Ar-RaziAl‑Anbya · 21:89–97

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:89–97

21:89–90Page 329

وَزَكَرِيَّآ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ رَبِّ لَا تَذَرۡنِي فَرۡدٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٨٩

And [mention] Zechariah, when he called to his Lord, "My Lord, do not leave me alone [with no heir], while You are the best of inheritors."

فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ يَحۡيَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ ٩٠

So We responded to him, and We gave to him John, and amended for him his wife. Indeed, they used to hasten to good deeds and supplicate1 Us in hope and fear, and they were to Us humbly submissive.

[ القِصَّةُ التّاسِعَةُ، قِصَّةُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ ]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وزَكَرِيّا إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ انْقِطاعَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ إلى رَبِّهِ تَعالى لَمّا مَسَّهُ الضُّرُّ بِتَفَرُّدِهِ، وأحَبَّ مَن يُؤْنِسُهُ ويُقَوِّيهِ عَلى أمْرِ دِينِهِ ودُنْياهُ، ويَكُونُ قائِمًا مَقامَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَدَعا اللَّهَ تَعالى دُعاءَ مُخْلِصٍ عارِفٍ بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، وإنِ انْتَهَتِ الحالُ بِهِ وبِزَوْجَتِهِ مِن كِبَرٍ وغَيْرِهِ إلى اليَأْسِ مِن ذَلِكَ بِحُكْمِ العادَةِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما: كانَ سِنُّهُ مِائَةً، وسِنُّ زَوْجَتِهِ تِسْعًا وتِسْعِينَ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَهُ في جُمْلَةِ دُعائِهِ عَلى وجْهِ الثَّناءِ عَلى رَبِّهِ لِيَكْشِفَ عَنْ عِلْمِهِ بِأنَّ مَآلَ الأُمُورِ إلى اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”إنْ لَمْ تَرْزُقْنِي مَن يَرِثُنِي فَلا أُبالِي؛ فَإنَّكَ خَيْرُ وارِثٍ“ .

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أيْ فَعَلْنا ما أرادَهُ لِأجْلِ سُؤالِهِ، وفي ذَلِكَ إعْظامٌ لَهُ، فَلِذَلِكَ تَقُولُ العُلَماءُ بِأنَّ الِاسْتِجابَةَ ثَوابٌ؛ لِما فِيهِ مِنَ الإعْظامِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ فَهو كالتَّفْسِيرِ لِلِاسْتِجابَةِ، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أصْلَحَها لِلْوِلادَةِ بِأنْ أزالَ عَنْها المانِعَ بِالعادَةِ، وهَذا ألْيَقُ بِالقِصَّةِ.

والثّانِي: أنَّهُ أصْلَحَها في أخْلاقِها، وقَدْ كانَتْ عَلى طَرِيقَةٍ مِن سُوءِ الخُلُقِ وسَلاطَةِ اللِّسانِ تُؤْذِيهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ مِن نِعَمِهِ عَلَيْهِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَها مُصْلِحَةً في الدِّينِ، فَإنَّ صَلاحَها في الدِّينِ مِن أكْبَرِ أعْوانِهِ في كَوْنِهِ داعِيًا إلى اللَّهِ تَعالى، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَبَّهُ المَعُونَةَ عَلى الدِّينِ والدُّنْيا بِالوَلَدِ والأهْلِ جَمِيعًا؛ وهَذا كَأنَّهُ أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ إذا قِيلَ: أصْلَحَ اللَّهُ فُلانًا؛ فالأظْهَرُ فِيهِ ما يَتَّصِلُ بِالدِّينِ، واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الواوَ لا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ؛ لِأنَّ إصْلاحَ الزَّوْجِ مُقَدَّمٌ عَلى هِبَةِ الوَلَدِ مَعَ أنَّهُ تَعالى أخَّرَهُ في اللَّفْظِ وبَيَّنَ تَعالى مِصْداقَ ما ذَكَرْناهُ فَقالَ: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ وأرادَ بِذَلِكَ زَكَرِيّا ووَلَدَهُ وأهْلَهُ، فَبَيَّنَ أنَّهُ آتاهم ما طَلَبُوهُ، وعَضَّدَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ مِن حَيْثُ كانَتْ طَرِيقَتُهم أنَّهم يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ، والمُسارَعَةُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى مِن أكْبَرِ ما يُمْدَحُ المَرْءُ بِهِ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى حِرْصٍ عَظِيمٍ عَلى الطّاعَةِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ قُرِئَ رَغَبًا ورَهَبًا وهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾

صفحة ١٨٩

[الزمر: ٩] والمَعْنى أنَّهم ضَمُّوا إلى فِعْلِ الطّاعاتِ والمُسارَعَةِ فِيها أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: الفَزَعُ إلى اللَّهِ تَعالى لِمَكانِ الرَّغْبَةِ في ثَوابِهِ والرَّهْبَةِ في عِقابِهِ.

والثّانِي: الخُشُوعُ، وهو المَخافَةُ الثّابِتَةُ في القَلْبِ، فَيَكُونُ الخاشِعُ هو الحَذِرُ الَّذِي لا يَنْبَسِطُ في الأُمُورِ خَوْفًا مِنَ الإثْمِ.

21:91–92Page 330

وَٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلۡنَٰهَا وَٱبۡنَهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٩١

And [mention] the one who guarded her chastity [i.e., Mary], so We blew into her [garment] through Our angel [i.e., Gabriel], and We made her and her son a sign for the worlds.

إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ ٩٢

Indeed this, your religion, is one religion,1 and I am your Lord, so worship Me.

[ القِصَّةُ العاشِرَةُ، قِصَّةُ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ ]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ التَّقْدِيرَ: واذْكُرِ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها أحْصَنَتْ فَرْجَها إحْصانًا كُلِّيًّا مِنَ الحَلالِ والحَرامِ جَمِيعًا كَما قالَتْ: ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠] .

والثّانِي: مِن نَفْخَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، حَيْثُ مَنَعَتْهُ مِن جَيْبِ دِرْعِها قَبْلَ أنْ تَعْرِفَهُ، والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ الظّاهِرُ مِنَ اللَّفْظِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: نَفْخُ الرُّوحِ في الجَسَدِ عِبارَةٌ عَنْ إحْيائِهِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] أيْ أحْيَيْتُهُ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ: ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ ظاهِرَ الإشْكالِ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى إحْياءِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: مَعْناهُ فَنَفَخْنا الرُّوحَ في عِيسى فِيها، أيْ أحْيَيْناهُ في جَوْفِها، كَما يَقُولُ الزَّمّارُ: نَفَخْتُ في بَيْتِ فُلانٍ، أيْ في المِزْمارِ في بَيْتِهِ.

وثانِيها: فَعَلْنا النَّفْخَ في مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ مِن جِهَةِ رُوحِنا وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ نَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها، فَوَصَلَ النَّفْخُ إلى جَوْفِها؛ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِأخْصَرِ الكَلامِ ما خَصَّ بِهِ مَرْيَمَ وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ مِنَ الآياتِ فَقالَ: ﴿وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ أمّا مَرْيَمُ فَآياتُها كَثِيرَةٌ:

أحَدُها: ظُهُورُ الحَبَلِ فِيها لا مِن ذَكَرٍ فَصارَ ذَلِكَ آيَةً ومُعْجِزَةً خارِجَةً عَنِ العادَةِ.

وثانِيها: أنَّ رِزْقَها كانَ يَأْتِيها بِهِ المَلائِكَةُ مِنَ الجَنَّةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٧] .

وثالِثُها ورابِعُها: قالَ الحَسَنُ: إنَّها لَمْ تَلْتَقِمْ ثَدْيًا يَوْمًا قَطُّ، وتَكَلَّمَتْ هي أيْضًا في صِباها كَما تَكَلَّمَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا آياتُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ جَعَلَهُما آيَةً لِلنّاسِ يَتَدَبَّرُونَ فِيما خُصّا بِهِ مِنَ الآياتِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؛ فَإنْ قِيلَ: هَلّا قِيلَ آيَتَيْنِ كَما قالَ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢] ؟ قُلْنا: لِأنَّ حالَهُما بِمَجْمُوعِهِما آيَةٌ واحِدَةٌ، وهي وِلادَتُها إيّاهُ مِن غَيْرِ فَحْلٍ؛ وهُنا آخِرُ القَصَصِ.

21:93–95Page 330

وَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡۖ كُلٌّ إِلَيۡنَا رَٰجِعُونَ ٩٣

And [yet] they divided their affair [i.e., that of their religion] among themselves,1 [but] all to Us will return.

فَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا كُفۡرَانَ لِسَعۡيِهِۦ وَإِنَّا لَهُۥ كَٰتِبُونَ ٩٤

So whoever does righteous deeds while he is a believer - no denial will there be for his effort,1 and indeed We [i.e., Our angels], of it, are recorders.

وَحَرَٰمٌ عَلَىٰ قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآ أَنَّهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٩٥

And it is prohibited to [the people of] a city which We have destroyed that they will [ever] return1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاعْبُدُونِ﴾ ﴿وتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾

قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الأُمَّةُ المِلَّةُ، وهو إشارَةٌ إلى مِلَّةِ الإسْلامِ، أيْ أنَّ مِلَّةَ الإسْلامِ هي مِلَّتُكُمُ الَّتِي

صفحة ١٩٠

يَجِبُ أنْ تَكُونُوا عَلَيْها، يُشارُ إلَيْها بِمِلَّةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُخْتَلِفَةٍ، وأنا إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاعْبُدُونِ؛ ونَصَبَ الحَسَنُ: ”أُمَّتَكم“ عَلى البَدَلِ مِن هَذِهِ، ورَفَعَ ”أُمَّةٌ“ خَبَرًا، وعَنْهُ رَفْعُهُما جَمِيعًا خَبَرَيْنِ، أوْ نَوى لِلثّانِي المُبْتَدَأ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ والأصْلُ ”وتَقَطَّعْتُمْ“ إلّا أنَّ الكَلامَ صُرِفَ إلى الغَيْبَةِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ؛ كَأنَّهُ يَنْقُلُ عَنْهم ما أفْسَدُوهُ إلى آخَرِينَ، ويُقَبِّحُ عِنْدَهم فِعْلَهم، ويَقُولُ لَهم: ألا تَرَوْنَ إلى عَظِيمِ ما ارْتَكَبَ هَؤُلاءِ، والمَعْنى جَعَلُوا أمْرَ دِينِهِمْ فِيما بَيْنَهم قِطَعًا، كَما تَتَوَزَّعُ الجَماعَةُ الشَّيْءَ ويُقَسِّمُونَهُ فَيَصِيرُ لِهَذا نَصِيبٌ ولِذَلِكَ نَصِيبٌ تَمْثِيلًا لِاخْتِلافِهِمْ فِيهِ وصَيْرُورَتِهِمْ فِرَقًا وأحْزابًا شَتّى.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ فَقَدْ تَوَعَّدَهم بِأنَّ هَؤُلاءِ الفِرَقَ المُخْتَلِفَةَ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ، فَهو مُحاسِبُهم ومُجازِيهِمْ، ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «تَفَرَّقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً؛ فَهَلَكَتْ سَبْعُونَ وخَلَصَتْ فِرْقَةٌ، وإنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً؛ فَتَهْلِكُ إحْدى وسَبْعُونَ فِرْقَةً وتَخْلُصُ فِرْقَةٌ واحِدَةٌ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن تِلْكَ الفِرْقَةُ النّاجِيَةُ ؟ قالَ: الجَماعَةُ، الجَماعَةُ، الجَماعَةُ» فَتَبَيَّنَ بِهَذا الخَبَرِ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ الجَماعَةُ المُتَمَسِّكَةُ بِما بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوّاتِ، وأنَّ في قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ في النّاجِيَةِ: إنَّها الجَماعَةُ، إشارَةً إلى أنَّ هَذِهِ أشارَ بِها إلى أُمَّةِ الإيمانِ، وإلّا كانَ قَوْلُهُ في تَعْرِيفِ الفِرْقَةِ النّاجِيَةِ إنَّها الجَماعَةُ لَغْوًا، إذْ لا فِرْقَةَ تَمَسَّكَتْ بِباطِلٍ أوْ بِحَقٍّ إلّا وهي جَماعَةٌ مِن حَيْثُ العَدَدِ، وطَعَنَ بَعْضُهم في صِحَّةِ هَذا الخَبَرِ، فَقالَ: إنْ أرادَ بِالثِّنْتَيْنِ والسَّبْعِينَ فِرْقَةً أُصُولَ الأدْيانِ فَلَمْ يَبْلُغْ هَذا القَدْرَ، وإنْ أرادَ الفُرُوعَ فَإنَّها تَتَجاوَزُ هَذا القَدْرَ إلى أضْعافِ ذَلِكَ، وقِيلَ أيْضًا: قَدْ رُوِيَ ضِدُّ ذَلِكَ، وهو أنَّها كُلَّها ناجِيَةٌ إلّا فِرْقَةً واحِدَةً؛ والجَوابُ: المُرادُ سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي في حالٍ ما ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى افْتِراقِها في سائِرِ الأحْوالِ؛ لا يَجُوزُ أنْ يَزِيدَ ويَنْقُصَ.

21:96–97Page 330

حَتَّىٰٓ إِذَا فُتِحَتۡ يَأۡجُوجُ وَمَأۡجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٖ يَنسِلُونَ ٩٦

Until when [the dam of] Gog and Magog has been opened and they, from every elevation, descend

وَٱقۡتَرَبَ ٱلۡوَعۡدُ ٱلۡحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَٰخِصَةٌ أَبۡصَٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَٰوَيۡلَنَا قَدۡ كُنَّا فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا بَلۡ كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٩٧

And [when] the true promise [i.e., the resurrection] has approached; then suddenly the eyes of those who disbelieved will be staring [in horror, while they say], "O woe to us; we had been unmindful of this; rather, we were wrongdoers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وإنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا ياوَيْلَنا قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أمْرَ الأُمَّةِ مِن قَبْلُ وذَكَرَ تَفَرُّقَهم وأنَّهم أجْمَعَ راجِعُونَ إلى حَيْثُ لا أمْرَ إلّا لَهُ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ بَيَّنَ أنَّ مَن جَمَعَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا وبَيْنَ أنْ يَعْمَلَ الصّالِحاتِ؛ فَيَدْخُلُ في الأوَّلِ العِلْمُ والتَّصْدِيقُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وفي الثّانِي فِعْلُ الواجِباتِ وتَرْكُ المَحْظُوراتِ: ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ أيْ لا بُطْلانَ لِثَوابِ عَمَلِهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى﴾

صفحة ١٩١

﴿لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] فالكُفْرانُ مَثَلٌ في حِرْمانِ الثَّوابِ، والشُّكْرُ مَثَلٌ في إعْطائِهِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَلا كُفْرانَ﴾ المُرادُ نَفْيُ الجِنْسِ؛ لِيَكُونَ في نِهايَةِ المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ نَفْيَ الماهِيَّةِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ جَمِيعِ أفْرادِها.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ فالمُرادُ وإنّا لِسَعْيِهِ كاتِبُونَ، فَقِيلَ: المُرادُ حافِظُونَ لِنُجازِيَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: كاتِبُونَ إمّا في أُمِّ الكِتابِ أوْ في الصُّحُفِ الَّتِي تُعْرَضُ يَوْمَ القِيامَةِ، والمُرادُ بِذَلِكَ تَرْغِيبُ العِبادِ في التَّمَسُّكِ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾؛ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (وحَرامٌ) خَبَرٌ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُبْتَدَأٍ، وهو إمّا قَوْلُهُ: ﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ أوْ شَيْءٌ آخَرُ؛ أمّا الأوَّلُ فالتَّقْدِيرُ: أنَّ عَدَمَ رُجُوعِهِمْ حَرامٌ أيْ مُمْتَنِعٌ، وإذا كانَ عَدَمُ رُجُوعِهِمْ مُمْتَنِعًا كانَ رُجُوعُهم واجِبًا، فَهَذا الرُّجُوعُ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الرُّجُوعَ إلى الآخِرَةِ أوْ إلى الدُّنْيا؛ أمّا الأوَّلُ: فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ رُجُوعَهم إلى الحَياةِ في الدّارِ الآخِرَةِ واجِبٌ، ويَكُونُ الغَرَضُ مِنهُ إبْطالَ قَوْلِ مَن يُنْكِرُ البَعْثَ، وتَحْقِيقُ ما تَقَدَّمَ أنَّهُ لا كُفْرانَ لِسَعْيِ أحَدٍ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ سَيُعْطِيهِ الجَزاءَ عَلى ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو تَأْوِيلُ أبِي مُسْلِمِ بْنِ بَحْرٍ.

وأمّا الثّانِي: فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ رُجُوعَهم إلى الدُّنْيا واجِبٌ، لَكِنَّ المَعْلُومَ أنَّهم لَمْ يَرْجِعُوا إلى الدُّنْيا فَعِنْدَ هَذا ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ وجْهَيْنِ.

الأوَّلُ: أنَّ الحَرامَ قَدْ يَجِيءُ بِمَعْنى الواجِبِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ الآيَةُ والِاسْتِعْمالُ والشِّعْرُ، أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]؛ وتَرْكُ الشِّرْكِ واجِبٌ، ولَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وأمّا الشِّعْرُ فَقَوْلُ الخَنْساءِ:

وإنَّ حَرامًا لا أرى الدَّهْرَ باكِيًا عَلى شَجْوِهِ إلّا بَكَيْتُ عَلى عَمْرِو

يَعْنِي وإنَّ واجِبًا، وأمّا الِاسْتِعْمالُ فَلِأنَّ تَسْمِيَةَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ بِاسْمِ الآخَرِ مَجازٌ مَشْهُورُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] إذا ثَبَتَ هَذا فالمَعْنى أنَّهُ واجِبٌ عَلى أهْلِ كُلِّ قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ، ثُمَّ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الرُّجُوعِ أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهم لا يَرْجِعُونَ عَنِ الشِّرْكِ ولا يَتَوَلَّوْنَ عَنْهُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والحَسَنِ.

وثانِيها: لا يَرْجِعُونَ إلى الدُّنْيا وهو قَوْلُ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُتْرَكَ قَوْلُهُ: ﴿وحَرامٌ﴾ عَلى ظاهِرِهِ ويُجْعَلَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَرْجِعُونَ﴾ صِلَةٌ زائِدَةٌ كَما أنَّهُ صِلَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]؛ والمَعْنى حَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها رُجُوعُهم إلى الدُّنْيا وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٥٠] أوْ يَكُونَ المَعْنى وحَرامٌ عَلَيْهِمْ رُجُوعُهم عَنِ الشِّرْكِ وتَرْكِ الإيمانَ، وهَذا قَوْلُ طائِفَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وهَذا كُلُّهُ إذا جَعَلْنا قَوْلَهُ: ”﴿وحَرامٌ﴾“ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: ﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ أمّا إذا جَعَلْناهُ خَبَرًا لِشَيْءٍ آخَرَ فالتَّقْدِيرُ وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها ذاكَ، وهو المَذْكُورُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ والسَّعْيِ المَشْكُورِ غَيْرِ المَكْفُورِ، ثُمَّ عَلَّلَ فَقالَ: ﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ عَنِ الكُفْرِ فَكَيْفَ لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ ؟ هَذا عَلى قِراءَةِ إنَّهم بِالكَسْرِ، والقِراءَةُ بِالفَتْحِ يَصِحُّ حَمْلُها أيْضًا عَلى هَذا أيْ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ حَتّى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ”حَرامٌ“، فَأمّا عَلى تَأْوِيلِ أبِي مُسْلِمٍ فالمَعْنى أنَّ رُجُوعَهم إلى الآخِرَةِ واجِبٌ حَتّى إنَّ وجُوبَهُ يَبْلُغُ إلى حَيْثُ إنَّهُ إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ، فَإذا هي شاخِصَةٌ

صفحة ١٩٢

أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا، والمَعْنى أنَّهم يَكُونُونَ أوَّلَ النّاسِ حُضُورًا في مَحْفِلِ القِيامَةِ، فَحَتّى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ”حَرامٌ“، وهي غايَةٌ لَهُ؛ ولَكِنَّهُ غايَةٌ مِن جِنْسِ الشَّيْءِ كَقَوْلِكَ: دَخَلَ الحاجُّ حَتّى المُشاةُ، وحَتّى هاهُنا هي الَّتِي يُحْكى بَعْدَها الكَلامُ. والكَلامُ المَحْكِيُّ هو هَذِهِ الجُمْلَةُ مِنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ﴾، ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ﴾ فَهُناكَ يَتَحَقَّقُ شُخُوصُ أبْصارِ الَّذِينَ كَفَرُوا، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ إنَّما يَحْصُلُ في آخِرِ أيّامِ الدُّنْيا والجَزاءُ إنَّما يَحْصُلُ في يَوْمِ القِيامَةِ، والشَّرْطُ والجَزاءُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونا مُتَقارِبَيْنِ، قُلْنا: التَّفاوُتُ القَلِيلُ يَجْرِي مَجْرى المَعْدُومِ، وأمّا عَلى التَّأْوِيلاتِ الباقِيَةِ فالمَعْنى أنَّ امْتِناعَ رُجُوعِهِمْ لا يَزُولُ: حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ﴾ المَعْنى فُتِحَ سَدُّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُدْخَلِتْ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ في فُتِحَتْ لَمّا حُذِفَ المُضافُ؛ لِأنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُؤَنَّثانِ بِمَنزِلَةِ القَبِيلَتَيْنِ، وقِيلَ: حَتّى إذا فُتِحَتْ جِهَةُ يَأْجُوجَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هُما قَبِيلَتانِ مِن جِنْسِ الإنْسِ، يُقالُ: النّاسُ عَشَرَةُ أجْزاءٍ؛ تِسْعَةٌ مِنها يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ يَخْرُجُونَ حِينَ يُفْتَحُ السَّدُّ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قِيلَ: السَّدُّ يَفْتَحُهُ اللَّهُ تَعالى ابْتِداءً، وقِيلَ: بَلْ إذا جَعَلَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ دَكًّا زالَتِ الصَّلابَةُ عَنْ أجْزاءِ الأرْضِ فَحِينَئِذٍ يَنْفَتِحُ السَّدُّ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم مِن كُلِ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فَحَشْوٌ في أثْناءِ الكَلامِ، والمَعْنى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ شَخَصَتْ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا، والحَدَبُ النَّشَزُ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ حَدَبَةُ الأرْضِ، ومِنهُ حَدَبَةُ الظَّهْرِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ”مِن كُلِّ جَدَثٍ يَنْسِلُونَ“ اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] وقُرِئَ بِضَمِّ السِّينِ؛ ونَسَلَ وعَسَلَ أسْرَعَ ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو كِنايَةٌ عَنْ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ؛ أيْ يَخْرُجُونَ مِن قُبُورِهِمْ مِن كُلِّ مَوْضِعٍ، فَيُحْشَرُونَ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، والأوَّلُ هو الأوْجَهُ وإلّا لَتَفَكَّكَ النَّظْمُ، وأنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ إذا كَثُرُوا عَلى ما رُوِيَ في ”الخَبَرِ“ فَلا بُدَّ مِن أنْ يُنْشَرُوا فَيَظْهَرَ إقْبالُهم عَلى النّاسِ مِن كُلِّ مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ﴾ فَلا شُبْهَةَ أنَّ الوَعْدَ المَذْكُورَ هو يَوْمُ القِيامَةِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هِيَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ إذا هاهُنا لِلْمُفاجَأةِ، فَسَمّى المَوْعِدَ وعْدًا تَجَوُّزًا، وهي تَقَعُ في المُجازاةِ سادَّةً مَسَدَّ الفاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] فَإذا جاءَتِ الفاءُ مَعَها تَعاوَنَتا عَلى وصْلِ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ؛ فَيَتَأكَّدُ، ولَوْ قِيلَ: ﴿فَإذا هي شاخِصَةٌ﴾ أوْ فَهي شاخِصَةٌ كانَ سَدِيدًا، أمّا لَفْظَةُ ”هي“ فَقَدْ ذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ فِيها ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنْ تَكُونَ كِنايَةً عَنِ الأبْصارِ، والمَعْنى فَإذا أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا شاخِصَةٌ أبْصارُهم كَنى عَنِ الأبْصارِ ثُمَّ أظْهَرَ.

والثّانِي: أنْ تَكُونَ عِمادًا، ويَصْلُحُ في مَوْضِعِها هو فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤٠] ومِثْلُهُ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ [الحج: ٤٦] وجازَ التَّأْنِيثُ؛ لِأنَّ الأبْصارَ مُؤَنَّثَةٌ، وجازَ التَّذْكِيرُ لِلْعِمادِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ بِمَعْنى فَإذا القِصَّةُ شاخِصَةٌ، يَعْنِي أنَّ القِصَّةَ أنَّ أبْصارَ الَّذِينَ كَفَرُوا تَشْخَصُ عِنْدَ ذَلِكَ، ومَعْنى الكَلامِ أنَّ القِيامَةَ إذا قامَتْ شَخَصَتْ أبْصارُ هَؤُلاءِ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ، فَلا تَكادُ تَطْرِفُ مِن شِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومِن تَوَقُّعِ ما يَخافُونَهُ، ويَقُولُونَ: ﴿يا ويْلَنا قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا

صفحة ١٩٣

حَيْثُ كَذَّبْناهُ وقُلْنا: إنَّهُ غَيْرُ كائِنٍ، بَلْ كُنّا ظالِمِينَ أنْفُسَنا بِتِلْكَ الغَفْلَةِ وبِتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وعِبادَةِ الأوْثانِ، واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ قَبْلَ قَوْلِهِ: يا ويْلَنا مِن حَذْفٍ، والتَّقْدِيرُ يَقُولُونَ: يا ويْلَنا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском