Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:15–24
22:15–16Page 333
مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لۡيَقۡطَعۡ فَلۡيَنظُرۡ هَلۡ يُذۡهِبَنَّ كَيۡدُهُۥ مَا يَغِيظُ ١٥
Whoever should think that Allāh will not support him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] in this world and the Hereafter - let him extend a rope to the ceiling, then cut off [his breath],1 and let him see: will his effort remove that which enrages [him]?
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يُرِيدُ ١٦
And thus have We sent it [i.e., the Qur’ān] down as verses of clear evidence and because Allāh guides whom He intends.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ فالهاءُ إلى ماذا يَرْجِعُ ؟ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ والسُّدِّيِّ، واخْتِيارُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ أنَّهُ يَرْجِعُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ يُرِيدُ أنَّ مَن ظَنَّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ في الدُّنْيا بِإعْلاءِ كَلِمَتِهِ وإظْهارِ دِينِهِ، وفي الآخِرَةِ بِإعْلاءِ دَرَجَتِهِ والِانْتِقامِ مِمَّنْ كَذَّبَهُ، والرَّسُولُ ﷺ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ في الآيَةِ فَفِيها ما يَدُلُّ عَلَيْهِ وهو ذِكْرُ الإيمانِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والإيمانُ لا يَتِمُّ إلّا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَيَجِبُ البَحْثُ هاهُنا عَنْ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مَنِ الَّذِي كانَ يَظُنُّ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْصُرُ مُحَمَّدًا ﷺ ؟ والثّانِي: أنَّهُ ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ ؟ .
أمّا البَحْثُ الأوَّلُ: فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: كانَ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ لِشِدَّةِ غَيْظِهِمْ وحَنَقِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ يَسْتَبْطِئُونَ ما وعَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ مِنَ النَّصْرِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِن أسَدٍ وغَطَفانَ قالُوا: نَخافُ أنَّ اللَّهَ لا يَنْصُرُ مُحَمَّدًا فَيَنْقَطِعُ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَ حُلَفائِنا مِنَ اليَهُودِ فَلا يَمِيرُونَنا. وثالِثُها: أنْ حُسّادَهُ وأعْداءَهُ كانُوا يَتَوَقَّعُونَ أنْ لا يَنْصُرَهُ اللَّهُ وأنْ لا يُعْلِيَهُ عَلى أعْدائِهِ، فَمَتى شاهَدُوا أنَّ اللَّهَ نَصَرَهُ غاظَهم ذَلِكَ.
وأمّا البَحْثُ الثّانِي: فاعْلَمْ أنَّ في لَفْظِ السَّبَبِ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحَبْلُ وهَؤُلاءِ اخْتَلَفُوا في السَّماءِ، فَمِنهم مَن قالَ: هو سَماءُ البَيْتِ، ومِنهم مَن قالَ: هو السَّماءُ في الحَقِيقَةِ، فَقالُوا: المَعْنى مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ، ثُمَّ يَغِيظُهُ أنَّهُ لا يَظْفَرُ بِمَطْلُوبِهِ فَلْيَسْتَقْصِ وُسْعَهُ في إزالَةِ ما يَغِيظُهُ بِأنْ يَفْعَلَ ما يَفْعَلُ مَن بَلَغَ مِنهُ الغَيْظُ كُلَّ مَبْلَغٍ حَتّى مَدَّ حَبْلًا إلى سَماءِ بَيْتِهِ فاخْتَنَقَ، فَلْيَنْظُرْ أنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ هَلْ يَذْهَبُ نَصْرُ اللَّهِ الَّذِي يَغِيظُهُ. وعَلى هَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في القَطْعِ، فَقالَ بَعْضُهم: سَمّى الِاخْتِناقَ قَطْعًا لِأنَّ المُخْتَنِقَ يَقْطَعُ نَفَسَهُ بِحَبْسِ مَجارِيهِ، وسَمّى فِعْلَهُ كَيْدًا لِأنَّهُ وضَعَهُ مَوْضِعَ الكَيْدِ حَيْثُ لَمْ يَقْدِرْ عَلى غَيْرِهِ، أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ إلّا أنَّهُ لَمْ يَكِدْ بِهِ مَحْسُودَهُ وإنَّما كادَ بِهِ نَفْسَهُ، والمُرادُ لَيْسَ في يَدِهِ إلّا ما لَيْسَ بِمُذْهِبٍ لِما يَغِيظُ. وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَشُدُّ الحَبْلَ في عُنُقِهِ وفي سَقْفِ البَيْتِ، ثُمَّ لْيَقْطَعِ الحَبْلَ حَتّى يَخْتَنِقَ ويَهْلِكَ، هَذا كُلُّهُ إذا حَمَلْنا السَّماءَ عَلى سَقْفِ البَيْتِ. وهو قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ مِنهُ نَفْسُ السَّماءِ فَإنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ الكَلامِ عَلى نَفْسِ السَّماءِ فَهو أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى سَماءِ البَيْتِ، لِأنَّ ذَلِكَ لا يُفْهَمُ مِنهُ إلّا مُقَيَّدًا، ولِأنَّ الغَرَضَ لَيْسَ الأمْرَ بِأنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، بَلِ الغَرَضُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ صارِفًا لَهُ عَنِ الغَيْظِ إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلَّما كانَ المَذْكُورُ أبْعَدَ مِنَ الإمْكانِ كانَ أوْلى بِأنْ يَكُونَ هو المُرادَ،
صفحة ١٦
ومَعْلُومٌ أنَّ مَدَّ الحَبْلِ إلى سَماءِ الدُّنْيا والِاخْتِناقَ بِهِ أبْعَدُ في الإمْكانِ مِن مَدِّهِ إلى سَقْفِ البَيْتِ، لِأنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ. أمّا الَّذِينَ قالُوا: السَّبَبُ لَيْسَ هو الحَبْلَ فَقَدْ ذَكَرُوا وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: كَأنَّهُ قالَ: فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ، ثُمَّ لْيَقْطَعْ بِذَلِكَ السَّبَبِ المَسافَةَ، ثُمَّ لْيَنْظُرْ فَإنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ مَعَ تَحَمُّلِ المَشَقَّةِ فِيما ظَنَّهُ خاسِرَ الصَّفْقَةِ كَأنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ.
والثّانِي: كَأنَّهُ قالَ: فَلْيَطْلُبْ سَبَبًا يَصِلُ بِهِ إلى السَّماءِ فَلْيَقْطَعْ نَصْرَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ، ولْيَنْظُرْ هَلْ يَتَهَيَّأُ لَهُ الوُصُولُ إلى السَّماءِ بِحِيلَةٍ ؟ وهَلْ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَقْطَعَ بِذَلِكَ نَصْرَ اللَّهِ عَنْ رَسُولِهِ ؟ فَإذا كانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا كانَ غَيْظُهُ عَدِيمَ الفائِدَةِ، واعْلَمْ أنَّ المَقْصِدَ عَلى كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ مَعْلُومٌ فَإنَّهُ زَجْرٌ لِلْكُفّارِ عَنِ الغَيْظِ فِيما لا فائِدَةَ فِيهِ، وهو في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ﴾ [الأنعام: ٣٥] مُبَيِّنًا بِذَلِكَ أنَّهُ لا حِيلَةَ لَهُ في الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الهاءَ في قَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ راجِعٌ إلى مَن في أوَّلِ الآيَةِ لِأنَّهُ المَذْكُورُ، ومِن حَقِّ الكِنايَةِ أنْ تَرْجِعَ إلى مَذْكُورٍ إذا أمْكَنَ ذَلِكَ، ومَن قالَ بِذَلِكَ حَمَلَ النُّصْرَةَ عَلى الرِّزْقِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وقَفَ عَلَيْنا سائِلٌ مِن بَنِي بَكْرٍ فَقالَ: مَن يَنْصُرُنِي نَصَرَهُ اللَّهُ. أيْ مَن يُعْطِينِي أعْطاهُ اللَّهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلِهَذا الظَّنِّ يَعْدِلُ عَنِ التَّمَسُّكِ بِدِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَما وصَفَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ [الحج: ١١] فَيَبْلُغُ غايَةَ الجَزَعِ وهو الِاخْتِناقُ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَغْلِبُ التَّسْمِيَةَ ويَجْعَلُهُ مَرْزُوقًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ فَمَعْناهُ ومِثْلَ ذَلِكَ الإنْزالِ أنْزَلْنا القُرْآنَ كُلَّهُ آياتٍ بَيِّناتٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ فَقَدِ احْتَجَّ أصْحابُنا بِهِ فَقالُوا: المُرادُ مِنَ الهِدايَةِ إمّا وضْعُ الأدِلَّةِ أوْ خَلْقُ المَعْرِفَةِ، والأوَّلُ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ تَعالى فَعَلَ ذَلِكَ في حَقِّ كُلِّ المُكَلَّفِينَ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الهِدايَةَ غَيْرُ واجِبَةٍ عَلَيْهِ، بَلْ هي مُعَلَّقَةٌ بِمَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ، ووَضْعُ الأدِلَّةِ عِنْدَ الخَصْمِ واجِبٌ، فَبَقِيَ أنَّ المُرادَ مِنهُ خَلْقُ المَعْرِفَةِ، قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ في الِاعْتِذارِ: هَذا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: يُكَلِّفُ مَن يُرِيدُ لِأنَّ مَن كَلَّفَ أحَدًا شَيْئًا فَقَدْ وصَفَهُ لَهُ وبَيَّنَهُ لَهُ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ يَهْدِي إلى الجَنَّةِ والإثابَةِ مَن يُرِيدُ مِمَّنْ آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَلْطُفُ بِمَن يُرِيدُ مِمَّنْ عَلِمَ أنَّهُ إذا زادَهُ هُدًى ثَبَتَ عَلى إيمانِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ وهَذا الوجه هو الَّذِي أشارَ الحَسَنُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن قَبِلَ لا مَن لَمْ يَقْبَلْ، والوَجْهانِ الأوَّلانِ ذَكَرَهُما أبُو عَلِيٍّ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ بَيانِ الأدِلَّةِ والجَوابِ عَنِ الشُّبَهاتِ فَلا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى مَحْضِ التَّكْلِيفِ، وأمّا الوَجْهانِ الأخِيرانِ فَمَدْفُوعانِ لِأنَّهُما عِنْدَكَ واجِبانِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ يَقْتَضِي عَدَمَ الوُجُوبِ.
22:17Page 334
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١٧
Indeed, those who have believed and those who were Jews and the Sabeans and the Christians and the Magians and those who associated with Allāh - Allāh will judge between them on the Day of Resurrection. Indeed Allāh is, over all things, Witness.1
صفحة ١٧
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ .
القِراءَةُ: قُرِئَ ”حُقَّ“ بِالضَّمِّ، وقُرِئَ ”حَقًّا“ أيْ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ حَقًّا، وقُرِئَ ”مُكْرَمٍ“ بِفَتْحِ الرّاءِ بِمَعْنى الإكْرامِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ أتْبَعَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِبَيانِ مَن يَهْدِيهِ ومَن لا يَهْدِيهِ، واعْلَمْ أنَّ المُسْلِمَ لا يُخالِفُهُ في المَسائِلِ الأُصُولِيَّةِ إلّا طَبَقاتٌ ثَلاثَةٌ: أحَدُها: الطَّبَقَةُ المُشارِكَةُ لَهُ في نُبُوَّةِ نَبِيِّهِ كالخِلافِ بَيْنَ الجَبْرِيَّةِ والقَدَرِيَّةِ في خَلْقِ الأفْعالِ البَشَرِيَّةِ، والخِلافِ بَيْنَ مُثْبِتِي الصِّفاتِ والرُّؤْيَةِ ونُفاتِها. وثانِيها: الَّذِينَ يُخالِفُونَهُ في النُّبُوَّةِ ولَكِنْ يُشارِكُونَهُ في الِاعْتِرافِ بِالفاعِلِ المُخْتارِ كالخِلافِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وعِيسى ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ. وثالِثُها: الَّذِينَ يُخالِفُونَهُ في الإلَهِ وهَؤُلاءِ هُمُ السُّوفِسْطائِيَّةُ المُتَوَقِّفُونَ في الحَقائِقِ، والدَّهْرِيَّةُ الَّذِينَ لا يَعْتَرِفُونَ بِوُجُودِ مُؤَثِّرٍ في العالَمِ، والفَلاسِفَةُ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ مُؤَثِّرًا مُوجَبًا لا مُخْتارًا. فَإذا كانَتْ الِاخْتِلافاتُ الواقِعَةُ في أُصُولِ الأدْيانِ مَحْصُورَةً في هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، ثُمَّ لا يُشَكُّ أنَّ أعْظَمَ جِهاتِ الخِلافِ هو مِن جِهَةِ القِسْمِ الأخِيرِ مِنها. وهَذا القِسْمُ الأخِيرُ بِأقْسامِهِ الثَّلاثَةِ لا يُوجَدُونَ في العالَمِ المُتَظاهِرِينَ بِعَقائِدِهِمْ ومَذاهِبِهِمْ بَلْ يَكُونُونَ مُسْتَتِرِينَ، أمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو الِاخْتِلافُ الحاصِلُ بِسَبَبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَتَقْسِيمُهُ أنْ يُقالَ: القائِلُونَ بِالفاعِلِ المُخْتارِ إمّا أنْ يَكُونُوا مُعْتَرِفِينَ بِوُجُودِ الأنْبِياءِ، أوْ لا يَكُونُوا مُعْتَرِفِينَ بِذَلِكَ، فَإمّا أنْ يَكُونُوا أتْباعًا لِمَن كانَ نَبِيًّا في الحَقِيقَةِ أوْ لِمَن كانَ مُتَنَبِّئًا، أمّا أتْباعُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَهُمُ المُسْلِمُونَ واليَهُودُ والنَّصارى، وفِرْقَةٌ أُخْرى بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى وهُمُ الصّابِئُونَ، وأمّا أتْباعُ المُتَنَبِّئِ فَهُمُ المَجُوسُ، وأمّا المُنْكِرُونَ لِلْأنْبِياءِ عَلى الإطْلاقِ فَهم عَبْدَةُ الأصْنامِ والأوْثانِ، وهُمُ المُسَمَّوْنَ بِالمُشْرِكِينَ، ويَدْخُلُ فِيهِمُ البَراهِمَةُ عَلى اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ. فَثَبَتَ أنَّ الأدْيانَ الحاصِلَةَ بِسَبَبِ الِاخْتِلافاتِ في الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ هي هَذِهِ السِّتَّةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: الأدْيانُ سِتَّةٌ: واحِدَةٌ لِلَّهِ تَعالى وهو الإسْلامُ، وخَمْسَةٌ لِلشَّيْطانِ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: هَذا خَبَرٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كَما تَقُولُ: إنَّ أخاكَ، إنَّ الدَّيْنَ عَلَيْهِ لَكَثِيرٌ. قالَ جَرِيرٌ:
إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللَّهَ سَرْبَلَهُ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ
المسألة الثّانِيَةُ: الفَصْلُ مُطْلَقٌ فَيُحْتَمَلُ الفَصْلُ بَيْنَهم في الأحْوالِ والأماكِنِ جَمِيعًا فَلا يُجازِيهِمْ جَزاءً واحِدًا بِغَيْرِ تَفاوُتٍ ولا يَجْمَعُهم في مَوْطِنٍ واحِدٍ، وقِيلَ: يَفْصِلُ بَيْنَهم: يَقْضِي بَيْنَهم.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَهم وهو عالِمٌ بِما يَسْتَحِقُّهُ كُلٌّ مِنهم فَلا يَجْرِي في ذَلِكَ الفَصْلِ ظُلْمٌ ولا حَيْفٌ.
22:18Page 334
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩ ١٨
Do you not see [i.e., know] that to Allāh prostrates whoever is in the heavens and whoever is on the earth and the sun, the moon, the stars, the mountains, the trees, the moving creatures and many of the people? But upon many the punishment has been justified.1 And he whom Allāh humiliates - for him there is no bestower of honor. Indeed, Allāh does what He wills.
صفحة ١٨
أمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ﴾ فَفِيهِ أسْئِلَةٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الرُّؤْيَةُ هاهُنا ؟ الجَوابُ: أنَّها العِلْمُ أيْ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ، وإنَّما عَرَفَ ذَلِكَ بِخَبَرِ اللَّهِ لا أنَّهُ رَآهُ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما السُّجُودُ هاهُنا ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ الزَّجّاجُ: أجْوَدُ الوُجُوهِ في سُجُودِ هَذِهِ الأُمُورِ أنَّها تَسْجُدُ مُطِيعَةً لِلَّهِ تَعالى وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، ﴿أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، ﴿وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ﴾ والمَعْنى أنَّ هَذِهِ الأجْسامَ لَمّا كانَتْ قابِلَةً لِجَمِيعِ الأعْراضِ الَّتِي يُحْدِثُها اللَّهُ تَعالى فِيها مِن غَيْرِ امْتِناعٍ البَتَّةَ أشْبَهَتِ الطّاعَةَ والِانْقِيادَ وهو السُّجُودُ، فَإنْ قِيلَ: هَذا التَّأْوِيلُ يُبْطِلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ فَإنَّ السُّجُودَ بِالمَعْنى الَّذِي ذَكَرْتُهُ عامٌّ في كُلِّ النّاسِ، فَإسْنادُهُ إلى كَثِيرٍ مِنهم يَكُونُ تَخْصِيصًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ السُّجُودَ بِالمَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ وإنْ كانَ عامًّا في حَقِّ الكُلِّ إلّا أنَّ بَعْضَهم تَمَرَّدَ وتَكَبَّرَ وتَرَكَ السُّجُودَ في الظّاهِرِ، فَهَذا الشَّخْصُ وإنْ كانَ ساجِدًا بِذاتِهِ لَكِنَّهُ مُتَمَرِّدٌ بِظاهِرِهِ، أمّا المُؤْمِنُ فَإنَّهُ ساجِدٌ بِذاتِهِ وبِظاهِرِهِ، فَلِأجْلِ هَذا الفَرْقِ حَصَلَ التَّخْصِيصُ بِالذِّكْرِ.
وثانِيها: أنْ نَقْطَعَ قَوْلَهُ: ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ عَمّا قَبْلَهُ ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ويَسْجُدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، فَيَكُونُ السُّجُودُ الأوَّلُ بِمَعْنى الِانْقِيادِ.
والثّانِي بِمَعْنى الطّاعَةِ والعِبادَةِ، وإنَّما فَعَلْنا ذَلِكَ لِأنَّهُ قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ في مَعانِيهِ جَمِيعًا.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وهو مُثابٌ؛ لِأنَّ خَبَرَ مُقابِلِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ .
والثّالِثُ: أنْ يُبالِغَ في تَكْثِيرِ المَحْقُوقِينَ بِالعَذابِ فَيَعْطِفَ كَثِيرٌ عَلى كَثِيرٌ ثُمَّ يُخْبِرُ عَنْهم بِحَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ.
وثالِثُها: أنَّ مَن يُجَوِّزُ اسْتِعْمالَ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ في مَفْهُومَيْهِ جَمِيعًا يَقُولُ: المُرادُ بِالسُّجُودِ في حَقِّ الأحْياءِ العُقَلاءِ العِبادَةُ وفي حَقِّ الجَماداتِ الِانْقِيادُ، ومَن يُنْكِرُ ذَلِكَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى تَكَلَّمَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ مَرَّتَيْنِ، فَعَنى بِها في حَقِّ العُقَلاءِ الطّاعَةَ، وفي حَقِّ الجَماداتِ الِانْقِيادَ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرعد: ١٥] لَفْظُهُ لَفْظُ العُمُومِ فَيَدْخُلُ فِيهِ النّاسُ فَلِمَ قالَ مَرَّةً أُخْرى: ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ الجَوابُ: لَوِ اقْتَصَرَ عَلى ما تَقَدَّمَ لَأوْهَمَ أنَّ كُلَّ النّاسِ يَسْجُدُونَ كَما أنَّ كُلَّ المَلائِكَةِ يَسْجُدُونَ، فَبَيَّنَ أنَّ كَثِيرًا مِنهم يَسْجُدُونَ طَوْعًا دُونَ كَثِيرٍ مِنهم، فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ عَنْ ذَلِكَ وهُمُ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ. القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ السُّجُودِ أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يَتَرَجَّحُ وُجُودُهُ عَلى عَدَمِهِ إلّا عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ كَما قالَ: ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢] وكَما أنَّ الإمْكانَ لازِمٌ لِلْمُمْكِنِ حالَ حُدُوثِهِ وبَقائِهِ فافْتِقارُهُ إلى الواجِبِ حاصِلٌ حالَ حُدُوثِهِ وحالَ بَقائِهِ، وهَذا الِافْتِقارُ الذّاتِيُّ اللّازِمُ لِلْماهِيَّةِ أدَلُّ عَلى الخُضُوعِ والتَّواضُعِ مِن وضْعِ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ، فَإنَّ ذَلِكَ عَلامَةٌ وضْعِيَّةٌ لِلِافْتِقارِ الذّاتِيِّ، قَدْ يَتَطَرَّقُ إلَيْها الصِّدْقُ والكَذِبُ، أمّا نَفْسُ الِافْتِقارِ الذّاتِيِّ فَإنَّهُ مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، فَجَمِيعُ المُمْكِناتِ ساجِدَةٌ بِهَذا المَعْنى لِلَّهِ تَعالى أيْ خاضِعَةٌ مُتَذَلِّلَةٌ مُعْتَرِفَةٌ بِالفاقَةِ إلَيْهِ والحاجَةِ إلى تَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ، وعَلى هَذا تَأوَّلُوا قَوْلَهُ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]
صفحة ١٩
وهَذا قَوْلُ القَفّالِ رَحِمَهُ اللَّهُ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ سُجُودَ هَذِهِ الأشْياءِ سُجُودُ ظِلِّها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يُوَحِّدُهُ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ مِمَّنْ لا يُوَحِّدُهُ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ في الجَنَّةِ. وهَذِهِ الرِّوايَةُ تُؤَكِّدُ ما ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وقالَ آخَرُونَ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقالَ: ﴿وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ أيْ وجَبَ بِإبائِهِ وامْتِناعِهِ مِنَ السُّجُودِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾ فالمَعْنى أنَّ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ لَيْسَ لَهم أحَدٌ يَقْدِرُ عَلى إزالَةِ ذَلِكَ الهَوانِ عَنْهم فَيَكُونُ مُكْرِمًا لَهم، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أنَّهُ الَّذِي يَصِحُّ مِنهُ الإكْرامُ والهَوانُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالثَّوابِ والعِقابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
22:19–24Page 334
۞ هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ ١٩
These1 are two adversaries who have disputed over their Lord. But those who disbelieved will have cut out for them garments of fire. Poured upon their heads will be scalding water
يُصۡهَرُ بِهِۦ مَا فِي بُطُونِهِمۡ وَٱلۡجُلُودُ ٢٠
By which is melted that within their bellies and [their] skins.
وَلَهُم مَّقَٰمِعُ مِنۡ حَدِيدٖ ٢١
And for [striking] them are maces of iron.
كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا مِنۡ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٢٢
Every time they want to get out of it [i.e., Hellfire] from anguish, they will be returned to it, and [it will be said], "Taste the punishment of the Burning Fire!"
إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ ٢٣
Indeed, Allāh will admit those who believe and do righteous deeds to gardens beneath which rivers flow. They will be adorned therein with bracelets of gold and pearl, and their garments therein will be silk.
وَهُدُوٓاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَهُدُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡحَمِيدِ ٢٤
And they had been guided [in worldly life] to good speech, and they were guided to the path of the Praiseworthy.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾
القِراءَةُ: رُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ ”خِصْمانِ“ بِكَسْرِ الخاءِ، وقُرِئَ ”قُطِعَتْ“ بِالتَّخْفِيفِ كَأَّنَ اللَّهَ يُقَدِّرُ لَهم نِيرانًا عَلى مَقادِيرِ جُثَثِهِمْ تَشْتَمِلُ عَلَيْهِمْ كَما تُقَطَّعُ الثِّيابُ المَلْبُوسَةُ، قَرَأ الأعْمَشُ: ”كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ رُدُّوا فِيها“ الحَسَنُ: ”يُصَهَّرُ“ بِتَشْدِيدِ الهاءِ لِلْمُبالَغَةِ، وقُرِئَ ”ولُؤْلُؤًا“ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ ويُؤْتَوْنَ لُؤْلُؤًا كَقَوْلِهِ: وحُورًا عِينًا، ولُؤْلُوًا بِقَلْبِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ واوًا. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ النّاسَ قِسْمانِ مِنهم مَن يَسْجُدُ لِلَّهِ ومِنهم مَن حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ ذَكَرَ هاهُنا كَيْفِيَّةَ اخْتِصامِهِمْ، وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٢٠
المسألة الأُولى: احْتَجَّ مَن قالَ: أقَلُّ الجَمْعِ اثْنانِ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا﴾، والجَوابُ: الخَصْمُ صِفَةٌ وُصِفَ بِها الفَوْجُ أوِ الفَرِيقُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَذانِ فَوْجانِ أوْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمانِ، فَقَوْلُهُ: ﴿هَذانِ﴾ لِلَّفْظِ واخْتَصَمُوا لِلْمَعْنى كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا خَرَجُوا﴾ [محمد: ١٦] .
المسألة الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الخَصْمَيْنِ وُجُوهًا:
أحَدُها: المُرادُ طائِفَةُ المُؤْمِنِينَ وجَماعَتُهم وطائِفَةُ الكُفّارِ وجَماعَتُهم، وأنَّ كُلَّ الكُفّارِ يَدْخُلُونَ في ذَلِكَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يَرْجِعُ إلى أهْلِ الأدْيانِ السِّتَّةِ ﴿فِي رَبِّهِمْ﴾ أيْ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ.
وثانِيها: رُوِيَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ قالُوا: نَحْنُ أحَقُّ بِاللَّهِ وأقْدَمُ مِنكم كِتابًا ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم، وقالَ المُؤْمِنُونَ: نَحْنُ أحَقُّ بِاللَّهِ آمَنّا بِمُحَمَّدٍ وآمَنّا بِنَبِيِّكم وبِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ، وأنْتُمْ تَعْرِفُونَ كِتابَنا ونَبِيَّنا ثُمَّ تَرَكْتُمُوهُ وكَفَرْتُمْ بِهِ حَسَدًا، فَهَذِهِ خُصُومَتُهم في رَبِّهِمْ.
وثالِثُها: رَوى قَيْسُ بْنُ عُبادَةَ عَنْ أبِي ذَرٍّ الغِفارِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّهُ كانَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في سِتَّةِ نَفَرٍ مِن قُرَيْشٍ تَبارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، وقالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: أنا أوَّلُ مَن يَجْثُو لِلْخُصُومَةِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ. ورابِعُها: قالَ عِكْرِمَةُ: هُما الجَنَّةُ والنّارُ، قالَتِ النّارُ: خَلَقَنِي اللَّهُ لِعُقُوبَتِهِ. وقالَتِ الجَنَّةُ: خَلَقَنِي اللَّهُ لِرَحْمَتِهِ، فَقَصَّ اللَّهُ مِن خَبَرِهِما عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ ذَلِكَ، والأقْرَبُ هو الأوَّلُ لِأنَّ السَّبَبَ وإنْ كانَ خاصًّا فالواجِبُ حَمْلُ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿هَذانِ﴾ كالإشارَةِ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهم أهْلُ الأدْيانِ السِّتَّةِ، وأيْضًا ذَكَرَ صِنْفَيْنِ: أهْلَ طاعَتِهِ وأهْلَ مَعْصِيَتِهِ مِمَّنْ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رُجُوعُ ذَلِكَ إلَيْهِما، فَمَن خَصَّ بِهِ مُشْرِكِي العَرَبِ أوِ اليَهُودَ مِن حَيْثُ قالُوا في كِتابِهِمْ ونَبِيِّهِمْ ما حَكَيْناهُ فَقَدْ أخْطَأ، وهَذا هو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج: ١٧] أرادَ بِهِ الحُكْمَ؛ لِأنَّ ذِكْرَ التَّخاصُمِ يَقْتَضِي الواقِعَ بَعْدَهُ يَكُونُ حُكْمًا فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى حُكْمَهُ في الكُفّارِ، وذَكَرَ مِن أحْوالِهِمْ أُمُورًا ثَلاثَةً:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ والمُرادُ بِالثِّيابِ إحاطَةُ النّارِ بِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] عَنْ أنَسٍ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مِن نُحاسٍ أُذِيبَ بِالنّارِ أخْذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] وأُخْرِجَ الكَلامُ بِلَفْظِ الماضِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ [يس: ٥١]، ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] لِأنَّ ما كانَ مِن أمْرِ الآخِرَةِ فَهو كالواقِعِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ الحَمِيمُ الماءُ الحارُّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَوْ سَقَطَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ عَلى جِبالِ الدُّنْيا لَأذابَتْها، يُصْهَرُ أيْ يُذابُ أيْ إذا صُبَّ الحَمِيمُ عَلى رُءُوسِهِمْ كانَ تَأْثِيرُهُ في الباطِنِ نَحْوَ تَأْثِيرِهِ في الظّاهِرِ، فَيُذِيبُ أمْعاءَهم وأحْشاءَهم كَما يُذِيبُ جُلُودَهم وهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] . وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ المَقامِعُ السِّياطُ، وفي الحَدِيثِ: «لَوْ وُضِعَتْ مِقْمَعَةٌ مِنها في الأرْضِ فاجْتَمَعَ عَلَيْها الثَّقَلانِ ما أقَلُّوها» وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ فاعْلَمْ أنَّ الإعادَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ الخُرُوجِ، والمَعْنى كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ فَخَرَجُوا أُعِيدُوا فِيها، ومَعْنى الخُرُوجِ ما يُرْوى عَنِ الحَسَنِ أنَّ النّارَ تَضْرِبُهم بِلَهَبِها فَتَرْفَعُهم حَتّى إذا كانُوا في أعْلاها ضُرِبُوا بِالمَقامِعِ فَهَوُوا فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا، وقِيلَ لَهم: ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ، والحَرِيقُ الغَلِيظُ مِنَ النّارِ العَظِيمُ الإهْلاكِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ حُكْمَهُ في المُؤْمِنِينَ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ:
صفحة ٢١
أحَدُها: المَسْكَنُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾، وثانِيها: الحِلْيَةُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ مُوَصِّلُهم في الآخِرَةِ إلى ما حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا مِن هَذِهِ الأُمُورِ، وإنْ كانَ مَن أحَلَّهُ لَهم أيْضًا شارَكَهم فِيهِ لِأنَّ المُحَلَّلَ لِلنِّساءِ في الدُّنْيا يَسِيرٌ بِالإضافَةِ إلى ما سَيَحْصُلُ لَهم في الآخِرَةِ. وثالِثُها: المَلْبُوسُ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾، ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ هو الطَّيِّبُ مِنَ القَوْلِ لِقَوْلِهِ: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤] وقَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وهو صِراطُ الحَمِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] .
وثانِيها: قالَ السُّدِّيُّ: وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ هو القُرْآنُ.
وثالِثُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ عَطاءٍ هو قَوْلُهم: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ.
ورابِعُها: أنَّهم إذا سارُوا إلى الدّارِ الآخِرَةِ هُدُوا إلى البِشاراتِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى بِدَوامِ النَّعِيمِ والسُّرُورِ والسَّلامِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣]، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ خامِسٌ: وهو أنَّ العَلاقَةَ البَدَنِيَّةَ جارِيَةٌ مَجْرى الحِجابِ لِلْأرْواحِ البَشَرِيَّةِ في الِاتِّصالِ بِعالَمِ القُدُسِ، فَإذا فارَقَتْ أبْدانَها انْكَشَفَ الغِطاءُ ولاحَتِ الأنْوارُ الإلَهِيَّةُ، وظُهُورُ تِلْكَ الأنْوارِ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ والتَّعْبِيرُ عَنْها هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences