Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:51–65
23:51–56Page 345
يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٥١
[Allāh said], "O messengers, eat from the good foods and work righteousness. Indeed I, of what you do, am Knowing.
وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ ٥٢
And indeed this, your religion, is one religion,1 and I am your Lord, so fear Me."
فَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ زُبُرٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٥٣
But they [i.e., the people] divided their religion among them into portions [i.e., sects] - each faction, in what it has,1 rejoicing.
فَذَرۡهُمۡ فِي غَمۡرَتِهِمۡ حَتَّىٰ حِينٍ ٥٤
So leave them in their confusion for a time.
أَيَحۡسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٖ وَبَنِينَ ٥٥
Do they think that what We extend to them of wealth and children
نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ بَل لَّا يَشۡعُرُونَ ٥٦
Is [because] We hasten for them good things? Rather, they do not perceive.1
صفحة ٩١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ﴾ خِطابٌ مَعَ الرُّسُلِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ إنَّما أُرْسِلُوا مُتَفَرِّقِينَ في أزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَوْجِيهُ هَذا الخِطابِ إلَيْهِمْ؟ فَلِهَذا الإشْكالِ اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِهِ عَلى وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ المَعْنى: الإعْلامُ بِأنَّ كُلَّ رَسُولٍ فَهو في زَمانِهِ نُودِيَ بِهَذا المَعْنى ووُصِّيَ بِهِ؛ لِيَعْتَقِدَ السّامِعُ أنَّ أمْرًا نُودِيَ لَهُ جَمِيعُ الرُّسُلِ ووُصُّوا بِهِ حَقِيقٌ بِأنْ يُؤْخَذَ بِهِ ويُعْمَلَ عَلَيْهِ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ نَبِيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضاءِ أخْبارِ الرُّسُلِ، وإنَّما ذُكِرَ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ كَما يُقالُ لِلْواحِدِ: أيُّها القَوْمُ كُفُّوا عَنِّي أذاكُمْ، ومِثْلُهُ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٣] وهو نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا خاطَبَ مُحَمَّدًا ﷺ بِذَلِكَ بَيَّنَ أنَّ الرُّسُلَ بِأسْرِهِمْ لَوْ كانُوا حاضِرِينَ مُجْتَمِعِينَ لَما خُوطِبُوا إلّا بِذَلِكَ، لِيَعْلَمَ رَسُولُنا أنَّ هَذا التَّثْقِيلَ لَيْسَ عَلَيْهِ فَقَطْ، بَلْ لازِمٌ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وثالِثُها: وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ أنَّ المُرادَ بِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَما ذَكَرَ مَكانَهُ الجامِعَ لِلطَّعامِ والشَّرابِ، ولِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَأْكُلُ مِن غَزْلِ أُمِّهِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ أوْفَقُ لِلَفْظِ الآيَةِ، ولِأنَّهُ «رُوِيَ عَنْ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ أُخْتِ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ» أنَّها بَعَثَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَدَحٍ مِن لَبَنٍ في شِدَّةِ الحَرِّ عِنْدَ فِطْرِهِ وهو صائِمٌ، فَرَدَّهُ الرَّسُولُ إلَيْها وقالَ: مِن أيْنَ لَكِ هَذا؟ فَقالَتْ: مِن شاةٍ لِي. ثُمَّ رَدَّهُ وقالَ: مِن أيْنَ هَذِهِ الشّاةُ؟ فَقالَتْ: اشْتَرَيْتُها بِمالِي، فَأخَذَهُ. ثُمَّ إنَّها جاءَتْهُ وقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ رَدَدْتَهُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”بِذَلِكَ أُمِرَتِ الرُّسُلُ أنْ لا يَأْكُلُوا إلّا طَيِّبا ولا يَعْمَلُوا إلّا صالِحًا.“
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ الحَلالُ، وقِيلَ: طَيِّباتُ الرِّزْقِ حَلالٌ وصافٍ وقِوامٍ، فالحَلالُ الَّذِي لا يُعْصى اللَّهُ فِيهِ، والصّافِي الَّذِي لا يُنْسى اللَّهُ فِيهِ، والقِوامَ ما يُمْسِكُ النَّفْسَ ويَحْفَظُ العَقْلَ.
والثّانِي: أنَّهُ المُسْتَطابُ المُسْتَلَذُّ مِنَ المَأْكَلِ والفَواكِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ وإنْ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ بِالنُّبُوَّةِ وبِما ألْزَمَهُمُ القِيامَ بِحَقِّها، فَقَدْ أباحَ لَهم أكْلَ الطَّيِّباتِ كَما أباحَ لِغَيْرِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَما قالَ لِلْمُرْسَلِينَ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ فَقالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٢]، واعْلَمْ أنَّ تَقْدِيمَ قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِأكْلِ الحَلالِ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فَهو تَحْذِيرٌ مِن مُخالَفَةِ ما أمَرَهم بِهِ، وإذا كانَ ذَلِكَ تَحْذِيرًا لِلرُّسُلِ مَعَ عُلُوِّ شَأْنِهِمْ فَبِأنْ يَكُونَ تَحْذِيرًا لِغَيْرِهِمْ أوْلى.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ فَقَدْ فَسَّرْناهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: المَعْنى أنَّهُ كَما يَجِبُ اتِّفاقُهم عَلى أكْلِ الحَلالِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ فَكَذَلِكَ هم مُتَّفِقُونَ عَلى التَّوْحِيدِ وعَلى الِاتِّقاءِ مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى. فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَتْ شَرائِعُهم مُخْتَلِفَةً فَكَيْفَ يَكُونُ دِينُهم واحِدًا؟ قُلْنا: المُرادُ مِنَ الدِّينِ ما لا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِن مَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، وأمّا الشَّرائِعُ فَإنَّ الِاخْتِلافَ فِيها لا يُسَمّى اخْتِلافًا في الدِّينِ، فَكَما يُقالُ في الحائِضِ والطّاهِرِ مِنَ النِّساءِ: إنَّ دِينَهُنَّ واحِدٌ، وإنِ افْتَرَقَ تَكْلِيفُهُما، فَكَذا هاهُنا، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ فَكَأنَّهُ نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ دِينَ الجَمِيعِ
صفحة ٩٢
واحِدٌ فِيما يَتَّصِلُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، واتِّقاءِ مَعاصِيهِ، فَلا مَدْخَلَ لِلشَّرائِعِ وإنِ اخْتَلَفَتْ في ذَلِكَ.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ (وإنَّ) بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وإنَّ بِمَعْنى ولِأنَّ، وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، و(أُمَّتُكُمْ) مَرْفُوعَةٌ مَعَها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا﴾ فالمَعْنى فَإنَّ أُمَمَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾ مَعْنى المُبالَغَةِ في شِدَّةِ اخْتِلافِهِمْ، والمُرادُ بِـ (أمْرِهِمْ) ما يَتَّصِلُ بِالدِّينِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿زُبُرًا﴾ فَقُرِئَ ”زُبُرًا“ جَمْعُ زَبُورٍ؛ أيْ: كُتُبًا مُخْتَلِفَةً، يَعْنِي جَعَلُوا دِينَهم أدْيانًا، و(زُبَرًا) قِطَعًا، اسْتُعِيرَتْ مِن زُبَرِ الفِضَّةِ والحَدِيدِ، وزُبْرًا، مُخَفَّفَةُ الباءِ كَـ (رُسْلٍ) في رُسُلٍ، قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ والضَّحّاكُ: يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ والمَجُوسَ واليَهُودَ والنَّصارى.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ فَمَعْناهُ أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهم مُغْتَبِطٌ بِما اتَّخَذَهُ دِينًا لِنَفْسِهِ مُعْجَبٌ بِهِ، يَرى أنَّهُ المُحِقُّ الرّابِحُ، وأنَّ غَيْرَهُ المُبْطِلُ الخاسِرُ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى تَفَرُّقَ هَؤُلاءِ في دِينِهِمْ أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ، وقالَ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ الخِطابُ لِنَبِيِّنا ﷺ، يَقُولُ: فَدَعْ هَؤُلاءِ الكُفّارَ في جَهْلِهِمْ. والغَمْرَةُ: الماءُ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ، فَكَأنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الجَهْلِ والحَيْرَةِ صارَ غامِرًا ساتِرًا لِعُقُولِهِمْ، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”فِي غَمَراتِهِمْ حَتّى حِينٍ“ وذَكَرُوا في الحِينِ وُجُوهًا.
أحَدُها: إلى حِينِ المَوْتِ.
وثانِيها: إلى حِينِ المُعايَنَةِ.
وثالِثُها: إلى حِينِ العَذابِ، والعادَةُ في ذَلِكَ أنْ يُذْكَرَ في الكَلامِ، والمُرادُ بِهِ الحالَةُ الَّتِي تَقْتَرِنُ بِها الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ، وذَلِكَ يَحْصُلُ إذا عَرَّفَهُمُ اللَّهُ بُطْلانَ ما كانُوا عَلَيْهِ، وعَرَّفَهم سُوءَ مُنْقَلَبِهِمْ، ويَحْصُلُ أيْضًا عِنْدَ المُحاسَبَةِ في الآخِرَةِ، ويَحْصُلُ عِنْدَ عَذابِ القَبْرِ والمُساءَلَةِ، فَيَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى كُلِّ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ القَوْمُ في نِعَمٍ عَظِيمَةٍ في الدُّنْيا جازَ أنْ يَظُنُّوا أنَّ تِلْكَ النِّعَمَ كالثَّوابِ المُعَجَّلِ لَهم عَلى أدْيانِهِمْ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الأمْرَ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ قُرِئَ ”يَمُدُّهم ويُسارِعُ“ بِالياءِ، والفاعِلُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وفي المَعْنى وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّ هَذا الإمْدادَ لَيْسَ إلّا اسْتِدْراجًا لَهم في المَعاصِي، واسْتِجْرارًا لَهم في زِيادَةِ الإثْمِ، وهم يَحْسَبُونَهُ مُسارَعَةً في الخَيْراتِ، و(بَلْ) لِلِاسْتِدْراكِ لِقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ﴾ يَعْنِي بَلْ هم أشْباهُ البَهائِمِ لا فِطْنَةَ لَهم ولا شُعُورَ حَتّى يَتَفَكَّرُوا في ذَلِكَ، أهْوَ اسْتِدْراجٌ أمْ مُسارَعَةٌ في الخَيْرِ، وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٨٥] رُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ ”أيَفْرَحُ عَبْدِي أنْ أبْسُطَ لَهُ الدُّنْيا وهو أبْعَدُ لَهُ مِنِّي، ويَجْزَعُ أنْ أقْبِضَ عَنْهُ الدُّنْيا وهو أقْرَبُ لَهُ مِنِّي؟“ ثُمَّ تَلا: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ وعَنِ الحَسَنِ: لَمّا أُتِي عُمَرُ بِسَوارِ كِسْرى، فَأخَذَهُ ووَضَعَهُ في يَدِ سُراقَةَ فَبَلَغَ مَنكِبَهُ. فَقالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ إنِّي قَدْ عَلِمْتُ أنَّ نَبِيَّكَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ يُحِبُّ أنْ يُصِيبَ مالًا لِيُنْفِقَهُ في سَبِيلِكَ، فَزَوَيْتَ ذَلِكَ عَنْهُ نَظَرًا. ثُمَّ إنَّ أبا بَكْرٍ كانَ يُحِبُّ ذَلِكَ، اللَّهُمَّ لا يَكُنْ ذَلِكَ مَكْرًا مِنكَ بِعُمَرَ. ثُمَّ تَلا: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ .
الوجه الثّانِي: وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما أعْطاهم هَذِهِ النِّعَمَ لِيَكُونُوا فارِغِي البالِ، مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِكُلَفِ الحَقِّ، فَإذا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ والحالَةُ هَذِهِ، كانَ لُزُومُ الحجة عَلَيْهِمْ أقْوى، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ .
23:57–61Page 345
إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ خَشۡيَةِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ ٥٧
Indeed, they who are apprehensive from fear of their Lord
وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ ٥٨
And they who believe in the signs of their Lord
وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمۡ لَا يُشۡرِكُونَ ٥٩
And they who do not associate anything with their Lord
وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ ٦٠
And they who give what they give while their hearts are fearful1 because they will be returning to their Lord -
أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ ٦١
It is those who hasten to good deeds, and they outstrip [others] therein.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَمَّ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ بَيَّنَ بَعْدَهُ صِفاتِ مَن يُسارِعُ في الخَيْراتِ ويَشْعُرُ بِذَلِكَ، وهي أرْبَعَةٌ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ والإشْفاقُ يَتَضَمَّنُ الخَشْيَةَ مَعَ زِيادَةِ رِقَّةٍ وضَعْفٍ، فَمِنهم مَن قالَ: جَمَعَ بَيْنَهُما لِلتَّأْكِيدِ، ومِنهم مَن حَمَلَ الخَشْيَةَ عَلى العَذابِ، والمَعْنى الَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، ومِنهم مَن حَمَلَ الإشْفاقَ عَلى أثَرِهِ، وهو الدَّوامُ في الطّاعَةِ، والمَعْنى الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ دائِمُونَ في طاعَتِهِ، جادُّونَ في طَلَبِ مَرْضاتِهِ. والتَّحْقِيقُ أنَّ مَن بَلَغَ في الخَشْيَةِ إلى حَدِّ الإشْفاقِ وهو كَمالُ الخَشْيَةِ، كانَ في نِهايَةِ الخَوْفِ مِن سُخْطِ اللَّهِ عاجِلًا، ومِن عِقابِهِ آجِلًا، فَكانَ في نِهايَةِ الِاحْتِرازِ عَنِ المَعاصِي.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ آياتِ اللَّهِ تَعالى هي المَخْلُوقاتُ الدّالَّةُ عَلى وُجُودِهِ، والإيمانُ بِها هو التَّصْدِيقُ بِها، والتَّصْدِيقُ بِها إنْ كانَ بِوُجُودِها فَذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وصاحِبُ هَذا التَّصْدِيقِ لا يَسْتَحِقُّ المَدْحَ، وإنْ كانَ بِكَوْنِها آياتٍ ودَلائِلَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، فَذَلِكَ مِمّا لا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلّا بِالنَّظَرِ والفِكْرِ، وصاحِبُهُ لا بُدَّ وأنْ يَصِيرَ عارِفًا بِوُجُودِ الصّانِعِ وصِفاتِهِ، وإذا حَصَلَتِ المَعْرِفَةُ بِالقَلْبِ حَصَلَ الإقْرارُ بِاللِّسانِ ظاهِرًا وذَلِكَ هو الإيمانُ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ الإيمانَ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيَ الشَّرِيكِ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ ذَلِكَ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ بَلِ المُرادُ مِنهُ نَفْيُ الشِّرْكِ الخَفِيِّ، وهو أنْ يَكُونَ مُخْلِصًا في العِبادَةِ لا يَقْدُمُ عَلَيْها إلّا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى وطَلَبِ رِضْوانِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ مَعْناهُ يُعْطُونَ ما أعْطَوْا، فَدَخَلَ فِيهِ كُلُّ حَقٍّ يَلْزَمُ إيتاؤُهُ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ مِن حَقِّ اللَّهِ تَعالى: كالزَّكاةِ والكَفّارَةِ وغَيْرِهِما، أوْ مِن حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ: كالوَدائِعِ والدُّيُونِ وأصْنافِ الإنْصافِ والعَدْلِ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَنْفَعُ إذا فَعَلُوهُ وقُلُوبُهم وجِلَةٌ؛ لِأنَّ مَن يَقْدُمُ عَلى العِبادَةِ وهو وجِلٌ مِن تَقْصِيرِهِ وإخْلالِهِ بِنُقْصانٍ أوْ غَيْرِهِ، فَإنَّهُ يَكُونُ لِأجْلِ ذَلِكَ الوَجِلِ مُجْتَهِدًا في أنْ يُوَفِّيَها حَقَّها في الأداءِ. «وسَألَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ أهُوَ الَّذِي يَزْنِي ويَشْرَبُ الخَمْرَ ويَسْرِقُ وهو عَلى ذَلِكَ يَخافُ اللَّهَ تَعالى ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا يا ابْنَةَ
صفحة ٩٤
الصِّدِّيقِ، ولَكِنْ هو الرَّجُلُ يُصَلِّي ويَصُومُ ويَتَصَدَّقُ، وهو عَلى ذَلِكَ يَخافُ اللَّهَ تَعالى“».
واعْلَمْ أنَّ تَرْتِيبَ هَذِهِ الصِّفاتِ في نِهايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّ الصِّفَةَ الأُولى دَلَّتْ عَلى حُصُولِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ المُوجِبِ لِلِاحْتِرازِ عَمّا لا يَنْبَغِي.
والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ عَلى تَرْكِ الرِّياءِ في الطّاعاتِ.
والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ عَلى أنَّ المُسْتَجْمِعَ لِتِلْكَ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ يَأْتِي بِالطّاعاتِ مَعَ الوَجَلِ والخَوْفِ مِنَ التَّقْصِيرِ، وذَلِكَ هو نِهايَةُ مَقاماتِ الصَّدِّيقِينَ، رَزَقَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ الوُصُولَ إلَيْها.
فَإنْ قِيلَ: أفَتَقُولُونَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ يَرْجِعُ إلى ”يُؤْتُونَ“، أوْ يَرْجِعُ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الخِصالِ؟ قُلْنا: بَلِ الأوْلى أنْ يَرْجِعَ إلى الكُلِّ؛ لِأنَّ العَطِيَّةَ لَيْسَتْ بِذَلِكَ أوْلى مِن سائِرِ الأعْمالِ، إذِ المُرادُ أنْ يُؤَدِّيَ ذَلِكَ عَلى وجَلٍ مِن تَقْصِيرِهِ، فَيَكُونُ مُبالِغًا في تَوْفِيَتِهِ حَقَّهُ، فَأمّا إذا قُرِئَ (والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما أتَوْا) فالقَوْلُ فِيهِ أظْهَرُ؛ إذِ المُرادُ بِذَلِكَ: أيُّ شَيْءٍ أتَوْهُ وفَعَلُوهُ مِن تَحَرُّزٍ عَنْ مَعْصِيَةٍ وإقْدامٍ عَلى إيمانٍ وعَمَلٍ، فَإنَّهم يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ مَعَ الوَجَلِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ عِلَّةَ ذَلِكَ الوَجَلِ، وهي عِلْمُهم بِأنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ، أيْ: لِلْمُجازاةِ والمُساءَلَةِ ونَشْرِ الصُّحُفِ وتَتَبُّعِ الأعْمالِ، وأنَّ هُناكَ لا تَنْفَعُ النَّدامَةُ، فَلَيْسَ إلّا الحُكْمُ القاطِعُ مِن جِهَةِ مالِكِ المُلْكِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفاتِ لِلْمُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ يَرْغَبُونَ في الطّاعاتِ أشَدَّ الرَّغْبَةِ فَيُبادِرُونَها لِئَلّا تَفُوتَ عَنْ وقْتِها، ولِكَيْلا تَفُوتَهم دُونَ الِاخْتِرامِ.
والثّانِي: أنَّهم يَتَعَجَّلُونَ في الدُّنْيا أنْواعَ النَّفْعِ ووُجُوهَ الإكْرامِ، كَما قالَ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٨]. ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٢٧] لِأنَّهم إذا سُورِعَ لَهم بِها فَقَدْ سارَعُوا في نَيْلِها وتَعَجَّلُوها، وهَذا الوجه أحْسَنُ طِباقًا لِلْآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ لِأنَّ فِيهِ إثْباتَ ما نُفِيَ عَنِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقُرِئَ ”يُسْرِعُونَ في الخَيْراتِ“.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾ فالمَعْنى فاعِلُونَ السَّبْقَ لِأجْلِها، أوْ سابِقُونَ النّاسَ لِأجْلِها، أوْ وهم لَها سابِقُونَ؛ أيْ: يَنالُونَها قَبْلَ الآخِرَةِ حَيْثُ عُجِّلَتْ لَهم في الدُّنْيا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. والمَعْنى: وهم لَها، كَما يُقالُ: أنْتَ لَها وهي لَكَ، ثُمَّ قالَ: (سابِقُونَ) أيْ: وهم سابِقُونَ.
23:62–65Page 346
وَلَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ وَلَدَيۡنَا كِتَٰبٞ يَنطِقُ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٢
And We charge no soul except [with that within] its capacity, and with Us is a record which speaks with truth; and they will not be wronged.
بَلۡ قُلُوبُهُمۡ فِي غَمۡرَةٖ مِّنۡ هَٰذَا وَلَهُمۡ أَعۡمَٰلٞ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمۡ لَهَا عَٰمِلُونَ ٦٣
But their hearts are covered with confusion over this, and they have [evil] deeds besides that [i.e., disbelief] which they are doing,
حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذۡنَا مُتۡرَفِيهِم بِٱلۡعَذَابِ إِذَا هُمۡ يَجۡـَٔرُونَ ٦٤
Until when We seize their affluent ones with punishment,1 at once they are crying [to Allāh] for help.
لَا تَجۡـَٔرُواْ ٱلۡيَوۡمَۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ ٦٥
Do not cry out today. Indeed, by Us you will not be helped.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ أعْمالِ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ ذَكَرَ حُكْمَيْنِ مِن أحْكامِ أعْمالِ العِبادِ
صفحة ٩٥
فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ وفي الوُسْعِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهُ الطّاقَةُ، عَنِ المُفَضَّلِ. والثّانِي: أنَّهُ دُونَ الطّاقَةِ، وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ ومُقاتِلٍ والضَّحّاكِ والكَلْبِيِّ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ الوُسْعَ إنَّما سُمِّيَ وُسْعًا؛ لِأنَّهُ يَتَّسِعُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ ولا يَصْعُبُ ولا يَضِيقُ، فَبَيَّنَ أنَّ أُولَئِكَ المُخْلِصِينَ لَمْ يُكَلَّفُوا أكْثَرَ مِمّا عَمِلُوا. قالَ مُقاتِلٌ: مَن لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُصَلِّيَ قائِمًا فَلْيُصَلِّ جالِسًا، ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ جالِسًا فَلْيُومِ إيماءً؛ لِأنّا لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها، واسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهِ في نَفْيِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ. الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢٩] وقَوْلُهُ: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ [الكَهْفِ: ٤٩].
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ الكِتابَ بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ البَيانُ، فَإنَّ الكِتابَ لا يَنْطِقُ لَكِنَّهُ يُعْرِبُ بِما فِيهِ كَما يُعْرِبُ ويَنْطِقُ النّاطِقُ إذا كانَ مُحِقًّا، فَإنْ قِيلَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الكِتابُ إمّا أنْ يَكُونُوا مُحِيلِينَ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى أوْ مُجَوِّزِينَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَإنْ أحالُوهُ عَلَيْهِ فَإنَّهم يُصَدِّقُونَهُ في كُلِّ ما يَقُولُ، سَواءٌ وُجِدَ الكِتابُ أوْ لَمْ يُوجَدْ، وإنْ جَوَّزُوهُ عَلَيْهِ لَمْ يَثِقُوا بِذَلِكَ الكِتابِ؛ لِتَجْوِيزِهِمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَتَبَ فِيهِ خِلافَ ما حَصَلَ، فَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا فائِدَةَ في ذَلِكَ الكِتابِ. قُلْنا: يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ، وعَلى أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْمُكَلَّفِينَ مِنَ المَلائِكَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ فَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ [الكَهْفِ: ٤٩] فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الظُّلْمُ إمّا أنْ يَكُونَ بِالزِّيادَةِ في العِقابِ أوْ بِالنُّقْصانِ مِنَ الثَّوابِ، أوْ بِأنْ يُعَذَّبَ عَلى ما لَمْ يَعْلَمْ، أوْ بِأنْ يُكَلِّفَهم ما لا يُطِيقُونَ، فَتَكُونُ الآيَةُ دالَّةً عَلى كَوْنِ العَبْدِ مُوجِدًا لِفِعْلِهِ، وإلّا لَكانَ تَعْذِيبُهُ عَلَيْهِ ظُلْمًا ودالَّةً عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُكَلِّفُ ما لا يُطاقُ. والجَوابُ: أنَّهُ لَمّا كَلَّفَ أبا لَهَبٍ أنْ يُؤْمِنَ، والإيمانُ يَقْتَضِي تَصْدِيقَ اللَّهِ تَعالى في كُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ، ومِمّا أخْبَرَ عَنْهُ أنَّ أبا لَهَبٍ لا يُؤْمِنُ، فَقَدْ كَلَّفَهُ بِأنْ يُؤْمِنَ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ، فَيَلْزَمُكم كُلُّ ما ذَكَرْتُمُوهُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى الكُفّارِ وهُمُ الَّذِينَ يَلِيقُ بِهِمْ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ ولا يَلِيقُ ذَلِكَ بِالمُؤْمِنِينَ؛ إذِ المُرادُ: في غَمْرَةٍ مِن هَذا الَّذِي بَيَّناهُ في القُرْآنِ، أوْ مِن هَذا الكِتابِ الَّذِي يَنْطِقُ بِالحَقِّ، أوْ مِن هَذا الَّذِي هو وصْفُ المُشْفِقِينَ ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ؛ أيْ: أعْمالٌ سِوى ذَلِكَ؛ أيْ: سِوى جَهْلِهِمْ وكُفْرِهِمْ. ثم قال بَعْضُهُمْ: أرادَ أعْمالَهم في الحالِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ أرادَ المُسْتَقْبَلَ، وهَذا أقْرَبُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ إلى الِاسْتِقْبالِ أقْرَبُ، وإنَّما قالَ: ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ لِأنَّها مُثْبَتَةٌ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وفي حُكْمِ اللَّهِ وفي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَوَجَبَ أنْ يَعْمَلُوها لِيَدْخُلُوا بِها النّارَ لِما سَبَقَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِنَ الشَّقاوَةِ. القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ هَذِهِ الآياتِ مِن صِفاتِ المُشْفِقِينَ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ بَعْدَ وصْفِهِمْ: ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ ونِهايَتُهُ ما أتى بِهِ هَؤُلاءِ المُشْفِقُونَ ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ﴾ يَحْفَظُ أعْمالَهم ﴿يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بَلْ نُوَفِّرُ عَلَيْهِمْ ثَوابَ كُلِّ أعْمالِهِمْ ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ هو أيْضًا وصْفٌ لَهم بِالحَيْرَةِ؛ كَأنَّهُ قالَ: وهم مَعَ ذَلِكَ الوَجَلِ والخَوْفِ كالمُتَحَيِّرِينَ في جَعْلِ أعْمالِهِمْ مَقْبُولَةً أوْ مَرْدُودَةً، ﴿ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ أيْ: لَهم أيْضًا مِنَ النَّوافِلِ ووُجُوهِ البِرِّ سِوى ما هم عَلَيْهِ؛ إمّا أعْمالًا قَدْ عَمِلُوها في الماضِي أوْ سَيَعْمَلُونَها في المُسْتَقْبَلِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ رَجَعَ بِقَوْلِهِ:
صفحة ٩٦
﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ إلى وصْفِ الكُفّارِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَ أبِي مُسْلِمٍ أوْلى؛ لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ رَدُّ الكَلامِ إلى ما يَتَّصِلُ بِهِ مِن ذِكْرِ المُشْفِقِينَ كانَ أوْلى مِن رَدِّهِ إلى ما بَعُدَ مِنهُ، خُصُوصًا وقَدْ يُرَغَّبُ المَرْءُ في فِعْلِ الخَيْرِ بِأنْ يُذَكَّرَ أنَّ أعْمالَهُ مَحْفُوظَةٌ، كَما قَدْ يُحَذَّرُ بِذَلِكَ مِنَ الشَّرِّ، وقَدْ يُوصَفُ المَرْءُ لِشِدَّةِ فِكْرِهِ في أمْرِ آخِرَتِهِ بِأنَّ قَلْبَهُ في غَمْرَةٍ، ويُرادُ أنَّهُ قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الفِكْرُ في قَبُولِ عَمَلِهِ أوْ رَدِّهِ، وفي أنَّهُ هَلْ أدّاهُ كَما يَجِبُ أوْ قَصَّرَ. فَإنْ قِيلَ: فَما المُرادُ بِقَوْلِهِ: (مِن هَذا) وهو إشارَةٌ إلى ماذا؟ قُلْنا: هو إشارَةٌ إلى إشْفاقِهِمْ ووَجَلِهِمْ مَعَ أنَّهُما مُسْتَوْلِيانِ عَلى قُلُوبِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (حَتّى) هَذِهِ هي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ، والكَلامُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا شُبْهَةَ [فِي] أنَّ الضَّمِيرَ في ”مُتْرَفِيهِمْ“ راجِعٌ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّ العَذابَ لا يَلِيقُ إلّا بِهِمْ، وفي هَذا العَذابِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أرادَ بِالعَذابِ ما نَزَلَ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ عَذابُ الآخِرَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ المُنَعَّمِينَ مِنهم إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ يَجْأرُونَ؛ أيْ: يَرْتَفِعُ صَوْتُهم بِالِاسْتِغاثَةِ والضَّجِيجِ لِشِدَّةِ ما هم عَلَيْهِ، ويُقالُ لَهم عَلى وجْهِ التَّبْكِيتِ: ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ فَلا يُدْفَعُ عَنْكم ما يُرِيدُ إنْزالَهُ بِكُمْ، دَلَّ بِذَلِكَ سُبْحانَهُ عَلى أنَّهم سَيَنْتَهُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنَ الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ، وهو كالباعِثِ لَهم في الدُّنْيا عَلى تَرْكِ الكُفْرِ والإقْدامِ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ، فَإنَّهُمُ الآنَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences