Ar-RaziAn‑Nur · 24:2–3

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:2–3, continued

وثانِيها: أنَّهُ لَوْ جازَ لِلْمَوْلى أنْ يَسْمَعَ شَهادَةَ الشُّهُودِ عَلى عَبْدِهِ بِالسَّرِقَةِ فَيَقْطَعَهُ، فَلَوْ رَجَعُوا عَنْ شَهادَتِهِمْ لَوَجَبَ أنْ يَتَمَكَّنَ مِن تَضْمِينِ الشُّهُودِ؛ لِأنَّ تَضْمِينَ الشُّهُودِ يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ الحاكِمِ بِالشَّهادَةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ يَحْكُمُ بِشَهادَتِهِمْ لَمْ يَضْمَنُوا شَيْئًا، فَكانَ يَصِيرُ حاكِما لِنَفْسِهِ بِإيجابِ الضَّمانِ عَلَيْهِمْ؛ وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ أنْ يَحْكُمَ لِنَفْسِهِ. فَعَلِمْنا أنَّ المَوْلى لا يَمْلِكُ اسْتِماعَ البَيِّنَةِ عَلى عَبْدِهِ بِذَلِكَ ولا قَطْعَهُ.

وثالِثُها: أنَّ المالِكَ رُبَّما لا يَسْتَوْفِي الحَدَّ بِكَمالِهِ لِشَفَقَتِهِ عَلى مِلْكِهِ، وإذا كانَ مُتَّهَمًا وجَبَ أنْ لا يُفَوَّضَ إلَيْهِ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاجْلِدُوا﴾ لَيْسَ بِصَرِيحِهِ خِطابًا مَعَ الإمامِ، لَكِنْ بِواسِطَةِ أنَّهُ لَمّا انْعَقَدَ الإجْماعُ عَلى أنَّ غَيْرَ الإمامِ لا يَتَوَلّاهُ حَمَلْنا ذَلِكَ الخِطابَ عَلى الإمامِ، وهاهُنا لَمْ يَنْعَقِدَ الإجْماعُ

صفحة ١٢٧

عَلى أنَّ الإمامَ لا يَتَوَلّاهُ لِأنَّهُ عَيْنُ النِّزاعِ. والجَوابُ عَنِ الثّانِي: قالَ مُحْيِي السُّنَّةِ في كِتابِ ”التَّهْذِيبِ“: هَلْ يَجُوزُ لِلْمَوْلى قَطْعُ يَدِ عَبْدِهِ بِسَبَبِ السَّرِقَةِ أوْ قَطْعِ الطَّرِيقِ؟ فِيهِ وجْهانِ.

أصَحُّهُما أنَّهُ يَجُوزُ، نَصَّ عَلَيْهِ في رِوايَةِ البُوَيْطِيِّ لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قَطَعَ عَبْدًا لَهُ سَرَقَ. وكَما يَجْلِدُهُ في الزِّنا وشُرْبِ الخَمْرِ.

والثّانِي: لا، بَلِ القَطْعُ إلى الإمامِ بِخِلافِ الجَلْدِ؛ لِأنَّ المَوْلى يَمْلِكُ جِنْسَ الجَلْدِ وهو التَّعْزِيرُ ولا يَمْلِكُ جِنْسَ القَطْعِ، ثُمَّ قالَ: وكُلُّ حَدٍّ يُقِيمُهُ المَوْلى عَلى عَبْدِهِ إنَّما يُقِيمُهُ إذا ثَبَتَ بِاعْتِرافِ العَبْدِ، فَإنْ كانَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَهَلْ يَسْمَعُ المَوْلى الشَّهادَةَ؟ فِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: يَسْمَعُ لِأنَّهُ مَلَكَ الإقامَةَ بِالِاعْتِرافِ فَيَمْلِكُ بِالبَيِّنَةِ كالإمامِ.

والثّانِي: لا يَسْمَعُ بَلْ ذاكَ إلى الحُكّامِ. والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ أنَّهُ مَنقُوضٌ بِالتَّعْزِيرِ.

* * *

المسألة الثّانِيَةُ: إذا فُقِدَ الإمامُ فَلَيْسَ لِآحادِ النّاسِ إقامَةُ هَذِهِ الحُدُودِ، بَلِ الأوْلى أنْ يُعَيِّنُوا واحِدًا مِنَ الصّالِحِينَ لِيَقُومَ بِهِ.

المسألة الثّالِثَةُ: الخارِجِيُّ المُتَغَلِّبُ هَلْ لَهُ إقامَةُ الحُدُودِ؟ قالَ بَعْضُهُمْ: لَهُ ذَلِكَ. وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ إقامَةَ الحَدِّ مِن جِهَةِ مَن يَلْزَمُنا أنْ نُزِيلَ وِلايَتَهُ أبْعَدُ مِن أنْ نُفَوِّضَ ذَلِكَ إلى رَجُلٍ مِنَ الصّالِحِينَ.

* * *

البَحْثُ السّادِسُ: في كَيْفِيَّةِ إقامَةِ الحَدِّ، أمّا الجَلْدُ، فاعْلَمْ أنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ هو الجَلْدُ، وهَذا مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الجَلْدِ الشَّدِيدِ والجَلْدِ الخَفِيفِ، والجَلْدِ عَلى كُلِّ الأعْضاءِ أوْ عَلى بَعْضِ الأعْضاءِ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ في الآيَةِ إشْعارٌ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ القُيُودِ، بَلْ مُقْتَضى الآيَةِ أنْ يَكُونَ الآتِي بِالجَلْدِ كَيْفَ كانَ خارِجًا عَنِ العُهْدَةِ؛ لِأنَّهُ أتى بِما أُمِرَ بِهِ فَوَجَبَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ العُهْدَةِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وفي لَفْظِ الجَلْدِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَجاوَزَ الألَمُ إلى اللَّحْمِ، ولِأنَّ الجَلْدَ ضَرْبُ الجِلْدِ، يُقالُ: جَلَدَهُ، كَقَوْلِكَ: ظَهَرَهُ، بِفَتْحِ الهاءِ، وبَطَنَهُ ورَأسَهُ، إلّا أنّا لَمّا عَرَفْنا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ الزَّجْرُ، والزَّجْرُ لا يَحْصُلُ إلّا بِالجَلْدِ الخَفِيفِ، لا جَرَمَ تَكَلَّمَ العُلَماءُ في صِفَةِ الجَلْدِ عَلى سَبِيلِ القِياسِ. ثُمَّ هاهُنا مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: المُحْصَنُ يُجْلَدُ مَعَ ثِيابِهِ ولا يُجَرَّدُ، ولَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَصِلُ الألَمُ إلَيْهِ، ويُنْزَعُ مِن ثِيابِهِ الحَشْوُ والفَرْوُ. رَوى أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ أنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ في حَدٍّ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَنْزِعُ قَمِيصَهُ، وقالَ: ما يَنْبَغِي لِجَسَدِ هَذا المُذْنِبِ أنْ يُضْرَبَ وعَلَيْهِ قَمِيصٌ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لا تَدَعُوهُ يَنْزِعُ قَمِيصَهُ، فَضَرَبَهُ عَلَيْهِ. أمّا المَرْأةُ فَلا خِلافَ في أنَّهُ لا يَجُوزُ تَجْرِيدُها، بَلْ يُرْبَطُ عَلَيْها ثِيابُها حَتّى لا تَنْكَشِفَ، ويَلِي ذَلِكَ مِنها امْرَأةٌ.

المسألة الثّانِيَةُ: لا يُمَدُّ ولا يُرْبَطُ بَلْ يُتْرَكُ حَتّى يَتَّقِيَ بِيَدَيْهِ، ويُضْرَبُ الرَّجُلُ قائِمًا والمَرْأةُ جالِسَةً. قالَ أبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ: ضَرَبَ ابْنُ أبِي لَيْلى المَرْأةَ القاذِفَةَ قائِمَةً فَخَطَّأهُ أبُو حَنِيفَةَ.

المسألة الثّالِثَةُ: يُضْرَبُ بِسَوْطٍ وسَطٍ لا جَدِيدٍ يَجْرَحُ ولا خَلِقٍ لَمْ يُؤْلِمْ، ويُضْرَبُ ضَرْبًا بَيْنَ ضَرْبَيْنِ، لا شَدِيدٍ ولا واهٍ. رَوى أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ قالَ: أُتِيَ عُمَرُ بِرَجُلٍ في حَدٍّ ثُمَّ جِيءَ بِسَوْطٍ فِيهِ شِدَّةٌ، فَقالَ: أُرِيدُ ألْيَنَ مِن هَذا، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ فِيهِ لِينٌ، فَقالَ: أُرِيدُ أشَدَّ مِن هَذا، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ بَيْنَ السَّوْطَيْنِ فَرَضِيَ بِهِ.

المسألة الرّابِعَةُ: تُفَرَّقُ السِّياطُ عَلى أعْضائِهِ ولا يُجَمِّعُها في مَوْضِعٍ واحِدٍ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ يَتَّقِي المَهالِكَ كالوجه والبَطْنِ والفَرْجِ، ويَضْرِبُ عَلى الرَّأْسِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا

صفحة ١٢٨

يَضْرِبُ عَلى الرَّأْسِ، وهو قَوْلٌ عَلى حُجَّةِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: أضْرِبُ عَلى الرَّأْسِ فَإنَّ الشَّيْطانَ فِيهِ. وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ ضَرَبَ صَبِيغَ بْنَ عُسَيْلٍ عَلى رَأْسِهِ حِينَ سَألَ عَنِ الذّارِياتِ، عَلى وجْهِ التَّعَنُّتِ، حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لا يُضْرَبُ عَلى الوجه فَكَذا الرَّأْسُ، والجامِعُ الحُكْمُ والمَعْنى. أمّا الحُكْمُ فَلِأنَّ الشَّيْنَ الَّذِي يَلْحَقُ الرَّأْسَ بِتَأْثِيرِ الضَّرْبِ كالَّذِي يَلْحَقُ الوَجْهَ، بِدَلِيلِ أنَّ المُوضِحَةَ وسائِرَ الشِّجاجِ حُكْمُها في الرَّأْسِ والوجه واحِدٌ، وفارَقا سائِرَ البَدَنِ؛ لِأنَّ المُوضِحَةَ فِيما سِوى الرَّأْسِ والوجه إنَّما يَجِبُ فِيها حُكُومَةٌ ولا يَجِبُ فِيها أرْشُ المُوضِحَةِ الواقِعَةِ في الرَّأْسِ والوَجْهِ، فَوَجَبَ اسْتِواءُ الرَّأْسِ والوجه في وُجُوبِ صَوْنِهِما عَنِ الضَّرْبِ.

وأمّا المَعْنى فَهو إنَّما مُنِعَ مِن ضَرْبِ الوجه لِما كانَ فِيهِ مِنَ الجِنايَةِ عَلى البَصَرِ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في الرَّأْسِ؛ لِأنَّ ضَرْبَ الرَّأْسِ يُظْلِمُ مِنهُ البَصَرُ، ورُبَّما حَدَثَ مِنهُ الماءُ في العَيْنِ، ورُبَّما حَدَثَ مِنهُ اخْتِلاطُ العَقْلِ. أجابَ أصْحابُنا عَنْهُ بِأنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الوجه والرَّأْسِ ثابِتٌ؛ لِأنَّ الضَّرْبَةَ إذا وقَعَتْ عَلى الوَجْهِ، فَعَظْمُ الجَبْهَةِ رَقِيقٌ فَرُبَّما انْكَسَرَ بِخِلافِ عَظْمِ القَفا، فَإنَّهُ في نِهايَةِ الصَّلابَةِ، وأيْضًا فالعَيْنُ في نِهايَةِ اللَّطافَةِ، فالضَّرْبُ عَلَيْها يُورِثُ العَمى، وأيْضًا فالضَّرْبُ عَلى الوجه يَكْسِرُ الأنْفَ؛ لِأنَّهُ مِن غُضْرُوفٍ لَطِيفٍ، ويَكْسِرُ الأسْنانَ لِأنَّها عِظامٌ لَطِيفَةٌ، ويَقَعُ عَلى الخَدَّيْنِ وهُما لَحَمانِ قَرِيبانِ مِنَ الدِّماغِ، والضَّرْبَةُ عَلَيْهِما في نِهايَةِ الخَطَرِ لِسُرْعَةِ وُصُولِ ذَلِكَ الأثَرِ إلى جِرْمِ الدِّماغِ، وكُلُّ ذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ في الضَّرْبِ عَلى الرَّأْسِ.

المسألة الخامِسَةُ: لَوْ فَرَّقَ سِياطَ الحَدِّ تَفْرِيقًا لا يَحْصُلُ بِهِ التَّنْكِيلُ، مِثْلَ أنْ يَضْرِبَ كُلَّ يَوْمٍ سَوْطًا أوْ سَوْطَيْنِ لا يُحْسَبُ، وإنْ ضَرَبَ كُلَّ يَوْمٍ عِشْرِينَ أوْ أكْثَرَ يُحْسَبُ، والأوْلى أنْ لا يُفَرِّقَ.

* * *

المسألة السّادِسَةُ: إنْ وجَبَ الحَدُّ عَلى الحُبْلى لا يُقامُ حَتّى تَضَعَ، رَوى عِمْرانُ بْنُ الحُصَيْنِ: «أنَّ امْرَأةً مِن جُهَيْنَةَ أتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهي حُبْلى مِنَ الزِّنا، فَقالَتْ: يا نَبِيَّ اللَّهِ أصَبْتُ حَدًّا فَأقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعا نَبِيُّ اللَّهِ ولَيَّها فَقالَ: أحْسِنْ إلَيْها، فَإذا وضَعَتْ فَأْتِنِي بِها فَفَعَلَ، فَأمَرَ بِها نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فُشَدَّتْ عَلَيْها ثِيابُها، ثُمَّ أمَرَ بِها فَرُجِمَتْ ثُمَّ صَلّى عَلَيْها»، ولِأنَّ المَقْصُودَ التَّأْدِيبُ دُونَ الإتْلافِ.

* * *

المسألة السّابِعَةُ: إنْ وجَبَ الجَلْدُ عَلى المَرِيضِ نُظِرَ، فَإنْ كانَ بِهِ مَرَضٌ يُرْجى زَوالُهُ مِن صُداعٍ أوْ ضَعْفٍ أوْ وِلادَةٍ، يُؤَخَّرُ حَتّى يَبْرَأ، كَما لَوْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدٌّ أوْ قَطْعٌ لا يُقامُ عَلَيْهِ حَدٌّ آخَرُ حَتّى يَبْرَأ مِنَ الأوَّلِ، وإنْ كانَ بِهِ مَرَضٌ لا يُرْجى زَوالُهُ كالسُّلِّ والزَّمانَةِ، فَلا يُؤَخَّرُ ولا يُضْرَبُ بِالسِّياطِ، فَإنَّهُ يَمُوتُ ولَيْسَ المَقْصُودُ مَوْتَهُ، وذَلِكَ لا يَخْتَلِفُ سَواءٌ كانَ زِناهُ في حالِ الصِّحَّةِ ثُمَّ مَرِضَ أوْ في حالِ المَرَضِ، بَلْ يُضْرَبُ بِعِثْكالٍ عَلَيْهِ مِائَةُ شِمْراخٍ فَيَقُومُ ذَلِكَ مَقامَ مِائَةِ جَلْدَةٍ. كَما قالَ تَعالى في قِصَّةِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُضْرَبُ بِالسِّياطِ، دَلِيلُنا ما رُوِيَ «أنَّ رَجُلًا مُقْعَدًا أصابَ امْرَأةً؛ فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَأخَذُوا مِائَةَ شِمْراخٍ فَضَرَبُوهُ بِها ضَرْبَةً واحِدَةً»، ولِأنَّ الصَّلاةَ إذا كانَتْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ حالِهِ فالحَدُّ أوْلى بِذَلِكَ.

* * *

المسألة الثّامِنَةُ: يُقامُ الحَدُّ في وقْتِ اعْتِدالِ الهَواءِ، فَإنْ كانَ في حالِ شِدَّةِ حَرٍّ أوْ بَرْدٍ نُظِرَ إنْ كانَ الحَدُّ رَجْمًا يُقامُ عَلَيْهِ كَما يُقامُ في المَرَضِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ قَتْلُهُ، وقِيلَ: إنْ كانَ الرَّجْمُ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِإقْرارِهِ فَيُؤَخَّرُ إلى اعْتِدالِ الهَواءِ وزَوالِ المَرَضِ الَّذِي يُرْجى زَوالُهُ؛ لِأنَّهُ رُبَّما رَجَعَ عَنْ إقْرارِهِ في خِلالِ الرَّجْمِ، وقَدْ أثَّرَ الرَّجْمُ في جِسْمِهِ؛ فَتُعِينُ شِدَّةُ الحَرِّ والبَرْدِ والمَرَضِ عَلى إهْلاكِهِ، بِخِلافِ ما لَوْ ثَبَتَ بِالبَيِّنَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْقُطُ، وإنْ كانَ الحَدُّ

صفحة ١٢٩

جَلْدًا لَمْ يَجُزْ إقامَتُهُ في شِدَّةِ الحَرِّ والبَرْدِ، كَما لا يُقامُ في المَرَضِ.

* * *

أمّا الرَّجْمُ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، ومالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ لِلْإمامِ أنْ يَحْضُرَ رَجْمَهُ وأنْ لا يَحْضُرَ، وكَذا الشُّهُودُ لا يَلْزَمُهُمُ الحُضُورُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنْ ثَبَتَ الزِّنا بِالبَيِّنَةِ وجَبَ عَلى الشُّهُودِ أنْ يَبْدَؤُوا بِالرَّجْمِ ثُمَّ الإمامُ ثُمَّ النّاسُ، وإنْ ثَبَتَ بِإقْرارٍ بَدَأ الإمامُ ثُمَّ النّاسُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِرَجْمِ ماعِزٍ والغامِدِيَّةِ ولَمْ يَحْضُرْ رَجْمَهُما» .

المسألة الثّانِيَةُ: إنْ ثَبَتَ الزِّنا بِإقْرارِهِ فَمَتى رَجَعَ تُرِكَ، وقَعَ بِهِ بَعْضُ الحَدِّ أوْ لَمْ يَقَعْ. وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- والثَّوْرِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ، وقالَ الحَسَنُ وابْنُ أبِي لَيْلى وداوُدُ لا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ، وعَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ رِوايَتانِ.

حُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ: «أنَّ ماعِزًا لَمّا مَسَّتْهُ الحِجارَةُ وهَرَبَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”هَلّا تَرَكْتُمُوهُ“» .

المسألة الثّالِثَةُ: يُحْفَرُ لِلْمَرْأةِ إلى صَدْرِها حَتّى لا تَنْكَشِفَ وتُرْمى إلَيْها، ولا يُحْفَرُ لِلرَّجُلِ، لِما رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ ”«أنَّ ماعِزًا أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أصَبْتُ فاحِشَةً فَأقِمْ عَلَيَّ الحَدَّ، فَرَدَّهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِرارًا، ثُمَّ سَألَ قَوْمَهُ، فَقالُوا: لا نَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا فَأمَرَنا أنْ نَرْجُمَهُ، فانْطَلَقْنا بِهِ إلى بَقِيعِ الغَرْقَدِ فَما أوْثَقْناهُ ولا حَفَرْنا لَهُ، قالَ فَرَمَيْناهُ بِالعِظامِ والمَدَرِ والخَزَفِ، قالَ فاشْتَدَّ واشْتَدَدْنا خَلْفَهُ حَتّى أتى عُرْضَ الحَرَّةِ وانْتَصَبَ لَنا فَرَمَيْناهُ بِجَلامِيدِ الحَرَّةِ حَتّى سَكَنَ» “ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ قالَ: ”فَما أوْثَقْناهُ ولا حَفَرْنا لَهُ“ ولِأنَّهُ هَرَبَ، ولَوْ كانَ في حُفْرَةٍ لَما أمْكَنَهُ ذَلِكَ.

* * *

المسألة الرّابِعَةُ: إذا ماتَ في الحَدِّ يُغَسَّلُ ويُكَفَّنُ ويُصَلّى عَلَيْهِ ويُدْفَنُ في مَقابِرِ المُسْلِمِينَ، فَهَذا ما أرَدْنا ذِكْرَهُ مِن بَيانِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ.

أمّا المَباحِثُ العَقْلِيَّةُ: فاعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: لا شَكَّ أنَّ البَدَنَ مُرَكَّبٌ مِن أجْزاءٍ كَثِيرَةٍ، فَإمّا أنْ يَقُومَ بِكُلِّ جُزْءٍ حَياةٌ وعِلْمٌ وقُدْرَةٌ عَلى حِدَةٍ. أوْ يَقُومَ بِكُلِّ الأجْزاءِ حَياةٌ واحِدَةٌ وعِلْمٌ واحِدٌ وقُدْرَةٌ واحِدَةٌ، والثّانِي مُحالٌ لِاسْتِحالَةِ قِيامِ العَرَضِ الواحِدِ بِالمَحالِّ الكَثِيرَةِ فَتَعَيَّنَ الأوَّلُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ البَدَنِ حَيًّا عَلى حِدَةٍ وعالِمًا عَلى حِدَةٍ وقادِرًا عَلى حِدَةٍ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الزّانِي هو الفَرْجُ لا الظَّهْرُ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ مِنَ الحَكِيمِ أنْ يَأْمُرَ بِجَلْدِ الظَّهْرِ، ولِأنَّهُ رُبَّما كانَ الإنْسانُ حالَ إقْدامِهِ عَلى الزِّنا عَجِيفًا نَحِيفًا ثُمَّ يَسْمَنُ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَجُوزُ إيلامُ تِلْكَ الأجْزاءِ الزّائِدَةِ مَعَ أنَّها كانَتْ بَرِيئَةً عَنْ فِعْلِ الزِّنا، فَإنْ قالَ قائِلٌ هَذا مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: وهو أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ البَدَنِ فاعِلًا عَلى حِدَةٍ وحَيًّا عَلى حِدَةٍ وذَلِكَ مُحالٌ، بَلِ الحَياةُ والعِلْمُ والقُدْرَةُ تَقُومُ بِالجُزْءِ الواحِدِ ثُمَّ تُوجِبُ حُكْمَ الحَيِيَّةِ والعالِمِيَّةِ والقادِرِيَّةِ لِمَجْمُوعِ الأجْزاءِ، فَيَكُونُ المَجْمُوعُ حَيًّا واحِدًا عالِمًا واحِدًا قادِرًا واحِدًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَزُولُ السُّؤالُ.

الثّانِي: أنْ يُقالَ الَّذِي هو الفاعِلُ والمُحَرِّكُ والمُدْرِكُ شَيْءٌ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ. وإنَّما هو مُدَبِّرٌ لِهَذا البَدَنِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ أيْضًا يَزُولُ السُّؤالُ، والجَوابُ: أمّا الأوَّلُ فَضَعِيفٌ، وذَلِكَ لِأنَّ العِلْمَ إذا قامَ بِجُزْءٍ واحِدٍ، فَإمّا أنْ يَحْصُلَ بِمَجْمُوعِ الأجْزاءِ عالِمِيَّةٌ واحِدَةٌ فَيَلْزَمُ قِيامُ الصِّفَةِ الواحِدَةِ بِالمَحالِّ الكَثِيرَةِ وهو مُحالٌ، أوْ يَقُومَ بِكُلِّ جُزْءٍ عالِمِيَّةٌ عَلى حِدَةٍ فَيَعُودَ المَحْذُورُ المَذْكُورُ، وأمّا الثّانِي فَفي نِهايَةِ البُعْدِ لِأنَّهُ إذا كانَ الفاعِلُ لِلْقَبِيحِ هو ذَلِكَ المُبايِنُ فَلِمَ يُضْرَبُ هَذا الجَسَدُ ؟ واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن أحْكامِ الشَّرْعِ رِعايَةُ المَصالِحِ، ونَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ

صفحة ١٣٠

شَرْعَ الحَدِّ يُفِيدُ الزَّجْرَ، فَكانَ المَقْصُودُ حاصِلًا واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المسألة الأُولى: الرَّأْفَةُ الرِّقَّةُ والرَّحْمَةُ وقِراءَةُ العامَّةِ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ، وقُرِئَ رَأفَةٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ ورَآفَةٌ عَلى فَعالَةٍ.

المسألة الثّانِيَةُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنْ لا تَأْخُذَكم رَأْفَةٌ بِأنْ يُعَطَّلَ الحَدُّ أوْ يُنْقَصَ مِنهُ، والمَعْنى لا تُعَطِّلُوا حُدُودَ اللَّهِ، ولا تَتْرُكُوا إقامَتَها لِلشَّفَقَةِ والرَّحْمَةِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، واخْتِيارُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ، ويُحْتَمَلُ أنْ لا تَأْخُذَكم رَأْفَةٌ بِأنْ يُخَفَّفَ الجَلْدُ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ والحَسَنِ وقَتادَةَ، ويُحْتَمَلُ كِلا الأمْرَيْنِ والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ الأمْرُ بِنَفْسِ الجَلْدِ، ولَمْ يُذْكَرْ صِفَتُهُ، فَما يَعْقُبُهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلَيْهِ وكَفى بِرَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ في ذَلِكَ حَيْثُ قالَ: ”«لَوْ سَرَقَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُ يَدَها» “ ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ في دِينِ اللَّهِ عَلى أنَّ الدِّينَ إذا أوْجَبَ أمْرًا لَمْ يَصِحَّ اسْتِعْمالُ الرَّأْفَةِ في خِلافِهِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَهو مِن بابِ التَّهْيِيجِ والتِهابِ الغَضَبِ لِلَّهِ تَعالى ولِدِينِهِ. قالَ الجُبّائِيُّ تَقْدِيرُ الآيَةِ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَلا تَتْرُكُوا إقامَةَ الحُدُودِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِأداءِ الواجِباتِ مِنَ الإيمانِ بِخِلافِ ما تَقُولُهُ المُرْجِئَةُ، والجَوابُ: أنَّ الرَّأْفَةَ لا تَحْصُلُ إلّا إذا حَكَمَ الإنْسانُ بِطَبْعِهِ أنَّ الأوْلى أنْ لا تُقامَ تِلْكَ الحُدُودُ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ مُنْكِرًا لِلدِّينِ فَيَخْرُجُ عَنِ الإيمانِ في الحَدِيثِ ”«يُؤْتى بِوالٍ نَقَصَ مِنَ الحَدِّ سَوْطًا، فَيُقالُ لَهُ لِمَ فَعَلْتَ ذاكَ ؟ فَيَقُولُ رَحْمَةً لِعِبادِكَ، فَيُقالُ لَهُ أنْتَ أرْحَمُ بِهِمْ مِنِّي ! فَيُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ، ويُؤْتى بِمَن زادَ سَوْطًا فَيُقالُ لَهُ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُ لِيَنْتَهُوا عَنْ مَعاصِيكَ، فَيَقُولُ أنْتَ أحْكَمُ بِهِ مِنِّي! فَيُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ» “ .

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ﴾ أمْرٌ وظاهِرُهُ لِلْوُجُوبِ، لَكِنَّ الفُقَهاءَ قالُوا يُسْتَحَبُّ حُضُورُ الجَمْعِ والمَقْصُودُ إعْلانُ إقامَةِ الحَدِّ، لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ الرَّدْعِ، ولِما فِيهِ مِن رَفْعِ التُّهْمَةِ عَمَّنْ يَجْلِدُ، وقِيلَ أرادَ بِالطّائِفَةِ الشُّهُودَ لِأنَّهُ يَجِبُ حُضُورُهم لِيُعْلَمَ بَقاؤُهم عَلى الشَّهادَةِ.

المسألة الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أقَلِّ الطّائِفَةِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ رَجُلٌ واحِدٌ وهو قَوْلُ النَّخَعِيِّ ومُجاهِدٍ. واحْتَجّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] وثانِيها: أنَّهُ اثْنانِ وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ وعَطاءٍ واحْتَجّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] وكُلُّ ثَلاثَةٍ فِرْقَةٌ والخارِجُ مِنَ الثَّلاثَةِ واحِدٌ أوِ اثْنانِ، والِاحْتِياطُ يُوجِبُ الأخْذَ بِالأكْثَرِ. وثالِثُها: أنَّهُ ثَلاثَةٌ وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وقَتادَةَ، قالُوا الطّائِفَةُ هي الفِرْقَةُ الَّتِي يُمْكِنُ أنْ تُكَوِّنَ حَلَقَةً، كَأنَّها الجَماعَةُ الحافَّةُ حَوْلَ الشَّيْءِ، وهَذِهِ الصُّورَةُ أقَلُّ ما لا بُدَّ في حُصُولِها هو الثَّلاثَةُ. ورابِعُها: أنَّهُ أرْبَعَةٌ بِعَدَدِ شُهُودِ الزِّنا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وخامِسُها: أنَّهُ عَشَرَةٌ وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، لِأنَّ العَشَرَةَ هي العَدَدُ الكامِلُ.

المسألة الثّالِثَةُ: تَسْمِيَتُهُ عَذابًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عُقُوبَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يُسَمّى عَذابًا لِأنَّهُ يَمْنَعُ المُعاوَدَةَ كَما سُمِّيَ نَكالًا لِذَلِكَ، ونَبَّهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى أنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا بِهَذا الوَصْفِ،

صفحة ١٣١

لِأنَّهم إذا كانُوا كَذَلِكَ عَظُمَ مَوْقِعُ حُضُورِهِمْ في الزَّجْرِ، وعَظُمَ مَوْقِعُ إخْبارِهِمْ عَمّا شاهَدُوا فَيَخافُ المَجْلُودُ مِن حُضُورِهِمُ الشُّهْرَةَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أقْوى في الِانْزِجارِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

24:3Page 350

ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكٞۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٣

The fornicator does not marry except a [female] fornicator or polytheist, and none marries her except a fornicator1 or a polytheist, and that [i.e., marriage to such persons] has been made unlawful to the believers.

الحَكَمُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾

قُرِئَ ”لا يَنْكِحْ“ بِالجَزْمِ عَنِ النَّهْيِ، وقُرِئَ ”وحَرَّمَ“ بِفَتْحِ الحاءِ، ثُمَّ إنَّ في الآيَةِ سُؤالاتٍ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ ظاهِرُهُ خَبَرٌ، ثُمَّ إنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَما يُشْعِرُ بِهِ هَذا الظّاهِرُ، لِأنّا نَرى أنَّ الزّانِيَ قَدْ يَنْكِحُ المُؤْمِنَةَ العَفِيفَةَ والزّانِيَةَ قَدْ يَنْكِحُها المُؤْمِنُ العَفِيفُ.

السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ المُؤْمِنَ يَحِلُّ لَهُ التَّزَوُّجُ بِالمَرْأةِ الزّانِيَةِ، والجَوابُ: اعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ لِأجْلِ هَذَيْنِ السُّؤالَيْنِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:

أحَدُها: وهو أحْسَنُها، ما قالَهُ القَفّالُ: وهو أنَّ اللَّفْظَ وإنْ كانَ عامًّا لَكِنَّ المُرادَ مِنهُ الأعَمُّ الأغْلَبُ، وذَلِكَ لِأنَّ الفاسِقَ الخَبِيثَ الَّذِي مِن شَأْنِهِ الزِّنا والفِسْقُ لا يَرْغَبُ في نِكاحِ الصَّوالِحِ مِنَ النِّساءِ، وإنَّما يَرْغَبُ في فاسِقَةٍ خَبِيثَةٍ مِثْلِهِ أوْ في مُشْرِكَةٍ، والفاسِقَةُ الخَبِيثَةُ لا يَرْغَبُ في نِكاحِها الصُّلَحاءُ مِنَ الرِّجالِ ويَنْفِرُونَ عَنْها، وإنَّما يَرْغَبُ فِيها مَن هو مِن جِنْسِها مِنَ الفَسَقَةِ والمُشْرِكِينَ، فَهَذا عَلى الأعَمِّ الأغْلَبِ كَما يُقالُ لا يَفْعَلُ الخَيْرَ إلّا الرَّجُلُ التَّقِيُّ، وقَدْ يَفْعَلُ بَعْضَ الخَيْرِ مَن لَيْسَ بِتَقِيٍّ فَكَذا هاهُنا.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ نِكاحَ المُؤْمِنِ المَمْدُوحِ عِنْدَ اللَّهِ الزّانِيَةَ ورَغْبَتَهُ فِيها، وانْخِراطَهُ بِذَلِكَ في سِلْكِ الفَسَقَةِ المُتَّسِمِينَ بِالزِّنا مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ، لِما فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالفُسّاقِ وحُضُورِ مَواضِعِ التُّهْمَةِ، والتَّسَبُّبِ لِسُوءِ المَقالَةِ فِيهِ والغِيبَةِ. ومُجالَسَةُ الخاطِئِينَ كَمْ فِيها مِنَ التَّعَرُّضِ لِاقْتِرافِ الآثامِ، فَكَيْفَ بِمُزاوَجَةِ الزَّوانِي والفُجّارِ.

الثّانِي: وهو أنَّ صَرْفَ الرَّغْبَةِ بِالكُلِّيَّةِ إلى الزَّوانِي وتَرْكَ الرَّغْبَةِ في الصّالِحاتِ مُحَرَّمٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً﴾ مَعْناهُ أنَّ الزّانِيَ لا يَرْغَبُ إلّا في الزّانِيَةِ فَهَذا الحَصْرُ مُحَرَّمٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، ولا يَلْزَمُ مِن حُرْمَةِ هَذا الحَصْرِ حُرْمَةُ التَّزَوُّجِ بِالزّانِيَةِ، فَهَذا هو المُعْتَمَدُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ.

الوجه الثّانِي: أنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿الزّانِي﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ وإنْ كانَ لِلْعُمُومِ ظاهِرًا لَكِنَّهُ هاهُنا مَخْصُوصٌ بِالأقْوامِ الَّذِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، قالَ مُجاهِدٌ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وقَتادَةُ، قَدِمَ المُهاجِرُونَ المَدِينَةَ وفِيهِمْ فُقَراءُ لَيْسَ لَهم أمْوالٌ ولا عَشائِرُ، وبِالمَدِينَةِ نِساءٌ بَغايا يَكْرِينَ أنْفُسَهُنَّ وهُنَّ يَوْمَئِذٍ أخْصَبُ أهْلِ المَدِينَةِ، ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ عَلامَةٌ عَلى بابِها كَعَلامَةِ البَيْطارِ، لِيُعْرَفَ أنَّها زانِيَةٌ، وكانَ لا يَدْخُلُ عَلَيْها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ فَرَغِبَ في كَسْبِهِنَّ ناسٌ مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، وقالُوا نَتَزَوَّجُ بِهِنَّ إلى أنْ يُغْنِيَنا اللَّهُ عَنْهُنَّ، فاسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: أُولَئِكَ الزَّوانِي لا يَنْكِحُونَ إلّا تِلْكَ الزّانِياتِ، وتِلْكَ الزّانِياتُ لا يَنْكِحُهُنَّ إلّا أُولَئِكَ الزَّوانِي وحُرِّمَ نِكاحُهُنَّ عَلى المُؤْمِنِينَ.

صفحة ١٣٢

الوجه الثّالِثُ: في الجَوابِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً﴾ وإنْ كانَ خَبَرًا في الظّاهِرِ، لَكِنَّ المُرادَ النَّهْيُ، والمَعْنى أنَّ كُلَّ مَن كانَ زانِيًا فَلا يَنْبَغِي أنْ يَنْكِحَ إلّا زانِيَةً وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ. وهَكَذا كانَ الحُكْمُ في ابْتِداءِ الإسْلامِ، وعَلى هَذا الوجه ذَكَرُوا قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ باقٍ إلى الآنِ حَتّى يُحَرَّمَ عَلى الزّانِي والزّانِيَةِ التَّزَوُّجُ بِالعَفِيفَةِ والعَفِيفِ وبِالعَكْسِ ويُقالُ هَذا مَذْهَبُ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وعائِشَةَ، ثُمَّ في هَؤُلاءِ مَن يُسَوِّي بَيْنَ الِابْتِداءِ والدَّوامِ. فَيَقُولُ كَما لا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَتَزَوَّجَ بِالزّانِيَةِ فَكَذَلِكَ لا يَحِلُّ لَهُ إذا زَنَتْ تَحْتَهُ أنْ يُقِيمَ عَلَيْها، ومِنهم مَن يَفْصِلُ لِأنَّ في جُمْلَةِ ما يَمْنَعُ مِنَ التَّزْوِيجِ ما لا يَمْنَعُ مِن دَوامِ النِّكاحِ كالإحْرامِ والعِدَّةِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الحُكْمَ صارَ مَنسُوخًا واخْتَلَفُوا في ناسِخِهِ، فَعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ ناسِخَهُ هو الإجْماعُ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أنَّهُ مَنسُوخٌ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] ﴿وأنْكِحُوا الأيامى﴾ [النور: ٣٢] قالَ المُحَقِّقُونَ هَذانِ الوَجْهانِ ضَعِيفانِ أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ الإجْماعَ لا يُنْسَخُ ولا يُنْسَخُ بِهِ، وأيْضًا فالإجْماعُ الحاصِلُ عَقِيبَ الخِلافِ لا يَكُونُ حُجَّةً، والإجْماعُ في هَذِهِ المسألة مَسْبُوقٌ بِمُخالَفَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ فَكَيْفَ يَصِحُّ ؟

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ فَهو لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ناسِخًا، لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ يُشْتَرَطَ فِيهِ أنْ لا يَكُونَ هُناكَ مانِعٌ مِنَ النِّكاحِ مِن سَبَبٍ أوْ نَسَبٍ أوْ غَيْرِهِما، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لا يَدْخُلُ فِيهِ تَزْوِيجُ الزّانِيَةِ مِنَ المُؤْمِنِ، كَما لا يَدْخُلُ فِيهِ تَزْوِيجُها مِنَ الأخِ وابْنِ الأخِ، ونَقُولُ إنَّ لِلزِّنا تَأْثِيرًا في الفُرْقَةِ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِ، ألا تَرى أنَّهُ إذا قَذَفَها بِالزِّنا يُتْبِعُها بِالفُرْقَةِ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ، ولا يَجِبُ مِثْلُ ذَلِكَ في سائِرِ ما يُوجِبُ الحَدَّ، ولِأنَّ مِن حَقِّ الزِّنا أنْ يُورِثَ العارَ ويُؤَثِّرَ في الفِراشِ فَفارَقَ غَيْرَهُ.

ثُمَّ احْتَجَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ هَذا النَّسْخَ، بِأنَّهُ «سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ رَجُلٍ زَنى بِامْرَأةٍ فَهَلْ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَها ؟ فَأجازَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وشَبَّهَهُ بِمَن سَرَقَ ثَمَرَ شَجَرَةٍ ثُمَّ اشْتَراهُ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ”أوَّلُهُ سِفاحٌ وآخِرُهُ نِكاحٌ“ والحَرامُ لا يُحَرِّمُ الحَلالَ» . الوجه الرّابِعُ: أنْ يُحْمَلَ النِّكاحُ عَلى الوَطْءِ والمَعْنى أنَّ الزّانِيَ لا يَطَأُ حِينَ يَزْنِي إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً وكَذا الزّانِيَةُ ﴿وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ وحُرِّمَ الزِّنا عَلى المُؤْمِنِينَ وعَلى هَذا تَأْوِيلُ أبِي مُسْلِمٍ، قالَ الزَّجّاجُ: هَذا التَّأْوِيلُ فاسِدٌ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ ما ورَدَ النِّكاحُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِمَعْنى التَّزْوِيجِ، ولَمْ يَرِدِ البَتَّةَ بِمَعْنى الوَطْءِ.

الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُ الكَلامَ عَنِ الفائِدَةِ، لِأنّا لَوْ قُلْنا المُرادُ أنَّ الزّانِيَ لا يَطَأُ إلّا الزّانِيَةَ فالإشْكالُ عائِدٌ، لِأنّا نَرى أنَّ الزّانِيَ قَدْ يَطَأُ العَفِيفَةَ حِينَ يَتَزَوَّجُ بِها ولَوْ قُلْنا المُرادُ أنَّ الزّانِيَ لا يَطَأُ إلّا الزّانِيَةَ حِينَ يَكُونُ وطْؤُهُ زِنًا فَهَذا الكَلامُ لا فائِدَةَ فِيهِ، وهَذا آخِرُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ﴾ ؟ والجَوابُ: الكَلامُ الأوَّلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الزّانِيَ لا يَرْغَبُ إلّا في نِكاحِ الزّانِيَةِ وهَذا لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَرْغَبَ في نِكاحِ الزّانِيَةِ غَيْرُ الزّانِي فَلا جَرَمَ بَيْنَ ذَلِكَ بِالكَلامِ الثّانِي.

السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ قُدِّمَتِ الزّانِيَةُ عَلى الزّانِي في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ وهاهُنا بِالعَكْسِ. الجَوابُ: سَبَقَتْ تِلْكَ الآيَةُ لِعُقُوبَتِها عَلى جِنايَتِها، والمَرْأةُ هي المادَّةُ في الزِّنا، وأمّا الثّانِيَةُ فَمَسُوقَةٌ لِذِكْرِ النِّكاحِ، والرَّجُلُ أصْلٌ فِيهِ لِأنَّهُ هو الرّاغِبُ والطّالِبُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском