Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:35, continued
الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لِمَ أضافَ النُّورَ إلى السَّماواتِ والأرْضِ ؟ وأجابَ فَقالَ قَدْ عَرَفْتَ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ مَشْحُونَةٌ بِالأنْوارِ العَقْلِيَّةِ والأنْوارِ الحِسِّيَّةِ، أمّا الحِسِّيَّةُ فَما يُشاهَدُ في السَّماواتِ مِنَ الكَواكِبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ وما يُشاهَدُ في الأرْضِ مِنَ الأشِعَّةِ المُنْبَسِطَةِ عَلى سُطُوحِ الأجْسامِ حَتّى ظَهَرَتْ بِهِ الألْوانُ المُخْتَلِفَةُ، ولَوْلاها لَمْ يَكُنْ لِلْألْوانِ ظُهُورٌ بَلْ وُجُودٌ، وأمّا الأنْوارُ العَقْلِيَّةُ فالعالَمُ الأعْلى مَشْحُونٌ بِها وهي جَواهِرُ المَلائِكَةِ، والعالَمُ الأسْفَلُ مَشْحُونٌ بِها وهي القُوى النَّباتِيَّةُ والحَيَوانِيَّةُ والإنْسانِيَّةُ، وبِالنُّورِ الإنْسانِيِّ السُّفْلِيِّ ظَهَرَ نِظامُ عالَمِ السُّفْلِ كَما بِالنُّورِ المَلَكِيِّ ظُهُورُ نِظامِ عالَمِ العُلُوِّ، وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النُّورِ: ٥٥] وقالَ: ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ [النَّمْلِ: ٦٢] فَإذا عَرَفْتَ هَذا عَرَفْتَ أنَّ العالَمَ بِأسْرِهِ مَشْحُونٌ بِالأنْوارِ الظّاهِرَةِ البَصَرِيَّةِ والباطِنِيَّةِ العَقْلِيَّةِ، ثُمَّ عَرَفْتَ أنَّ السُّفْلِيَّةَ فائِضَةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ فَيَضانَ النُّورِ مِنَ السِّراجِ، فَإنَّ السِّراجَ هو الرُّوحُ النَّبَوِيُّ، ثُمَّ إنَّ الأنْوارَ النَّبَوِيَّةَ القُدْسِيَّةَ مُقْتَبَسَةٌ مِنَ الأرْواحِ العُلْوِيَّةِ اقْتِباسَ السِّراجِ مِنَ النُّورِ، وإنَّ العُلْوِيّاتِ مُقْتَبِسَةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، وإنَّ بَيْنَها تَرْتِيبًا في المَقاماتِ، ثُمَّ تَرْتَقِي جُمْلَتُها إلى نُورِ الأنْوارِ ومَعْدِنِها ومَنبَعِها الأوَّلِ، وأنَّ ذَلِكَ هو اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، فَإذَنِ الكُلُّ نُورُهُ فَلِهَذا قالَ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: فَإذا كانَ اللَّهُ النُّورَ فَلِمَ احْتِيجَ في إثْباتِهِ إلى البُرْهانِ ؟ أجابَ فَقالَ: إنَّ مَعْنى كَوْنِهِ نُورَ السَّماواتِ والأرْضِ مَعْرُوفٌ بِالنِّسْبَةِ إلى النُّورِ الظّاهِرِ البَصَرِيِّ، فَإذا رَأيْتَ خُضْرَةَ الرَّبِيعِ في ضِياءِ النَّهارِ فَلَسْتَ تَشُكُّ في أنَّكَ تَرى الألْوانَ فَرُبَّما ظَنَنْتَ أنَّكَ لا تَرى مَعَ الألْوانِ غَيْرَها، فَإنَّكَ تَقُولُ لَسْتُ أرى مَعَ الخُضْرَةِ غَيْرَ الخُضْرَةِ إلّا أنَّكَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ تُدْرِكُ تَفْرِقَةً ضَرُورِيَّةً بَيْنَ اللَّوْنِ حالَ وُقُوعِ الضَّوْءِ عَلَيْهِ وعَدَمِ وُقُوعِهِ
صفحة ٢٠١
عَلَيْهِ، فَلا جَرَمَ تَعْرِفُ أنَّ النُّورَ مَعْنًى غَيْرُ اللَّوْنِ يُدْرَكُ مَعَ الألْوانِ إلّا أنَّهُ كانَ لِشِدَّةِ اتِّحادِهِ بِهِ لا يُدْرَكُ، ولِشِدَّةِ ظُهُورِهِ يَخْتَفِي، وقَدْ يَكُونُ الظُّهُورُ سَبَبَ الخَفاءِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فاعْلَمْ أنَّهُ كَما ظَهَرَ كُلُّ شَيْءٍ لِلْبَصَرِ بِالنُّورِ الظّاهِرِ فَقَدْ ظَهَرَ كُلُّ شَيْءٍ لِلْبَصِيرَةِ الباطِنَةِ بِاللَّهِ، ونُورُهُ حاصِلٌ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لا يُفارِقُهُ، ولَكِنْ بَقِيَ هَهُنا تَفاوُتٌ وهو أنَّ النُّورَ الظّاهِرَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَغِيبَ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ ويُحْجَبَ، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أنَّهُ غَيْرُ اللَّوْنِ، وأمّا النُّورُ الإلَهِيُّ الَّذِي بِهِ يَظْهَرُ كُلُّ شَيْءٍ لا يُتَصَوَّرُ غَيْبَتُهُ بَلْ يَسْتَحِيلُ تَغَيُّرُهُ فَيَبْقى مَعَ الأشْياءِ دائِمًا، فانْقَطَعَ طَرِيقُ الِاسْتِدْلالِ بِالتَّفْرِقَةِ، ولَوْ تُصُوِّرَتْ غَيْبَتُهُ لانْهَدَمَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ولَأُدْرِكَ عِنْدَهُ مِنَ التَّفْرِقَةِ ما يَحْصُلُ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِهِ، ولَكِنْ لَمّا تَساوَتِ الأشْياءُ كُلُّها عَلى نَمَطٍ واحِدٍ في الشَّهادَةِ عَلى وُجُودِ خالِقِها، وأنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ لا بَعْضَ الأشْياءِ، وفي جَمِيعِ الأوْقاتِ لا في بَعْضِ الأوْقاتِ ارْتَفَعَتِ التَّفْرِقَةُ وخَفِيَ الطَّرِيقُ، إذِ الطَّرِيقُ الظّاهِرُ مَعْرِفَةُ الأشْياءِ بِالأضْدادِ، فَما لا ضِدَّ لَهُ ولا تَغَيُّرَ لَهُ بِتَشابُهِ أحْوالِهِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَخْفى ويَكُونُ خَفاؤُهُ لِشِدَّةِ ظُهُورِهِ وجَلائِهِ، فَسُبْحانَ مَنِ اخْتَفى عَنِ الخَلْقِ لِشِدَّةِ ظُهُورِهِ واحْتَجَبَ عَنْهم بِإشْراقِ نُورِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ الَّذِي رَوَيْناهُ عَنِ الشَّيْخِ الغَزالِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ كَلامٌ مُسْتَطابٌ ولَكِنْ يَرْجِعُ حاصِلُهُ بَعْدَ التَّحْقِيقِ إلى أنَّ مَعْنى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ نُورًا أنَّهُ خالِقٌ لِلْعالَمِ وأنَّهُ خالِقٌ لِلْقُوى الدَّرّاكَةِ، وهو المَعْنى مِن قَوْلِنا مَعْنى كَوْنِهِ نُورَ السَّماواتِ والأرْضِ أنَّهُ هادِي أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَلا تَفاوُتَ بَيْنَ ما قالَهُ وبَيْنَ الَّذِي نَقَلْناهُ عَنِ المُفَسِّرِينَ في المَعْنى، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
الفَصْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ لِلَّهِ سَبْعِينَ حِجابًا مِن نُورٍ وظُلْمَةٍ لَوْ كَشَفَها لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ كُلَّ ما أدْرَكَ بَصَرُهُ» “ وفي بَعْضِ الرِّواياتِ سَبْعُمِائَةٍ وفي بَعْضِها سَبْعُونَ ألْفًا.
فَأقُولُ: لَمّا ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُتَجَلٍّ في ذاتِهِ لِذاتِهِ كانَ الحِجابُ بِالإضافَةِ إلى المَحْجُوبِ لا مَحالَةَ والمَحْجُوبُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَحْجُوبًا، إمّا بِحِجابٍ مُرَكَّبٍ مِن نُورٍ وظُلْمَةٍ، وإمّا بِحِجابٍ مُرَكَّبٍ مِن نُورٍ فَقَطْ، أوْ بِحِجابٍ مُرَكَّبٍ مِن ظُلْمَةٍ فَقَطْ، أمّا المَحْجُوبُونَ بِالظُّلْمَةِ المَحْضَةِ فَهُمُ الَّذِينَ بَلَغُوا في الِاشْتِغالِ بِالعَلائِقِ البَدَنِيَّةِ إلى حَيْثُ لَمْ يَلْتَفِتْ خاطِرُهم إلى أنَّهُ هَلْ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِوُجُودِ هَذِهِ المَحْسُوساتِ عَلى وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ أمْ لا؛ وذَلِكَ لِأنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أنَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ هو هو مُظْلِمٌ، وإنَّما كانَ مُسْتَنِيرًا مِن حَيْثُ اسْتَفادَ النُّورَ مِن حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فَمَنِ اشْتَغَلَ بِالجُسْمانِيّاتِ مِن حَيْثُ هي هي وصارَ ذَلِكَ الِاشْتِغالُ حائِلًا لَهُ عَنِ الِالتِفاتِ إلى جانِبِ النُّورِ كانَ حِجابُهُ مَحْضَ الظُّلْمَةِ، ولَمّا كانَتْ أنْواعُ الِاشْتِغالِ بِالعَلائِقِ البَدَنِيَّةِ خارِجَةً عَنِ الحَدِّ والحَصْرِ فَكَذا أنْواعُ الحُجُبِ الظُّلْمانِيَّةِ خارِجَةٌ عَنِ الحَدِّ والحَصْرِ.
القِسْمُ الثّانِي: المَحْجُوبُونَ بِالحُجُبِ المَمْزُوجَةِ مِنَ النُّورِ والظُّلْمَةِ
اعْلَمْ أنَّ مَن نَظَرَ إلى هَذِهِ المَحْسُوساتِ فَإمّا أنْ يَعْتَقِدَ فِيها أنَّها غَنِيَّةٌ عَنِ المُؤَثِّرِ، أوْ يَعْتَقِدَ فِيها أنَّها مُحْتاجَةٌ، فَإنِ اعْتَقَدَ أنَّها غَنِيَّةٌ فَهَذا حِجابٌ مَمْزُوجٌ مِن نُورٍ وظُلْمَةٍ ”أمّا النُّورُ“ فَلِأنَّهُ تَصَوَّرَ ماهِيَّةَ الِاسْتِغْناءِ عَنِ الغَيْرِ، وذَلِكَ مِن صِفاتِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى وهو مِن صِفاتِ النُّورِ ”وأمّا الظُّلْمَةُ“ فَلِأنَّهُ اعْتَقَدَ حُصُولَ ذَلِكَ الوَصْفِ في هَذِهِ الأجْسامِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ لا يَلِيقُ بِهَذا الوَصْفِ وهَذا ظُلْمَةٌ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا حِجابٌ مَمْزُوجٌ مِن نُورٍ وظُلْمَةٍ، ثُمَّ أصْنافُ هَذا القِسْمِ كَثِيرَةٌ، فَإنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ المُمْكِنَ غَنِيٌّ عَنِ المُؤَثِّرِ، ومِنهم مَن يُسَلِّمُ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ يَقُولُ المُؤَثِّرُ فِيها طَبائِعُها أوْ حَرَكاتُها أوِ اجْتِماعُها وافْتِراقُها أوْ نِسْبَتُها إلى حَرَكاتِ الأفْلاكِ أوْ إلى مُحَرِّكاتِها وكُلُّ هَؤُلاءِ مِن هَذا القِسْمِ.
صفحة ٢٠٢
القِسْمُ الثّالِثُ: الحُجُبُ النُّورانِيَّةُ المَحْضَةُ:
واعْلَمْ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ سُبْحانَهُ إلّا بِواسِطَةِ تِلْكَ الصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ والإضافِيَّةِ ولا نِهايَةَ لِهَذِهِ الصِّفاتِ ولِمَراتِبِها، فالعَبْدُ لا يَزالُ يَكُونُ مُتَرَقِّيًا فِيها فَإنْ وصَلَ إلى دَرَجَةٍ وبَقِيَ فِيها كانَ اسْتِغْراقُهُ في مُشاهَدَةِ تِلْكَ الدَّرَجَةِ حِجابًا لَهُ عَنِ التَّرَقِّي إلى ما فَوْقَها، ولَمّا كانَ لا نِهايَةَ لِهَذِهِ الدَّرَجاتِ كانَ العَبْدُ أبَدًا في السَّيْرِ والِانْتِقالِ، وأمّا حَقِيقَتُهُ المَخْصُوصَةُ فَهي مُحْتَجِبَةٌ عَنِ الكُلِّ فَقَدْ أشَرْنا إلى كَيْفِيَّةِ مَراتِبِ الحَجْبِ، وأنْتَ تَعْرِفُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما حَصَرَها في سَبْعِينَ ألْفًا تَقْرِيبًا لا تَحْدِيدًا فَإنَّها لا نِهايَةَ لَها في الحَقِيقَةِ.
* * *
الفَصْلُ الثّالِثُ في شَرْحِ كَيْفِيَّةِ التَّمْثِيلِ.
اعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ في التَّشْبِيهِ مِن أمْرَيْنِ: المُشَبَّهُ والمُشَبَّهُ بِهِ، واخْتَلَفَ النّاسُ هَهُنا في أنَّ المُشَبَّهَ أيُّ شَيْءٍ هو ؟ وذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُتَكَلِّمِينَ ونَصَرَهُ القاضِي أنَّ المُرادَ مِنَ الهُدى الَّتِي هي الآياتُ البَيِّناتُ، والمَعْنى أنَّ هِدايَةَ اللَّهِ تَعالى قَدْ بَلَغَتْ في الظُّهُورِ والجَلاءِ إلى أقْصى الغاياتِ وصارَتْ في ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ المِشْكاةِ الَّتِي تَكُونُ فِيها زُجاجَةٌ صافِيَةٌ، وفي الزُّجاجَةِ مِصْباحٌ يَتَّقِدُ بِزَيْتٍ بَلَغَ النِّهايَةَ في الصَّفاءِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ شَبَّهَهُ بِذَلِكَ وقَدْ عَلِمْنا أنَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ أبْلَغُ مِن ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، قُلْنا إنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ أنْ يَصِفَ الضَّوْءَ الكامِلَ الَّذِي يَلُوحُ وسَطَ الظُّلْمَةِ لِأنَّ الغالِبَ عَلى أوْهامِ الخَلْقِ وخَيالاتِهِمْ إنَّما هو الشُّبُهاتُ الَّتِي هي كالظُّلُماتِ، وهِدايَةُ اللَّهِ تَعالى فِيما بَيْنَها كالضَّوْءِ الكامِلِ الَّذِي يَظْهَرُ فِيما بَيْنَ الظُّلُماتِ، وهَذا المَقْصُودُ لا يَحْصُلُ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ لِأنَّ ضَوْءَها إذا ظَهَرَ امْتَلَأ العالَمُ مِنَ النُّورِ الخالِصِ، وإذا غابَ امْتَلَأ العالَمُ مِنَ الظُّلْمَةِ الخالِصَةِ فَلا جَرَمَ كانَ ذَلِكَ المَثَلُ هَهُنا ألْيَقَ وأوْفَقَ.
واعْلَمْ أنَّ الأُمُورَ الَّتِي اعْتَبَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذا المِثالِ مِمّا تُوجِبُ كَمالَ الضَّوْءِ:
فَأوَّلُها: المِصْباحُ لِأنَّ المِصْباحَ إذا لَمْ يَكُنْ في المِشْكاةِ تَفَرَّقَتْ أشِعَّتُهُ، أمّا إذا وُضِعَ في المِشْكاةِ اجْتَمَعَتْ أشِعَّتُهُ فَكانَتْ أكْثَرَ إنارَةً، والَّذِي يُحَقِّقُ ذَلِكَ أنَّ المِصْباحَ إذا كانَ في بَيْتٍ صَغِيرٍ فَإنَّهُ يَظْهَرُ مِن ضَوْئِهِ أكْثَرُ مِمّا يَظْهَرُ في البَيْتِ الكَبِيرِ.
وثانِيها: أنَّ المِصْباحَ إذا كانَ في زُجاجَةٍ صافِيَةٍ فَإنَّ الأشِعَّةَ المُنْفَصِلَةَ عَنِ المِصْباحِ تَنْعَكِسُ مِن بَعْضِ جَوانِبِ الزُّجاجَةِ إلى البَعْضِ لِما في الزُّجاجَةِ مِنَ الصَّفاءِ والشَّفافِيَّةِ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ يَزْدادُ الضَّوْءُ والنُّورُ، والَّذِي يُحَقِّقُ ذَلِكَ أنَّ شُعاعَ الشَّمْسِ إذا وقَعَ عَلى الزُّجاجَةِ الصّافِيَةِ تَضاعَفَ الضَّوْءُ الظّاهِرُ حَتّى أنَّهُ يَظْهَرُ فِيما يُقابِلُهُ مِثْلُ ذَلِكَ الضَّوْءِ، فَإنِ انْعَكَسَتْ تِلْكَ الأشِعَّةُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن جَوانِبِ الزُّجاجَةِ إلى الجانِبِ الآخَرِ كَثُرَتِ الأنْوارُ والأضْواءُ وبَلَغَتِ النِّهايَةَ المُمْكِنَةَ.
وثالِثُها: أنَّ ضَوْءَ المِصْباحِ يَخْتَلِفُ بِحَسْبِ اخْتِلافِ ما يَتَّقِدُ بِهِ، فَإذا كانَ ذَلِكَ الدُّهْنُ صافِيًا خالِصًا كانَتْ حالَتُهُ بِخِلافِ حالَتِهِ إذا كانَ كَدِرًا ولَيْسَ في الأدْهانِ الَّتِي تُوقِدُ ما يَظْهَرُ فِيهِ مِنَ الصَّفاءِ مِثْلَ الَّذِي يَظْهَرُ في الزَّيْتِ، فَرُبَّما يَبْلُغُ في الصَّفاءِ والرِّقَّةِ مَبْلَغَ الماءِ مَعَ زِيادَةِ بَياضٍ فِيهِ وشُعاعٍ يَتَرَدَّدُ في أجْزائِهِ.
ورابِعُها: أنَّ هَذا الزَّيْتَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ شَجَرَتِهِ، فَإذا كانَتْ لا شَرْقِيَّةً ولا غَرْبِيَّةً بِمَعْنى أنَّها كانَتْ بارِزَةً لِلشَّمْسِ في كُلِّ حالاتِها يَكُونُ زَيْتُونُها أشَدَّ نُضْجًا، فَكانَ زَيْتُهُ أكْثَرَ صَفاءً وأقْرَبَ إلى أنْ يَتَمَيَّزَ صَفْوُهُ مِن كَدَرِهِ لِأنَّ زِيادَةَ الشَّمْسِ تُؤَثِّرُ في ذَلِكَ، فَإذا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الأُمُورُ الأرْبَعَةُ وتَعاوَنَتْ صارَ ذَلِكَ الضَّوْءُ خالِصًا كامِلًا فَيَصْلُحُ أنْ يُجْعَلَ مَثَلًا لِهِدايَةِ اللَّهِ تَعالى.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنَ النُّورِ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ القُرْآنُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ [المائِدَةِ: ١٥] وهو قَوْلُ الحَسَنِ وسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وثالِثُها: أنَّ المُرادَ
صفحة ٢٠٣
هُوَ الرَّسُولُ لِأنَّهُ المُرْشِدُ، ولِأنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِهِ: ﴿وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحْزابِ: ٤٦] وهو قَوْلُ عَطاءٍ، وهَذانِ القَوْلانِ داخِلانِ في القَوْلِ الأوَّلِ، لِأنَّ مِن جُمْلَةِ أنْواعِ الهِدايَةِ إنْزالَ الكُتُبِ وبِعْثَةَ الرُّسُلِ. قالَ تَعالى في صِفَةِ الكُتُبِ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشُّورى: ٥٢] وقالَ في صِفَةِ الرُّسُلِ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النِّساءِ: ١٦٥] .
ورابِعُها: أنَّ المُرادَ مِنهُ ما في قَلْبِ المُؤْمِنِينَ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةِ الشَّرائِعِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ الإيمانَ بِأنَّهُ نُورٌ والكُفْرَ بِأنَّهُ ظُلْمَةٌ، فَقالَ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٢] وقالَ تَعالى: ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [الطَّلاقِ: ١١] وحاصِلُهُ أنَّهُ حَمَلَ الهُدى عَلى الِاهْتِداءِ، والمَقْصُودُ مِنَ التَّمْثِيلِ أنَّ إيمانَ المُؤْمِنِ قَدْ بَلَغَ في الصَّفاءِ عَنِ الشُّبُهاتِ، والِامْتِيازِ عَنْ ظُلُماتِ الضَّلالاتِ مَبْلَغَ السِّراجِ المَذْكُورِ، وهو قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ، قالَ أُبَيٌّ: مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ، وهَكَذا كانَ يَقْرَأُ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: مَثَلُ نُورِ مَن آمَنَ بِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَثَلُ نُورِهِ في قَلْبِ المُؤْمِنِ.
وخامِسُها: ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وهو: أنّا بَيَّنّا أنَّ القُوى المُدْرِكَةَ أنْوارٌ، ومَراتِبُ القُوى المُدْرِكَةِ الإنْسانِيَّةِ خَمْسَةٌ:
أحَدُها: القُوَّةُ الحَسّاسَةُ، وهي الَّتِي تَتَلَقّى ما تُورِدُهُ الحَواسُّ الخَمْسُ وكَأنَّها أصْلُ الرُّوحِ الحَيَوانِيِّ، وأوَّلُهُ إذْ بِهِ يَصِيرُ الحَيَوانُ حَيَوانًا وهو مَوْجُودٌ لِلصَّبِيِّ الرَّضِيعِ.
وثانِيها: القُوَّةُ الخَيالِيَّةُ وهي الَّتِي تَسْتَثْبِتُ ما أوْرَدَهُ الحَواسُّ وتَحْفَظُهُ مَخْزُونًا عِنْدَها لِتَعْرِضَهُ عَلى القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي فَوْقَها عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
وثالِثُها: القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ المُدْرِكَةُ لِلْحَقائِقِ الكُلِّيَّةِ.
ورابِعُها: القُوَّةُ الفِكْرِيَّةُ وهي الَّتِي تَأْخُذُ المَعارِفَ العَقْلِيَّةَ فَتُؤَلِّفُها تَأْلِيفًا فَتَسْتَنْتِجُ مِن تَأْلِيفِها عِلْمًا بِمَجْهُولٍ.
وخامِسُها: القُوَّةُ القُدْسِيَّةُ الَّتِي تَخْتَصُّ بِها الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَعْضُ الأوْلِياءِ، وتَتَجَلّى فِيها لَوائِحُ الغَيْبِ وأسْرارُ المَلَكُوتِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشُّورى: ٥٢] وإذا عَرَفْتَ هَذِهِ القُوى فَهي بِجُمْلَتِها أنْوارٌ، إذْ بِها تَظْهَرُ أصْنافُ المَوْجُوداتِ، وأنَّ هَذِهِ المَراتِبَ الخَمْسَةَ يُمْكِنُ تَشْبِيهُها بِالأُمُورِ الخَمْسَةِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى وهي: المِشْكاةُ والزُّجاجَةُ والمِصْباحُ والشَّجَرَةُ والزَّيْتُ. أمّا الرُّوحُ الحَسّاسُ فَإذا نَظَرْتَ إلى خاصِّيَّتِهِ وجَدْتَ أنْوارَهُ خارِجَةً مِن عِدَّةِ أثْقُبٍ كالعَيْنَيْنِ والأُذُنَيْنِ والمِنخَرَيْنِ وأوْفَقُ مِثالٍ لَهُ مِن عالَمِ الأجْسامِ المِشْكاةُ.
وأمّا الثّانِي: وهو الرُّوحُ الخَيالِيُّ فَنَجِدُ لَهُ خَواصَّ ثَلاثَةً:
الأُولى: أنَّهُ مِن طِينَةِ العالَمِ السُّفْلِيِّ الكَثِيفِ لِأنَّ الشَّيْءَ المُتَخَيَّلَ ذُو قَدْرٍ وشَكْلٍ وحَيِّزٍ، ومِن شَأْنِ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ أنْ تُحْجَبَ عَنِ الأنْوارِ العَقْلِيَّةِ المَحْضَةِ الَّتِي هي التَّعَقُّلاتُ الكُلِّيَّةُ المُجَرَّدَةُ.
والثّانِيَةُ: أنَّ هَذا الخَيالَ الكَثِيفَ إذا صَفا ورَقَّ وهُذِّبَ صارَ مُوازِنًا لِلْمَعانِي العَقْلِيَّةِ ومُؤَدِّيًا لِأنْوارِها وغَيْرَ حائِلٍ عَنْ إشْراقِ نُورِها، ولِذَلِكَ فَإنَّ المُعَبِّرَ يَسْتَدِلُّ بِالصُّوَرِ الخَيالِيَّةِ عَلى المَعانِي العَقْلِيَّةِ، كَما يَسْتَدِلُّ بِالشَّمْسِ عَلى المَلِكِ، وبِالقَمَرِ عَلى الوَزِيرِ، وبِمَن يَخْتِمُ فُرُوجَ
صفحة ٢٠٤
النّاسِ وأفْواهَهم عَلى أنَّهُ مُؤَذِّنٌ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الصُّبْحِ.
والثّالِثَةُ: أنَّ الخَيالَ في بِدايَةِ الأمْرِ مُحْتاجٌ إلَيْهِ جِدًّا لِيَضْبِطَ بِها المَعارِفَ العَقْلِيَّةَ ولا تَضْطَرِبَ، فَنِعْمَ المِثالاتُ الخَيالِيَّةُ الجالِبَةُ لِلْمَعارِفِ العَقْلِيَّةِ، وأنْتَ لا تَجِدُ شَيْئًا في الأجْسامِ يُشْبِهُ الخَيالَ في هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ إلّا الزُّجاجَةُ، فَإنَّها في الأصْلِ مِن جَوْهَرٍ كَثِيفٍ ولَكِنْ صَفا ورَقَّ حَتّى صارَ لا يَحْجُبُ نُورَ المِصْباحِ بَلْ يُؤَدِّيهِ عَلى وجْهِهِ، ثُمَّ يَحْفَظُهُ عَلى الِانْطِفاءِ بِالرِّياحِ العاصِفَةِ.
وأمّا الثّالِثُ: وهو القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ فَهي القَوِيَّةُ عَلى إدْراكِ الماهِيّاتِ الكُلِّيَّةِ والمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، فَلا يَخْفى عَلَيْكَ وجْهُ تَمْثِيلِهِ بِالمِصْباحِ، وقَدْ عَرَفْتَ هَذا حَيْثُ بَيَّنّا كَوْنَ الأنْبِياءِ سُرُجًا مُنِيرَةً.
وأمّا الرّابِعُ: وهو القُوَّةُ الفِكْرِيَّةُ فَمِن خَواصِّها أنَّها تَأْخُذُ ماهِيَّةً واحِدَةً، ثُمَّ تُقَسِّمُها إلى قِسْمَيْنِ، كَقَوْلِنا: المَوْجُودُ إمّا واجِبٌ وإمّا مُمْكِنٌ، ثُمَّ تَجْعَلُ كُلَّ قِسْمٍ مَرَّةً أُخْرى قِسْمَيْنِ وهَكَذا إلى أنْ تَكْثُرَ الشُّعَبُ بِالتَّقْسِيماتِ العَقْلِيَّةِ، ثُمَّ تُفْضِي بِالآخِرَةِ إلى نَتائِجِها وهي ثَمَراتُها، ثُمَّ تَعُودُ فَتَجْعَلُ تِلْكَ الثَّمَراتِ بُذُورًا لِأمْثالِها حَتّى تَتَأدّى إلى ثَمَراتٍ لا نِهايَةَ لَها، فَبِالحَرِيِّ أنْ يَكُونَ مِثالُهُ مِن هَذا العالَمِ الشَّجَرَةَ، وإذا كانَتْ ثِمارُها مادَّةً لِتَزايُدِ أنْوارِ المَعارِفِ ونَباتِها، فَبِالحَرِيِّ أنْ لا يُمَثَّلَ بِشَجَرَةِ السَّفَرْجَلِ والتُّفّاحِ، بَلْ بِشَجَرَةِ الزَّيْتُونِ خاصَّةً، لِأنَّ لُبَّ ثَمَرَتِها هو الزَّيْتُ الَّذِي هو مادَّةُ المَصابِيحِ، ولَهُ مِن بَيْنِ سائِرِ الأدْهانِ خاصِّيَّةُ زِيادَةِ الإشْراقِ وقِلَّةِ الدُّخانِ، وإذا كانَتِ الماشِيَةُ الَّتِي يَكْثُرُ دَرُّها ونَسْلُها والشَّجَرَةُ الَّتِي تَكْثُرُ ثَمَرَتُها تُسَمّى مُبارَكَةً، فالَّذِي لا يَتَناهى إلى حَدٍّ مَحْدُودٍ أوْلى أنْ يُسَمّى شَجَرَةً مُبارَكَةً، وإذا كانَتْ شُعَبُ الأفْكارِ العَقْلِيَّةِ المَحْضَةِ مُجَرَّدَةً عَنْ لَواحِقِ الأجْسامِ، فَبِالحَرِيِّ أنْ تَكُونَ لا شَرْقِيَّةً ولا غَرْبِيَّةً.
وأمّا الخامِسُ: وهو القُوَّةُ القُدْسِيَّةُ النَّبَوِيَّةُ فَهي في نِهايَةِ الشَّرَفِ والصَّفاءِ، فَإنَّ القُوَّةَ الفِكْرِيَّةَ تَنْقَسِمُ إلى ما يَحْتاجُ إلى تَعْلِيمٍ وتَنْبِيهٍ وإلى ما لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، ولا بُدَّ مِن وُجُودِ هَذا القِسْمِ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، فَبِالحَرِيِّ أنْ يُعَبَّرَ عَنْ هَذا القِسْمِ بِكَمالِهِ وصَفائِهِ وشِدَّةِ اسْتِعْدادِهِ بِأنَّهُ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ، فَهَذا المِثالُ مُوافِقٌ لِهَذا القِسْمِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأنْوارُ مُرَتَّبَةً بَعْضُها عَلى بَعْضٍ فالحِسُّ هو الأوَّلُ وهو كالمُقَدِّمَةِ لِلْخَيالِ، والخَيالُ كالمُقَدَّمَةِ لِلْعَقْلِ، فَبِالحَرِيِّ أنْ تَكُونَ المِشْكاةُ كالظَّرْفِ لِلزُّجاجَةِ الَّتِي هي كالظَّرْفِ لِلْمِصْباحِ.
وسادِسُها: ما ذَكَرَهُ أبُو عَلِيِّ بْنُ سِينا فَإنَّهُ نَزَّلَ هَذِهِ الأمْثِلَةَ الخَمْسَةَ عَلى مَراتِبِ إدْراكاتِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ، فَقالَ: لا شَكَّ أنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ قابِلَةٌ لِلْمَعارِفِ الكُلِّيَّةِ والإدْراكاتِ المُجَرَّدَةِ، ثُمَّ إنَّها في أوَّلِ الأمْرِ تَكُونُ خالِيَةً عَنْ جَمِيعِ هَذِهِ المَعارِفِ فَهُناكَ تُسَمّى عَقْلًا هَيُولِيًّا وهي المِشْكاةُ.
وفِي المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ يَحْصُلُ فِيها العُلُومُ البَدِيهِيَّةُ الَّتِي يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِتَرْكِيباتِها إلى اكْتِسابِ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ أمْكِنَةَ الِانْتِقالِ إنْ كانَتْ ضَعِيفَةً فَهي الشَّجَرَةُ، وإنْ كانَتْ أقْوى مِن ذَلِكَ فَهي الزَّيْتُ، وإنْ كانَتْ شَدِيدَةَ القُوَّةِ جِدًّا فَهي الزُّجاجَةُ الَّتِي تَكُونُ كَأنَّها الكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ، وإنْ كانَتْ في النِّهايَةِ القُصْوى وهي النَّفْسُ القُدْسِيَّةُ الَّتِي لِلْأنْبِياءِ فَهي الَّتِي يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ.
وفِي المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ: يُكْتَسَبُ مِنَ العُلُومِ الفِطْرِيَّةِ الضَّرُورِيَّةِ العُلُومُ النَّظَرِيَّةُ إلّا أنَّها لا تَكُونُ حاضِرَةً بِالفِعْلِ ولَكِنَّها تَكُونُ بِحَيْثُ مَتى شاءَ صاحِبُها اسْتِحْضارَها قَدَرَ عَلَيْهِ، وهَذا يُسَمّى عَقْلًا بِالفِعْلِ وهَذا المِصْباحُ.
وفِي المَرْتَبَةِ الرّابِعَةِ: أنْ تَكُونَ تِلْكَ المَعارِفُ الضَّرُورِيَّةُ والنَّظَرِيَّةُ حاصِلَةً بِالفِعْلِ ويَكُونُ صاحِبُها كَأنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْها وهَذا يُسَمّى عَقْلًا مُسْتَفادًا وهو نُورٌ عَلى نُورٍ؛ لِأنَّ المَلَكَةَ نُورٌ وحُصُولُ ما عَلَيْهِ المَلَكَةُ نُورٌ آخَرُ، ثُمَّ زَعَمَ أنَّ هَذِهِ العُلُومَ الَّتِي تَحْصُلُ في الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، إنَّما تَحْصُلُ مِن جَوْهَرٍ رُوحانِيٍّ يُسَمّى بِالعَقْلِ الفَعّالِ وهو مُدَبِّرُ ما تَحْتَ كُرَةِ القَمَرِ وهو النّارُ.
وسابِعُها: قَوْلُ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ هو أنَّهُ سُبْحانَهُ شَبَّهَ الصَّدْرَ بِالمِشْكاةِ والقَلْبَ بِالزُّجاجَةِ والمَعْرِفَةَ بِالمِصْباحِ،
صفحة ٢٠٥
وهَذا المِصْباحُ إنَّما تَوَقَّدَ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ وهي إلْهاماتُ المَلائِكَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٩٣ - ١٩٤] وإنَّما شَبَّهَ المَلائِكَةَ بِالشَّجَرَةِ المُبارَكَةِ لِكَثْرَةِ مَنافِعِهِمْ، وإنَّما وصَفَها بِأنَّها لا شَرْقِيَّةٌ ولا غَرْبِيَّةٌ لِأنَّها رُوحانِيَّةٌ، وإنَّما وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ لِكَثْرَةِ عُلُومِها وشِدَّةِ إطِّلاعِها عَلى أسْرارِ مَلَكُوتِ اللَّهِ تَعالى، والظّاهِرُ هَهُنا أنَّ المُشَبَّهَ غَيْرُ المُشَبَّهِ بِهِ.
وثامِنُها: قالَ مُقاتِلٌ: مَثَلُ نُورِهِ أيْ مَثَلُ نُورِ الإيمانِ في قَلْبِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ، فالمِشْكاةُ نَظِيرُ صُلْبِ عَبْدِ اللَّهِ، والزُّجاجَةُ نَظِيرُ جَسَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمِصْباحُ نَظِيرُ الإيمانِ في قَلْبِ مُحَمَّدٍ أوْ نَظِيرُ النُّبُوَّةِ في قَلْبِهِ.
وتاسِعُها: قالَ قَوْمٌ: المِشْكاةُ نَظِيرُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والزُّجاجَةُ نَظِيرُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمِصْباحُ نَظِيرُ جَسَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والشَّجَرَةُ النُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ.
وعاشِرُها: أنَّ قَوْلَهُ مَثَلُ نُورِهِ يَرْجِعُ إلى المُؤْمِنِ وهو قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وكانَ يَقْرَأُها مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ. واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ هو المُخْتارُ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ فَإذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أيْ مَثَلُ هُداهُ وبَيانِهِ كانَ ذَلِكَ مُطابِقًا لِما قَبْلَهُ، ولِأنّا لَمّا فَسَّرْنا قَوْلَهُ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بِأنَّهُ هادِي أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَإذا فَسَّرْنا قَوْلَهُ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ بِأنَّ المُرادَ مَثَلُ هُداهُ كانَ ذَلِكَ مُطابِقًا لِما قَبْلَهُ.
* * *
الفَصْلُ الرّابِعُ - في بَقِيَّةِ المَباحِثِ المُتَعَلِّقَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ:
وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: المِشْكاةُ الكُوَّةُ في الجِدارِ غَيْرُ النّافِذَةِ، هَذا هو القَوْلُ المَشْهُورُ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا أُخَرَ:
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: المِشْكاةُ القائِمُ الَّذِي في وسَطِ القِنْدِيلِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ الفَتِيلَةُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والقُرَظِيِّ.
والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: هي هَهُنا قَصَبَةُ القِنْدِيلِ مِنَ الزُّجاجَةِ الَّتِي تُوضَعُ فِيها الفَتِيلَةُ.
الثّالِثُ: قالَ الضَّحّاكُ إنَّها الحَلْقَةُ الَّتِي يُعَلَّقُ بِها القِنْدِيلُ. والأوَّلُ هو الأصَحُّ.
المسألة الثّانِيَةُ: زَعَمُوا أنَّ المِشْكاةَ هي الكُوَّةُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: المِشْكاةُ مِن كَلامِ العَرَبِ، ومِثْلُها المِشْكاةُ وهي الدَّقِيقُ الصَّغِيرُ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ مِنَ المَقْلُوبِ، والتَّقْدِيرُ مَثَلُ نُورِهِ كَمِصْباحٍ في مِشْكاةٍ لِأنَّ المُشَبَّهَ بِهِ هو الَّذِي يَكُونُ مَعْدِنًا لِلنُّورِ ومَنبَعًا لَهُ، وذَلِكَ هو المِصْباحُ لا المِشْكاةُ.
المسألة الرّابِعَةُ: المِصْباحُ السِّراجُ وأصْلُهُ مِنَ الضَّوْءِ ومِنهُ الصُّبْحُ.
المسألة الخامِسَةُ: قُرِئَ ”زُجاجَةٌ“ الزُّجاجَةُ بِالضَّمِّ والفَتْحِ والكَسْرِ أمّا ”دُرِّيٌّ“ فَقُرِئَ بِضَمِّ الدّالِ وكَسْرِها وفَتْحِها، أمّا الضَّمُّ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: ضَمُّ الدّالِ وتَشْدِيدُ الرّاءِ والياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ وهو القِراءَةُ المَعْرُوفَةُ، ومَعْناهُ أنَّهُ يُشْبِهُ الدُّرَّ لِصَفائِهِ ولَمَعانِهِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّكم لَتَرَوْنَ أهْلَ الدَّرَجاتِ العُلى كَما تَرَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ في أُفُقِ السَّماءِ» “ .
الثّانِي: أنَّهُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِالمَدِّ والهَمْزَةِ وهو قِراءَةُ حَمْزَةَ وعاصِمٍ
صفحة ٢٠٦
فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وصارَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ إلى أنَّهُ لَحْنٌ، قالَ سِيبَوَيْهِ: وهَذا أضْعَفُ اللُّغاتِ وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الضَّوْءِ والتَّلَأْلُؤِ ولَيْسَ بِمَنسُوبٍ إلى الدُّرِّ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ فَعِيلٌ مِنَ الدَّرْءِ بِمَعْنى الدَّفْعِ وأنَّهُ صِفَةٌ وأنَّهُ في الصِّفَةِ مِثْلُ المَرِيءِ في الِاسْمِ.
والثّالِثُ: ضَمُّ الدّالِ وتَخْفِيفُ الرّاءِ والياءِ مِن غَيْرِ مَدٍّ ولا هَمْزٍ، أمّا الكَسْرُ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: دُرِئَ بِكَسْرِ الدّالِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ والمَدِّ والهَمْزِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ، قالَ الفَرّاءُ: هو فَعِيلٌ مِنَ الدَّرْءِ وهو الدَّفْعُ كالسِّكِّيرِ والفِسِّيقِ فَكانَ ضَوْءُهُ يَدْفَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا مِن لَمَعانِهِ.
الثّانِي: بِكَسْرِ الدّالِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ ولا مَدٍّ وهي قِراءَةُ ابْنِ خُلَيْدٍ وعُتْبَةَ بْنِ حَمّادٍ عَنْ نافِعٍ. أمّا الفَتْحُ فَفِيهِ وُجُوهٌ أرْبَعَةٌ:
الأوَّلُ: بِفَتْحِ الدّالِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ والمَدِّ والهَمْزِ عَنِ الأعْمَشِ.
الثّانِي: بِفَتْحِ الدّالِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ مِن غَيْرِ مَدٍّ ولا هَمْزٍ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ.
الثّالِثُ: بِفَتْحِ الدّالِ وتَخْفِيفِ الرّاءِ مَهْمُوزًا مِن غَيْرِ مَدٍّ ولا ياءٍ عَنْ عاصِمٍ.
الرّابِعُ: كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ غَيْرُ مَهْمُوزٍ وبِياءٍ خَفِيفَةٍ بَدَلَ الهَمْزَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُوقَدُ﴾ القِراءَةُ المَعْرُوفَةُ ”تَوَقَّدَ“ بِالفَتَحاتِ الأرْبَعَةِ مَعَ تَشْدِيدِ القافِ بِوَزْنِ تَفَعَّلُ، وعَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ يَضُمُّ الدّالَ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ”يَوَقَّدُ“ بِفَتْحِ الياءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتِ بِنُقْطَتَيْنِ والواوِ والقافِ وتَشْدِيدِها ورَفْعِ الدّالِ، قالَ: وحَذْفُ التّاءِ لِاجْتِماعِ حَرْفَيْنِ زائِدَيْنِ وهو غَرِيبٌ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِياءٍ مَضْمُومَةٍ وإسْكانِ الواوِ وفَتْحِ القافِ مُخَفَّفَةً ورَفْعِ الدّالِ، وعَنْ نافِعٍ وحَفْصٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِالتّاءِ، وعَنْ عاصِمٍ بِياءٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ القافِ وفَتْحِها، وعَنْ أبِي عَمْرٍو كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِالتّاءِ، وعَنْ طَلْحَةَ ”تُوقِدُ“ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ وواوٍ ساكِنَةٍ وكَسْرِ القافِ وتَخْفِيفِها.
المسألة السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ أيْ ضَخْمٌ مُضِيءٌ ودَرارِيُّ النُّجُومِ عِظامُها، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ كَوْكَبٌ مِنَ الكَواكِبِ المُضِيئَةِ كالزُّهْرَةِ والمُشْتَرِي والثَّوابِتِ الَّتِي في العِظَمِ الأوَّلِ.
المسألة السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ أيْ مِن زَيْتِ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ أيْ كَثِيرَةِ البَرَكَةِ والنَّفْعِ، وقِيلَ هي أوَّلُ شَجَرَةٍ نَبَتَتْ بَعْدَ الطُّوفانِ وقَدْ بارَكَ فِيها سَبْعُونَ نَبِيًّا، مِنهُمُ الخَلِيلُ، وقِيلَ المُرادُ زَيْتُونُ الشّامِ، لِأنَّها هي الأرْضُ المُبارَكَةُ، فَلِهَذا جَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ شَجَرَةً مُبارَكَةً.
* * *
المسألة الثّامِنَةُ: اخْتَلَفُوا في مَعْنى وصْفِ الشَّجَرَةِ بِأنَّها لا شَرْقِيَّةٌ ولا غَرْبِيَّةٌ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ الحَسَنُ: إنَّها شَجَرَةُ الزَّيْتِ مِنَ الجَنَّةِ إذْ لَوْ كانَتْ مِن شَجَرِ الدُّنْيا لَكانَتْ إمّا شَرْقِيَّةً أوْ غَرْبِيَّةً وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما ضَرَبَ المَثَلَ بِما شاهَدُوهُ وهم ما شاهَدُوا شَجَرَةَ الجَنَّةِ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ في الشّامِ لِأنَّ الشّامَ وسَطُ الدُّنْيا فَلا يُوصَفُ شَجَرُها بِأنَّها شَرْقِيَّةٌ أوْ غَرْبِيَّةٌ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ لِأنَّ مَن قالَ: الأرْضُ كُرَةٌ لَمْ يُثْبِتِ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ مَوْضِعَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ بَلْ لِكُلِّ بَلَدٍ مَشْرِقٌ ومَغْرِبٌ عَلى حِدَةٍ، ولِأنَّ المَثَلَ مَضْرُوبٌ لِكُلِّ مَن يَعْرِفُ الزَّيْتَ، وقَدْ يُوجَدُ في غَيْرِ الشّامِ كَوُجُودِهِ فِيها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences