Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:25–29
22:25Page 335
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلۡنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلۡعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلۡبَادِۚ وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمٖ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٢٥
Indeed, those who have disbelieved and avert [people] from the way of Allāh and [from] al-Masjid al-Ḥarām, which We made for the people - equal are the resident therein and one from outside - and [also] whoever intends [a deed] therein1 of deviation [in religion] by wrongdoing - We will make him taste of a painful punishment.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ فَصَلَ بَيْنَ الكُفّارِ والمُؤْمِنِينَ ذَكَرَ عِظَمَ حُرْمَةِ البَيْتِ وعِظَمَ كُفْرِ هَؤُلاءِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وذَلِكَ بِالمَنعِ مِنَ الهِجْرَةِ والجِهادِ لِأنَّهم كانُوا يَأْبَوْنَ ذَلِكَ. وفِيهِ إشْكالٌ وهو أنَّهُ كَيْفَ عَطَفَ المُسْتَقْبَلَ وهو قَوْلُهُ: ﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَلى الماضِي وهو قَوْلُهُ: ﴿كَفَرُوا﴾ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ يُحْسِنُ إلى الفُقَراءِ ويُعِينُ الضُّعَفاءَ لا يُرادُ بِهِ حالٌ ولا اسْتِقْبالٌ وإنَّما يُرادُ اسْتِمْرارُ وُجُودِ الإحْسانِ مِنهُ في جَمِيعِ أزْمِنَتِهِ وأوْقاتِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن شَأْنِهِمُ الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨] .
وثانِيهِما: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: التَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فِيما مَضى وهُمُ الآنَ يَصُدُّونَ ويَدْخُلُ فِيهِ أنَّهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ في الحالِ والمُسْتَقْبَلِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ يَعْنِي: ويَصُدُّوهم أيْضًا عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتِ الآيَةُ في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ وأصْحابِهِ حِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ عَنْ أنْ يَحُجُّوا ويَعْتَمِرُوا ويَنْحَرُوا الهَدْيَ، فَكَرِهَ
صفحة ٢٢
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِتالَهم وكانَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ صالَحُوهُ عَلى أنْ يَعُودَ في العامِ القابِلِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ أيْ جَعَلْناهُ لِلنّاسِ مَنسَكًا ومُتَعَبَّدًا، وقَوْلُهُ: ﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ رُفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّمٌ أيِ العاكِفُ والبادِ فِيهِ سَواءٌ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ المَسْجِدُ الحَرامُ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ مَنسَكًا، فالعاكِفُ والبادِي فِيهِ سَواءٌ، وقَرَأ عاصِمٌ ويَعْقُوبُ: سَواءً بِالنَّصْبِ بِإيقاعِ الجَعْلِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الجَعْلَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّانِيَةُ: العاكِفُ المُقِيمُ بِهِ الحاضِرُ. والبادِي الطّارِئُ مِنَ البَدْوِ وهو النّازِعُ إلَيْهِ مِن عَرَبَتِهِ، وقالَ بَعْضُهم: يَدْخُلُ في العاكِفِ القَرِيبُ إذا جاوَرَ ولَزِمَهُ لِلتَّعَبُّدِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِهِ.
المسألة الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهُما في أيِّ شَيْءٍ يَسْتَوِيانِ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في بَعْضِ الرِّواياتِ: إنَّهُما يَسْتَوِيانِ في سُكْنى مَكَّةَ والنُّزُولِ بِها، فَلَيْسَ أحَدُهُما أحَقَّ بِالمَنزِلِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ مِنَ الآخَرِ إلّا أنْ يَكُونَ واحِدٌ سَبَقَ إلى المَنزِلِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومِن مَذْهَبِ هَؤُلاءِ أنَّ كِراءَ دُورِ مَكَّةَ وبَيْعَها حَرامٌ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالآيَةِ والخَبَرِ، أمّا الآيَةُ فَهي هَذِهِ، قالُوا: إنَّ أرْضَ مَكَّةَ لا تُمَلَّكُ فَإنَّها لَوْ مُلِّكَتْ لَمْ يَسْتَوِ العاكِفُ فِيها والبادِي، فَلَمّا اسْتَوَيا ثَبَتَ أنَّ سَبِيلَهُ سَبِيلُ المَساجِدِ، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَكَّةُ مُباحٌ لِمَن سَبَقَ إلَيْها» وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ وإسْحَقَ الحَنْظَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وعَلى هَذا المُرادُ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ الحَرَمُ كُلُّهُ؛ لِأنَّ إطْلاقَ لَفْظِ المَسْجِدِ الحَرامِ والمُرادُ مِنهُ البَلَدُ جائِزٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الإسراء: ١] وهاهُنا قَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ وهو قَوْلُهُ: ﴿العاكِفُ﴾ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ المُقِيمُ إقامَةً، وإقامَتُهُ لا تَكُونُ في المَسْجِدِ بَلْ في المَنازِلِ، فَيَجِبُ أنْ يُقالَ: ذَكَرَ المَسْجِدَ وأرادَ مَكَّةَ. القَوْلُ الثّانِي: المُرادُ جَعَلَ اللَّهُ النّاسَ في العِبادَةِ في المَسْجِدِ سَواءً لَيْسَ لِلْمُقِيمِ أنْ يَمْنَعَ البادِيَ وبِالعَكْسِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ مَن ولِيَ مِنكم مِن أُمُورِ النّاسِ شَيْئًا فَلا يَمْنَعَنَّ أحَدًا طافَ بِهَذا البَيْتِ أوْ صَلّى أيَّةَ ساعَةٍ مِن لَيْلٍ أوْ نَهارٍ»، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَوْلُ مَن أجازَ بَيْعَ دُورِ مَكَّةَ. وقَدْ جَرَتْ مُناظَرَةٌ بَيْنَ الشّافِعِيِّ وإسْحاقَ الحَنْظَلِيِّ بِمَكَّةَ، وكانَ إسْحاقُ لا يُرَخِّصُ في كِراءِ بُيُوتِ مَكَّةَ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [الحج: ٤] فَأُضِيفَتِ الدّارُ إلى مالِكِها وإلى غَيْرِ مالِكِها، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «مَن أغْلَقَ بابَهُ فَهو آمِنٌ» وقالَ ﷺ: «هَلْ تَرَكَ لَنا عَقِيلٌ مِن رَبْعٍ» وقَدِ اشْتَرى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دارَ السِّجْنِ، أتُرى أنَّهُ اشْتَراها مِن مالِكِها أوْ مِن غَيْرِ مالِكِها ؟ قالَ إسْحاقُ: فَلَمّا عَلِمْتُ أنَّ الحجة قَدْ لَزِمَتْنِي تَرَكْتُ قَوْلِي. أمّا الَّذِي قالُوهُ مِن حَمْلِ لَفْظِ المَسْجِدِ عَلى مَكَّةَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ العاكِفُ فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ العاكِفَ قَدْ يُرادُ بِهِ المُلازِمُ لِلْمَسْجِدِ المُعْتَكِفُ فِيهِ عَلى الدَّوامِ، أوْ في الأكْثَرِ فَلا يَلْزَمُ ما ذَكَرُوهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالعاكِفِ المُجاوِرُ لِلْمَسْجِدِ المُتَمَكِّنُ في كُلِّ وقْتٍ مِنَ التَّعَبُّدِ فِيهِ فَلا وجْهَ لِصَرْفِ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ مَعَ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٢٣
المسألة الأُولى: قُرِئَ ”يَرِدْ“ بِفَتْحِ الياءِ مِنَ الوُرُودِ، ومَعْناهُ مَن أتى فِيهِ بِإلْحادٍ، وعَنِ الحَسَنِ ومَن يُرِدْ إلْحادَهُ بِظُلْمٍ، والمَعْنى ومَن يُرِدْ إيقاعَ إلْحادٍ فِيهِ، فالإضافَةُ صَحِيحَةٌ عَلى الِاتِّساعِ في الظَّرْفِ كَمَكْرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، ومَعْناهُ ومَن يُرِدْ أنْ يُلْحِدَ فِيهِ ظالِمًا.
المسألة الثّانِيَةُ: الإلْحادُ العُدُولُ عَنِ القَصْدِ وأصْلُهُ إلْحادُ الحافِرِ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ الإلْحادِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ الشِّرْكُ، يَعْنِي مَن لَجَأ إلى حَرَمِ اللَّهِ لِيُشْرِكَ بِهِ عَذَّبَهُ اللَّهُ تَعالى، وهو إحْدى الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَوْلُ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ.
وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ حَيْثُ اسْتَسْلَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ فارْتَدَّ مُشْرِكًا، وفي قَيْسِ بْنِ ضَبابَةَ. وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ حِينَ قَتَلَ الأنْصارِيَّ وهَرَبَ إلى مَكَّةَ كافِرًا، فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِهِ يَوْمَ الفَتْحِ كافِرًا.
وثالِثُها: قَتْلُ ما نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِنَ الصَّيْدِ.
ورابِعُها: دُخُولُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرامٍ وارْتِكابُ ما لا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ.
وخامِسُها: أنَّهُ الِاحْتِكارُ، عَنْ مُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
وسادِسُها: المَنعُ مِن عِمارَتِهِ.
وسابِعُها: عَنْ عَطاءٍ: قَوْلُ الرَّجُلِ في المُبايَعَةِ: لا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ لَهُ فُسْطاطانِ: أحَدُهُما في الحِلِّ والآخَرُ في الحَرَمِ، فَإذا أرادَ أنْ يُعاتِبَ أهْلَهُ عاتَبَهم في الحِلِّ، فَقِيلَ لَهُ، فَقالَ: كُنّا نُحَدِّثُ أنَّ مِنَ الإلْحادِ فِيهِ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: لا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ. وثامِنُها: وهو قَوْلُ المُحَقِّقِينَ: أنَّ الإلْحادَ بِظُلْمٍ عامٌّ في كُلِّ المَعاصِي، لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ صَغُرَ أمْ كَبُرَ يَكُونُ هُناكَ أعْظَمُ مِنهُ في سائِرِ البِقاعِ، حَتّى قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ أنَّ رَجُلًا بِعَدَنَ هَمَّ بِأنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً عِنْدَ البَيْتِ أذاقَهُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا. وقالَ مُجاهِدٌ: تُضاعَفُ السَّيِّئاتُ فِيهِ كَما تُضاعَفُ الحَسَناتُ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُقالُ ذَلِكَ مَعَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ غَيْرُ لائِقٍ بِكُلِّ المَعاصِي ؟ قُلْنا: لا نُسَلِّمُ، فَإنَّ كُلَّ عَذابٍ يَكُونُ ألِيمًا، إلّا أنَّهُ تَخْتَلِفُ مَراتِبُهُ عَلى حَسَبِ اخْتِلافِ المَعْصِيَةِ.
المسألة الثّالِثَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِإلْحادٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو الأوْلى وهو اخْتِيارُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ حالانِ مُتَرادِفانِ، ومَفْعُولُ يُرِدْ مَتْرُوكٌ لِيَتَناوَلَ كُلَّ مُتَناوَلٍ كَأنَّهُ قالَ: ومَن يُرِدْ فِيهِ مُرادًا ما عادِلًا عَنِ القَصْدِ ظالِمًا نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ، يَعْنِي أنَّ الواجِبَ عَلى مَن كانَ فِيهِ أنْ يَضْبِطَ نَفْسَهُ ويَسْلُكَ طَرِيقَ السَّدادِ والعَدْلِ في جَمِيعِ ما يَهُمُّ بِهِ ويَقْصِدُهُ. الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُهُ ومَن يُرِدْ فِيهِ إلْحادًا والباءُ مِن حُرُوفِ الزَّوائِدِ.
المسألة الرّابِعَةُ: لَمّا كانَ الإلْحادُ بِمَعْنى المَيْلِ مِن أمْرٍ إلى أمْرٍ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ المُرادَ بِهَذا الإلْحادِ ما يَكُونُ مَيْلًا إلى الظُّلْمِ، فَلِهَذا قَرَنَ الظُّلْمَ بِالإلْحادِ لِأنَّهُ لا مَعْصِيَةَ كَبُرَتْ أمْ صَغُرَتْ إلّا وهو ظُلْمٌ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ فَهو بَيانُ الوَعِيدِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: مَن قالَ: الآيَةُ نَزَلَتْ في ابْنِ خَطَلٍ قالَ: المُرادُ بِالعَذابِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَتَلَهُ يَوْمَ الفَتْحِ، ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ إذا أمْكَنَ التَّعْمِيمُ، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ العَذابَ في الآخِرَةِ لِأنَّهُ مِن أعْظَمِ ما يُتَوَعَّدُ بِهِ.
المسألة الثّانِيَةُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَرْءَ يَسْتَحِقُّ العَذابَ بِإرادَتِهِ لِلظُّلْمِ كَما يَسْتَحِقُّهُ عَلى عَمَلِ جَوارِحِهِ.
صفحة ٢٤
المسألة الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا قَوْلَيْنِ في خَبَرِ إنَّ المَذْكُورِ في أوَّلِ الآيَةِ: الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ، فَهو عائِدٌ إلى كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ. الثّانِي: أنَّهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ نُذِيقُهم مِن عَذابٍ ألِيمٍ. وكُلُّ مَنِ ارْتَكَبَ فِيهِ ذَنْبًا فَهو كَذَلِكَ.
22:26Page 335
وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ٢٦
And [mention, O Muḥammad], when We designated for Abraham the site of the House, [saying], "Do not associate anything with Me and purify My House for those who perform ṭawāf1 and those who stand [in prayer] and those who bow and prostrate.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾ ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهم ولْيُوفُوا نُذُورَهم ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذْ بَوَّأْنا﴾ أيْ واذْكُرْ حِينَ جَعَلْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ مَباءَةً، أيْ مَرْجِعًا يَرْجِعُ إلَيْهِ لِلْعِمارَةِ والعِبادَةِ. وكانَ قَدْ رَفَعَ البَيْتَ إلى السَّماءِ أيّامَ الطُّوفانِ وكانَ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكانَهُ بِرِيحٍ أرْسَلَها فَكَشَفَتْ ما حَوْلَهُ فَبَناهُ عَلى وضْعِهِ الأوَّلِ، وقِيلَ: أمَرَ إبْراهِيمَ بِأنْ يَأْتِيَ مَوْضِعَ البَيْتِ فَيَبْنِيَ، فانْطَلَقَ فَخَفِيَ عَلَيْهِ مَكانُهُ فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلى قَدْرِ البَيْتِ الحَرامِ في العَرْضِ والطُّولِ غَمامَةً وفِيها رَأْسٌ يَتَكَلَّمُ ولَهُ لِسانٌ وعَيْنانِ، فَقالَ: يا إبْراهِيمُ ابْنِ عَلى قَدْرِي وحِيالِي، فَأخَذَ في البِناءِ وذَهَبَتِ السَّحابَةُ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لا شَكَّ أنَّ (أنْ) هي المُفَسِّرَةُ فَكَيْفَ يَكُونُ النَّهْيُ عَنِ الشِّرْكِ والأمْرُ بِتَطْهِيرِ البَيْتِ تَفْسِيرًا لِلتَّبْوِئَةِ ؟ الجَوابُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: جَعَلْنا البَيْتَ مَرْجِعًا لِإبْراهِيمَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما مَعْنى كَوْنِ البَيْتِ مَرْجِعًا لَهُ ؟ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ مَعْناهُ أنْ يَكُونَ بِقَلْبِهِ مُوَحِّدًا لِرَبِّ البَيْتِ عَنِ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ، وبِقالَبِهِ مُشْتَغِلًا بِتَنْظِيفِ البَيْتِ عَنِ الأوْثانِ والأصْنامِ.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَيْفَ قالَ أنْ لا تُشْرِكْ بِي ؟ الجَوابُ: المَعْنى لا تَجْعَلْ في العِبادَةِ لِي شَرِيكًا، ولا تُشْرِكْ بِي غَرَضًا آخَرَ في بِناءِ البَيْتِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: البَيْتُ ما كانَ مَعْمُورًا قَبْلَ ذَلِكَ فَكَيْفَ قالَ: وطَهِّرْ بَيْتِيَ ؟ الجَوابُ: لَعَلَّ ذَلِكَ المَكانَ كانَ صَحْراءَ وكانُوا يَرْمُونَ إلَيْها الأقْذارَ، فَأمَرَ إبْراهِيمَ بِبِناءِ البَيْتِ في ذَلِكَ المَكانِ وتَطْهِيرِهِ مِنَ الأقْذارِ، وكانَتْ
صفحة ٢٥
مَعْمُورَةً فَكانُوا قَدْ وضَعُوا فِيها أصْنامًا فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِتَخْرِيبِ ذَلِكَ البِناءِ ووَضْعِ بِناءٍ جَدِيدٍ، وذَلِكَ هو التَّطْهِيرُ عَنِ الأوْثانِ، أوْ يُقالُ: المُرادُ أنَّكَ بَعْدَ أنْ تَبْنِيَهُ فَطَهِّرْهُ عَمّا لا يَنْبَغِي مِنَ الشِّرْكِ وقَوْلِ الزُّورِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لِلطّائِفِينَ بِالبَيْتِ مِن غَيْرِ أهْلِ مَكَّةَ ﴿والقائِمِينَ﴾ أيِ المُقِيمِينَ بِها ﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أيْ مِنَ المُصَلِّينَ مِنَ الكُلِّ، وقالَ آخَرُونَ: القائِمُونَ وهُمُ المُصَلُّونَ، لِأنَّ المُصَلِّيَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في صَلاتِهِ جامِعًا بَيْنَ القِيامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
22:27Page 335
وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ ٢٧
And proclaim to the people the ḥajj [pilgrimage]; they will come to you on foot and on every lean camel; they will come from every distant pass -
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ (وآذِنْ) بِمَعْنى أعْلِمْ.
المسألة الثّانِيَةُ: في المَأْمُورِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالُوا: لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن بِناءِ البَيْتِ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ قالَ: يا رَبِّ وما يَبْلُغُ صَوْتِي ؟ قالَ: عَلَيْكَ الأذانُ وعَلَيَّ البَلاغُ. فَصَعِدَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الصَّفا وفي رِوايَةٍ أُخْرى أبا قُبَيْسٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَلى المَقامِ، قالَ إبْراهِيمُ: كَيْفَ أقُولُ ؟ قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: قُلْ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، فَهو أوَّلُ مَن لَبّى. وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهُ صَعِدَ الصَّفا فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكم حَجَّ البَيْتِ العَتِيقِ فَسَمِعَهُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَما بَقِيَ شَيْءٌ سَمِعَ صَوْتَهُ إلّا أقْبَلَ يُلَبِّي يَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى: إنَّ اللَّهَ يَدْعُوكم إلى حَجِّ البَيْتِ الحَرامِ لِيُثِيبَكم بِهِ الجَنَّةَ ويُخْرِجَكم مِنَ النّارِ، فَأجابَهُ يَوْمَئِذٍ مَن كانَ في أصْلابِ الرِّجالِ وأرْحامِ النِّساءِ، وكُلُّ مَن وصَلَ إلَيْهِ صَوْتُهُ مِن حَجَرٍ أوْ شَجَرٍ ومَدَرٍ وأكَمَةٍ أوْ تُرابٍ، قالَ مُجاهِدٌ: فَما حَجَّ إنْسانٌ ولا يَحُجُّ أحَدٌ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ إلّا وقَدْ أسْمَعَهُ ذَلِكَ النِّداءَ، فَمَن أجابَ مَرَّةً حَجَّ مَرَّةً، ومَن أجابَ مَرَّتَيْنِ أوْ أكْثَرَ. فالحَجُّ مَرَّتَيْنِ أوْ أكْثَرَ عَلى ذَلِكَ المِقْدارِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: لَمّا أُمِرَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأذانِ تَواضَعَتْ لَهُ الجِبالُ وخَفَضَتْ وارْتَفَعَتْ لَهُ القُرى. قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: يَبْعُدُ قَوْلُهم إنَّهُ أجابَهُ الصَّخْرُ والمَدَرُ؛ لِأنَّ الإعْلامَ لا يَكُونُ إلّا لِمَن يُؤْمَرُ بِالحَجِّ دُونَ الجَمادِ، فَأمّا مَن يَسْمَعُ مِن أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ نِداءَهُ فَلا يَمْتَنِعُ إذا قَوّاهُ اللَّهُ تَعالى ورَفَعَ المَوانِعَ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَدْ يَجُوزُ في زَمانِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَأْمُورَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأذِّنْ﴾ هو مُحَمَّدٌ ﷺ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ واخْتِيارُ أكْثَرِ المُعْتَزِلَةِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ ما جاءَ في القُرْآنِ وأُمْكِنَ حَمْلُهُ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ هو المُخاطَبُ بِهِ فَهو أوْلى، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ ﴿وإذْ بَوَّأْنا﴾ فَهو في حُكْمِ المَذْكُورِ، فَإذا قالَ تَعالى: ﴿وأذِّنْ﴾ فَإلَيْهِ يَرْجِعُ الخِطابُ، وعَلى هَذا القَوْلِ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأذِّنْ﴾ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يُعْلِمَ النّاسَ بِالحَجِّ. وثانِيها: قالَ الجُبّائِيُّ: أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يُعْلِنَ التَّلْبِيَةَ فَيُعْلِمَ النّاسَ أنَّهُ حاجٌّ فَيَحُجُّوا مَعَهُ قالَ: وفي قَوْلِهِ: ﴿يَأْتُوكَ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ أنْ يَحُجَّ فَيُقْتَدى بِهِ. وثالِثُها: أنَّهُ ابْتِداءُ فَرْضِ الحَجِّ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلرَّسُولِ ﷺ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: الرِّجالُ المُشاةُ واحِدُهم راجِلٌ، كَنِيامٍ ونائِمٍ وقُرِئَ رُجالٌ بِضَمِّ الرّاءِ مُخَفَّفَ الجِيمِ ومُثَقَّلَهُ، ورِجالٌ كَعِجالٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقَوْلُهُ: ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ أيْ رُكْبانًا والضُّمُورُ الهُزالُ
صفحة ٢٦
ضَمُرَ يَضْمُرُ ضُمُورًا، والمَعْنى أنَّ النّاقَةَ صارَتْ ضامِرَةً لِطُولِ سَفَرِها. وإنَّما قالَ: ﴿يَأْتِينَ﴾ أيْ جَماعَةُ الإبِلِ وهي الضَّوامِرُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ مَعْناهُ عَلى إبِلٍ ضامِرَةٍ فَجُعِلَ الفِعْلُ بِمَعْنى كُلٍّ، ولَوْ قالَ: يَأْتِي عَلى اللَّفْظِ صَحَّ وقُرِئَ يَأْتُونَ صِفَةً لِلرِّجالِ والرُّكْبانِ، والفَجُّ الطَّرِيقُ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في سائِرِ الطُّرُقِ اتِّساعًا، والعَمِيقُ البَعِيدُ، قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”مَعِيقٍ“ يُقالُ: بِئْرٌ بَعِيدَةُ العُمْقِ والمَعْقِ.
المسألة الثّانِيَةُ: المَعْنى: وأذِّنْ لِيَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ، أيْ وأذِّنْ لِيَأْتُوكَ عَلى هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، أوْ يَكُونُ المُرادُ: وأذِّنْ فَإنَّهم يَأْتُوكَ عَلى هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ.
المسألة الثّالِثَةُ: بَدَأ اللَّهُ بِذِكْرِ المُشاةِ تَشْرِيفًا لَهم، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِإسْنادِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ الحاجَّ الرّاكِبَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ تَخْطُوها راحِلَتُهُ سَبْعُونَ حَسَنَةً ولِلْماشِي سَبْعُمِائَةِ حَسَنَةٍ مِن حَسَناتِ الحَرَمِ، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما حَسَناتُ الحَرَمِ ؟ قالَ: الحَسَنَةُ بِمِائَةِ ألْفِ حَسَنَةٍ» .
المسألة الرّابِعَةُ: إنَّما قالَ: ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا﴾ لِأنَّهُ هو المُنادِي فَمَن أتى بِمَكَّةَ حاجًّا فَكَأنَّهُ أتى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ يُجِيبُ نِداءَهُ.
22:28–29Page 335
لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ ٢٨
That they may witness [i.e., attend] benefits for themselves and mention the name of Allāh on known [i.e., specific] days over what He has provided for them of [sacrificial] animals.1 So eat of them and feed the miserable and poor.
ثُمَّ لۡيَقۡضُواْ تَفَثَهُمۡ وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٢٩
Then let them end their untidiness and fulfill their vows and perform ṭawāf around the ancient House."
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالحَجِّ في قَوْلِهِ: ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ ذَكَرَ حِكْمَةَ ذَلِكَ الأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ واخْتَلَفُوا فِيها فَبَعْضُهم حَمَلَها عَلى مَنافِعِ الدُّنْيا. وهي أنْ يَتَّجِرُوا في أيّامِ الحَجِّ، وبَعْضُهم حَمَلَها عَلى مَنافِعِ الآخِرَةِ، وهي العَفْوُ والمَغْفِرَةُ عَنْ مُحَمَّدٍ الباقِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبَعْضُهم حَمَلَها عَلى الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، وهو الأوْلى.
المسألة الثّانِيَةُ: إنَّما نَكَّرَ المَنافِعَ لِأنَّهُ أرادَ مَنافِعَ مُخْتَصَّةً بِهَذِهِ العِبادَةِ دِينِيَّةً ودُنْيَوِيَّةً لا تُوجَدُ في غَيْرِها مِنَ العِباداتِ.
المسألة الثّالِثَةُ: كَنّى عَنِ الذَّبْحِ والنَّحْرِ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ أهْلَ الإسْلامِ لا يَنْفَكُّونَ عَنْ ذِكْرِ اسْمِهِ إذا نَحَرُوا وذَبَحُوا وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الغَرَضَ الأصْلِيَّ فِيما يَتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى أنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ تَعالى، وأنْ يُخالِفَ المُشْرِكِينَ في ذَلِكَ فَإنَّهم كانُوا يَذْبَحُونَها لِلنُّصُبِ والأوْثانِ، قالَ مُقاتِلٌ: إذا ذَبَحْتَ فَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ واللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُمَّ مِنكَ وإلَيْكَ، وتَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، وزادَ الكَلْبِيُّ فَقالَ: إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، قالَ القَفّالُ: وكانَ المُتَقَرِّبُ بِها وبِإراقَةِ دِمائِها مُتَصَوِّرٌ بِصُورَةِ مَن يَفْدِي نَفْسَهُ بِما يُعادِلُها، فَكَأنَّهُ يَبْذُلُ تِلْكَ الشّاةَ بَدَلَ مُهْجَتِهِ طَلَبًا لِمَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، واعْتِرافًا بِأنَّ تَقْصِيرَهُ يَسْتَحِقُّ مُهْجَتَهُ.
المسألة الرّابِعَةُ: أكْثَرُ العُلَماءِ صارُوا إلى أنَّ الأيّامَ المَعْلُوماتِ عَشْرُ ذِي الحجة والمَعْدُوداتِ أيّامُ التَّشْرِيقِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ وقَتادَةَ والحَسَنِ، ورِوايَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتِيارُ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، واحْتَجُّوا بِأنَّها مَعْلُومَةٌ عِنْدَ النّاسِ لِحِرْصِهِمْ عَلى عِلْمِها مِن أجْلِ أنَّ وقْتَ الحَجِّ في آخِرِها. ثُمَّ لِلْمَنافِعِ أوْقاتٌ مِنَ العَشْرِ مَعْرُوفَةٌ كَيَوْمِ عَرَفَةَ والمَشْعَرِ الحَرامِ، وكَذَلِكَ الذَّبائِحُ لَها وقْتٌ مِنها وهو يَوْمُ النَّحْرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: إنَّها يَوْمُ النَّحْرِ وثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَهُ وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ، قالَ: لِأنَّها كانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ العَرَبِ بَعْدَها وهي أيّامُ النَّحْرِ وهو قَوْلُ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ رَحِمَهُما اللَّهُ.
صفحة ٢٧
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: البَهْمَةُ مُبْهَمَةٌ في كُلِّ ذاتِ أرْبَعٍ في البَرِّ والبَحْرِ، فَبُيِّنَتْ بِالأنْعامِ وهي الإبِلُ والبَقَرُ والضَّأْنُ والمَعَزُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِنها﴾ فَمِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ أمْرُ وُجُوبٍ؛ لِأنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا لا يَأْكُلُونَ مِنها تَرَفُّعًا عَلى الفُقَراءِ، فَأمَرَ المُسْلِمِينَ بِذَلِكَ لِما فِيهِ مِن مُخالَفَةِ الكُفّارِ ومُساواةِ الفُقَراءِ واسْتِعْمالِ التَّواضُعِ، وقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّهُ لَيْسَ عَلى الوُجُوبِ. ثم قال العُلَماءُ: مَن أهْدى أوْ ضَحّى فَحَسَنٌ أنْ يَأْكُلَ النِّصْفَ ويَتَصَدَّقَ بِالنِّصْفِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾ ومِنهم مَن قالَ: يَأْكُلُ الثُّلُثَ ويَدَّخِرُ الثُّلُثَ ويَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثِ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ الأكْلَ مُسْتَحَبٌّ والإطْعامَ واجِبٌ فَإنْ أطْعَمَ جَمِيعَها أجْزَأهُ وإنْ أكَلَ جَمِيعَها لَمْ يُجْزِهُ، هَذا فِيما كانَ تَطَوُّعًا، فَأمّا الواجِباتُ كالنُّذُورِ والكَفّاراتِ والجُبْراناتُ لِنُقْصانِ مِثْلِ دَمِ القِرانِ ودَمِ التَّمَتُّعِ ودَمِ الإساءَةِ ودِماءِ القَلْمِ والحَلْقِ فَلا يُؤْكَلُ مِنها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾ فَلا شُبْهَةَ في أنَّهُ أمْرُ إيجابٍ، والبائِسُ الَّذِي أصابَهُ بُؤْسٌ أيْ شِدَّةٌ، والفَقِيرُ الَّذِي أضْعَفَهُ الإعْسارُ وهو مَأْخُوذٌ مِن فَقارِ الظَّهْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: البائِسُ الَّذِي ظَهَرَ بُؤْسُهُ في ثِيابِهِ وفي وجْهِهِ، والفَقِيرُ الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ فَتَكُونُ ثِيابُهُ نَقِيَّةً ووَجْهُهُ وجْهَ غَنِيٍّ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ أهْلَ اللُّغَةِ لا يَعْرِفُونَ التَّفَثَ إلّا مِنَ التَّفْسِيرِ، وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ التَّفَثِ في كَلامِ العَرَبِ كُلُّ قاذُورَةٍ تَلْحَقُ الإنْسانَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ نَقْضُها. والمُرادُ هاهُنا قَصُّ الشّارِبِ والأظْفارِ ونَتْفُ الإبْطِ وحَلْقُ العانَةِ، والمُرادُ مِنَ القَضاءِ إزالَةُ التَّفَثِ، وقالَ القَفّالُ: قالَ نِفْطَوَيْهِ: سَألْتُ أعْرابِيًّا فَصِيحًا ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ ؟ فَقالَ: ما أُفَسِّرُ القُرْآنَ ولَكِنّا نَقُولُ لِلرَّجُلِ: ما أتْفَثَكَ وما أدْرَنَكَ ؟ ثم قال القَفّالُ: وهَذا أوْلى مِن قَوْلِ الزَّجّاجِ؛ لِأنَّ القَوْلَ قَوْلُ المُثْبِتِ لا قَوْلُ النّافِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ فَقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الفاءِ ثُمَّ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ ما أوْجَبَهُ الدُّخُولُ في الحَجِّ مِن أنْواعِ المَناسِكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أوْجَبُوهُ بِالنَّذْرِ الَّذِي هو القَوْلُ، وهَذا القَوْلُ الأقْرَبُ فَإنَّ الرَّجُلَ إذا حَجَّ أوِ اعْتَمَرَ فَقَدْ يُوجِبُ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الهَدْيِ وغَيْرِهِ ما لَوْلا إيجابُهُ لَمْ يَكُنِ الحَجُّ يَقْتَضِيهِ فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِالوَفاءِ بِذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ فالمُرادُ الطَّوافُ الواجِبُ وهو طَوافُ الإفاضَةِ والزِّيارَةِ، أمّا كَوْنُ هَذا الطَّوافِ بَعْدَ الوُقُوفِ ورَمْيِ الجِمارِ والحَلْقِ، ثُمَّ هو في يَوْمِ النَّحْرِ أوْ بَعْدَهُ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، وسُمِّيَ البَيْتَ العَتِيقَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: العَتِيقُ: القَدِيمُ لِأنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ عَنِ الحَسَنِ. وثانِيها: لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِنَ الجَبابِرَةِ فَكَمْ مِن جَبّارٍ سارَ إلَيْهِ لِيَهْدِمَهُ فَمَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ، ورَوَوْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولَمّا قَصَدَهُ أبْرَهَةُ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ، فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ تَسَلَّطَ الحَجّاجُ عَلَيْهِ، فالجَوابُ: قُلْنا: ما قَصَدَ التَّسَلُّطَ عَلى البَيْتِ وإنَّما تَحَصَّنَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فاحْتالَ لِإخْراجِهِ ثُمَّ بَناهُ. وثالِثُها: لَمْ يُمْلَكْ قَطُّ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. ورابِعُها: أُعْتِقَ مِنَ الغَرَقِ عَنْ مُجاهِدٍ. وخامِسُها: بَيْتٌ كَرِيمٌ مِن قَوْلِهِمْ: عِتاقُ الطَّيْرِ والخَيْلِ، واعْلَمْ أنَّ اللّامَ في لِيَقْضُوا ولْيُوفُوا ولْيَطَّوَّفُوا لامُ الأمْرِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ ونافِعٍ والأكْثَرِينَ تَخْفِيفُ هَذِهِ اللّاماتِ، وفي قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو تَحْرِيكُها بِالكَسْرِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences