Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:65–71
21:65–67Page 327
ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمۡ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا هَٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ ٦٥
Then they reversed themselves,1 [saying], "You have already known that these do not speak!"
قَالَ أَفَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يَضُرُّكُمۡ ٦٦
He said, "Then do you worship instead of Allāh that which does not benefit you at all or harm you?
أُفّٖ لَّكُمۡ وَلِمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٧
Uff1 to you and to what you worship instead of Allāh. Then will you not use reason?"
صفحة ١٦٠
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾ ﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا ياإبْراهِيمُ﴾ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ﴿قالَ أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا شاهَدُوا كَسْرَ الأصْنامِ، وقِيلَ: إنَّ فاعِلَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا فِيما بَيْنَهم: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: عَلى أعْيُنِ النّاسِ في مَحَلِّ الحالِ، أيْ فَأْتُوا بِهِ مُشاهَدًا، أيْ بِمَرْأًى مِنهم ومَنظَرٍ، فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى الِاسْتِعْلاءِ في عَلى ؟ قُلْتُ: هو وارِدٌ عَلى طَرِيقِ المَثَلِ أيْ يَثْبُتُ إثْباتُهُ في الأعْيُنِ ثَباتَ الرّاكِبِ عَلى المَرْكُوبِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: أنَّهم كَرِهُوا أنْ يَأْخُذُوهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَأرادُوا أنْ يَجِيئُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِما قالَهُ، فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ بِما فَعَلَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ وعَطاءٍ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
وثانِيهُما: وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ أيْ يَحْضُرُونَ فَيُبْصِرُونَ ما يُصْنَعُ بِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنِ الإقْدامِ عَلى مِثْلِ فِعْلِهِ، وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ: أنَّ المُرادَ مَجْمُوعُ الوَجْهَيْنِ، فَيَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ ويَشْهَدُونَ عِقابَهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا﴾ فاعْلَمْ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا، وهو: فَأتَوْا بِهِ، وقالُوا: أأنْتَ فَعَلْتَ ؟ طَلَبُوا مِنهُ الِاعْتِرافَ بِذَلِكَ لِيُقْدِمُوا عَلى إيذائِهِ، فَظَهَرَ مِنهُ ما انْقَلَبَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ حَتّى تَمَنَّوُا الخَلاصَ مِنهُ، فَقالَ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ وقَدْ عَلَّقَ الفَأْسَ عَلى رَقَبَتِهِ لِكَيْ يُورِدَ هَذا القَوْلَ فَيَظْهَرَ جَهْلُهم في عِبادَةِ الأوْثانِ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: بَلْ فَعَلُهُ كَبِيرُهم كَذِبٌ. والجَوابُ لِلنّاسِ فِيهِ قَوْلانِ؛ أحَدُهُما: وهو قَوْلُ كافَّةِ المُحَقِّقِينَ: أنَّهُ لَيْسَ بِكَذِبٍ، وذَكَرُوا في الِاعْتِذارِ عَنْهُ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنَّ قَصْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ إلى أنْ يَنْسُبَ الفِعْلَ الصّادِرَ عَنْهُ إلى الصَّنَمِ، إنَّما قَصَدَ تَقْرِيرَهُ لِنَفْسِهِ وإثْباتَهُ لَها عَلى أُسْلُوبٍ تَعْرِيضِيٍّ يُبَلِّغُ فِيهِ غَرَضَهُ مِن إلْزامِهِمُ الحُجَّةَ وتَبْكِيتِهِمْ، وهَذا كَما لَوْ قالَ لَكَ صاحِبُكَ وقَدْ كَتَبْتَ كِتابًا بِخَطٍّ رَشِيقٍ، وأنْتَ شَهِيرٌ بِحُسْنِ الخَطِّ، أأنْتَ كَتَبْتَ هَذا ؟ وصاحِبُكَ أُمِّيٌّ لا يُحْسِنُ الخَطَّ، ولا يَقْدِرُ إلّا عَلى خَرْمَشَةٍ فاسِدَةٍ، فَقُلْتَ لَهُ: بَلْ كَتَبْتَهُ أنْتَ، كَأنَّ قَصْدَكَ بِهَذا الجَوابِ تَقْرِيرُ ذَلِكَ مَعَ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ، لا نَفْيُهُ عَنْكَ وإثْباتُهُ لِلْأُمِّيِّ أوِ المُخَرْمِشِ؛ لِأنَّ إثْباتَهُ والأمْرُ دائِرٌ بَيْنَهُما لِلْعاجِزِ مِنهُما اسْتِهْزاءٌ بِهِ وإثْباتٌ لِلْقادِرِ.
وثانِيها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ غاظَتْهُ تِلْكَ الأصْنامُ حِينَ أبْصَرَها مُصْطَفَّةً مُزَيَّنَةً؛ وكانَ غَيْظُهُ مِن كَبِيرِها أشَدَّ لِما رَأى مِن زِيادَةِ تَعْظِيمِهِمْ لَهُ، فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو السَّبَبُ في اسْتِهانَتِهِ بِها وحَطْمِهِ لَها، والفِعْلُ كَما يُسْنَدُ إلى مُباشِرِهِ يُسْنَدُ إلى الحامِلِ عَلَيْهِ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِما يَلْزَمُ عَلى مَذْهَبِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ لَهم: ما تُنْكِرُونَ أنْ يَفْعَلَهُ كَبِيرُهم، فَإنَّ مِن حَقِّ مَن يُعْبَدُ ويُدْعى إلَهًا أنْ يَقْدِرَ عَلى هَذا وأشَدَّ مِنهُ. وهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ ذَكَرَها صاحِبُ ”الكَشّافِ“ .
ورابِعُها: أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، أيْ فَعَلَهُ مَن فَعَلَهُ، وكَبِيرُهم هَذا ابْتِداءُ الكَلامِ، ويُرْوى عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ كانَ يَقِفُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ ثُمَّ يَبْتَدِئُ ﴿كَبِيرُهم هَذا﴾ .
وخامِسُها: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ وقْفٌ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿كَبِيرُهُمْ﴾، ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ: ﴿هَذا فاسْألُوهُمْ﴾ والمَعْنى بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم، وعَنى نَفْسَهُ؛ لِأنَّ الإنْسانَ أكْبَرُ مِن كُلِّ صَنَمٍ.
وسادِسُها: أنْ يَكُونَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ فاسْألُوهم، فَتَكُونُ إضافَةُ الفِعْلِ إلى كَبِيرِهِمْ مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِمْ ناطِقِينَ، فَلَمّا لَمْ يَكُونُوا ناطِقِينَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونُوا فاعِلِينَ.
وسابِعُها: قَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ: ”فَعَلَّهُ كَبِيرُهم“ أيْ فَلَعَلَّ الفاعِلَ كَبِيرُهم.
القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ طائِفَةٍ مِن أهْلِ الحِكاياتِ، أنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ؛ واحْتَجُّوا بِما
صفحة ١٦١
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذِباتٍ كُلَّها في ذاتِ اللَّهِ تَعالى، قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ وقَوْلُهُ لِسارَّةَ: ”هي أُخْتِي“» وفي خَبَرٍ آخَرَ: ”«أنَّ أهْلَ المَوْقِفِ إذا سَألُوا إبْراهِيمَ الشَّفاعَةَ قالَ: إنِّي كَذَبْتُ ثَلاثَ كَذِباتٍ» “ ثُمَّ قَرَّرُوا قَوْلَهم مِن جِهَةِ العَقْلِ، وقالُوا: الكَذِبُ لَيْسَ قَبِيحًا لِذاتِهِ، فَإنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا هَرَبَ مِن ظالِمٍ واخْتَفى في دارِ إنْسانٍ، وجاءَ الظّالِمُ وسَألَ عَنْ حالِهِ فَإنَّهُ يَجِبُ الكَذِبُ فِيهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَأيُّ بُعْدٍ في أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ لا يَعْرِفُها إلّا هو ؟ واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ مَرْغُوبٌ عَنْهُ، أمّا الخَبَرُ الأوَّلُ وهو الَّذِي رَوَوْهُ، فَلَأنْ يُضافَ الكَذِبُ إلى رُواتِهِ أوْلى مِن أنْ يُضافَ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والدَّلِيلُ القاطِعُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يَكْذِبُوا لِمَصْلَحَةٍ ويَأْذَنَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ، فَلْنُجَوِّزْ هَذا الِاحْتِمالَ في كُلِّ ما أخْبَرُوا عَنْهُ، وفي كُلِّ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وذَلِكَ يُبْطِلُ الوُثُوقَ بِالشَّرائِعِ وتَطَّرَّقُ التُّهْمَةُ إلى كُلِّها، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الخَبَرَ لَوْ صَحَّ فَهو مَحْمُولٌ عَلى المَعارِيضِ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ في المَعارِيضِ لَمَندُوحَةً عَنِ الكَذِبِ» .
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَلَعَلَّهُ كانَ بِهِ سَقَمٌ قَلِيلٌ، واسْتِقْصاءُ الكَلامِ فِيهِ يَجِيءُ في مَوْضِعِهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ فَقَطْ ظَهَرَ الجَوابُ عَنْهُ.
أمّا قَوْلُهُ لِسارَّةَ: إنَّها أُخْتِي، فالمُرادُ أنَّها أُخْتُهُ في الدِّينِ، وإذا أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ نِسْبَةِ الكَذِبِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَحِينَئِذٍ لا يَحْكُمُ بِنِسْبَةِ الكَذِبِ إلَيْهِمْ إلّا زِنْدِيقٌ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ؛ الأوَّلُ: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا نَبَّهَهم بِما أوْرَدَهُ عَلَيْهِمْ عَلى قُبْحِ طَرِيقِهِمْ تَنَبَّهُوا، فَعَلِمُوا أنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ باطِلَةٌ، وأنَّهم عَلى غُرُورٍ وجَهْلٍ في ذَلِكَ. والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَلامُوها وقالُوا: إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ لِإبْراهِيمَ حَيْثُ تَزْعُمُونَ أنَّهُ كَسَرَها مَعَ أنَّ الفَأْسَ بَيْنَ يَدَيِ الصَّنَمِ الكَبِيرِ. وثالِثُها: المَعْنى أنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِكم حَيْثُ سَألْتُمْ مِنهُ عَنْ ذَلِكَ حَتّى أخَذَ يَسْتَهْزِئُ بِكم في الجَوابِ، والأقْرَبُ هو الأوَّلُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: نَكَسَهُ قَلَبَهُ فَجَعَلَ أسْفَلَهُ أعْلاهُ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في المَعْنى وُجُوهٌ، أحَدُها: أنَّ المُرادَ اسْتَقامُوا حِينَ رَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ وأتَوْا بِالفِكْرَةِ الصّالِحَةِ، ثُمَّ انْتَكَسُوا فَقُلِبُوا عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، فَأخَذُوا [ في ] المُجادَلَةِ بِالباطِلِ، وأنَّ هَؤُلاءِ مَعَ تَقاصُرِ حالِها عَنْ حالِ الحَيَوانِ النّاطِقِ آلِهَةٌ مَعْبُودَةٌ. وثانِيها: قُلِبُوا عَلى رُءُوسِهِمْ حَقِيقَةً لِفَرْطِ إطْراقِهِمْ خَجَلًا وانْكِسارًا وانْخِذالًا مِمّا بَهَتَهم بِهِ إبْراهِيمُ فَما أحارُوا جَوابًا إلّا ما هو حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ. وثالِثُها: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ في الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ لِإبْراهِيمَ حِينَ جادَلَهم. أيْ قُلِبُوا في الحُجَّةِ واحْتَجُّوا عَلى إبْراهِيمَ بِما هو الحُجَّةُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ فَأقَرُّوا بِهَذِهِ لِلْحَيْرَةِ الَّتِي لَحِقَتْهم، قالَ: والمَعْنى نُكِسَتْ حُجَّتُهم؛ فَأُقِيمَ الخَبَرُ عَنْهم مَقامَ الخَبَرِ عَنْ حُجَّتِهِمْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”نُكِّسُوا“ بِالتَّشْدِيدِ، ونُكِسُوا عَلى لَفْظِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ نَكَّسُوا أنْفُسَهم عَلى رُءُوسِهِمْ، وهي قِراءَةُ رِضْوانَ بْنِ عَبْدِ المَعْبُودِ.
صفحة ١٦٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فالمَعْنى ظاهِرٌ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أُفٍّ صَوْتٌ إذا صُوِّتَ بِهِ عُلِمَ أنَّ صاحِبَهُ مُتَضَجِّرٌ، وإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أضْجَرَهُ ما رَأى مِن ثَباتِهِمْ عَلى عِبادَتِها بَعْدَ انْقِطاعِ عُذْرِهِمْ، وبَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ وزُهُوقِ الباطِلِ، فَتَأفَّفَ بِهِمْ. ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهُ قالَ لَهم ذَلِكَ، وقَدْ عَرَفُوا صِحَّةَ قَوْلِهِ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ قالَ لَهم ذَلِكَ وقَدْ ظَهَرَتِ الحُجَّةُ وإنْ لَمْ يَعْقِلُوا. وهَذا هو الأقْرَبُ لِقَوْلِهِ: ﴿أفَتَعْبُدُونَ﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
21:68–71Page 327
قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓاْ ءَالِهَتَكُمۡ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٦٨
They said, "Burn him and support your gods - if you are to act."
قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ ٦٩
We [i.e., Allāh] said, "O fire, be coolness and safety upon Abraham."
وَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَخۡسَرِينَ ٧٠
And they intended for him a plan [i.e., harm], but We made them the greatest losers.
وَنَجَّيۡنَٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا لِلۡعَٰلَمِينَ ٧١
And We delivered him and Lot to the land which We had blessed for the worlds [i.e., peoples].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ما أظْهَرَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ التَّماثِيلِ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى جَهْلِهِمْ، وأنَّهم: ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ وهاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لَيْسَ في القُرْآنِ مَنِ القائِلُ لِذَلِكَ، والمَشْهُورُ أنَّهُ نُمْرُوذُ بْنُ كَنْعانَ بْنِ سَنْجارِيبَ بْنِ نُمْرُوذَ بْنِ كُوشِ بْنِ حامِ بْنِ نُوحٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إنَّما أشارَ بِتَحْرِيقِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلٌ مِنَ الكُرْدِ مِن أعْرابِ فارِسَ، ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ وهْبٍ، عَنْ شُعَيْبٍ الجُبّائِيِّ قالَ: إنَّ الَّذِي قالَ: حَرِّقُوهُ. رَجُلٌ اسْمُهُ هِيرِينُ، فَخَسَفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ الأرْضَ فَهو يَتَجَلْجَلُ فِيها إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أمّا كَيْفِيَّةُ القِصَّةِ فَقالَ مُقاتِلٌ: لَمّا اجْتَمَعَ نُمْرُوذُ وقَوْمُهُ لِإحْراقِ إبْراهِيمَ حَبَسُوهُ في بَيْتٍ وبَنَوْا بُنْيانًا كالحَظِيرَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧] ثُمَّ جَمَعُوا لَهُ الحَطَبَ الكَثِيرَ حَتّى إنَّ المَرْأةَ لَوْ مَرِضَتْ قالَتْ: إنْ عافانِي اللَّهُ لَأجْعَلَنَّ حَطَبًا لِإبْراهِيمَ، ونَقَلُوا لَهُ الحَطَبَ عَلى الدَّوابِّ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَلَمّا اشْتَعَلَتِ النّارُ اشْتَدَّتْ وصارَ الهَواءُ بِحَيْثُ لَوْ مَرَّ الطَّيْرُ في أقْصى الهَواءِ لاحْتَرَقَ، ثُمَّ أخَذُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ورَفَعُوهُ عَلى رَأْسِ البُنْيانِ وقَيَّدُوهُ، ثُمَّ اتَّخَذُوا مَنجَنِيقًا ووَضَعُوهُ فِيهِ مُقَيَّدًا مَغْلُولًا، فَصاحَتِ السَّماءُ والأرْضُ ومَن فِيها مِنَ المَلائِكَةِ إلّا الثَّقَلَيْنِ صَيْحَةً واحِدَةً، أيْ رَبَّنا لَيْسَ في أرْضِكَ أحَدٌ يَعْبُدُكَ غَيْرُ إبْراهِيمَ، وإنَّهُ يُحَرَّقُ فِيكَ، فَأْذَنْ لَنا في نُصْرَتِهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: إنِ اسْتَغاثَ بِأحَدٍ مِنكم فَأغِيثُوهُ، وإنْ لَمْ يَدْعُ غَيْرِي فَأنا أعْلَمُ بِهِ، وأنا ولِيُّهُ، فَخَلُّوا بَيْنِي وبَيْنَهُ، فَلَمّا أرادُوا إلْقاءَهُ في النّارِ، أتاهُ خازِنُ الرِّياحِ فَقالَ: إنْ شِئْتَ طَيَّرْتُ النّارَ في الهَواءِ، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا حاجَةَ بِي إلَيْكم، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَّماءِ وقالَ: ”اللَّهُمَّ أنْتَ الواحِدُ في السَّماءِ، وأنا الواحِدُ في الأرْضِ، لَيْسَ في الأرْضِ أحَدٌ يَعْبُدُكَ غَيْرِي، أنْتَ حَسْبُنا ونِعْمَ الوَكِيلُ“ وقِيلَ: إنَّهُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ قالَ: ”لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ، رَبَّ العالَمِينَ، لَكَ الحَمْدُ ولَكَ المُلْكُ، لا شَرِيكَ لَكَ“ ثُمَّ وضَعُوهُ في المَنجَنِيقِ ورَمَوْا بِهِ في النّارِ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: يا إبْراهِيمُ، هَلْ لَكَ حاجَةٌ، قالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا ؟ قالَ: فاسْألْ رَبَّكَ، قالَ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ
صفحة ١٦٣
بِحالِي؛ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ .
وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّما قالَ ذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في رِوايَةِ مُجاهِدٍ: ولَوْ لَمْ يُتْبِعْ بَرْدًا سَلامًا لَماتَ إبْراهِيمُ مِن بَرْدِها، قالَ: ولَمْ يَبْقَ يَوْمَئِذٍ في الدُّنْيا نارٌ إلّا طُفِئَتْ، ثُمَّ قالَ السُّدِّيُّ: فَأخَذَتِ المَلائِكَةُ بِضَبْعَيْ إبْراهِيمَ وأقْعَدُوهُ في الأرْضِ، فَإذا عَيْنُ ماءٍ عَذْبٍ، ووَرْدٌ أحْمَرُ ونَرْجِسُ. ولَمْ تُحْرِقِ النّارُ مِنهُ إلّا وِثاقَهُ، وقالَ المِنهالُ بْنُ عَمْرٍو: أُخْبِرْتُ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُلْقِيَ في النّارِ كانَ فِيها إمّا أرْبَعِينَ يَوْمًا أوْ خَمْسِينَ يَوْمًا، وقالَ: ما كُنْتُ أيّامًا أطْيَبَ عَيْشًا مِنِّي إذْ كُنْتُ فِيها، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: بَعَثَ اللَّهُ مَلَكَ الظِّلِّ في صُورَةِ إبْراهِيمَ، فَقَعَدَ إلى جَنْبِ إبْراهِيمَ يُؤْنِسُهُ، وأتاهُ جِبْرِيلُ بِقَمِيصٍ مِن حَرِيرِ الجَنَّةِ، وقالَ: يا إبْراهِيمُ، إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أما عَلِمْتَ أنَّ النّارَ لا تَضُرُّ أحْبابِي، ثُمَّ نَظَرَ نُمْرُوذُ مِن صَرْحٍ لَهُ وأشْرَفَ عَلى إبْراهِيمَ، فَرَآهُ جالِسًا في رَوْضَةٍ، ورَأى المَلَكَ قاعِدًا إلى جَنْبِهِ وما حَوْلَهُ نارٌ تُحْرِقُ الحَطَبَ، فَناداهُ نُمْرُوذُ: يا إبْراهِيمُ، هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَخْرُجَ مِنها ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: قُمْ فاخْرُجْ، فَقامَ يَمْشِي حَتّى خَرَجَ مِنها، فَلَمّا خَرَجَ قالَ لَهُ نُمْرُوذُ: مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي رَأيْتُهُ مَعَكَ في صُورَتِكَ ؟ قالَ: ذاكَ مَلَكُ الظِّلِّ أرْسَلَهُ رَبِّي لِيُؤْنِسَنِي فِيها. فَقالَ نُمْرُوذُ: إنِّي مُقَرِّبٌ إلى رَبِّكَ قُرْبانًا لِما رَأيْتُ مِن قُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ فِيما صَنَعَ بِكَ، فَإنِّي ذابِحٌ لَهُ أرْبَعَةَ آلافِ بَقَرَةٍ، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنكَ ما دُمْتَ عَلى دِينِكَ، فَقالَ نُمْرُوذُ: لا أسْتَطِيعُ تَرْكَ مُلْكِي، ولَكِنْ سَوْفَ أذْبَحُها لَهُ، ثُمَّ ذَبَحَها لَهُ وكَفَّ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهي أنَّهم بَنَوْا لِإبْراهِيمَ بُنْيانًا وألْقَوْهُ فِيهِ، ثُمَّ أوْقَدُوا عَلَيْهِ النّارَ سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ أطْبَقُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ فَتَحُوا عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ، فَإذا هو غَيْرُ مُحْتَرِقٍ يَعْرَقُ عَرَقًا، فَقالَ لَهم هارانُ أبُو لُوطٍ: إنَّ النّارَ لا تُحْرِقُهُ لِأنَّهُ سَحَرَ النّارَ، ولَكِنِ اجْعَلُوهُ عَلى شَيْءٍ وأوْقِدُوا تَحْتَهُ فَإنَّ الدُّخانَ يَقْتُلُهُ، فَجَعَلُوهُ فَوْقَ بِئْرٍ وأوْقَدُوا تَحْتَهُ، فَطارَتْ شَرارَةٌ فَوَقَعَتْ في لِحْيَةِ أبِي لُوطٍ فَأحْرَقَتْهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما اخْتارُوا المُعاقَبَةَ بِالنّارِ لِأنَّها أشَدُّ العُقُوباتِ، ولِهَذا قِيلَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ تَنْصُرُونَ آلِهَتَكم نَصْرًا شَدِيدًا، فاخْتارُوا أشَدَّ العُقُوباتِ وهي الإحْراقُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا﴾ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ النّارَ بَرْدًا وسَلامًا، لا أنَّ هُناكَ كَلامًا كَقَوْلِهِ: ﴿أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ يَكُونُهُ، وقَدِ احْتُجَّ عَلَيْهِ بِأنَّ النّارَ جَمادٌ فَلا يَجُوزُ خِطابُهُ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ وُجِدَ ذَلِكَ القَوْلُ. ثُمَّ هَؤُلاءِ لَهم قَوْلانِ؛ أحَدُهُما: وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ: أنَّ القائِلَ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ أنَّ القائِلَ هو اللَّهُ تَعالى، وهَذا هو الألْيَقُ الأقْرَبُ بِالظّاهِرِ، وقَوْلُهُ: النّارُ جَمادٌ فَلا يَكُونُ في خِطابِها فائِدَةٌ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الأمْرِ مَصْلَحَةً عائِدَةً إلى المَلائِكَةِ؟ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ النّارَ كَيْفَ بَرَدَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ؛ أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ عَنْها ما فِيها مِنَ الحَرِّ والإحْراقِ، وأبْقى ما فِيها مِنَ الإضاءَةِ والإشْراقِ، واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في جِسْمِ إبْراهِيمَ كَيْفِيَّةً مانِعَةً مِن وُصُولِ أذى النّارِ إلَيْهِ، كَما يَفْعَلُ بِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، وكَما أنَّهُ رَكَّبَ بِنْيَةَ النَّعامَةِ بِحَيْثُ لا يَضُرُّها ابْتِلاعُ الحَدِيدَةِ المُحْماةِ، وبَدَنَ السَّمَندَلِ بِحَيْثُ لا يَضُرُّهُ المُكْثُ في النّارِ. وثالِثُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّارِ حائِلًا يَمْنَعُ مِن وُصُولِ أثَرِ النّارِ إلَيْهِ، قالَ المُحَقِّقُونَ: والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ
صفحة ١٦٤
ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا﴾ أنَّ نَفْسَ النّارِ صارَتْ بارِدَةً حَتّى سَلِمَ إبْراهِيمُ مِن تَأْثِيرِها، لا أنَّ النّارَ بَقِيَتْ كَما كانَتْ، فَإنْ قِيلَ: النّارُ جِسْمٌ مَوْصُوفٌ بِالحَرارَةِ واللَّطافَةِ، فَإذا كانَتِ الحَرارَةُ جُزْءًا مِن مُسَمّى النّارِ امْتَنَعَ كَوْنُ النّارِ بارِدَةً، فَإذا وجَبَ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنَ النّارِ الجِسْمُ الَّذِي هو أحَدُ أجْزاءِ مُسَمّى النّارِ، وذَلِكَ مَجازٌ فَلِمَ كانَ مَجازُكم أوْلى مِنَ المَجازَيْنِ الآخَرَيْنِ ؟ قُلْنا: المَجازُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَبْقى مَعَهُ حُصُولُ البَرْدِ، وفي المَجازَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْتُمُوهُما لا يَبْقى ذَلِكَ، فَكانَ مَجازُنا أوْلى.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ فالمَعْنى أنَّ البَرْدَ إذا أفْرَطَ أهْلَكَ كالحَرِّ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ الِاعْتِدالِ، ثُمَّ في حُصُولِ الِاعْتِدالِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ يُقَدِّرُ اللَّهُ تَعالى بَرْدَها بِالمِقْدارِ الَّذِي لا يُؤَثِّرُ.
وثانِيها: أنَّ بَعْضَ النّارِ صارَ بَرْدًا وبَقِيَ بَعْضُها عَلى حَرارَتِهِ، فَتَعادَلَ الحَرُّ والبَرْدُ.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ في جِسْمِهِ مَزِيدَ حَرٍّ فَسَلِمَ مِن ذَلِكَ البَرْدِ، بَلْ قَدِ انْتَفَعَ بِهِ والتَذَّ، ثُمَّ هاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أوَكُلُّ النّارِ زالَتْ وصارَتْ بَرْدًا ؟ الجَوابُ: أنَّ النّارَ هو اسْمُ الماهِيَّةِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ هَذا البَرْدُ في الماهِيَّةِ، ويَلْزَمَ مِنهُ عُمُومُهُ في كُلِّ أفْرادِ الماهِيَّةِ، وقِيلَ: بَلِ اخْتُصَّ بِتِلْكَ النّارِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ إنَّما تَعَلَّقَ بِبَرْدِ تِلْكَ النّارِ، وفي النّارِ مَنافِعُ لِلْخَلْقِ، فَلا يَجُوزُ تَعْطِيلُها، والمُرادُ خَلاصُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا إيصالُ الضَّرَرِ إلى سائِرِ الخَلْقِ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَجُوزُ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِن أنَّهُ سَلامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ الجَوابُ الظّاهِرُ كَما أنَّهُ جَعَلَ النّارَ بَرْدًا جَعَلَها سَلامًا عَلَيْهِ حَتّى يَخْلُصَ، فالَّذِي قالَهُ يَبْعُدُ، وفِيهِ تَشْتِيتُ الكَلامِ المُرَتَّبِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أفَيَجُوزُ ما رُوِيَ مِن أنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ: وسَلامًا لَأتى البَرْدُ عَلَيْهِ ؟ والجَوابُ: ذَلِكَ بَعِيدٌ؛ لِأنَّ بَرْدَ النّارِ لَمْ يَحْصُلْ مِنها، وإنَّما حَصَلَ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى فَهو القادِرُ عَلى الحَرِّ والبَرْدِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: كانَ البَرْدُ يَعْظُمُ لَوْلا قَوْلُهُ سَلامًا.
السُّؤالُ الرّابِعُ: أفَيَجُوزُ ما قِيلَ مِن أنَّهُ كانَ في النّارِ أنْعَمَ عَيْشًا مِنهُ في سائِرِ أحْوالِهِ ؟ والجَوابُ: لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ وكَمالِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما صارَ أنْعَمَ عَيْشًا هُناكَ لِعِظَمِ ما نالَهُ مِنَ السُّرُورِ بِخَلاصِهِ مِن ذَلِكَ الأمْرِ العَظِيمِ، ولِعِظَمِ سُرُورِهِ بِظَفَرِهِ بِأعْدائِهِ وبِما أظْهَرُهُ مِن دِينِ اللَّهِ تَعالى.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ أيْ أرادُوا أنْ يَكِيدُوهُ فَما كانُوا إلّا مَغْلُوبِينَ، غالَبُوهُ بِالجِدالِ فَلَقَّنَهُ اللَّهُ تَعالى الحُجَّةَ المُبَكِّتَةَ، ثُمَّ عَدَلُوا القُوَّةَ والجَبَرُوتَ فَنَصَرَهُ وقَوّاهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أتَمَّ النِّعْمَةَ عَلَيْهِ بِأنْ نَجّاهُ ونَجّى لُوطًا مَعَهُ، وهو ابْنُ أخِيهِ، وهو لُوطُ بْنُ هارانَ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكَ فِيها لِلْعالَمِينَ. وفي الأخْبارِ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ كانَتْ في حُدُودِ بابِلَ فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِن تِلْكَ البُقْعَةِ إلى الأرْضِ المُبارَكَةِ، ثُمَّ قِيلَ: إنَّها مَكَّةُ، وقِيلَ أرْضُ الشّامِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] والسَّبَبُ في بَرَكَتِها، أمّا في الدِّينِ فَلِأنَّ أكْثَرَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بُعِثُوا مِنها، وانْتَشَرَتْ شَرائِعُهم وآثارُهُمُ الدِّينِيَّةُ فِيها، وأمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى بارَكَ فِيها بِكَثْرَةِ الماءِ والشَّجَرِ والثَّمَرِ والخِصْبِ وطِيبِ العَيْشِ، وقِيلَ: ما مِن ماءٍ عَذْبٍ إلّا ويَنْبُعُ أصْلُهُ مِن تَحْتِ الصَّخْرَةِ الَّتِي بِبَيْتِ المَقْدِسِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences