Ar-RaziAn‑Nur · 24:35

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:35

24:35Page 354

۞ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٣٥

Allāh is the Light1 of the heavens and the earth. The example of His light2 is like a niche within which is a lamp;3 the lamp is within glass, the glass as if it were a pearly [white] star lit from [the oil of] a blessed olive tree, neither of the east nor of the west, whose oil would almost glow even if untouched by fire. Light upon light. Allāh guides to His light whom He wills. And Allāh presents examples for the people, and Allāh is Knowing of all things.

أمّا المَثَلُ الأوَّلُ فَهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذِهِ الآيَةِ مُرَتَّبٌ عَلى فُصُولٍ:

الفَصْلُ الأوَّلُ في إطْلاقِ اسْمِ النُّورِ عَلى اللَّهِ تَعالىاعْلَمْ أنَّ لَفْظَ النُّورِ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِهَذِهِ الكَيْفِيَّةِ الفائِضَةِ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنّارِ عَلى الأرْضِ والجُدْرانِ وغَيْرِهِما، وهَذِهِ الكَيْفِيَّةُ يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ إلَهًا لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الكَيْفِيَّةَ إنْ كانَتْ عِبارَةً عَنِ الجِسْمِ كانَ الدَّلِيلُ الدّالُّ عَلى حُدُوثِ الجِسْمِ دالًّا عَلى حُدُوثِها، وإنْ كانَتْ عَرَضًا فَمَتى ثَبَتَ [حُدُوثُهُ ثَبَتَ] حُدُوثُ جَمِيعِ الأعْراضِ القائِمَةِ بِهِ، ولَكِنَّ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ إنَّما تَثْبُتُ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحُلُولَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ.

وثانِيها: أنّا سَواءٌ قُلْنا النُّورُ جِسْمٌ أوْ أمْرٌ حالٌّ في الجِسْمِ فَهو مُنْقَسِمٌ، لِأنَّهُ إنْ كانَ جِسْمًا فَلا شَكَّ في أنَّهُ مُنْقَسِمٌ، وإنْ كانَ حالًّا فِيهِ، فالحالُّ في المُنْقَسِمِ مُنْقَسِمٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالنُّورُ مُنْقَسِمٌ وكُلُّ مُنْقَسِمٍ فَإنَّهُ يَفْتَقِرُ في تَحَقُّقِهِ إلى تَحَقُّقِ أجْزائِهِ وكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ غَيْرُهُ، وكُلُّ مُفْتَقِرٍ فَهو في تَحَقُّقِهِ مُفْتَقِرٌ إلى غَيْرِهِ، والمُفْتَقِرُ إلى الغَيْرِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ مُحْدَثٌ بِغَيْرِهِ، فالنُّورُ مُحْدَثٌ فَلا يَكُونُ إلَهًا.

وثالِثُها: أنَّ هَذا النُّورَ المَحْسُوسَ لَوْ كانَ هو اللَّهُ لَوَجَبَ أنْ لا يَزُولَ هَذا النُّورُ لِامْتِناعِ الزَّوالِ عَلى اللَّهِ تَعالى.

ورابِعُها: أنَّ هَذا النُّورَ المَحْسُوسَ يَقَعُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ والكَواكِبِ. وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ.

وخامِسُها: أنَّ هَذِهِ الأنْوارَ لَوْ كانَتْ أزَلِيَّةً لَكانَتْ إمّا أنْ تَكُونَ مُتَحَرِّكَةً أوْ ساكِنَةً، لا جائِزَ أنْ تَكُونَ مُتَحَرِّكَةً لِأنَّ الحَرَكَةَ مَعْناها الِانْتِقالُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، فالحَرَكَةُ مَسْبُوقَةٌ بِالحُصُولِ في المَكانِ الأوَّلِ. والأزَلِيُّ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِالغَيْرِ، فالحَرَكَةُ الأزَلِيَّةُ مُحالٌ. ولا جائِزَ أنْ تَكُونَ ساكِنَةً لِأنَّ السُّكُونَ لَوْ كانَ أزَلِيًّا لَكانَ مُمْتَنِعَ الزَّوالِ، لَكِنَّ السُّكُونَ جائِزُ الزَّوالِ، لِأنّا نَرى الأنْوارَ تَنْتَقِلُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى حُدُوثِ الأنْوارِ.

وسادِسُها: أنَّ النُّورَ إمّا أنْ يَكُونَ جِسْمًا أوْ كَيْفِيَّةً قائِمَةً بِالجِسْمِ، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنّا قَدْ نَعْقِلُ الجِسْمَ جِسْمًا مَعَ الذُّهُولِ عَنْ كَوْنِهِ نَيِّرًا ولِأنَّ الجِسْمَ قَدْ يَسْتَنِيرُ بَعْدَ أنْ كانَ مُظْلِمًا فَثَبَتَ الثّانِي لَكِنَّ الكَيْفِيَّةَ القائِمَةَ بِالجِسْمِ مُحْتاجَةٌ إلى الجِسْمِ، والمُحْتاجُ إلى الغَيْرِ لا يَكُونُ إلَهًا، وبِمَجْمُوعِ هَذِهِ الدَّلائِلِ يَبْطُلُ قَوْلُ المانَوِيَّةِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أنَّ الإلَهَ سُبْحانَهُ هو النُّورُ الأعْظَمُ. وأمّا المُجَسِّمَةُ

صفحة ١٩٥

المُعْتَرِفُونَ بِصِحَّةِ القُرْآنِ فَيُحْتَجُّ عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ بِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشُّورى: ١١] ولَوْ كانَ نُورًا لَبَطَلَ ذَلِكَ لِأنَّ الأنْوارَ كُلَّها مُتَماثِلَةٌ.

الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ لَيْسَ ذاتُهُ نَفْسَ النُّورِ بَلِ النُّورُ مُضافٌ إلَيْهِ. وكَذا قَوْلُهُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ﴾ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّهُ في ذاتِهِ نُورٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ هو في ذاتِهِ نُورًا وبَيْنَهُما تَناقُضٌ، قُلْنا: نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُكَ: زَيْدٌ كَرَمٌ وجُودٌ، ثُمَّ تَقُولُ يُنْعِشُ النّاسَ بِكَرَمِهِ وجُودِهِ، وعَلى هَذا الطَّرِيقِ لا تَناقُضَ.

الثّالِثُ: قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنْعامِ: ١] وذَلِكَ صَرِيحٌ في أنَّ ماهِيَّةَ النُّورِ مَجْعُولَةٌ لِلَّهِ تَعالى فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ الإلَهُ نُورًا، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، والعُلَماءُ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّ النُّورَ سَبَبٌ لِلظُّهُورِ، والهِدايَةُ لَمّا شارَكَتِ النُّورَ في هَذا المَعْنى صَحَّ إطْلاقُ اسْمِ النُّورِ عَلى الهِدايَةِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٧] .

وقَوْلِهِ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا﴾ [الأنْعامِ: ١٢٢] وقالَ: ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشُّورى: ٥٢] فَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ ذُو نُورِ السَّماواتِ والأرْضِ، والنُّورُ هو الهِدايَةُ ولا تَحْصُلُ إلّا لِأهْلِ السَّماواتِ، والحاصِلُ أنَّ المُرادَ: اللَّهُ هادِي أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والأكْثَرِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

وثانِيها: المُرادُ أنَّهُ مُدَبِّرُ السَّماواتِ والأرْضِ بِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ وحُجَّةٍ نَيِّرَةٍ، فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ كَما يُوصَفُ الرَّئِيسُ العالِمُ بِأنَّهُ نُورُ البَلَدِ، فَإنَّهُ إذا كانَ مُدَبِّرَهم تَدْبِيرًا حَسَنًا فَهو لَهم كالنُّورِ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ إلى مَسالِكِ الطُّرُقِ، قالَ جَرِيرٌ:

وأنْتَ لَنا نُورٌ وغَيْثٌ وعِصْمَةٌ

وهَذا اخْتِيارُ الأصَمِّ والزَّجّاجِ.

وثالِثُها: المُرادُ ناظِمُ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى التَّرْتِيبِ الأحْسَنِ، فَإنَّهُ قَدْ يُعَبَّرُ بِالنُّورِ عَلى النِّظامِ، يُقالُ ما أرى لِهَذا الأمْرِ نُورًا.

ورابِعُها: مَعْناهُ مُنَوِّرُ السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ ذَكَرُوا في هَذا القَوْلِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ مُنَوِّرُ السَّماءِ بِالمَلائِكَةِ والأرْضِ بِالأنْبِياءِ.

والثّانِي: مُنَوِّرُها بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ زَيَّنَ السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ، وزَيَّنَ الأرْضَ بِالأنْبِياءِ والعُلَماءِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ والحَسَنِ وأبِي العالِيَةِ، والأقْرَبُ هو القَوْلُ الأوَّلُ لِأنَّ قَوْلَهُ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنُّورِ الهِدايَةُ إلى العِلْمِ والعَمَلِ. واعْلَمْ أنَّ الشَّيْخَ الغَزالِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ صَنَّفَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكِتابَ المُسَمّى بِمِشْكاةِ الأنْوارِ، وزَعَمَ أنَّ اللَّهَ نُورٌ في الحَقِيقَةِ بَلْ لَيْسَ النُّورُ إلّا هو، وأنا أنْقُلُ مُحَصِّلَ ما ذَكَرَهُ مَعَ زَوائِدَ كَثِيرَةٍ تُقَوِّي كَلامَهُ ثُمَّ نَنْظُرُ في صِحَّتِهِ وفَسادِهِ عَلى سَبِيلِ الإنْصافِ، فَقالَ: اسْمُ النُّورِ إنَّما وُضِعَ لِلْكَيْفِيَّةِ الفائِضَةِ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنّارِ عَلى ظَواهِرِ هَذِهِ الأجْسامِ الكَثِيفَةِ، فَيُقالُ اسْتَنارَتِ الأرْضُ ووَقَعَ نُورُ الشَّمْسِ عَلى الثَّوْبِ ونُورُ السِّراجِ عَلى الحائِطِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الكَيْفِيَّةَ إنَّما اخْتُصَّتْ بِالفَضِيلَةِ والشَّرَفِ؛ لِأنَّ المَرْئِيّاتِ تَصِيرُ بِسَبَبِها ظاهِرَةً مُنْجَلِيَةً، ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ كَما يَتَوَقَّفُ إدْراكُ هَذِهِ المَرْئِيّاتِ عَلى كَوْنِها مُسْتَنِيرَةً فَكَذا يَتَوَقَّفُ عَلى وُجُودِ العَيْنِ الباصِرَةِ إذِ المَرْئِيّاتُ بَعْدَ اسْتِنارَتِها لا تَكُونُ ظاهِرَةً في حَقِّ العُمْيانِ فَقَدْ ساوى الرُّوحُ الباصِرَةُ النُّورَ الظّاهِرَةَ في كَوْنِهِ رُكْنًا لا بُدَّ مِنهُ لِلظُّهُورِ، ثُمَّ يُرَجَّحُ عَلَيْهِ في أنَّ الرُّوحَ الباصِرَةَ هي المُدْرِكَةُ وبِها الإدْراكُ، وأمّا النُّورُ الخارِجُ فَلَيْسَ بِمُدْرِكٍ ولا بِهِ الإدْراكُ بَلْ عِنْدَهُ الإدْراكُ،

صفحة ١٩٦

فَكانَ وصْفُ الإظْهارِ بِالنُّورِ الباصِرِ أحَقَّ مِنهُ بِالنُّورِ المُبْصَرِ فَلا جَرَمَ أطْلَقُوا اسْمَ النُّورِ عَلى نُورِ العَيْنِ المُبْصِرَةِ فَقالُوا في الخُفّاشِ إنَّ نُورَ عَيْنِهِ ضَعِيفٌ، وفي الأعْمَشِ إنَّهُ ضَعُفَ نُورُ بَصَرِهِ. وفي الأعْمى إنَّهُ فَقَدَ نُورَ البَصَرِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ إنَّ لِلْإنْسانِ بَصَرًا وبَصِيرَةً، فالبَصَرُ هو العَيْنُ الظّاهِرَةُ المُدْرِكَةُ لِلْأضْواءِ والألْوانِ، والبَصِيرَةُ هي القُوَّةُ العاقِلَةُ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الإدْراكَيْنِ يَقْتَضِي ظُهُورَ المُدْرَكِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ الإدْراكَيْنِ نُورٌ إلّا أنَّهم عَدَّدُوا لِنُورِ العَيْنِ عُيُوبًا لَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِنها في نُورِ العَقْلِ، والغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ذَكَرَ مِنها سَبْعَةً، ونَحْنُ جَعَلْناها عِشْرِينَ:

الأوَّلُ: أنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ لا تُدْرِكُ نَفْسَها ولا تُدْرِكُ إدْراكَها ولا تُدْرِكُ آلَتَها، أمّا أنَّها لا تُدْرِكُ نَفْسَها ولا تُدْرِكُ إدْراكَها فَلِأنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ وإدْراكَ القُوَّةِ الباصِرَةِ لَيْسا مِنَ الأُمُورِ المُبْصَرَةِ بِالعَيْنِ الباصِرَةِ، وأمّا آلَتُها فَهي العَيْنُ، والقُوَّةُ الباصِرَةُ بِالعَيْنِ لا تُدْرِكُ العَيْنَ، وأمّا القُوَّةُ العاقِلَةُ فَإنَّها تُدْرِكُ نَفْسَها وتُدْرِكُ إدْراكَها وتُدْرِكُ آلَتَها في الإدْراكِ وهي القَلْبُ والدِّماغُ، فَثَبَتَ أنَّ نُورَ العَقْلِ أكْمَلُ مِن نُورِ البَصَرِ.

الثّانِي: أنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ لا تُدْرِكُ الكُلِّيّاتِ والقُوَّةَ العاقِلَةَ تُدْرِكُها، ومُدْرِكُ الكُلِّيّاتِ وهو القَلْبُ أشْرَفُ مِن مُدْرِكِ الجُزْئِيّاتِ، أمّا أنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ لا تُدْرِكُ الكُلِّيّاتِ فَلِأنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ لَوْ أدْرَكَتْ كُلَّ ما في الوُجُودِ فَهي ما أدْرَكَتِ الكُلَّ لِأنَّ الكُلَّ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما يُمْكِنُ دُخُولُهُ في الوُجُودِ في الماضِي والحاضِرِ والمُسْتَقْبَلِ، وأمّا أنَّ القُوَّةَ العاقِلَةَ تُدْرِكُ الكُلِّيّاتِ فَلِأنّا نَعْرِفُ أنَّ الأشْخاصَ الإنْسانِيَّةَ مُشْتَرِكَةٌ في الإنْسانِيَّةِ ومُتَمايِزَةٌ بِخُصُوصِيّاتِها، وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُمايَزَةُ، فالإنْسانِيَّةُ مِن حَيْثُ هي إنْسانِيَّةٌ أمْرٌ مُغايِرٌ لِهَذِهِ المُشَخَّصاتِ فَقَدْ عَقَلْنا الماهِيَّةَ الكُلِّيَّةَ، وأمّا أنَّ إدْراكَ الكُلِّيّاتِ أشْرَفُ فَلِأنَّ إدْراكَ الكُلِّيّاتِ مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ، وإدْراكُ الجُزْئِيّاتِ واجِبُ التَّغَيُّرِ، ولِأنَّ إدْراكَ الكُلِّيِّ يَتَضَمَّنُ إدْراكَ الجُزْئِيّاتِ الواقِعَةِ تَحْتَهُ، لِأنَّ ما ثَبَتَ لِلْماهِيَّةِ ثَبَتَ لِجَمِيعِ أفْرادِها ولا يَنْعَكِسُ، فَثَبَتَ أنَّ الإدْراكَ العَقْلِيَّ أشْرَفُ.

الثّالِثُ: الإدْراكُ الحِسِّيُّ غَيْرُ مُنْتِجٍ والإدْراكُ العَقْلِيُّ مُنْتِجٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ العَقْلُ أشْرَفَ، أمّا كَوْنُ الإدْراكِ الحِسِّيِّ غَيْرَ مُنْتِجٍ فَلِأنَّ مَن أحَسَّ بِشَيْءٍ لا يَكُونُ ذَلِكَ الإحْساسُ سَبَبًا لِحُصُولِ إحْساسٍ آخَرَ لَهُ، بَلْ لَوِ اسْتَعْمَلَ لَهُ الحِسَّ مَرَّةً أُخْرى لَأحَسَّ بِهِ مَرَّةً أُخْرى ولَكِنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إنْتاجَ الإحْساسِ لِإحْساسٍ آخَرَ، وأمّا أنَّ الإدْراكَ العَقْلِيَّ مُنْتِجٌ فَلِأنّا إذا عَقَلْنا أُمُورًا ثُمَّ رَكَّبْناها في عُقُولِنا تَوَسَّلْنا بِتَرْكِيبِها إلى اكْتِسابِ عُلُومٍ أُخْرى، وهَكَذا كُلُّ تَعَقُّلٍ حاصِلٍ فَإنَّهُ يُمْكِنُ التَّوَسُّلُ بِهِ إلى تَحْصِيلِ تَعَقُّلٍ آخَرَ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، فَثَبَتَ أنَّ الإدْراكَ العَقْلِيَّ أشْرَفُ.

الرّابِعُ: الإدْراكُ الحِسِّيُّ لا يَتَّسِعُ لِلْأُمُورِ الكَثِيرَةِ، والإدْراكُ العَقْلِيُّ يَتَّسِعُ لَها، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإدْراكُ العَقْلِيُّ أشْرَفَ. أمّا أنَّ الإدْراكَ الحِسِّيَّ لا يَتَّسِعُ لَها فَلِأنَّ البَصَرَ إذا تَوالى عَلَيْهِ ألْوانٌ كَثِيرَةٌ عَجَزَ عَنْ تَمْيِيزِها، فَأدْرَكَ لَوْنًا كَأنَّهُ حاصِلٌ مِنَ اخْتِلاطِ تِلْكَ الألْوانِ [و] السَّمْعُ إذا تَوالَتْ عَلَيْهِ كَلِماتٌ كَثِيرَةٌ التَبَسَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الكَلِماتُ ولَمْ يَحْصُلِ التَّمْيِيزُ، وأمّا أنَّ الإدْراكَ العَقْلِيَّ مُتَّسِعٌ لَها فَلِأنَّ كُلَّ مَن كانَ تَحْصِيلُهُ لِلْعُلُومِ أكْثَرَ كانَتْ قُدْرَتُهُ عَلى كَسْبِ الجَدِيدِ أسْهَلَ، وبِالعَكْسِ؛ وذَلِكَ يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ الإدْراكَ العَقْلِيَّ أشْرَفُ.

الخامِسُ: القُوَّةُ الحِسِّيَّةُ إذا أدْرَكَتِ المَحْسُوساتِ القَوِيَّةَ فَفي ذَلِكَ الوَقْتِ تَعْجِزُ عَنْ إدْراكِ الضَّعِيفَةِ، فَإنَّ مَن سَمِعَ الصَّوْتَ الشَّدِيدَ فَفي تِلْكَ الحالَةِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَسْمَعَ الصَّوْتَ الضَّعِيفَ، والقُوَّةُ العَقْلِيَّةُ لا يَشْغَلُها مَعْقُولٌ عَنْ مَعْقُولٍ.

صفحة ١٩٧

السّادِسُ: القُوى الحِسِّيَّةُ تَضْعُفُ بَعْدَ الأرْبَعِينَ، وتَضْعُفُ عِنْدَ كَثْرَةِ الأفْكارِ الَّتِي هي مُوجِبَةٌ لِاسْتِيلاءِ النَّفْسِ عَلى البَدَنِ الَّذِي هو مُوجِبٌ لِخَرابِ البَدَنِ، والقُوى العَقْلِيَّةُ تَقْوى بَعْدَ الأرْبَعِينَ وتَقْوى عِنْدَ كَثْرَةِ الأفْكارِ المُوجِبَةِ لِخَرابِ البَدَنِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى اسْتِغْناءِ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ عَنْ هَذِهِ الآلاتِ واحْتِياجِ القُوى الحِسِّيَّةِ إلَيْها.

السّابِعُ: القُوَّةُ الباصِرَةُ لا تُدْرِكُ المَرْئِيَّ مَعَ القُرْبِ القَرِيبِ ولا مَعَ البُعْدِ البَعِيدِ، والقُوَّةُ العَقْلِيَّةُ لا يَخْتَلِفُ حالُها بِحَسَبِ القُرْبِ والبُعْدِ، فَإنَّها تَتَرَقّى إلى ما فَوْقَ العَرْشِ وتَنْزِلُ إلى ما تَحْتَ الثَّرى في أقَلِّ مِن لَحْظَةٍ واحِدَةٍ، بَلْ تُدْرِكُ ذاتَ اللَّهِ وصِفاتِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ القُرْبِ والبُعْدِ والجِهَةِ، فَكانَتِ القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ أشْرَفَ.

الثّامِنُ: القُوَّةُ الحِسِّيَّةُ لا تُدْرِكُ مِنَ الأشْياءِ إلّا ظَواهِرِها فَإذا أدْرَكَتِ الإنْسانَ فَهي في الحَقِيقَةِ ما أدْرَكَتِ الإنْسانَ لِأنَّها ما أدْرَكَتْ إلّا السَّطْحَ الظّاهِرَ مِن جِسْمِهِ، وإلّا اللَّوْنَ القائِمَ بِذَلِكَ السَّطْحِ، وبِالِاتِّفاقِ فَلَيْسَ الإنْسانُ عِبارَةً عَنْ مُجَرَّدِ السَّطْحِ واللَّوْنِ، فالقُوَّةُ الباصِرَةُ عاجِزَةٌ عَنِ النُّفُوذِ في الباطِنِ، أمّا القُوَّةُ العاقِلَةُ فَإنَّ باطِنَ الأشْياءِ وظاهِرَها بِالنِّسْبَةِ إلَيْها عَلى السَّواءِ فَإنَّها تُدْرِكُ البَواطِنَ والظَّواهِرَ وتَغُوصُ فِيها وفي أجْزائِها، فَكانَتِ القُوَّةُ العاقِلَةُ نُورًا بِالنِّسْبَةِ إلى الباطِنِ والظّاهِرِ، أمّا القُوَّةُ الباصِرَةُ فَهي بِالنِّسْبَةِ إلى الظّاهِرِ نُورٌ وبِالنِّسْبَةِ إلى الباطِنِ ظُلْمَةٌ، فَكانَتِ القُوَّةُ العاقِلَةُ أشْرَفَ مِنَ القُوَّةِ الباصِرَةِ.

التّاسِعُ: أنَّ مُدْرِكَ القُوَّةِ العاقِلَةِ هو اللَّهُ تَعالى وجَمِيعَ أفْعالِها، ومُدْرِكَ القُوَّةِ الباصِرَةِ هو الألْوانُ والأشْكالُ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ نِسْبَةُ شَرَفِ القُوَّةِ العاقِلَةِ إلى شَرَفِ القُوَّةِ الباصِرَةِ كَنِسْبَةِ شَرَفِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى إلى شَرَفِ الألْوانِ والأشْكالِ.

العاشِرُ: القُوَّةُ العاقِلَةُ تُدْرِكُ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ والمَعْدُوماتِ والماهِيّاتِ الَّتِي هي مَعْرُوضاتُ المَوْجُوداتِ والمَعْدُوماتِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ أوَّلَ حِكَمِهِ أنَّ الوُجُودَ والعَدَمَ لا يَجْتَمِعانِ ولا يَرْتَفِعانِ، وذَلِكَ مَسْبُوقٌ لا مَحالَةَ بِتَصَوُّرِ مُسَمّى الوُجُودِ ومُسَمّى العَدَمِ، فَكَأنَّهُ بِهَذَيْنِ التَّصَوُّرَيْنِ قَدْ أحاطَ بِجَمِيعِ الأُمُورِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ. وأمّا القُوَّةُ الباصِرَةُ فَإنَّها لا تُدْرِكُ إلّا الأضْواءَ والألْوانَ وهُما مِن أخَسِّ عَوارِضِ الأجْسامِ، والأجْسامُ أخَسُّ مِنَ الجَواهِرِ الرُّوحانِيَّةِ، فَكانَ مُتَعَلِّقُ القُوَّةِ الباصِرَةِ أخَسَّ المَوْجُوداتِ. وأمّا مُتَعَلِّقُ القُوَّةِ العاقِلَةِ فَهو جَمِيعُ المَوْجُوداتِ والمَعْدُوماتِ، فَكانَتِ القُوَّةُ العاقِلَةُ أشْرَفَ.

* * *

الحادِي عَشَرَ: القُوَّةُ العاقِلَةُ تَقْوى عَلى تَوْحِيدِ الكَثِيرِ وتَكْثِيرِ الواحِدِ، والقُوَّةُ الباصِرَةُ لا تَقْوى عَلى ذَلِكَ. أمّا أنَّ القُوَّةَ العاقِلَةَ تَقْوى عَلى تَوْحِيدِ الكَثِيرِ، فَذاكَ لِأنَّها تَضُمُّ الجِنْسَ إلى الفَصْلِ فَيَحْدُثُ مِنهُما طَبِيعَةٌ نَوْعِيَّةٌ واحِدَةٌ، وأمّا أنَّها تَقْوى عَلى تَكْثِيرِ الواحِدِ فَلِأنَّها تَأْخُذُ الإنْسانَ وهي ماهِيَّةٌ واحِدَةٌ فَتُقَسِّمُها إلى مَفْهُوماتِها وإلى عَوارِضِها اللّازِمَةِ وعَوارِضِها المُفارِقَةِ، ثُمَّ تُقَسِّمُ مُقَوِّماتِهِ إلى الجِنْسِ وجِنْسِ الجِنْسِ، والفَصْلِ وفَصْلِ الفَصْلِ، وجِنْسِ الفَصْلِ وفَصْلِ الجِنْسِ، إلى سائِرِ الأجْزاءِ المُقَوِّمَةِ الَّتِي لا تُعَدُّ مِنَ الأجْناسِ ولا مِنَ الفُصُولِ، ثُمَّ لا تَزالُ تَأْتِي بِهَذا التَّقْسِيمِ في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ حَتّى تَنْتَهِيَ مِن تِلْكَ المُرَكَّباتِ إلى البَسائِطِ الحَقِيقِيَّةِ، ثُمَّ تُعْتَبَرُ في العَوارِضِ اللّازِمَةِ أنَّ تِلْكَ العَوارِضَ مُفْرَدَةٌ أوْ مُرَكَّبَةٌ ولازِمَةٌ بِوَسائِطَ أوْ بِوَسَطٍ، أوْ بِغَيْرِ وسَطٍ، فالقُوَّةُ العاقِلَةُ كَأنَّها نَفَذَتْ في أعْماقِ الماهِيّاتِ، وتَغَلْغَلَتْ فِيها ومَيَّزَتْ كُلَّ واحِدٍ مِن أجْزائِها عَنْ صاحِبِهِ، وأنْزَلَتْ كُلَّ واحِدٍ مِنها في المَكانِ اللّائِقِ بِهِ. فَأمّا القُوَّةُ الباصِرَةُ فَلا تَطَّلِعُ عَلى أحْوالِ الماهِيّاتِ، بَلْ

صفحة ١٩٨

لا تَرى إلّا أمْرًا واحِدًا ولا تَدْرِي ما هو وكَيْفَ هو، فَظَهَرَ أنَّ القُوَّةَ العاقِلَةَ أشْرَفُ.

الثّانِي عَشَرَ: القُوَّةُ العاقِلَةُ تَقْوى عَلى إدْراكاتٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، والقُوَّةُ الحاسَّةُ لا تَقْوى عَلى ذَلِكَ.

بَيانُ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: القُوَّةُ العاقِلَةُ يُمْكِنُها أنْ تَتَوَسَّلَ بِالمَعارِفِ الحاضِرَةِ إلى اسْتِنْتاجِ المَجْهُولاتِ، ثُمَّ إنَّها تَجْعَلُ تِلْكَ النَّتائِجَ مُقَدِّماتٍ في نَتائِجَ أُخْرى لا إلى نِهايَةٍ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ القُوَّةَ الحاسَّةَ لا تَقْوى عَلى الِاسْتِنْتاجِ أصْلًا.

الثّانِي: أنَّ القُوَّةَ العاقِلَةَ تَقْوى عَلى تَعَقُّلِ مَراتِبِ الأعْدادِ ولا نِهايَةَ لَها.

الثّالِثُ: أنَّ القُوَّةَ العاقِلَةَ يُمْكِنُها أنْ تَعْقِلَ نَفْسَها، وأنْ تَعْقِلَ أنَّها عَقَلَتْ وكَذا إلى غَيْرِ النِّهايَةِ.

الرّابِعُ: النَّسَبُ والإضافاتُ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ وهي مَعْقُولَةٌ لا مَحْسُوسَةٌ، فَظَهَرَ أنَّ القُوَّةَ العاقِلَةَ أشْرَفُ.

الثّالِثَ عَشَرَ: الإنْسانُ بِقُوَّتِهِ العاقِلَةِ يُشارِكُ اللَّهَ تَعالى في إدْراكِ الحَقائِقِ وبِقُوَّتِهِ الحاسَّةِ يُشارِكُ البَهائِمَ، والنِّسْبَةُ مُعْتَبَرَةٌ فَكانَتِ القُوَّةُ العاقِلَةُ أشْرَفَ.

الرّابِعَ عَشَرَ: القُوَّةُ العاقِلَةُ غَنِيَّةٌ في إدْراكِها العَقْلِيِّ عَنْ وُجُودِ المَعْقُولِ في الخارِجِ، والقُوَّةُ الحاسَّةُ مُحْتاجَةٌ في إدْراكِها الحِسِّيِّ إلى وُجُودِ المَحْسُوسِ في الخارِجِ، والغَنِيُّ أشْرَفُ مِنَ المُحْتاجِ.

الخامِسَ عَشَرَ: هَذِهِ المَوْجُوداتُ الخارِجِيَّةُ مُمْكِنَةٌ لِذَواتِها وإنَّها مُحْتاجَةٌ إلى الفاعِلِ، والفاعِلُ لا يُمْكِنُهُ الإيجادُ عَلى سَبِيلِ الإتْقانِ إلّا بَعْدَ تَقَدُّمِ العِلْمِ، فَإذَنْ وُجُودُ هَذِهِ الأشْياءِ في الخارِجِ تابِعٌ لِلْإدْراكِ العَقْلِيِّ، وأمّا الإحْساسُ بِها فَلا شَكَّ أنَّهُ تابِعٌ لِوُجُودِها في الخارِجِ، فَإذَنِ القُوَّةُ الحَسّاسَةُ تَبَعٌ لِتَبَعِ القُوَّةِ العاقِلَةِ.

السّادِسَ عَشَرَ: القُوَّةُ العاقِلَةُ غَيْرُ مُحْتاجَةٍ في العَقْلِ إلى الآلاتِ بِدَلِيلِ أنَّ الإنْسانَ لَوِ اخْتَلَّتْ حَواسُّهُ الخَمْسُ، فَإنَّهُ يَعْقِلُ أنَّ الواحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، وأنَّ الأشْياءَ المُساوِيَةَ لِشَيْءٍ واحِدٍ مُتَساوِيَةٌ. وأمّا القُوَّةُ الحَسّاسَةُ فَإنَّها مُحْتاجَةٌ إلى آلاتٍ كَثِيرَةٍ، والغَنِيُّ أفْضَلُ مِنَ المُحْتاجِ.

السّابِعَ عَشَرَ: الإدْراكُ البَصَرِيُّ لا يَحْصُلُ إلّا لِلشَّيْءِ الَّذِي في الجِهاتِ، ثُمَّ إنَّهُ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ في كُلِّ الجِهاتِ بَلْ لا يَتَناوَلُ إلّا المُقابِلَ أوْ ما هو في حُكْمِ المُقابِلِ، واحْتَرَزْنا بِقَوْلِنا في حُكْمِ المُقابِلِ عَنْ أُمُورٍ أرْبَعَةٍ:

الأوَّلُ: العَرْضُ فَإنَّهُ لَيْسَ بِمُقابِلٍ لِأنَّهُ لَيْسَ في المَكانِ، ولَكِنَّهُ في حُكْمِ المُقابِلِ لِأجْلِ كَوْنِهِ قائِمًا بِالجِسْمِ الَّذِي هو مُقابِلٌ.

الثّانِي: رُؤْيَةُ الوجه في المِرْآةِ، فَإنَّ الشُّعاعَ يَخْرُجُ مِنَ العَيْنِ إلى المِرْآةِ، ثُمَّ يَرْتَدُّ مِنها إلى الوجه فَيَصِيرُ الوجه مَرْئِيًّا، وهو مِن هَذا الِاعْتِبارِ كالمُقابِلِ لِنَفْسِهِ.

الثّالِثُ: رُؤْيَةُ الإنْسانِ قَفاهُ إذا جَعَلَ إحْدى المِرْآتَيْنِ مُحاذِيَةً لِوَجْهِهِ والأُخْرى لِقَفاهُ.

والرّابِعُ: رُؤْيَةُ ما لا يُقابَلُ بِسَبَبِ انْعِطافِ الشُّعاعِ في الرُّطُوباتِ كَما هو مَشْرُوحٌ في كِتابِ المَناظِرِ وأمّا القُوَّةُ العاقِلَةُ فَإنَّها مُبَرَّأةٌ عَنِ الجِهاتِ، فَإنَّها تَعْقِلُ الجِهَةَ والجِهَةُ لَيْسَتْ في الجِهَةِ، ولِذَلِكَ تَعْقِلُ أنَّ الشَّيْءَ إمّا أنْ يَكُونَ في الجِهَةِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ في الجِهَةِ، وهَذا التَّرْدِيدُ لا يَصِحُّ إلّا بَعْدَ تَعَقُّلِ مَعْنى قَوْلِنا لَيْسَ في الجِهَةِ.

الثّامِنَ عَشَرَ: القُوَّةُ الباصِرَةُ تَعْجِزُ عِنْدَ الحِجابِ، وأمّا القُوَّةُ العاقِلَةُ فَإنَّها لا يَحْجُبُها شَيْءٌ أصْلًا فَكانَتْ أشْرَفَ.

صفحة ١٩٩

التّاسِعَ عَشَرَ: القُوَّةُ العاقِلَةُ كالأمِيرِ، والحاسَّةُ كالخادِمِ والأمِيرُ أشْرَفُ مِنَ الخادِمِ، وتَقْرِيرُ [الفَرْقِ بَيْنَ] الإمارَةِ والخِدْمَةِ مَشْهُورٌ.

العِشْرُونَ: القُوَّةُ الباصِرَةُ قَدْ تَغْلَطُ كَثِيرًا فَإنَّها قَدْ تُدْرِكُ المُتَحَرِّكَ ساكِنًا وبِالعَكْسِ، كالجالِسِ في السَّفِينَةِ، فَإنَّهُ قَدْ يُدْرِكُ السَّفِينَةَ المُتَحَرِّكَةَ ساكِنَةً والشَّطَّ السّاكِنَ مُتَحَرِّكًا، ولَوْلا العَقْلُ لَما تَمَيَّزَ خَطَأُ البَصَرِ عَنْ صَوابِهِ، والعَقْلُ حاكِمٌ والحِسُّ مَحْكُومٌ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الإدْراكَ العَقْلِيَّ أشْرَفُ مِنَ الإدْراكِ البَصَرِيِّ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الإدْراكَيْنِ يَقْتَضِي الظُّهُورَ الَّذِي هو أشْرَفُ خَواصِّ النُّورِ، فَكانَ الإدْراكُ العَقْلِيُّ أوْلى بِكَوْنِهِ نُورًا مِنَ الإدْراكِ البَصَرِيِّ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذِهِ الأنْوارُ العَقْلِيَّةُ قِسْمانِ:

أحَدُهُما: واجِبُ الحُصُولِ عِنْدَ سَلامَةِ الأحْوالِ وهي التَّعَقُّلاتُ الفِطْرِيَّةُ.

والثّانِي: ما يَكُونُ مُكْتَسَبًا وهي التَّعَقُّلاتُ النَّظَرِيَّةُ. أمّا الفِطْرِيَّةُ فَلَيْسَتْ هي مِن لَوازِمِ جَوْهَرِ الإنْسانِ لِأنَّهُ حالَ الطُّفُولِيَّةِ لَمْ يَكُنْ عالِمًا البَتَّةَ، فَهَذِهِ الأنْوارُ الفِطْرِيَّةُ إنَّما حَصَلَتْ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ فَلا بُدَّ لَها مِن سَبَبٍ، وأمّا النَّظَرِيّاتُ فَمَعْلُومٌ أنَّ الفِطْرَةَ الإنْسانِيَّةَ قَدْ يَعْتَرِيها الزَّيْغُ في الأكْثَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن هادٍ مُرْشِدٍ ولا مُرْشِدَ فَوْقَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى وفَوْقَ إرْشادِ الأنْبِياءِ، فَتَكُونُ مَنزِلَةُ آياتِ القُرْآنِ عِنْدَ عَيْنِ العَقْلِ بِمَنزِلَةِ نُورِ الشَّمْسِ عِنْدَ العَيْنِ الباصِرَةِ إذْ بِهِ يَتِمُّ الإبْصارُ، فَبِالحَرِيِّ أنْ يُسَمّى القُرْآنُ نُورًا كَما يُسَمّى نُورُ الشَّمْسِ نُورًا، فَنُورُ القُرْآنِ يُشْبِهُ نُورَ الشَّمْسِ، ونُورُ العَقْلِ يُشْبِهُ نُورَ العَيْنِ، وبِهَذا يَظْهَرُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ [التَّغابُنِ: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٧٤] ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ [النِّساءِ: ١٧٤] وإذا ثَبَتَ أنَّ بَيانَ الرَّسُولِ أقْوى مِن نُورِ الشَّمْسِ وجَبَ أنْ تَكُونَ نَفْسُهُ القُدْسِيَّةُ أعْظَمَ في النُّورانِيَّةِ مِنَ الشَّمْسِ، وكَما أنَّ الشَّمْسَ في عالَمِ الأجْسامِ تُفِيدُ النُّورَ لِغَيْرِهِ ولا تَسْتَفِيدُهُ مِن غَيْرِهِ فَكَذا نَفْسُ النَّبِيِّ ﷺ تُفِيدُ الأنْوارَ العَقْلِيَّةَ لِسائِرِ الأنْفُسِ البَشَرِيَّةِ، ولا تَسْتَفِيدُ الأنْوارَ العَقْلِيَّةَ مِن شَيْءٍ مِنَ الأنْفُسِ البَشَرِيَّةِ، فَلِذَلِكَ وصَفَ اللَّهُ تَعالى الشَّمْسَ بِأنَّها سِراجٌ حَيْثُ قالَ: ﴿وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٦١] ووَصَفَ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنَّهُ سِراجٌ مُنِيرٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ثَبَتَ بِالشَّواهِدِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ أنَّ الأنْوارَ الحاصِلَةَ في أرْواحِ الأنْبِياءِ مُقْتَبَسَةٌ مِنَ الأنْوارِ الحاصِلَةِ في أرْواحِ المَلائِكَةِ، قالَ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النَّحْلِ: ٢] وقالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٩٣ - ١٩٤] والوَحْيُ لا يَكُونُ إلّا بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، فَإذا جَعَلْنا أرْواحَ الأنْبِياءِ أعْظَمَ اسْتِنارَةً مِنَ الشَّمْسِ، فَأرْواحُ المَلائِكَةِ الَّتِي هي كالمَعادِنِ لِأنْوارِ عُقُولِ الأنْبِياءِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ أعْظَمَ مِن أنْوارِ أرْواحِ الأنْبِياءِ، لِأنَّ السَّبَبَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أقْوى مِنَ المُسَبَّبِ. ثُمَّ نَقُولُ: ثَبَتَ أيْضًا بِالشَّواهِدِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ أنَّ الأرْواحَ السَّماوِيَّةَ مُخْتَلِفَةٌ فَبَعْضُها مُسْتَفِيدَةٌ وبَعْضُها مُفِيدَةٌ، قالَ تَعالى في وصْفِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٢١] وإذا كانَ هو مُطاعُ المَلائِكَةِ فالمُطِيعُونَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا تَحْتَ أمْرِهِ، وقالَ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٤] وإذا ثَبَتَ هَذا فالمُفِيدُ أوْلى بِأنْ يَكُونَ نُورًا مِنَ المُسْتَفِيدِ لِلْعِلَّةِ المَذْكُورَةِ ولِمَراتِبِ الأنْوارِ في عالَمِ الأرْواحِ، مِثالٌ وهو أنَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ إذا وصَلَ إلى القَمَرِ ثُمَّ دَخَلَ في كُوَّةِ بَيْتٍ ووَقَعَ عَلى مِرْآةٍ مَنصُوبَةٍ عَلى حائِطٍ ثُمَّ انْعَكَسَ مِنها إلى حائِطٍ آخَرَ نُصِبَ عَلَيْهِ مِرْآةٌ أُخْرى ثُمَّ انْعَكَسَ مِنها إلى طَسْتٍ مَمْلُوءٍ مِنَ الماءِ مَوْضُوعٍ عَلى الأرْضِ انْعَكَسَ مِنهُ إلى سَقْفِ البَيْتِ، فالنُّورُ الأعْظَمُ في الشَّمْسِ الَّتِي هي المَعْدِنُ، وثانِيًا في القَمَرِ، وثالِثًا ما وصَلَ إلى المِرْآةِ الأُولى، ورابِعًا ما وصَلَ إلى المِرْآةِ الثّانِيَةِ، وخامِسًا ما وصَلَ إلى الماءِ، وسادِسًا ما وصَلَ إلى السَّقْفِ، وكُلَّ ما كانَ أقْرَبَ إلى المَنبَعِ الأوَّلِ فَإنَّهُ أقْوى مِمّا هو أبْعَدُ مِنهُ، فَكَذا الأنْوارُ السَّماوِيَّةُ لَمّا كانَتْ مُرَتَّبَةً

صفحة ٢٠٠

لا جَرَمَ كانَ نُورُ المُفِيدِ أشَدَّ إشْراقًا مِن نُورِ المُسْتَفِيدِ، ثُمَّ تِلْكَ الأنْوارُ لا تَزالُ تَكُونُ مُتَرَقِّيَةً حَتّى تَنْتَهِيَ إلى النُّورِ الأعْظَمِ والرُّوحِ الَّذِي هو أعْظَمُ الأرْواحِ مَنزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ الَّذِي هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النَّبَأِ: ٣٨] ثُمَّ نَقُولُ لا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الأنْوارَ الحِسِّيَّةَ إنْ كانَتْ سُفْلِيَّةً كانَتْ كَأنْوارِ النِّيرانِ أوْ عُلْوِيَّةً كانَتْ كَأنْوارِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ، وكَذا الأنْوارُ العَقْلِيَّةُ سُفْلِيَّةً كانَتْ كالأرْواحِ السُّفْلِيَّةِ الَّتِي لِلْأنْبِياءِ والأوْلِياءِ، أوْ عُلْوِيَّةً كالأرْواحِ العُلْوِيَّةِ الَّتِي هي المَلائِكَةُ، فَإنَّها بِأسْرِها مُمْكِنَةٌ لِذَواتِها، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ يَسْتَحِقُّ العَدَمَ مِن ذاتِهِ والوُجُودَ مِن غَيْرِهِ، والعَدَمُ هو الظُّلْمَةُ الحاصِلَةُ والوُجُودُ هو النُّورُ، فَكُلُّ ما سِوى اللَّهِ مُظْلِمٌ لِذاتِهِ مُسْتَنِيرٌ بِإمْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وكَذا جَمِيعُ مَعارِفِها بَعْدَ وُجُودِها حاصِلٌ مِن وُجُودِ اللَّهِ تَعالى، فالحَقُّ سُبْحانَهُ هو الَّذِي أظْهَرَها بِالوُجُودِ بَعْدَ أنْ كانَتْ في ظُلُماتِ العَدَمِ، وأفاضَ عَلَيْها أنْوارَ المَعارِفِ بَعْدَ أنْ كانَتْ في ظُلُماتِ الجَهالَةِ، فَلا ظُهُورَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا بِإظْهارِهِ، وخاصَّةُ النُّورِ إعْطاءُ الإظْهارِ والتَّجَلِّي والِانْكِشافِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّ النُّورَ المُطْلَقَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وأنَّ إطْلاقَ النُّورِ عَلى غَيْرِهِ مَجازٌ، إذْ كُلُّ ما سِوى اللَّهِ، فَإنَّهُ مِن حَيْثُ هو هو ظُلْمَةٌ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ هو عَدَمٌ مَحْضٌ، بَلِ الأنْوارُ إذا نَظَرْنا إلَيْها مِن حَيْثُ هي هي فَهي ظُلُماتٌ، لِأنَّها مِن حَيْثُ هي هي مُمْكِناتٌ، والمُمْكِنُ مِن حَيْثُ هو هو مَعْدُومٌ، والمَعْدُومُ مُظْلِمٌ. فالنُّورُ إذا نُظِرَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو هو ظُلْمَةٌ، فَأمّا إذا التُفِتَ إلَيْها مِن حَيْثُ أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ أفاضَ عَلَيْها نُورَ الوُجُودِ فَبِهَذا الِاعْتِبارِ صارَتْ أنْوارًا. فَثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو النُّورُ، وأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَلَيْسَ بِنُورٍ إلّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ. ثُمَّ إنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَكَلَّمَ بَعْدَ هَذا في أمْرَيْنِ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском