Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:23–30
23:23–25Page 343
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٢٣
And We had certainly sent Noah to his people, and he said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him; then will you not fear Him?"
فَقَالَ ٱلۡمَلَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيۡكُمۡ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ مَّا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٤
But the eminent among those who disbelieved from his people said, "This is not but a man like yourselves who wishes to take precedence over you; and if Allāh had willed [to send a messenger], He would have sent down angels. We have not heard of this among our forefathers.
إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلُۢ بِهِۦ جِنَّةٞ فَتَرَبَّصُواْ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٖ ٢٥
He is not but a man possessed with madness, so wait concerning him for a time."
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا بَيَّنَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أرْدَفَها بِالقَصَصِ كَما هو العادَةُ في سائِرِ السُّوَرِ، وهي هاهُنا:
صفحة ٨٠
القِصَّةُ الأُولى قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾
قالَ قَوْمٌ: إنَّ نُوحًا كانَ اسْمُهُ يَشْكُرُ، ثُمَّ سُمِّيَ نُوحًا لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: لِكَثْرَةِ ما ناحَ عَلى نَفْسِهِ حِينَ دَعا عَلى قَوْمِهِ بِالهَلاكِ، فَأهْلَكَهم بِالطُّوفانِ فَنَدِمَ عَلى ذَلِكَ.
وثانِيها: لِمُراجَعَةِ رَبِّهِ في شَأْنِ ابْنِهِ.
وثالِثُها: أنَّهُ مَرَّ بِكَلْبٍ مَجْذُومٍ، فَقالَ لَهُ: اخْسَأْ يا قَبِيحُ، فَعُوتِبَ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: أعِبْتَنِي إذْ خَلَقْتُهُ، أمْ عِبْتَ الكَلْبَ؟ وهَذِهِ الوُجُوهُ مُشْكِلَةٌ؛ لِما ثَبَتَ أنَّ الأعْلامَ لا تُفِيدُ صِفَةً في المُسَمّى.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ أرْسَلَهُ بِالدُّعاءِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَدْعُوَهم إلى ذَلِكَ إلّا وقَدْ دَعاهم إلى مَعْرِفَتِهِ أوَّلًا؛ لِأنَّ عِبادَةَ مَن لا يَكُونُ مَعْلُومًا غَيْرُ جائِزَةٍ، وإنَّما يَجُوزُ ويَجِبُ بَعْدَ المَعْرِفَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فالمُرادُ أنَّ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ لا تَجُوزُ إذْ لا إلَهَ سِواهُ. ومِن حَقِّ العِبادَةِ أنْ تُحْسِنَ لِمَن أنْعَمَ بِالخَلْقِ والإحْياءِ وما بَعْدَهُما، فَإذا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ إلّا مِنهُ تَعالى فَكَيْفَ يَعْبُدُ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ؟ وقُرِئَ ”غَيْرُهُ“ بِالرَّفْعِ عَلى المَحَلِّ وبِالجَرِّ عَلى اللَّفْظِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا لَمْ يَنْفَعْ فِيهِمْ هَذا الدُّعاءُ واسْتَمَرُّوا عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى حَذَّرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ زَجْرٌ ووَعِيدٌ بِاتِّقاءِ العُقُوبَةِ لِيَنْصَرِفُوا عَمّا هم عَلَيْهِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى عَنْهم شُبَهَهم في إنْكارِ نُبُوَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهُمْ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ وهَذِهِ الشُّبْهَةُ تَحْتِمَلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمّا كانَ مُساوِيًا لِسائِرِ النّاسِ في القُوَّةِ والفَهْمِ والعِلْمِ والغِنى والفَقْرِ والصِّحَّةِ والمَرَضِ، امْتَنَعَ كَوْنُهُ رَسُولًا لِلَّهِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وحَبِيبًا لَهُ، والحَبِيبُ لا بُدَّ وأنْ يُخْتَصَّ عَنْ غَيْرِ الحَبِيبِ بِمَزِيدِ الدَّرَجَةِ والمَعَزَّةِ، فَلَمّا فُقِدَتْ هَذِهِ الأشْياءُ عَلِمْنا انْتِفاءَ الرِّسالَةِ.
والثّانِي: أنْ يُقالَ: هَذا الإنْسانُ مُشارِكٌ لَكم في جَمِيعِ الأُمُورِ، ولَكِنَّهُ أحَبَّ الرِّياسَةَ والمَتْبُوعِيَّةَ فَلَمْ يَجِدْ إلَيْهِما سَبِيلًا إلّا بِادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، فَصارَ ذَلِكَ شُبْهَةً لَهم في القَدْحِ في نُبُوَّتِهِ، فَهَذا الِاحْتِمالُ مُتَأكَّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى خَبَرًا عَنْهُمْ: ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: يُرِيدُ أنْ يَطْلُبَ الفَضْلَ عَلَيْكم ويَرْأسَكم، كَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يُونُسَ: ٧٨] .
صفحة ٨١
الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُمْ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ وشَرْحُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ شاءَ إرْشادَ البَشَرِ لَوَجَبَ أنْ يَسْلُكَ الطَّرِيقَ الَّذِي يَكُونُ أشَدَّ إفْضاءً إلى المَقْصُودِ، ومَعْلُومٌ أنَّ بِعْثَةَ المَلائِكَةِ أشَدُّ إفْضاءً إلى هَذا المَقْصُودِ مِن بِعْثَةِ البَشَرِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ لِعُلُوِّ شَأْنِهِمْ وشِدَّةِ سَطْوَتِهِمْ وكَثْرَةِ عُلُومِهِمْ، فالخَلْقُ يَنْقادُونَ إلَيْهِمْ، ولا يَشُكُّونَ في رِسالَتِهِمْ، فَلَمّا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ ما أرْسَلَ رَسُولًا البَتَّةَ.
الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُمْ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ وقَوْلُهُ: ”بِهَذا“ إشارَةٌ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ إلى ما كَلَّمَهم بِهِ مِنَ الحَثِّ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: ما سَمِعْنا بِمِثْلِ هَذا الكَلامِ، أوْ بِمِثْلِ هَذا الَّذِي يَدَّعِي وهو بَشَرٌ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وشَرْحُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ أنَّهم كانُوا أقْوامًا لا يُعَوِّلُونَ في شَيْءٍ مِن مَذاهِبِهِمْ إلّا عَلى التَّقْلِيدِ والرُّجُوعِ إلى قَوْلِ الآباءِ، فَلَمّا لَمْ يَجِدُوا في نُبُوَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ حَكَمُوا بِفَسادِها. قالَ القاضِي: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ كَوْنَهُ رَسُولًا مَبْعُوثًا؛ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ فِيما تَقَدَّمَ مِن زَمانِ آبائِهِمْ أنَّهُ كانَ زَمانَ فَتْرَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ دُعاءَهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ؛ لِأنَّ آباءَهم كانُوا عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ.
الشُّبْهَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُمْ: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ والجِنَّةُ: الجُنُونُ أوِ الجِنُّ، فَإنَّ جُهّالَ العَوامِّ يَقُولُونَ في المَجْنُونِ: زالَ عَقْلُهُ بِعَمَلِ الجِنِّ، وهَذِهِ الشُّبْهَةُ مِن بابِ التَّرْوِيجِ عَلى العَوامِّ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَفْعَلُ أفْعالًا عَلى خِلافِ عاداتِهِمْ، فَأُولَئِكَ الرُّؤَساءُ كانُوا يَقُولُونَ لِلْعَوامِّ: إنَّهُ مَجْنُونٌ، ومَن كانَ مَجْنُونًا فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَسُولًا.
الشُّبْهَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُمْ: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ؛ أيْ أنَّهُ مَجْنُونٌ فاصْبِرُوا إلى زَمانٍ حَتّى يَظْهَرَ عاقِبَةُ أمْرِهِ، فَإنْ أفاقَ وإلّا قَتَلْتُمُوهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا وهو أنْ يَقُولُوا لِقَوْمِهِمْ: اصْبِرُوا فَإنَّهُ إنْ كانَ نَبِيًّا حَقًّا فاللَّهُ يَنْصُرُهُ ويُقَوِّي أمْرَهَ، فَنَحْنُ حِينَئِذٍ نَتَّبِعُهُ، وإنْ كانَ كاذِبًا فاللَّهُ يَخْذُلُهُ ويُبْطِلُ أمْرَهُ، فَحِينَئِذٍ نَسْتَرِيحُ مِنهُ، فَهَذِهِ مَجْمُوعُ الشُّبَهِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْهم. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ ما ذَكَرَ الجَوابَ عَنْها لِرَكاكَتِها ووُضُوحِ فَسادِها، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّ الرَّسُولَ لا يَصِيرُ رَسُولًا لِأنَّهُ مِن جِنْسِ المَلَكِ وإنَّما يَصِيرُ كَذَلِكَ بِأنْ يَتَمَيَّزَ مِن غَيْرِهِ بِالمُعْجِزاتِ، فَسَواءٌ كانَ مِن جِنْسِ المَلَكِ أوْ مِن جِنْسِ البَشَرِ فَعِنْدَ ظُهُورِ المُعْجِزِ عَلَيْهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ رَسُولًا، بَلْ جَعْلُ الرَّسُولِ مِن جُمْلَةِ البَشَرِ أوْلى لِما مَرَّ بَيانُهُ في السُّوَرِ المُتَقَدِّمَةِ، وهو أنَّ الجِنْسِيَّةَ مَظِنَّةُ الأُلْفَةِ والمُؤانَسَةِ، وأمّا قَوْلُهُمْ: ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ فَإنْ أرادُوا بِهِ إرادَتَهُ لِإظْهارِ فَضْلِهِ حَتّى يَلْزَمَهُمُ الِانْقِيادُ لِطاعَتِهِ فَهَذا واجِبٌ عَلى الرَّسُولِ، وإنْ أرادُوا بِهِ أنْ يَرْتَفِعَ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّجَبُّرِ والتَّكَبُّرِ والِانْقِيادِ، فالأنْبِياءُ مُنَزَّهُونَ عَنْ ذَلِكَ، وأمّا قَوْلُهم: ما سَمِعْنا بِهَذا، فَهو اسْتِدْلالٌ بِعَدَمِ التَّقْلِيدِ عَلى عَدَمِ وُجُودِ الشَّيْءِ وهو في غايَةِ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ وُجُودَ التَّقْلِيدِ لا يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الشَّيْءِ، فَعَدَمُهُ مِن أيْنَ يَدُلُّ عَلى عَدَمِهِ؟ وأمّا قَوْلُهم: بِهِ جِنَّةٌ، فَقَدْ كَذَبُوا لِأنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ كَمالَ عَقْلِهِ، وأمّا قَوْلُهُمْ: فَتَرَبَّصُوا بِهِ، فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ إنْ ظَهَرَتِ الدَّلالَةُ عَلى نُبُوَّتِهِ وهي المُعْجِزَةُ وجَبَ عَلَيْهِمْ قَبُولُ قَوْلِهِ في الحالِ، ولا يَجُوزُ تَوْقِيفُ ذَلِكَ إلى ظُهُورِ دَوْلَتِهِ؛ لِأنَّ الدَّوْلَةَ لا تَدُلُّ عَلى الحَقِّيَّةِ، وإنْ لَمْ يَظْهَرِ المُعْجِزُ لَمْ يَجُزْ قَبُولُ قَوْلِهِ، سَواءٌ ظَهَرَتِ الدَّوْلَةُ أوْ لَمْ تَظْهَرْ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأجْوِبَةُ في نِهايَةِ الظُّهُورِ لا جَرَمَ تَرَكَها اللَّهُ سُبْحانَهُ.
23:26–30Page 343
قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي بِمَا كَذَّبُونِ ٢٦
[Noah] said, "My Lord, support me because they have denied me."
فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ أَنِ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسۡلُكۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ مِنۡهُمۡۖ وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٢٧
So We inspired to him, "Construct the ship under Our observation and Our inspiration, and when Our command comes and the oven overflows,1 put into it [i.e., the ship] from each [creature] two mates and your family, except him for whom the decree [of destruction] has proceeded. And do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are to be drowned.
فَإِذَا ٱسۡتَوَيۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلۡفُلۡكِ فَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٨
And when you have boarded the ship, you and those with you, then say, 'Praise to Allāh who has saved us from the wrongdoing people.'
وَقُل رَّبِّ أَنزِلۡنِي مُنزَلٗا مُّبَارَكٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ ٢٩
And say, 'My Lord, let me land at a blessed landing place, and You are the best to accommodate [us].'"
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ وَإِن كُنَّا لَمُبۡتَلِينَ ٣٠
Indeed in that are signs, and indeed, We are ever testing [Our servants].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾
أمّا قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ في نَصْرِهِ إهْلاكَهم فَكَأنَّهُ قالَ: أهْلِكْهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ.
وثانِيها: انْصُرْنِي بَدَلَ ما كَذَّبُونِي، كَما تَقُولُ: هَذا بِذاكَ أيْ: بَدَلُ ذاكَ ومَكانُهُ، والمَعْنى أبْدِلْنِي مِن غَمِّ تَكْذِيبِهِمْ سَلْوَةَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ.
وثالِثُها: انْصُرْنِي بِإنْجازِ ما وعَدْتَهم مِنَ العَذابِ وهو ما كَذَّبُوهُ فِيهِ حِينَ قالَ لَهُمْ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعْرافِ: ٥٩] ولَمّا أجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ قالَ: ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِحِفْظِنا وكَلَئِنا كَأنَّ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ حافِظًا يَكْلَؤُهُ بِعَيْنِهِ لِئَلّا يَتَعَرَّضَ لَهُ ولا يُفْسِدَ عَلَيْهِ مُفْسِدٌ عَمَلَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ عَيْنٌ كالِئَةٌ، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُشَبِّهَةِ في تَمَسُّكِهِمْ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلى صُورَتِهِ» “ لِأنَّ ثُبُوتَ الأعْيُنِ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَيْفَ صَنَعَ الفُلْكَ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ نَجّارًا وكانَ عالِمًا بِكَيْفِيَّةِ اتِّخاذِها، وقِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَهُ عَمَلَ السَّفِينَةِ، ووَصَفَ لَهُ كَيْفِيَّةَ اتِّخاذِها، وهَذا هو الأقْرَبُ لِقَوْلِهِ: ﴿بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ فاعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الأمْرِ كَما هو حَقِيقَةٌ في طَلَبِ الفِعْلِ بِالقَوْلِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْلاءِ، فَكَذا هو حَقِيقَةٌ في الشَّأْنِ العَظِيمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: هَذا أمْرٌ، بَقِيَ الذِّهْنُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ المَفْهُومَيْنِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِيهِما، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ مَذْكُورٌ في كِتابِ المَحْصُولِ في الأُصُولِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّما سَمّاهُ أمْرًا عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ [فُصِّلَتْ: ١١] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ فاخْتَلَفُوا في التَّنُّورِ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ هو التَّنُّورُ المَعْرُوفُ. رُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لِنُوحٍ: إذا رَأيْتَ الماءَ يَفُورُ مِنَ التَّنُّورِ فارْكَبْ أنْتَ ومَن مَعَكَ في السَّفِينَةِ، فَلَمّا نَبَعَ الماءُ مِنَ التَّنُّورِ أخْبَرَتْهُ امْرَأتُهُ فَرَكِبَ، وقِيلَ: كانَ تَنُّورُ آدَمَ مِن حِجارَةٍ فَصارَ إلى نُوحٍ، واخْتُلِفَ في مَكانِهِ، فَعَنِ الشَّعْبِيِّ: في مَسْجِدِ الكُوفَةِ عَنْ يَمِينِ الدّاخِلِ مِمّا يَلِي بابَ كِنْدَةَ، وكانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمِلَ السَّفِينَةَ في وسَطِ المَسْجِدِ، وقِيلَ: بِالشّامِ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ: عَيْنُ ورْدَةٍ، وقِيلَ بِالهِنْدِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ التَّنُّورَ وجْهُ الأرْضِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
الثّالِثُ: أنَّهُ أشْرَفُ مَوْضِعٍ في الأرْضِ؛ أيْ: أعْلاهُ، عَنْ قَتادَةَ.
والرّابِعُ: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ أيْ: طَلْعَ الفَجْرُ، عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: إنَّ فَوَرانَ التَّنُّورِ كانَ عِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ.
والخامِسُ: هو مِثْلُ قَوْلِهِمْ: حَمِيَ الوَطِيسُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ المَوْضِعُ المُنْخَفِضُ مِنَ السَّفِينَةِ الَّذِي يَسِيلُ الماءُ إلَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو
صفحة ٨٣
الصَّوابُ؛ لِأنَّ العُدُولَ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ لا يَجُوزُ، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ فَوَرانَ التَّنُّورِ عَلامَةً لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى يَرْكَبَ عِنْدَهُ السَّفِينَةَ؛ طَلَبًا لِنَجاتِهِ ونَجاةِ مَن آمَنَ بِهِ مِن قَوْمِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْلُكْ فِيها﴾ أيْ: أدْخِلْ فِيها، يُقالُ: سَلَكَ فِيهِ؛ أيْ: دَخَلَ فِيهِ، وسَلَكَ غَيْرَهُ وأسْلَكَهُ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أيْ: مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي يَحْضُرُهُ في الوَقْتِ (اثْنَيْنِ) الذَّكَرَ والأُنْثى؛ لِكَيْ لا يَنْقَطِعَ نَسْلُ ذَلِكَ الحَيَوانِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما زَوْجٌ، لا كَما تَقُولُهُ العامَّةُ مِن أنَّ الزَّوْجَ هو الِاثْنانِ، رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ إلّا ما يَلِدُ ويَبِيضُ، وقُرِئَ ”مِن كُلٍّ“ بِالتَّنْوِينِ، أيْ: مِن كُلِّ أُمَّةٍ زَوْجَيْنِ، واثْنَيْنِ تَأْكِيدٌ وزِيادَةُ بَيانٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ﴾ أيْ: وأدْخِلْ أهْلَكَ، ولَفْظُ (عَلى) إنَّما يُسْتَعْمَلُ في المَضارِّ؛ قالَ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٦] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَهُ بِإدْخالِ سائِرِ مَن آمَنَ بِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِـ (أهْلِهِ) مَن آمَنَ دُونَ مَن يَتَّصِلُ بِهِ نَسَبًا أوْ سَبَبًا، وهَذا ضَعِيفٌ، وإلّا لَما جازَ اسْتِثْناءُ قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ والثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يَعْنِي كَنْعانَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أخْبَرَ بِإهْلاكِهِمْ وجَبَ أنْ يَنْهاهُ عَنْ أنْ يَسْألَهُ في بَعْضِهِمْ؛ لِأنَّهُ إنْ أجابَهُ إلَيْهِ، فَقَدْ صَيَّرَ خَبَرَهُ الصِّدْقَ كَذِبًا، وإنْ لَمْ يُجِبْهُ إلَيْهِ كانَ ذَلِكَ تَحْقِيرًا لِشَأْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ أيِ الغَرَقُ نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ في السَّفِينَةِ ثَمانُونَ إنْسانًا؛ نُوحٌ وامْرَأتُهُ سِوى الَّتِي غَرِقَتْ، وثَلاثَةُ بَنِينَ: سامٍ وحامٍ ويافِثُ، وثَلاثُ نِسْوَةٍ لَهُمْ، واثْنانِ وسَبْعُونَ إنْسانًا، فَكُلُّ الخَلائِقِ نَسْلُ مَن كانَ في السَّفِينَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: إنَّما قالَ: ﴿فَقُلِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَقُولُوا؛ لِأنَّ نُوحًا كانَ نَبِيًّا لَهم وإمامًا لَهُمْ، فَكانَ قَوْلُهُ قَوْلًا لَهم، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِفَضْلِ النُّبُوَّةِ وإظْهارِ كِبْرِياءِ الرُّبُوبِيَّةِ، وأنَّ رُتْبَةَ تِلْكَ المُخاطَبَةِ لا يَتَرَقّى إلَيْها إلّا مَلَكٌ أوْ نَبِيٌّ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ قَتادَةُ: عَلَّمَكُمُ اللَّهُ أنْ تَقُولُوا عِنْدَ رُكُوبِ السَّفِينَةِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هُودٍ: ٤١] وعِنْدَ رُكُوبِ الدّابَّةِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٣] وعِنْدَ النُّزُولِ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٢٩] قالَ الأنْصارِيُّ: وقالَ لِنَبِيِّنا: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسْراءِ: ٨٠] وقالَ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [النَّحْلِ: ٩٨] كَأنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَهم أنْ لا يَكُونُوا عَنْ ذِكْرِهِ وعَنِ الِاسْتِعاذَةِ بِهِ في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ غافِلِينَ.
المسألة الثّالِثَةُ: هَذِهِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ في تَقْبِيحِ صُورَتِهِمْ حَيْثُ أتْبَعَ النَّهْيَ عَنِ الدُّعاءِ لَهُمُ الأمْرَ بِالحَمْدِ عَلى إهْلاكِهِمْ والنَّجاةِ مِنهم، كَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٤٥] وإنَّما جَعَلَ سُبْحانَهُ اسْتِواءَهم عَلى السَّفِينَةِ نَجاةً مِنَ الغَرَقِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ كانَ عَرَّفَهُ أنَّهُ بِذَلِكَ يُنْجِيهِ ومَن تَبِعَهُ، فَيَصِحُّ أنْ يَقُولَ: ”نَجّانا“ مِن حَيْثُ جَعَلَهُ آمِنًا بِهَذا الفِعْلِ، ووَصَفَ قَوْمَهَ بِأنَّهُمُ الظّالِمُونَ؛ لِأنَّ الكُفْرَ مِنهم ظُلْمٌ لِأنْفُسِهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمانَ: ١٣] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ أمَرَهُ بِالحَمْدِ عَلى إهْلاكِهِمْ
صفحة ٨٤
أمَرَهُ بِأنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ وقُرِئَ ”مَنزَلًا“ بِمَعْنى إنْزالًا أوْ مَوْضِعَ إنْزالٍ، كَقَوْلِهِ: (لَيُدْخِلَنَّهم مَدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ) واخْتَلَفُوا في المُنْزَلِ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ هو نَفْسُ السَّفِينَةِ، فَمَن رَكِبَها خَلَّصَتْهُ مِمّا جَرى عَلى قَوْمِهِ مِنَ الهَلاكِ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنْ يُنْزِلَهُ اللَّهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ السَّفِينَةِ مِنَ الأرْضِ مُنْزَلًا مُبارَكًا، والأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ أُمِرَ بِهَذا الدُّعاءِ في حالِ اسْتِقْرارِهِ في السَّفِينَةِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُنْزَلُ ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أنَّ الإنْزالَ في الأمْكِنَةِ قَدْ يَقَعُ مِن غَيْرِ اللَّهِ كَما يَقَعُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ هو سُبْحانَهُ خَيْرَ مَن أنْزَلَ؛ لِأنَّهُ يَحْفَظُ مَن أنْزَلَهُ في سائِرِ أحْوالِهِ، ويَدْفَعُ عَنْهُ المَكارِهَ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ الحُكْمُ والحِكْمَةُ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ فِيما ذَكَرَهُ مِن قِصَّةِ نُوحٍ وقَوْمِهِ لَآياتٍ ودَلالاتٍ وعِبَرًا في الدُّعاءِ إلى الإيمانِ والزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ، فَإنَّ إظْهارَ تِلْكَ المِياهِ العَظِيمَةِ ثُمَّ الإذْهابَ بِها لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا القادِرُ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، وظُهُورُ تِلْكَ الواقِعَةِ عَلى وفْقِ قَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ يَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ العَظِيمِ، وإفْناءُ الكُفّارِ وبَقاءُ الأرْضِ لِأهْلِ الدِّينِ والطّاعَةِ مِن أعْظَمِ أنْواعِ العِبَرِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ فِيما قَبْلُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ فِيما بَعْدُ، وهَذا هو الأقْرَبُ لِأنَّهُ كالحَقِيقَةِ في الِاسْتِقْبالِ، وإذا حُمِلَ عَلى ذَلِكَ احْتَمَلَ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ المُكَلَّفِينَ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ: فَيَجِبُ فِيمَن كَلَّفْناهُ أنْ يَعْتَبِرَ بِهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ لَمُعاقِبِينَ لِمَن سَلَكَ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ مِثْلَ طَرِيقَةِ قَوْمِ نُوحٍ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ كَما نُعاقِبُ مَن كَذَّبَ بِالغَرَقِ وغَيْرِهِ، فَقَدْ نَمْتَحِنُ بِالغَرَقِ مَن لَمْ يُكَذِّبْ عَلى وجْهِ المَصْلَحَةِ لا عَلى وجْهِ التَّعْذِيبِ؛ لِكَيْ لا يُقَدَّرَ أنَّ كُلَّ الغَرَقِ يَجْرِي عَلى وجْهٍ واحِدٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences