Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:39–42
24:39–40Page 355
وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۭ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٣٩
But those who disbelieved - their deeds are like a mirage in a lowland which a thirsty one thinks is water until, when he comes to it, he finds it is nothing but finds Allāh before him, and He will pay him in full his due; and Allāh is swift in account.
أَوۡ كَظُلُمَٰتٖ فِي بَحۡرٖ لُّجِّيّٖ يَغۡشَىٰهُ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ سَحَابٞۚ ظُلُمَٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ إِذَآ أَخۡرَجَ يَدَهُۥ لَمۡ يَكَدۡ يَرَىٰهَاۗ وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ ٤٠
Or [they are] like darknesses within an unfathomable sea which is covered by waves, upon which are waves, over which are clouds - darknesses, some of them upon others. When one puts out his hand [therein], he can hardly see it. And he to whom Allāh has not granted light - for him there is no light.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِ، وأنَّهُ في الدُّنْيا يَكُونُ في النُّورِ وبِسَبَبِهِ يَكُونُ مُتَمَسِّكًا بِالعَمَلِ الصّالِحِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ في الآخِرَةِ يَكُونُ فائِزًا بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ والثَّوابِ العَظِيمِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ الكافِرَ يَكُونُ في الآخِرَةِ في أشَدِّ الخُسْرانِ، وفي الدُّنْيا في أعْظَمِ أنْواعِ الظُّلُماتِ، وضَرَبَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَثَلًا، أمّا المَثَلُ الدّالُّ عَلى خَيْبَتِهِ في الآخِرَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: ”السَّرابُ“ ما يَتَراءى لِلْعَيْنِ وقْتَ الضُّحى الأكْبَرِ في الفَلَواتِ شَبِيهَ الماءِ الجارِي ولَيْسَ بِماءٍ ولَكِنَّ الَّذِي يَنْظُرُ إلَيْهِ مِن
صفحة ٨
بِعِيدٍ يَظُنُّهُ ماءً جارِيًا، يُقالُ سَرَبَ الماءُ يَسْرُبُ سُرُوبًا إذا جَرى فَهو سارِبٌ، أمّا ”الآلُ“ فَهو ما يَتَراءى لِلْعَيْنِ في أوَّلِ النَّهارِ، فَيَرى النّاظِرُ الصَّغِيرَ كَبِيرًا، وظاهِرُ كَلامِ الخَلِيلِ أنَّ الآلَ والسَّرابَ واحِدٌ، وأمّا ”القِيعَةُ“ فَقالَ الفَرّاءُ: هو جَمْعُ قاعٍ مِثْلُ جارِ وجِيرَةٍ، والقاعُ: المُنْبَسِطُ المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ القِيعَةُ بِمَعْنى القاعِ، وقالَ الزَّجّاجُ ”الظَّمْآنُ“ قَدْ يُخَفَّفُ هَمْزُهُ، وهو الشَّدِيدُ العَطَشِ، ثُمَّ وجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الكافِرُ إنْ كانَ مِن أفْعالِ البِرِّ فَهو لا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ ثَوابًا، مَعَ أنَّهُ يَعْتَقِدُ أنَّ لَهُ ثَوابًا عَلَيْهِ، وإنْ كانَ مِن أفْعالِ الإثْمِ فَهو يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ عِقابًا مَعَ أنَّهُ يَعْتَقِدُ أنَّهُ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ ثَوابًا، فَكَيْفَ كانَ فَهو يَعْتَقِدُ أنَّ لَهُ ثَوابًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَإذا وافى عَرَصاتِ القِيامَةِ، ولَمْ يَجِدِ الثَّوابَ بَلْ وجَدَ العِقابَ العَظِيمَ عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ وتَناهى غَمُّهُ، فَيُشْبِهُ حالُهُ حالَ الظَّمْآنِ الَّذِي تَشْتَدُّ حاجَتُهُ إلى الماءِ، فَإذا شاهَدَ السَّرابَ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِهِ ويَرْجُو بِهِ النَّجاةَ ويَقْوى طَمَعُهُ، فَإذا جاءَهُ وأيِسَ مِمّا كانَ يَرْجُوهُ فَيَعْظُمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وهَذا المِثالُ في غايَةِ الحُسْنِ. قالَ مُجاهِدٌ: السَّرابُ عَمَلُ الكافِرِ وإتْيانُهُ إيّاهُ مَوْتُهُ ومُفارَقَةُ الدُّنْيا، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ شَيْئًا، وقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ مُناقِضٌ لَهُ ؟ قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ:
الأوَّلُ: المُرادُ مَعْناهُ أنَّهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا نافِعًا كَما يُقالُ فُلانٌ ما عَمِلَ شَيْئًا وإنْ كانَ قَدِ اجْتَهَدَ.
الثّانِي: حَتّى إذا جاءَهُ أيْ جاءَ مَوْضِعَ السَّرابِ لَمْ يَجِدِ السَّرابَ شَيْئًا فاكْتَفى بِذِكْرِ السَّرابِ عَنْ ذِكْرِ مَوْضِعِهِ.
الثّالِثُ: الكِنايَةُ لِلسَّرابِ لِأنَّ السَّرابَ يُرى مِن بَعِيدٍ بِسَبَبِ الكَثافَةِ كَأنَّهُ ضَبابٌ وهَباءٌ، وإذا قَرُبَ مِنهُ رَقَّ وانْتَثَرَ وصارَ كالهَواءِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ أيْ وجَدَ عِقابَ اللَّهِ الَّذِي تَوَعَّدَ بِهِ الكافِرَ عِنْدَ ذَلِكَ فَتَغَيَّرَ ما كانَ فِيهِ مِن ظَنِّ النَّفْعِ العَظِيمِ إلى تَيَقُّنِ الضَّرَرِ العَظِيمِ، أوْ وجَدَ زَبانِيَةَ اللَّهِ عِنْدَهُ يَأْخُذُونَهُ فَيُقْبِلُونَ بِهِ إلى جَهَنَّمَ فَيَسْقُونَهُ الحَمِيمَ والغَسّاقَ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشِيَةِ: ٣]، ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكَهْفِ: ١٠٤]، ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ﴾ [الفُرْقانِ: ٢٣] وقِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ، كانَ قَدْ تَعَبَّدَ ولَبِسَ المُسُوحَ والتَمَسَ الدِّينَ في الجاهِلِيَّةِ ثُمَّ كَفَرَ في الإسْلامِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَذاكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ فَلا يَشُقُّ عَلَيْهِ الحِسابُ، وقالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ: مَعْناهُ لا يَشْغَلُهُ مُحاسَبَةُ واحِدٍ عَنْ آخَرٍ كَنَحْنُ، ولَوْ كانَ يَتَكَلَّمُ بِآلَةٍ كَما يَقُولُهُ المُشَبِّهَةُ لَما صَحَّ ذَلِكَ، وأمّا المَثَلُ الثّانِي فَهو قَوْلُهُ: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ وفي لَفْظَةِ ”أوْ“ هَهُنا وُجُوهٌ:
أحَدُها: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّ أعْمالَ الكُفّارِ إنْ كانَتْ حَسَنَةً فَمِثْلُها السَّرابُ وإنْ كانَتْ قَبِيحَةً فَهي الظُّلُماتُ.
وثانِيها: تَقْدِيرُ الكَلامِ أنَّ أعْمالَهم إمّا كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ وذَلِكَ في الآخِرَةِ، وإمّا كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ وذَلِكَ في الدُّنْيا.
وثالِثُها: الآيَةُ الأُولى في ذِكْرِ أعْمالِهِمْ وأنَّهم لا يَتَحَصَّلُونَ مِنها عَلى شَيْءٍ، والآيَةُ الثّانِيَةُ في ذِكْرِ عَقائِدِهِمْ فَإنَّها تُشْبِهُ الظُّلُماتِ كَما قالَ: ﴿ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [المائِدَةِ: ١٦] أيْ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ وأمّا البَحْرُ اللُّجِّيُّ فَهو ذُو اللُّجَّةِ الَّتِي هي مُعْظَمُ الماءِ الغَمْرِ البَعِيدِ القَعْرِ، وفي اللُّجِّيِّ لُغَتانِ كَسْرُ اللّامِ وضَمُّها، وأمّا تَقْرِيرُ المِثْلِ فَهو أنَّ البَحْرَ اللُّجِّيَّ يَكُونُ قَعْرُهُ مُظْلِمًا جِدًّا بِسَبَبِ غُمُورَةِ الماءِ، فَإذا تَرادَفَتْ عَلَيْهِ الأمْواجُ ازْدادَتِ الظُّلْمَةُ فَإذا كانَ فَوْقَ الأمْواجِ سَحابٌ بَلَغَتِ الظُّلْمَةُ النِّهايَةَ القُصْوى، فالواقِعُ في قَعْرِ هَذا البَحْرِ اللُّجِّيِّ يَكُونُ في نِهايَةِ شِدَّةِ الظُّلْمَةِ، ولَمّا كانَتِ العادَةُ في اليَدِ أنَّها مِن أقْرَبِ ما يَراها ومِن أبْعَدِ ما يَظُنُّ أنَّهُ لا يَراها فَقالَ تَعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ وبَيَّنَ سُبْحانَهُ بِهَذا بُلُوغَ تِلْكَ الظُّلْمَةِ إلى أقْصى النِّهاياتِ، ثُمَّ شَبَّهَ بِهِ الكافِرَ في اعْتِقادِهِ وهو ضِدُّ
صفحة ٩
المُؤْمِنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ [النُّورِ: ٣٥] وفي قَوْلِهِ: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ [الحَدِيدِ: ١٢] ولِهَذا قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الكافِرُ يَتَقَلَّبُ في خَمْسٍ مِنَ الظُّلَمِ كَلامُهُ وعَمَلُهُ ومَدْخَلُهُ ومَخْرَجُهُ ومَصِيرُهُ إلى النّارِ، وفي كَيْفِيَّةِ هَذا التَّشْبِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الظُّلُماتِ ظُلْمَةَ البَحْرِ وظُلْمَةَ الأمْواجِ وظُلْمَةَ السَّحابِ، وكَذا الكافِرُ لَهُ ظُلُماتٌ ثَلاثَةٌ ظُلْمَةُ الِاعْتِقادِ وظُلْمَةُ القَوْلِ وظُلْمَةُ العَمَلِ عَنِ الحَسَنِ.
وثانِيها: شَبَّهُوا قَلْبَهُ وبَصَرَهُ وسَمْعَهُ بِهَذِهِ الظُّلُماتِ الثَّلاثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وثالِثُها: أنَّ الكافِرَ لا يَدْرِي، ولا يَدْرِي أنَّهُ لا يَدْرِي، ويَعْتَقِدُ أنَّهُ يَدْرِي، فَهَذِهِ المَراتِبُ الثَّلاثُ تُشْبِهُ تِلْكَ الظُّلُماتِ.
ورابِعُها: أنَّ هَذِهِ الظُّلُماتِ مُتَراكِمَةٌ فَكَذا الكافِرُ لِشِدَّةِ إصْرارِهِ عَلى كُفْرِهِ، قَدْ تَراكَمَتْ عَلَيْهِ الضَّلالاتُ حَتّى أنَّ أظْهَرَ الدَّلائِلِ إذا ذُكِرَتْ عِنْدَهُ لا يَفْهَمُها.
وخامِسُها: قَلْبٌ مُظْلِمٌ في صَدْرٍ مُظْلِمٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ ”سَحابٍ“ وقَرَأ ”ظُلُماتٍ“ بِالجَرِّ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ﴾ وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ ”سَحابُ ظُلُماتٍ“ كَما يُقالُ سَحابُ رَحْمَةٍ وسَحابُ عَذابٍ عَلى الإضافَةِ، وقِراءَةُ الباقِينَ ”سَحابٌ ظُلُماتٌ“ كِلاهُما بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ وتَمامُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿سَحابٌ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ ﴿ظُلُماتٌ﴾ أيْ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﴿ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ كادَ نَفْيُهُ إثْباتٌ وإثْباتُهُ نَفْيٌ فَقَوْلُهُ: ﴿وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٧١] نَفْيٌ في اللَّفْظِ ولَكِنَّهُ إثْباتٌ في المَعْنى؛ لِأنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «كادَ الفَقْرُ أنْ يَكُونَ كُفْرًا» إثْباتٌ في اللَّفْظِ لَكِنَّهُ نَفْيٌ في المَعْنى لِأنَّهُ لَمْ يَكْفُرْ، فَكَذا هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ مَعْناهُ أنَّهُ رَآها.
والثّانِي: أنَّ كادَ مَعْناهُ المُقارَبَةُ فَقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ مَعْناهُ لَمْ يُقارِبِ الوُقُوعَ، ومَعْلُومٌ أنَّ الَّذِي لَمْ يُقارِبِ الوُقُوعَ لَمْ يَقَعْ أيْضًا، وهَذا القَوْلُ هو المُخْتارُ، والأوَّلُ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ما يَكُونُ أقَلَّ مِن هَذِهِ الظُّلُماتِ فَإنَّهُ لا يُرى فِيهِ شَيْءٌ فَكَيْفَ مَعَ هَذِهِ الظُّلُماتِ.
الثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا التَّمْثِيلِ المُبالَغَةُ في جَهالَةِ الكُفّارِ، وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ إذا لَمْ تُوجَدِ الرُّؤْيَةُ البَتَّةَ مَعَ هَذِهِ الظُّلُماتِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ فَقالَ أصْحابُنا إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ هِدايَةَ المُؤْمِنِ بِأنَّها في نِهايَةِ الجَلاءِ والظُّهُورِ عَقَّبَها بِأنْ قالَ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ [النُّورِ: ٣٥] ولَمّا وصَفَ ضَلالَةَ الكافِرِ بِأنَّها في نِهايَةِ الظُّلْمَةِ عَقَّبَها بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ أنْ يَعْرِفَ الإنْسانُ أنَّ ظُهُورَ الدَّلائِلِ لا يُفِيدُ الإيمانَ وظُلْمَةُ الطَّرِيقِ لا تَمْنَعُ مِنهُ، فَإنَّ الكُلَّ مَرْبُوطٌ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وهِدايَتِهِ وتَكْوِينِهِ، وقالَ القاضِي: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ أيْ في الدُّنْيا بِالألْطافِ ﴿فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ أيْ لا يَهْتَدِي فَيَتَحَيَّرُ. ويُحْتَمَلُ ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ أيْ مَخْلَصًا في الآخِرَةِ وفَوْزًا بِالثَّوابِ ﴿فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ والكَلامُ عَلَيْهِ تَزْيِيفًا وتَقْرِيرًا مَعْلُومٌ.
24:41–42Page 355
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلطَّيۡرُ صَٰٓفَّٰتٖۖ كُلّٞ قَدۡ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسۡبِيحَهُۥۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٤١
Do you not see that Allāh is exalted by whomever is within the heavens and the earth and [by] the birds with wings spread [in flight]? Each [of them] has known his [means of] prayer and exalting [Him], and Allāh is Knowing of what they do.
وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٤٢
And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and to Allāh is the destination.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾
صفحة ١٠
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ أنْوارَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ وظُلُماتِ قُلُوبِ الجاهِلِينَ أتْبَعَ ذَلِكَ بِدَلائِلِ التَّوْحِيدِ:
فالنوع الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ ألَمْ تَعْلَمْ، لِأنَّ التَّسْبِيحَ لا تَتَناوَلُهُ الرُّؤْيَةُ بِالبَصَرِ ويَتَناوَلُهُ العِلْمُ بِالقَلْبِ، وهَذا الكَلامُ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ اسْتِفْهامًا فالمُرادُ التَّقْرِيرُ والبَيانُ، فَنَبَّهَ تَعالى عَلى ما يَلْزَمُ مِن تَعْظِيمِهِ بِأنَّ مَن في السَّماواتِ يُسَبِّحُ لَهُ وكَذَلِكَ مَن في الأرْضِ.
واعْلَمْ أنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ التَّسْبِيحِ دَلالَةُ هَذِهِ الأشْياءِ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ مَوْصُوفًا بِنُعُوتِ الجَلالِ، وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّها تَنْطِقُ بِالتَّسْبِيحِ وتَتَكَلَّمُ بِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ في حَقِّ البَعْضِ الدَّلالَةَ عَلى التَّنْزِيهِ وفي حَقِّ الباقِينَ النُّطْقَ بِاللِّسانِ، والقِسْمُ الأوَّلُ أقْرَبُ لِأنَّ القِسْمَ الثّانِي مُتَعَذِّرٌ، لِأنَّ في الأرْضِ مَن لا يَكُونُ مُكَلَّفًا لا يُسَبِّحُ بِهَذا المَعْنى، والمُكَلَّفُونَ مِنهم مَن لا يُسَبِّحُ أيْضًا بِهَذا المَعْنى كالكُفّارِ.
أمّا القِسْمُ الثّالِثُ وهو أنْ يُقالَ إنَّ مَن في السَّماواتِ وهُمُ المَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِاللِّسانِ، وأمّا الَّذِينَ في الأرْضِ فَمِنهم مَن يُسَبِّحُ بِاللِّسانِ ومِنهم مَن يُسَبِّحُ عَلى سَبِيلِ الدَّلالَةِ فَهَذا يَقْتَضِي اسْتِعْمالَ اللَّفْظِ الواحِدِ في الحَقِيقَةِ والمَجازِ مَعًا، وهو غَيْرُ جائِزٍ. فَلَمْ يَبْقَ إلّا القِسْمُ الأوَّلُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مُشْتَرِكَةٌ في أنَّ أجْسامَها وصِفاتِها دالَّةٌ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وعَلى قُدْرَتِهِ وإلَهِيَّتِهِ وتَوْحِيدِهِ وعَدْلِهِ فَسُمِّيَ ذَلِكَ تَنْزِيهًا عَلى وجْهِ التَّوَسُّعِ. فَإنْ قِيلَ فالتَّسْبِيحُ بِهَذا المَعْنى حاصِلٌ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ فَما وجْهُ تَخْصِيصِهِ هَهُنا بِالعُقَلاءِ ؟ قُلْنا لِأنَّ خِلْقَةَ العُقَلاءِ أشَدُّ دَلالَةً عَلى وُجُودِ الصّانِعِ سُبْحانَهُ، لِأنَّ العَجائِبَ والغَرائِبَ في خَلْقِهِمْ أكْثَرُ وهي العَقْلُ والنُّطْقُ والفَهْمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ ما وجْهُ اتِّصالِ هَذا بِما قَبْلَهُ ؟ والجَوابُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ أهْلَ السَّماواتِ وأهْلَ الأرْضِ يُسَبِّحُونَ ذَكَرَ أنَّ الَّذِينَ اسْتَقَرُّوا في الهَواءِ الَّذِي هو بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وهو الطَّيْرُ يُسَبِّحُونَ، وذَلِكَ لِأنَّ إعْطاءَ الجِرْمِ الثَّقِيلِ القُوَّةَ الَّتِي بِها يَقْوى عَلى الوُقُوفِ في جَوِّ السَّماءِ صافَّةً باسِطَةً أجْنِحَتَها بِما فِيها مِنَ القَبْضِ والبَسْطِ مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَةِ الصّانِعِ المُدَبِّرِ سُبْحانَهُ، وجَعْلِ طَيَرانِها سُجُودًا مِنها لَهُ سُبْحانَهُ، وذَلِكَ يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُرادَ مِنَ التَّسْبِيحِ دَلالَةُ هَذِهِ الأحْوالِ عَلى التَّنْزِيهِ لا النُّطْقُ اللِّسانِيُّ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: المُرادُ: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ، قالُوا ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ وهو اخْتِيارُ جُمْهُورِ المُتَكَلِّمِينَ.
والثّانِي: أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في الصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ عَلى لَفْظِ ﴿كُلٌّ﴾ أيْ أنَّهم يَعْلَمُونَ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ.
والثّالِثُ: أنْ تَكُونَ الهاءُ راجِعَةً عَلى ذِكْرِ اللَّهِ يَعْنِي قَدْ عَلِمَ كُلُّ مُسَبِّحٍ وكُلُّ مُصَلٍّ صَلاةَ اللَّهِ الَّتِي كَلَّفَهُ إيّاها، وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ اسْتِئْنافٌ، ورُوِيَ عَنْ أبِي ثابِتٍ قالَ: كُنْتُ جالِسًا عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الباقِرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالَ لِي: أتَدْرِي ما تَقُولُ هَذِهِ العَصافِيرُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وبَعْدَ طُلُوعِها ؟ قالَ: لا، قالَ: فَإنَّهُنَّ يُقَدِّسْنَ رَبَّهُنَّ ويَسْألْنَهُ قُوتَ يَوْمِهِنَّ. واسْتَبْعَدَ المُتَكَلِّمُونَ ذَلِكَ فَقالُوا: الطَّيْرُ لَوْ كانَتْ عارِفَةً بِاللَّهِ تَعالى، لَكانَتْ كالعُقَلاءِ الَّذِينَ يَفْهَمُونَ كَلامَنا وإشارَتَنا، لَكِنَّها لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَإنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّها أشَدُّ نُقْصانًا مِنَ الصَّبِيِّ الَّذِي لا يَعْرِفُ هَذِهِ الأُمُورَ، فَبِأنْ يَمْتَنِعَ ذَلِكَ فِيها أوْلى، وإذا ثَبَتَ أنَّها لا تَعْرِفُ اللَّهَ تَعالى اسْتَحالَ كَوْنُها مُسَبِّحَةً لَهُ بِالنُّطْقِ، فَثَبَتَ أنَّها لا تُسَبِّحُ اللَّهَ إلّا بِلِسانِ الحالِ عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.
صفحة ١١
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ إنّا نُشاهِدُ أنَّ اللَّهَ تَعالى ألْهَمَ الطُّيُورُ وسائِرَ الحَشَراتِ أعْمالًا لَطِيفَةً يَعْجَزُ عَنْها أكْثَرُ العُقَلاءِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُلْهِمَها مَعْرِفَتَهُ ودُعاءَهُ وتَسْبِيحَهُ! وبَيانُ أنَّهُ سُبْحانَهُ ألْهَمَها الأعْمالَ اللَّطِيفَةَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: احْتِيالُها في كَيْفِيَّةِ الِاصْطِيادِ، فَتَأمَّلْ في العَنْكَبُوتِ كَيْفَ يَأْتِي بِالحِيَلِ اللَّطِيفَةِ في اصْطِيادِ الذُّبابِ، ويُقالُ إنَّ الدُّبَّ يَسْتَلْقِي في مَمَرِّ الثَّوْرِ، فَإذا أرامَ نَطْحَهُ شَبَّثَ ذِراعَيْهِ بِقَرْنَيْهِ، ولا يَزالُ يَنْهَشُ ما بَيْنَ ذِراعَيْهِ حَتّى يُثْخِنَهُ، وأنَّهُ يَرْمِي بِالحِجارَةِ ويَأْخُذُ العَصا ويَضْرِبُ الإنْسانَ حَتّى يَتَوَهَّمَ أنَّهُ ماتَ فَيَتْرُكُهُ ورُبَّما عاوَدَ يَتَشَمَّمُهُ ويَتَحَسَّسُ نَفَسَهُ، ويَصْعَدُ الشَّجَرَ أخَفَّ صُعُودٍ، ويُهَشِّمُ الجَوْزَ بَيْنَ كَفَّيْهِ تَعْرِيضًا بِالواحِدَةِ وصَدْمَةً بِالأُخْرى، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَذَرُ قِشْرَهُ ويَسْتَفُّ لُبَّهُ، ويُحْكى عَنِ الفَأْرِ في سَرِقَتِهِ أُمُورٌ عَجِيبَةٌ.
وثانِيها: أمْرُ النَّحْلِ وما لَها مِنَ الرِّياسَةِ وبِناءِ البُيُوتِ المُسَدَّسَةِ الَّتِي لا يَتَمَكَّنُ مِن بِنائِها أفاضِلُ المُهَنْدِسِينَ.
وثالِثُها: انْتِقالُ الكَراكِيِّ مِن طَرَفٍ مِن أطْرافِ العالَمِ إلى الطَّرَفِ الآخَرِ طَلَبًا لِما يُوافِقُها مِنَ الأهْوِيَةِ، ويُقالُ: إنَّ مِن خَواصِّ الخَيْلِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها يَعْرِفُ صَوْتَ الفَرَسِ الَّذِي قابَلَهُ وقْتًا ما، والكِلابُ تَتَصايَحُ بِالعَيَّةِ المَعْرُوفَةِ لَها، والفَهْدُ إذا سُقِيَ أوْ شَرِبَ مِنَ الدَّواءِ المَعْرُوفِ بِخانِقِ الفَهْدِ عَمَدَ إلى زِبْلِ الإنْسانِ فَأكَلَهُ، والتَّماسِيحُ تَفْتَحُ أفْواهَها لِطائِرٍ يَقَعُ عَلَيْها كالعَقْعَقِ ويُنَظِّفُ ما بَيْنَ أسْنانِها، وعَلى رَأْسِ ذَلِكَ الطَّيْرِ كالشَّوْكِ فَإذا هَمَّ التِّمْساحُ بِالتِقامِ ذَلِكَ الطَّيْرَ تَأذّى مِن ذَلِكَ الشَّوْكِ فَيَفْتَحُ فاهُ فَيَخْرُجُ الطّائِرُ، والسُّلَحْفاةُ تَتَناوَلُ بَعْدَ أكْلِ الحَيَّةِ صَعْتَرًا جَبَلِيًّا ثُمَّ تَعُودُ وقَدْ عُوفِيَتْ مِن ذَلِكَ، وحَكى بَعْضُ الثِّقاتِ المُجَرِّبِينَ لِلصَّيْدِ أنَّهُ شاهَدَ الحُبارى تُقاتِلُ الأفْعى وتَنْهَزِمُ عَنْهُ إلى بَقْلَةٍ تَتَناوَلُ مِنها ثُمَّ تَعُودُ ولا يَزالُ ذَلِكَ دَأْبُهُ فَكانَ ذَلِكَ الشَّيْخُ قاعِدًا في كُنٍّ غائِرٍ فِعْلَ القَنَصَةِ، وكانَتِ البَقْلَةُ قَرِيبَةً مِن مَكْمَنِهِ فَلَمّا اشْتَغَلَ الحُبارى بِالأفْعى قَلَعَ البَقْلَةَ فَعادَتِ الحُبارى إلى مَنبَتِها فَفَقَدَتْهُ وأخَذَتْ تَدُورُ حَوْلَ مَنبَتِها دَوَرانًا مُتَتابِعًا حَتّى خَرَّ مَيِّتًا، فَعَلِمَ الشَّيْخُ أنَّهُ كانَ يَتَعالَجُ بِأكْلِها مِنَ اللَّسْعَةِ، وتِلْكَ البَقْلَةُ كانَتْ هي الجِرْجِيرُ البَرِّيُّ، وأمّا ابْنُ عِرْسٍ فَيَسْتَظْهِرُ في قِتالِ الحَيَّةِ بِأكْلِ السَّذابِ فَإنَّ النَّكْهَةَ السَّذابِيَّةَ مِمّا تَنْفِرُ مِنها الأفْعى. والكِلابُ إذا دَوَّدَتْ بُطُونُها أكَلَتْ سُنْبُلَ القَمْحِ، وإذا جَرَحَتِ اللَّقالِقُ بَعْضُها بَعْضًا داوَتْ جِراحَها بِالصَّعْتَرِ الجَبَلِيِّ.
ورابِعُها: القَنافِذُ قَدْ تُحِسُّ بِالشَّمالِ والجَنُوبِ قَبْلَ الهُبُوبِ فَتُغَيِّرُ المَدْخَلَ إلى جُحْرِها وكانَ بِالقُسْطَنْطِينِيَّةِ رَجُلٌ قَدْ أثْرى بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ يُنْذِرُ بِالرِّياحِ قَبْلَ هُبُوبِها ويَنْتَفِعُ النّاسُ بِإنْذارِهِ، وكانَ السَّبَبُ فِيهِ قُنْفُذًا في دارِهِ يَفْعَلُ الصَّنِيعَ المَذْكُورَ فَيَسْتَدِلُّ بِهِ، والخُطّافُ صانِعٌ جَيِّدٌ في اتِّخاذِ العُشِّ مِنَ الطِّينِ وقِطَعِ الخَشَبِ، فَإنْ أعْوَزَهُ الطِّينُ ابْتَلَّ وتَمَرَّغَ في التُّرابِ لِيَحْمِلَ جَناحاهُ قَدْرًا مِنَ الطِّينِ، وإذا أفْرَخَ بالَغَ في تَعَهُّدِ الفِراخِ ويَأْخُذُ ذَرْقَها بِمِنقارِهِ ويَرْمِيها عَنِ العُشِّ، ثُمَّ يُعَلِّمُها إلْقاءَ الذَّرْقِ نَحْوَ طَرَفِ العُشِّ، وإذا دَنا الصّائِدُ مِن مَكانِ فِراخِ القَبَجَةِ ظَهَرَتْ لَهُ القَبَجَةُ وقَرُبَتْ مِنهُ مُطَمِّعَةً لَهُ لِيَتْبَعَها ثُمَّ تَذْهَبُ إلى جانِبٍ آخَرَ سِوى جانِبِ فِراخِها، وناقِرُ الخَشَبِ قَلَّما يَقَعُ عَلى الأرْضِ بَلْ عَلى الشَّجَرِ يَنْقُرُ المَوْضِعَ الَّذِي يَعْلَمُ أنَّ فِيهِ دُودًا، والغَرانِيقُ تَصْعَدُ في الجَوِّ جِدًّا عِنْدَ الطَّيَرانِ فَإنْ حَجَبَ بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ ضَبابٌ أوْ سَحابٌ أحْدَثَتْ عَنْ أجْنِحَتِها حَفِيفًا مَسْمُوعًا يَلْزَمُ بِهِ بَعْضُها بَعْضًا، فَإذا نامَتْ عَلى جَبَلٍ فَإنَّها تَضَعُ رُءُوسَها تَحْتَ أجْنِحَتِها، إلّا القائِدُ فَإنَّهُ يَنامُ مَكْشُوفَ
صفحة ١٢
الرَّأْسِ فَيُسْرِعُ انْتِباهُهُ، وإذا سَمِعَ حَرَسًا صاحَ، وحالُ النَّمْلِ في الذَّهابِ إلى مَواضِعِها عَلى خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ يَحْفَظُ بَعْضُها بَعْضًا أمْرٌ عَجِيبٌ، واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِقْصاءَ في هَذا البابِ مَذْكُورٌ في كِتابِ طَبائِعِ الحَيَوانِ، والمَقْصُودُ أنَّ الأكْياسَ مِنَ العُقَلاءِ يَعْجِزُونَ عَنْ أمْثالِ هَذِهِ الحِيَلِ. فَإذا جازَ ذَلِكَ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّها مُلْهَمَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِمَعْرِفَتِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ، وإنْ كانَتْ غَيْرَ عارِفَةٍ بِسائِرِ الأُمُورِ الَّتِي يَعْرِفُها النّاسُ ؟ ولِلَّهِ دَرُّ شِهابِ الإسْلامِ السَّمْعانِيِّ حَيْثُ قالَ: جَلَّ جَنابُ الجَلالِ، عَنْ أنْ يُوزَنَ بِمِيزانِ الِاعْتِزالِ.
أمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ فَهو مَعَ وجازَتِهِ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى تَمامِ عِلْمِ المَبْدَأِ والمَعادِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنهُ لِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ مُمْكِنٌ ومُحْدَثٌ والمُمْكِنُ والمُحْدَثُ لا يُوجَدانِ إلّا عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى القَدِيمِ الواجِبِ، فَدَخَلَ في هَذِهِ القَضِيَّةِ جَمِيعُ الأجْرامِ والأعْراضِ وأفْعالُ العِبادِ وأقْوالُهم وخَواطِرُهم.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ فَهو عِبارَةٌ تامَّةٌ في مَعْرِفَةِ المَعادِ وهو أنَّهُ لا بُدَّ مِن مَصِيرِ الكُلِّ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، ولَهُ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الوُجُودَ يَبْدَأُ مِنَ الأشْرَفِ فالأشْرَفِ نازِلًا إلى الأخَسِّ فالأخَسِّ، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنَ الأخَسِّ فالأخَسِّ مُتَرَقِّيًا إلى الأشْرَفِ فالأشْرَفِ، فَإنَّهُ يَكُونُ جِسْمًا ثُمَّ يُصَيِّرُهُ مَوْصُوفًا بِالنَّباتِيَّةِ ثُمَّ الحَيَوانِيَّةِ ثُمَّ الإنْسانِيَّةِ ثُمَّ المَلَكِيَّةِ ثُمَّ يَنْتَهِي إلى واجِبِ الوُجُودِ لِذاتِهِ.
فالِاعْتِبارُ الأوَّلُ هو قَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .
والثّانِي هو قَوْلُهُ: ﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences