عَلى النَّظْمِ العَجِيبِ والبَلاغَةِ البَدِيعَةِ، واشْتِمالِهِ عَلى الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ وبَيانِ الشَّرائِعِ، فَمِثْلُ هَذا الكِتابِ مَعَ كَثْرَةِ مَنافِعِهِ كَيْفَ يُمْكِنُكم إنْكارُهُ.

21:51–56Page 326

۞ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ إِبۡرَٰهِيمَ رُشۡدَهُۥ مِن قَبۡلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَٰلِمِينَ ٥١

And We had certainly given Abraham his sound judgement before,1 and We were of him well-Knowing

إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا هَٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيٓ أَنتُمۡ لَهَا عَٰكِفُونَ ٥٢

When he said to his father and his people, "What are these statues to which you are devoted?"

قَالُواْ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَٰبِدِينَ ٥٣

They said, "We found our fathers worshippers of them."

قَالَ لَقَدۡ كُنتُمۡ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٥٤

He said, "You were certainly, you and your fathers, in manifest error."

قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا بِٱلۡحَقِّ أَمۡ أَنتَ مِنَ ٱللَّٰعِبِينَ ٥٥

They said, "Have you come to us with truth, or are you of those who jest?"

قَالَ بَل رَّبُّكُمۡ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٥٦

He said, "[No], rather, your Lord is the Lord of the heavens and the earth who created them, and I, to that, am of those who testify.

(القِصَّةُ الثّانِيَةُ، [ قِصَّةُ] إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ)

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في الرُّشْدِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ النُّبُوَّةُ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى إنَّما يَخُصُّ بِالنُّبُوَّةِ مَن يَعْلَمُ مِن حالِهِ أنَّهُ في المُسْتَقْبَلِ يَقُومُ بِحَقِّها ويَجْتَنِبُ ما لا يَلِيقُ بِها ويَحْتَرِزُ عَمّا يُنَفِّرُ قَوْمَهُ مِنَ القَبُولِ. والثّانِي: أنَّهُ الِاهْتِداءُ لِوُجُوهِ الصَّلاحِ في الدِّينِ والدُّنْيا قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ [النِّساءِ: ٦]، وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: وهو أنْ تَدْخُلَ النُّبُوَّةُ والِاهْتِداءُ تَحْتَ الرُّشْدِ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يُبْعَثَ نَبِيٌّ إلّا وقَدْ دَلَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذاتِهِ وصِفاتِهِ، ودَلَّهُ أيْضًا عَلى مَصالِحِ نَفْسِهِ ومَصالِحِ قَوْمِهِ وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الرُّشْدِ.

صفحة ١٥٦

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في أنَّ الإيمانَ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ الرُّشْدُ هو التَّوْفِيقُ والبَيانُ فَقَدْ فَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِالكُفّارِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ قَدْ آتاهم رُشْدَهم. أجابَ الكَعْبِيُّ بِأنَّ هَذا يُقالُ فِيمَن قَبِلَ لا فِيمَن رَدَّ، وذَلِكَ كَمَن أعْطى المالَ لِوَلَدَيْنِ فَقَبِلَهُ أحَدُهُما وثَمَّرَهُ ورَدَّهُ الآخَرُ أوْ أخَذَهُ ثُمَّ ضَيَّعَهُ. فَيُقالُ: أغْنى فُلانٌ ابْنَهُ فِيمَن أثْمَرَ المالُ، ولا يُقالُ مِثْلُهُ فِيمَن ضَيَّعَ، والجَوابُ عَنْهُ: هَذا الجَوابُ لا يَتِمُّ إلّا إذا جَعَلْنا قَبُولَهُ جُزْءًا مِن مُسَمّى الرُّشْدِ وذَلِكَ باطِلٌ، لِأنَّ المُسَمّى إذا كانَ مُرَكَّبًا مِن جُزْأيْنِ ولا يَكُونُ أحَدُهُما مَقْدُورَ الفاعِلِ لَمْ يَجُزْ إضافَةُ ذَلِكَ المُسَمّى إلى ذَلِكَ الفاعِلِ فَكانَ يَلْزَمُ أنْ لا يَجُوزَ إضافَةُ الرُّشْدِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالمَفْعُولِيَّةِ لَكِنَّ النَّصَّ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ صَرِيحٌ أنَّ ذَلِكَ الرُّشْدَ إنَّما حَصَلَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَبَطَلَ ما قالُوهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ رَشَدَهُ كالعَدَمِ والعُدْمِ، ومَعْنى إضافَتِهِ إلَيْهِ أنَّهُ رُشْدٌ مِثْلُهُ وأنَّهُ رُشْدٌ لَهُ شَأْنٌ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: آتَيْنا إبْراهِيمَ نُبُوَّتَهُ واهْتِداءَهُ مِن قَبْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جَرِيرٍ. وثانِيها: في صِغَرِهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ حِينَ كانَ في السِّرْبِ وظَهَرَتْ لَهُ الكَواكِبُ فاسْتَدَلَّ بِها. وهَذا عَلى قَوْلِ مَن حَمَلَ الرُّشْدَ عَلى الِاهْتِداءِ وإلّا لَزِمَهُ أنْ يَحْكُمَ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ البُلُوغِ عَنْ مُقاتِلٍ. وثالِثُها: يَعْنِي حِينَ كانَ في صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ الضَّحّاكِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلِمَ مِنهُ أحْوالًا بَدِيعَةً وأسْرارًا عَجِيبَةً وصِفاتٍ قَدْ رَضِيَها حَتّى أهَّلَهُ لِأنْ يَكُونَ خَلِيلًا لَهُ، وهَذا كَقَوْلِكَ في رَجُلٍ كَبِيرٍ: أنا عالِمٌ بِفُلانٍ فَإنَّ هَذا الكَلامَ في الدَّلالَةِ عَلى تَعْظِيمِهِ أدَلُّ مِمّا إذا شَرَحْتَ جَلالَ كَمالِهِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إذْ إمّا أنْ تَتَعَلَّقَ بِآتَيْنا أوْ بِرُشْدِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ أيِ اذْكُرْ مِن أوْقاتِ رُشْدِهِ هَذا الوَقْتَ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: التِّمْثالُ اسْمٌ لِلشَّيْءِ المَصْنُوعِ مُشَبَّهًا بِخَلْقٍ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وأصْلُهُ مِن مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إذا شَبَّهْتَهُ بِهِ واسْمُ ذَلِكَ المُمَثَّلِ تِمْثالٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا عُبّادَ أصْنامٍ عَلى صُوَرٍ مَخْصُوصَةٍ كَصُورَةِ الإنْسانِ أوْ غَيْرِهِ، فَجَعَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا القَوْلَ مِنهُ ابْتِداءَ كَلامِهِ لِيَنْظُرَ فِيما عَساهم يُورِدُونَهُ مِن شُبْهَةٍ فَيُبْطِلَها عَلَيْهِمْ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَمْ يَنْوِ لِلْعاكِفِينَ مَفْعُولًا وأجْراهُ مَجْرى ما لا يَتَعَدّى، كَقَوْلِكَ فاعِلُونَ لِلْعُكُوفِ أوْ واقِفُونَ لَها، قالَ: فَإنْ قُلْتَ هَلّا قِيلَ عَلَيْها عاكِفُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ [ الأعْرافِ: ١٣٨] قُلْتُ: لَوْ قَصَدَ التَّعْدِيَةَ لَعَدّاهُ بِصِلَتِهِ الَّتِي هي عَلى.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمْ يَجِدُوا في جَوابِهِ إلّا طَرِيقَةَ التَّقْلِيدِ الَّذِي يُوجِبُ مَزِيدَ التَّنْكِيرِ لِأنَّهم إذا كانُوا عَلى خَطَأٍ مِن أمْرِهِمْ لَمْ يَعْصِمْهم مِن هَذا الخَطَأِ أنَّ آباءَهم أيْضًا سَلَكُوا

صفحة ١٥٧

هَذا الطَّرِيقَ، فَلا جَرَمَ أجابَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ الباطِلَ لا يَصِيرُ حَقًّا بِسَبَبِ كَثْرَةِ المُتَمَسِّكِينَ بِهِ، فَلَمّا حَقَّقَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَجِدُوا مِن كَلامِهِ مَخْلَصًا، ورَأوْهُ ثابِتًا عَلى الإنْكارِ، قَوِيَّ القَلْبِ فِيهِ وكانُوا يَسْتَبْعِدُونَ أنْ يَجْرِيَ مِثْلُ هَذا الإنْكارِ عَلَيْهِمْ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وطُولِ العَهْدِ بِمَذْهَبِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا لَهُ: ﴿أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ مُوهِمِينَ بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يُقْدِمَ عَلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، جادًّا في ذَلِكَ، فَعِنْدَهُ عَدَلَ ﷺ إلى بَيانِ التَّوْحِيدِ.

21:57–64Page 326

وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصۡنَٰمَكُم بَعۡدَ أَن تُوَلُّواْ مُدۡبِرِينَ ٥٧

And [I swear] by Allāh, I will surely plan against your idols after you have turned and gone away."

فَجَعَلَهُمۡ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرٗا لَّهُمۡ لَعَلَّهُمۡ إِلَيۡهِ يَرۡجِعُونَ ٥٨

So he made them into fragments, except a large one among them, that they might return to it [and question].

قَالُواْ مَن فَعَلَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٩

They said, "Who has done this to our gods? Indeed, he is of the wrongdoers."

قَالُواْ سَمِعۡنَا فَتٗى يَذۡكُرُهُمۡ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبۡرَٰهِيمُ ٦٠

They said, "We heard a young man mention them who is called Abraham."

قَالُواْ فَأۡتُواْ بِهِۦ عَلَىٰٓ أَعۡيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡهَدُونَ ٦١

They said, "Then bring him before the eyes of the people that they may testify."1

قَالُوٓاْ ءَأَنتَ فَعَلۡتَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ٦٢

They said, "Have you done this to our gods, O Abraham?"

قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمۡ هَٰذَا فَسۡـَٔلُوهُمۡ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ ٦٣

He said, "Rather, this - the largest of them - did it, so ask them, if they should [be able to] speak."

فَرَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ فَقَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ أَنتُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٦٤

So they returned to [blaming] themselves and said [to each other], "Indeed, you are the wrongdoers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾

اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا أُوهِمُوا أنَّهُ يُمازِحُ بِما خاطَبَهم بِهِ في أصْنامِهِمْ، أظْهَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَعْلَمُونَ بِهِ أنَّهُ مُجِدٌّ في إظْهارِ الحَقِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، وذَلِكَ بِالقَوْلِ أوَّلًا وبِالفِعْلِ ثانِيًا؛ أمّا الطَّرِيقَةُ القَوْلِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ وهَذِهِ الدَّلالَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الخالِقَ الَّذِي خَلَقَهُما لِمَنافِعِ العِبادِ هو الَّذِي يَحْسُنُ أنْ يُعْبَدَ؛ لِأنَّ مَن يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَضُرَّ ويَنْفَعَ في الدّارِ الآخِرَةِ بِالعِقابِ والثَّوابِ. فَيَرْجَعُ حاصِلُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي ذَكَرَها لِأبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الضَّمِيرُ في ”فَطَرَهُنَّ“ لِلسَّماواتِ والأرْضِ أوْ لِلتَّماثِيلِ، وكَوْنُهُ لِلتَّماثِيلِ أدْخَلَ في الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ المُبالَغَةُ في التَّأْكِيدِ والتَّحْقِيقِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ إذا بالَغَ في مَدْحِ أحَدٍ أوْ ذَمِّهِ أشْهَدُ أنَّهُ كَرِيمٌ أوْ ذَمِيمٌ. والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ادِّعاءَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى إثْباتِ ما ذَكَرَهُ بِالحُجَّةِ، وأنِّي لَسْتُ مِثْلَكم فَأقُولُ ما لا أقْدِرُ عَلى إثْباتِهِ بِالحُجَّةِ، كَما لَمْ تَقْدِرُوا عَلى الِاحْتِجاجِ لِمَذْهَبِكم، ولَمْ تَزِيدُوا عَلى أنَّكم وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، وأمّا الطَّرِيقَةُ الفِعْلِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ فَإنَّ القَوْمَ لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ عَدَلَ إلى أنْ أراهم عَدَمَ الفائِدَةِ في عِبادَتِها، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبِاللَّهِ، وقُرِئَ ”تَوَلَّوْا“ بِمَعْنى تَتَوَلَّوْا ويُقَوِّيها قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ فَإنْ قُلْتَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الباءِ والتّاءِ ؟ قُلْتُ: إنَّ الباءَ هي الأصْلُ، والتّاءَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المُبْدَلِ مِنها، والتّاءُ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى وهو التَّعَجُّبُ، كَأنَّهُ تَعَجَّبَ مِن تَسْهِيلِ الكَيْدِ عَلى يَدِهِ؛ لِأنَّ

صفحة ١٥٨

ذَلِكَ كانَ أمْرًا مَقْنُوطًا مِنهُ لِصُعُوبَتِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ قِيلَ لِماذا قالَ: ﴿لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ والكَيْدُ هو الِاحْتِيالُ عَلى الغَيْرِ في ضَرَرٍ لا يَشْعُرُ بِهِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى في الأصْنامِ ؟ وجَوابُهُ: قالَ ذَلِكَ تَوَسُّعًا لَمّا كانَ عِنْدَهم أنَّ الضَّرَرَ يَجُوزُ عَلَيْها، وقِيلَ: المُرادُ لَأكِيدَنَّكم في أصْنامِكم؛ لِأنَّهُ بِذَلِكَ الفِعْلِ قَدْ أنْزَلَ بِهِمُ الغَمَّ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في كَيْفِيَّةِ أوَّلِ القِصَّةِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا إذا رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ دَخَلُوا عَلى الأصْنامِ فَسَجَدُوا لَها ثُمَّ عادُوا إلى مَنازِلِهِمْ، فَلَمّا كانَ هَذا الوَقْتُ قالَ آزَرُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَوْ خَرَجْتَ مَعَنا، فَخَرَجَ مَعَهم، فَلَمّا كانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ ألْقى نَفْسَهُ وقالَ: إنِّي سَقِيمٌ، أشْتَكِي رِجْلِي، فَلَمّا مَضَوْا وبَقِيَ ضُعَفاءُ النّاسِ نادى وقالَ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ .

وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أهْلِ بَيْتٍ يَنْظُرُونَ في النُّجُومِ، وكانُوا إذا خَرَجُوا إلى عِيدِهِمْ لَمْ يَتْرُكُوا إلّا مَرِيضًا، فَلَمّا هَمَّ إبْراهِيمُ بِالَّذِي هَمَّ بِهِ مِن كَسْرِ الأصْنامِ نَظَرَ قَبْلَ يَوْمِ العِيدِ إلى السَّماءِ فَقالَ لِأصْحابِهِ: أرانِي أشْتَكِي غَدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وأصْبَحَ مِنَ الغَدِ مَعْصُوبًا رَأْسُهُ فَخَرَجَ القَوْمُ لِعِيدِهِمْ ولَمْ يَتَخَلَّفْ أحَدٌ غَيْرُهُ، فَقالَ: أما واللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم، وسَمِعَ رَجُلٌ مِنهم هَذا القَوْلَ فَحَفِظَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ أخْبَرَ غَيْرَهُ وانْتَشَرَ ذَلِكَ في جَماعَةٍ؛ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ كِلا الوَجْهَيْنِ مُمْكِنٌ، ثُمَّ تَمامُ القِصَّةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَخَلَ بَيْتَ الأصْنامِ وجَدَ سَبْعِينَ صَنَمًا مُصْطَفَّةً، وثَمَّ صَنَمٌ عَظِيمٌ مُسْتَقْبِلٌ البابَ، وكانَ مِن ذَهَبٍ، وكانَ في عَيْنَيْهِ جَوْهَرَتانِ تُضِيئانِ بِاللَّيْلِ، فَكَسَرَها كُلَّها بِفَأْسٍ في يَدِهِ حَتّى لَمْ يُبْقِ إلّا الكَبِيرَ، ثُمَّ عَلَّقَ الفَأْسَ في عُنُقِهِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: إنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا﴾ وهَذا جَمْعٌ لا يَلِيقُ إلّا بِالنّاسِ ؟ جَوابُهُ: مِن حَيْثُ اعْتَقَدُوا فِيها أنَّها كالنّاسِ في أنَّها تُعَظَّمُ ويُتَقَرَّبُ إلَيْها، ولَعَلَّ كانَ فِيهِمْ مَن يَظُنُّ أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جُذاذًا قِطَعًا مِنَ الجَذِّ وهو القَطْعُ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ والفَتْحِ، وقُرِئَ جُذاذًا جَمْعَ جَذِيذٍ، وجِذَذًا جَمْعَ جُذَّةٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْ قِيلَ: ما مَعْنى: ﴿إلّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ قُلْنا: يُحْتَمَلُ الكَبِيرُ في الخِلْقَةِ، ويُحْتَمَلُ في التَّعْظِيمِ، ويُحْتَمَلُ في الأمْرَيْنِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ رُجُوعُهم إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُحْتَمَلُ رُجُوعُهم إلى الكَبِيرِ؛ أمّا الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى أنَّهم لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى مَقالَةِ إبْراهِيمَ، ويَعْدِلُونَ عَنِ الباطِلِ. والثّانِي: أنَّهُ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلّا إلَيْهِ لِما تَسامَعُوهُ مِن إنْكارِهِ لِدِينِهِمْ وسَبِّهِ لِآلِهَتِهِمْ، فَبَكَّتَهم بِما أجابَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] أمّا إذا قُلْنا: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الكَبِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ كَما يُرْجَعُ إلى العالِمِ في حَلِّ المُشْكِلاتِ، فَيَقُولُونَ: ما لِهَؤُلاءِ مَكْسُورَةً، وما لَكَ صَحِيحًا والفَأْسُ عَلى عاتِقِكَ ؟ ! وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ بِناءً عَلى كَثْرَةِ جَهالاتِهِمْ

صفحة ١٥٩

فَلَعَلَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تُجِيبُ وتَتَكَلَّمُ. والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وإنَّ قِياسَ حالِ مَن يُسْجَدُ لَهُ ويُؤَهَّلُ لِلْعِبادَةِ أنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ في حَلِّ المُشْكِلاتِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنْ قِيلَ: أُولَئِكَ الأقْوامُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا عُقَلاءَ أوْ ما كانُوا عُقَلاءَ؛ فَإنْ كانُوا عُقَلاءَ وجَبَ أنْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، فَأيُّ حاجَةٍ في إثْباتِ ذَلِكَ إلى كَسْرِها ؟ أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: القَوْمُ كانُوا يُعَظِّمُونَها كَما يُعَظِّمُ الواحِدُ مِنّا المُصْحَفَ والمَسْجِدَ والمِحْرابَ، وكَسْرُها لا يَقْدَحُ في كَوْنِها مُعَظَّمَةً مِن هَذا الوَجْهِ.

وإنْ قُلْنا: إنَّهم ما كانُوا عُقَلاءَ وجَبَ أنْ لا تَحْسُنَ المُناظَرَةُ مَعَهم ولا بَعْثَةُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، الجَوابُ: أنَّهم كانُوا عُقَلاءَ، وكانُوا عالِمِينَ بِالضَّرُورَةِ أنَّها جَماداتٌ، ولَكِنْ لَعَلَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تَماثِيلُ الكَواكِبِ، وأنَّها طَلْسَماتٌ مَوْضُوعَةٌ، بِحَيْثُ إنَّ كُلَّ مَن عَبَدَها انْتَفَعَ بِها، وكُلَّ مَنِ اسْتَخَفَّ بِها نالَهُ مِنها ضَرَرٌ شَدِيدٌ، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَسَرَها مَعَ أنَّهُ ما نالَهُ مِنها البَتَّةَ ضَرَرٌ، فَكانَ فِعْلُهُ دالًّا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ مِن هَذا الوَجْهِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ [ أنَّ ] مَن فَعَلَ هَذا الكَسْرَ والحَطْمَ لَشَدِيدُ الظُّلْمِ مَعْدُودٌ في الظَلَمَةِ؛ إمّا لِجَراءَتِهِ عَلى الآلِهَةِ الحَقِيقَةِ بِالتَّوْقِيرِ والإعْظامِ، وإمّا لِأنَّهم رَأوْا إفْراطًا في كَسْرِها، وتَمادِيًا في الِاسْتِهانَةِ بِها.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: ارْتَفَعَ إبْراهِيمُ عَلى وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: عَلى مَعْنًى يُقالُ هو إبْراهِيمُ. والثّانِي: عَلى النِّداءِ عَلى مَعْنًى يُقالُ لَهُ: يا إبْراهِيمُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والصَّحِيحُ أنَّهُ فاعِلُ يُقالُ لِأنَّ المُرادَ الِاسْمُ دُونَ المُسَمّى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ القائِلِينَ جَماعَةٌ لا واحِدٌ، فَكَأنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ قَدْ عَرَفُوا مِنهُ وسَمِعُوا ما يَقُولُهُ في آلِهَتِهِمْ فَغَلَبَ عَلى قُلُوبِهِمْ أنَّهُ الفاعِلُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا قَوْلُهُ: ما هَذِهِ التَّماثِيلُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ لَكَفى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском