Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:10–16
25:10–14Page 360
تَبَارَكَ ٱلَّذِيٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيۡرٗا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَيَجۡعَل لَّكَ قُصُورَۢا ١٠
Blessed is He who, if He willed, could have made for you [something] better than that - gardens beneath which rivers flow - and could make for you palaces.
بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا ١١
But they have denied the Hour, and We have prepared for those who deny the Hour a Blaze.
إِذَا رَأَتۡهُم مِّن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظٗا وَزَفِيرٗا ١٢
When it [i.e., the Hellfire] sees them from a distant place, they will hear its fury and roaring.
وَإِذَآ أُلۡقُواْ مِنۡهَا مَكَانٗا ضَيِّقٗا مُّقَرَّنِينَ دَعَوۡاْ هُنَالِكَ ثُبُورٗا ١٣
And when they are thrown into a narrow place therein bound in chains, they will cry out thereupon for destruction.
لَّا تَدۡعُواْ ٱلۡيَوۡمَ ثُبُورٗا وَٰحِدٗا وَٱدۡعُواْ ثُبُورٗا كَثِيرٗا ١٤
[They will be told], "Do not cry this Day for one destruction but cry for much destruction."
صفحة ٤٧
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ الثّانِي عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ أيْ مِنَ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا كالكَنْزِ والجَنَّةِ، وفَسَّرَ ذَلِكَ الخَيْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾، نَبَّهَ بِذَلِكَ سُبْحانَهُ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعْطِيَ الرَّسُولُ كُلَّ ما ذَكَرُوهُ، ولَكِنَّهُ تَعالى يُدَبِّرُ عِبادَهُ بِحَسَبِ الصّالِحِ، أوْ عَلى وفْقِ المَشِيئَةِ، ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ، فَيَفْتَحُ عَلى واحِدٍ أبْوابَ المَعارِفِ والعُلُومِ، ويَسُدُّ عَلَيْهِ أبْوابَ الدُّنْيا، وفي حَقِّ الآخَرِ بِالعَكْسِ، وما ذاكَ إلّا أنَّهُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ، وهَهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَيْرٌ مِن ذَلِكَ مِمّا عَيَّرُوكَ بِفَقْدِهِ الجَنَّةُ؛ لِأنَّهم عَيَّرُوكَ بِفَقْدِ الجَنَّةِ الواحِدَةِ، وهو سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعْطِيَكَ جَنّاتٍ كَثِيرَةً، وقالَ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ: ﴿خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ أيْ مِنَ المَشْيِ في الأسْواقِ وابْتِغاءِ المَعاشِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ شاءَ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، لا أنَّهُ تَعالى شاكٌّ؛ لِأنَّ الشَّكَّ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وقالَ قَوْمٌ: ﴿إنْ﴾ هَهُنا بِمَعْنى إذا، أيْ قَدْ جَعَلْنا لَكَ في الآخِرَةِ جَنّاتٍ وبَنَيْنا لَكَ قُصُورًا، وإنَّما أدْخَلَ إنْ تَنْبِيهًا لِلْعِبادِ عَلى أنَّهُ لا يَنالُ ذَلِكَ إلّا بِرَحْمَتِهِ، وأنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلى مَحْضِ مَشِيئَتِهِ، وأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ عَلى اللَّهِ حَقٌّ، لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ.
المسألة الثّالِثَةُ: القُصُورُ جَماعَةُ قَصْرٍ، وهو المَسْكَنُ الرَّفِيعُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ جَنَّةٍ قَصْرٌ، فَيَكُونَ مَسْكَنًا ومُتَنَزَّهًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القُصُورُ مَجْمُوعَةً والجَنّاتُ مَجْمُوعَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ جَنّاتٍ في الآخِرَةِ وقُصُورًا في الدُّنْيا.
المسألة الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ الفَرّاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلْ﴾، فَرَفَعَ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ اللّامَ، وجَزَمَهُ الآخَرُونَ، فَمَن جَزَمَ فَلِأنَّ المَعْنى: إنْ شاءَ يَجْعَلْ لَكَ جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا، ومَن رَفَعَ فَعَلى الِاسْتِئْنافِ، والمَعْنى سَيَجْعَلُ لَكَ قُصُورًا، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، قالَ الواحِدِيُّ: وبَيْنَ القِراءَتَيْنِ فَرْقٌ في المَعْنى، فَمَن جَزَمَ فالمَعْنى: إنْ شاءَ يَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا في الدُّنْيا، ولا يَحْسُنُ الوُقُوفُ عَلى الأنْهارِ، ومَن رَفَعَ حَسُنَ لَهُ الوُقُوفُ عَلى الأنْهارِ، واسْتَأْنَفَ، أيْ ويَجْعَلُ لَكَ قُصُورًا في الآخِرَةِ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ: (تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ يَجْعَلُ) .
المسألة الخامِسَةُ: عَنْ طاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ وجِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَهُ قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَذا مَلَكٌ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ في زِيارَتِكَ. فَلَمْ يَلْبَثْ إلّا قَلِيلًا حَتّى جاءَ المَلَكُ وسَلَّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ”إنَّ اللَّهَ يُخَيِّرُكَ بَيْنَ أنْ يُعْطِيَكَ مَفاتِيحَ كُلِّ شَيْءٍ لَمْ يُعْطِها أحَدًا قَبْلَكَ ولا يُعْطِيهِ أحَدًا بَعْدَكَ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَكَ مِمّا ادَّخَرَ لَكَ شَيْئًا. فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَلْ يَجْمَعُها جَمِيعًا لِي في الآخِرَةِ. فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ﴾ الآيَةَ» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «عَرَضَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ بَطْحاءَ
صفحة ٤٨
مَكَّةَ» ذَهَبًا، فَقُلْتُ: بَلْ شُبْعَةٌ وثَلاثُ جَوْعاتٍ، وذَلِكَ أكْثَرُ لِذِكْرِي ومَسْألَتِي لِرَبِّي، وفي رِوايَةِ صَفْوانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الوَهّابِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أشْبَعُ يَوْمًا وأجُوعُ ثَلاثًا، فَأحْمَدُكَ إذا شَبِعْتُ وأتَضَرَّعُ إلَيْكَ إذا جُعْتُ» . وعَنِ الضَّحّاكِ:“ «لَمّا عَيَّرَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالفاقَةِ حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِذَلِكَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُعَزِّيًا لَهُ، وقالَ: إنَّ اللَّهَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ [الفُرْقانِ: ٢٠] الآيَةَ، قالَ: فَبَيْنَما جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ والنَّبِيُّ ﷺ يَتَحَدَّثانِ إذْ فُتِحَ بابٌ مِن أبْوابِ السَّماءِ لَمْ يَكُنْ فُتِحَ قَبْلَ ذَلِكَ، ثم قال: أبْشِرْ يا مُحَمَّدُ، هَذا رِضْوانُ خازِنُ الجَنَّةِ قَدْ أتاكَ بِالرِّضا مِن رَبِّكَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وقالَ: إنَّ رَبَّكَ يُخَيِّرُكَ بَيْنَ أنْ تَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا وبَيْنَ أنْ تَكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا ومَعَهُ سَفَطٌ مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ، ثم قال: هَذِهِ مَفاتِيحُ خَزائِنِ الدُّنْيا فاقْبِضْها مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَكَ اللَّهُ مِمّا أعَدَّ لَكَ في الآخِرَةِ جَناحَ بَعُوضَةٍ. فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى جِبْرِيلَ كالمُسْتَشِيرِ، فَأوْمَأ بِيَدِهِ أنْ تَواضَعْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلْ نَبِيًّا عَبْدًا» . قالَ: فَكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَأْكُلْ مُتَّكِئًا حَتّى فارَقَ الدُّنْيا.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ فَهَذا جَوابٌ ثالِثٌ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: لَيْسَ ما تَعَلَّقُوا بِهِ شُبْهَةً عَلَيْكَ في نَفْسِ المسألة، بَلِ الَّذِي حَمَلَهم عَلى تَكْذِيبِكَ تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ اسْتِثْقالًا لِلِاسْتِعْدادِ لَها، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يُكَذِّبُونَ بِالسّاعَةِ فَلا يَرْجُونَ ثَوابًا ولا عِقابًا ولا يَتَحَمَّلُونَ كُلْفَةَ النَّظَرِ والفِكْرِ، فَلِهَذا لا يَنْتَفِعُونَ بِما يُورَدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الدَّلائِلِ. ثم قال: ﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ”وأعْتَدْنا“ أيْ: جَعَلْناها عَتِيدًا ومُعَدَّةً لَهم، والسَّعِيرُ: النّارُ الشَّدِيدَةُ الِاسْتِعارِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ.
المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣] وعَلى أنَّ النّارَ الَّتِي هي دارُ العِقابِ مَخْلُوقَةٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدْنا﴾ إخْبارٌ عَنْ فِعْلٍ وقَعَ في الماضِي، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ دارَ العِقابِ مَخْلُوقَةٌ، قالَ الجُبّائِيُّ: يَحْتَمِلُ وأعْتَدْنا النّارَ في الدُّنْيا وبِها نُعَذِّبُ الكُفّارَ والفُسّاقَ في قُبُورِهِمْ، ويَحْتَمِلُ نارَ الآخِرَةِ ويَكُونُ مَعْنى ﴿وأعْتَدْنا﴾ أيْ: سَنَعُدُّها لَهم؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ [ الأعْرافِ: ٤٤]، واعْلَمْ أنَّ هَذا السُّؤالَ في نِهايَةِ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ السَّعِيرِ إمّا نارُ الدُّنْيا وإمّا نارُ الآخِرَةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُعَذِّبُهم في الدُّنْيا بِنارِ الدُّنْيا، أوْ يُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ بِنارِ الدُّنْيا، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى ما عَذَّبَهم بِالنّارِ في الدُّنْيا، والتّالِي أيْضًا باطِلٌ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ الأُمَّةِ: إنَّهُ تَعالى يُعَذِّبُ الكَفَرَةَ في الآخِرَةِ بِنِيرانِ الدُّنْيا، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ نارُ الآخِرَةِ، وثَبَتَ أنَّها مُعَدَّةٌ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ سَيَجْعَلُها مُعَدَّةً تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وعَلى أنَّ الحَسَنَ قالَ: السَّعِيرُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ فَقَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ تَعالى أعَدَّ جَهَنَّمَ.
المسألة الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ السَّعِيدَ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّهِ، فَقالُوا: إنَّ الَّذِينَ أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ السَّعِيرَ وأخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ وحَكَمَ بِهِ أنْ صارُوا مُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الثَّوابِ، انْقَلَبَ حُكْمُ اللَّهِ بِكَوْنِهِمْ مِن أهْلِ السَّعِيرِ كَذِبًا، وانْقَلَبَ بِذَلِكَ عِلْمُهُ جَهْلًا، وهَذا الِانْقِلابُ مُحالٌ، والمُؤَدِّي إلى المُحالِ مُحالٌ، فَصَيْرُورَةُ أُولَئِكَ مُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الثَّوابِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ السَّعِيدَ لا يَنْقَلِبُ شَقِيًّا، والشَّقِيَّ لا يَنْقَلِبُ سَعِيدًا.
* * *
ثُمَّ إنَّهُ
صفحة ٤٩
سُبْحانَهُ وتَعالى وصَفَ السَّعِيرَ بِصِفاتٍ:
إحْداها قَوْلُهُ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: السَّعِيرُ مُذَكَّرٌ، ولَكِنْ جاءَ هَهُنا مُؤَنَّثًا لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿رَأتْهُمْ﴾ وقالَ: ﴿سَمِعُوا لَها﴾ وإنَّما جاءَ مُؤَنَّثًا عَلى مَعْنى النّارِ.
المسألة الثّانِيَةُ: مَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا في الحَياةِ، فالنّارُ عَلى ما هي عَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الحَياةَ والعَقْلَ والنُّطْقَ فِيها، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، وهَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةُ لَيْسَ لَهم في هَذا البابِ حُجَّةٌ إلّا اسْتِقْراءُ العاداتِ، ولَوْ صَدَقَ ذَلِكَ لَوَجَبَ التَّكْذِيبُ بِانْخِراقِ العاداتِ في حَقِّ الرُّسُلِ، فَهَؤُلاءِ قَوْلُهم مُتَناقِضٌ، بَلْ إنْكارُ العاداتِ لا يَلِيقُ إلّا بِأُصُولِ الفَلاسِفَةِ، فَعَلى هَذا قالَ أصْحابُنا: قَوْلُ اللَّهِ تَعالى في صِفَةِ النّارِ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ يَجِبُ إجْراؤُهُ عَلى الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ لا امْتِناعَ في أنْ تَكُونَ النّارُ حَيَّةً رائِيَةً مُغْتاظَةً عَلى الكُفّارِ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ احْتاجُوا إلى التَّأْوِيلِ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالُوا: مَعْنى رَأتْهم ظَهَرَتْ لَهم، مِن قَوْلِهِمْ: دُورُهم تَتَراءى وتَتَناظَرُ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ المُؤْمِنَ والكافِرَ لا تَتَراءى ناراهُما» أيْ: لا تَتَقابَلانِ؛ لِما يَجِبُ عَلى المُؤْمِنِ مِن مُجانَبَةِ الكافِرِ والمُشْرِكِ، ويُقالُ: دُورُ فُلانٍ مُتَناظِرَةٌ، أيْ: مُتَقابِلَةٌ.
وثانِيها: أنَّ النّارَ لِشِدَّةِ اضْطِرامِها وغَلَيانِها صارَتْ تَرى الكُفّارَ وتَطْلُبُهم وتَتَغَيَّظُ عَلَيْهِمْ.
وثالِثُها: قالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ النّارَ وأرادَ الخَزَنَةَ المُوَكَّلَةَ بِتَعْذِيبِ أهْلِ النّارِ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ تَصِحُّ مِنهم ولا تَصِحُّ مِنَ النّارِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٢] أرادَ أهْلَها.
المسألة الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّغَيُّظُ عِبارَةٌ عَنْ شِدَّةِ الغَضَبِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ مَسْمُوعًا، فَكَيْفَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ التَّغَيُّظَ وإنْ لَمْ يُسْمَعْ فَإنَّهُ قَدْ يُسْمَعُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الصَّوْتِ، وهو كَقَوْلِهِ: رَأيْتُ غَضَبَ الأمِيرِ عَلى فُلانٍ، إذا رَأى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ يُقالُ في المَحَبَّةِ فَكَذا هَهُنا، والمَعْنى سَمِعُوا لَها صَوْتًا يُشْبِهُ صَوْتَ المُتَغَيِّظِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وثانِيها: المَعْنى: عَلِمُوا لَها تَغَيُّظًا وسَمِعُوا لَها زَفِيرًا، وهَذا قَوْلُ قُطْرُبٍ، وهو كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
وثالِثُها: المُرادُ تَغَيُّظُ الخَزَنَةِ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: إنَّ جَهَنَّمَ لَتَزْفِرُ زَفْرَةً لا يَبْقى أحَدٌ إلّا وتُرْعَدُ فَرائِصُهُ، حَتّى إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَجْثُو عَلى رُكْبَتَيْهِ ويَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي.
* * *
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ لِلسَّعِيرِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ حالَ الكُفّارِ حِينَما يَكُونُونَ بِالبُعْدِ مِن جَهَنَّمَ، وصَفَ حالَهم عِنْدَما يُلْقَوْنَ فِيها، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ بِما لا شَيْءَ أبْلَغُ مِنهُ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: في ﴿ضَيِّقًا﴾ قِراءَتانِ؛ التَّشْدِيدُ، والتَّخْفِيفُ وهو قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ.
المسألة الثّانِيَةُ: نُقِلَ في تَفْسِيرِ الضِّيقِ أُمُورٌ، قالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ لَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قالَ: ”إنَّ جَهَنَّمَ لَتَضِيقُ عَلى الكافِرِ كَضِيقِ الزُّجِّ عَلى الرُّمْحِ“ . وسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهم يُسْتَكْرَهُونَ في النّارِ كَما يُسْتَكْرَهُ الوَتَدُ في الحائِطِ»، قالَ الكَلْبِيُّ: الأسْفَلُونَ يَرْفَعُهُمُ اللَّهِيبُ، والأعْلَوْنَ يَخْفِضُهُمُ الدّاخِلُونَ
صفحة ٥٠
فَيَزْدَحِمُونَ في تِلْكَ الأبْوابِ الضَّيِّقَةِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الكَرْبُ مَعَ الضِّيقِ، كَما أنَّ الرُّوحَ مَعَ السَّعَةِ، ولِذَلِكَ وصَفَ اللَّهُ الجَنَّةَ بِأنَّ عَرْضَها السَّماواتُ والأرْضُ، وجاءَ في الأحادِيثِ ”«إنَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ القُصُورِ والجِنانِ كَذا وكَذا» “ ولَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ عَلى أهْلِ النّارِ أنْواعَ البَلاءِ، حَيْثُ ضَمَّ إلى العَذابِ الشَّدِيدِ الضِّيقَ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ [إبراهيم: ٤٩]: إنَّ أهْلَ النّارِ مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ والضِّيقِ الشَّدِيدِ يَكُونُونَ مُقَرَّنِينَ في السَّلاسِلِ، قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ، وقِيلَ: يُقْرَنُ مَعَ كُلِّ كافِرٍ شَيْطانُهُ في سِلْسِلَةٍ، وفي أرْجُلِهِمُ الأصْفادُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى عَنْ أهْلِ النّارِ أنَّهم حِينَما يُشاهِدُونَ هَذا النوع مِنَ العِقابِ الشَّدِيدِ دَعَوْا ثُبُورًا، والثُّبُورُ: الهَلاكُ، ودُعاؤُهم أنْ يَقُولُوا: واثُبُوراهْ، أيْ يَقُولُوا: يا ثُبُورُ، هَذا حِينُكَ وزَمانُكَ. ورَوى أنَسٌ مَرْفُوعًا: «أوَّلُ مَن يُكْسى حُلَّةً مِنَ النّارِ إبْلِيسُ، فَيَضَعُها عَلى جانِبَيْهِ ويَسْحَبُها مِن خَلْفِهِ ذُرِّيَّتُهُ وهو يَقُولُ: يا ثُبُوراهْ، ويُنادَوْنَ: يا ثُبُورَهم حَتّى يَرِدُوا النّارَ» .
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا﴾ أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ، وهم أحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ قَوْلٌ، ومَعْنى ﴿وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ أنَّكم وقَعْتُمْ فِيما لَيْسَ ثُبُورُكم مِنهُ واحِدًا، إنَّما هو ثُبُورٌ كَثِيرٌ، إمّا لِأنَّ العَذابَ أنْواعٌ وألْوانٌ، لِكُلِّ نَوْعٍ مِنها ثُبُورٌ لِشِدَّتِهِ وفَظاعَتِهِ، أوْ لِأنَّهم كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بُدِّلُوا غَيْرَها، أوْ لِأنَّ ذَلِكَ العَذابَ دائِمٌ خالِصٌ عَنِ الشَّوْبِ، فَلَهم في كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها ثُبُورٌ، أوْ لِأنَّهم رُبَّما يَجِدُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَوْلِ نَوْعًا مِنَ الخِفَّةِ، فَإنَّ المُعَذَّبَ إذا صاحَ وبَكى وجَدَ بِسَبَبِهِ نَوْعًا مِنَ الخِفَّةِ فَيُزْجَرُونَ عَنْ ذَلِكَ، ويُخْبَرُونَ بِأنَّ هَذا الثُّبُورَ سَيَزْدادُ كُلَّ يَوْمٍ لِيَزْدادَ حُزْنُهم وغَمُّهم، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ، قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَ هَذا كُلُّهُ في حَقِّ أبِي جَهْلٍ والكُفّارِ الَّذِينَ ذَكَرُوا تِلْكَ الشُّبُهاتِ.
25:15–16Page 361
قُلۡ أَذَٰلِكَ خَيۡرٌ أَمۡ جَنَّةُ ٱلۡخُلۡدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۚ كَانَتۡ لَهُمۡ جَزَآءٗ وَمَصِيرٗا ١٥
Say, "Is that better or the Garden of Eternity which is promised to the righteous? It will be for them a reward and destination.
لَّهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَٰلِدِينَۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعۡدٗا مَّسۡـُٔولٗا ١٦
For them therein is whatever they wish, [while] abiding eternally. It is ever upon your Lord a promise [worthy to be] requested.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ حالَ العِقابِ المُعَدِّ لِلْمُكَذِّبِينَ بِالسّاعَةِ أتْبَعَهُ بِما يُؤَكِّدُ الحَسْرَةَ والنَّدامَةَ، فَقالَ لِرَسُولِهِ: ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ﴾ أنْ يَلْتَمِسُوها بِالتَّصْدِيقِ والطّاعَةِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُقالُ: العَذابُ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ، وهَلْ يَجُوزُ أنْ يَقُولَ العاقِلُ: السُّكَّرُ أحْلى أمِ الصَّبْرُ ؟ قُلْنا: هَذا يَحْسُنُ في مَعْرِضِ التَّقْرِيعِ، كَما إذا أعْطى السَّيِّدُ عَبْدَهُ مالًا فَتَمَرَّدَ وأبى واسْتَكْبَرَ فَيَضْرِبُهُ ضَرْبًا وجِيعًا، ويَقُولُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ: هَذا أطْيَبُ أمْ ذاكَ ؟
المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: ﴿وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ عَلى أنَّ الثَّوابَ غَيْرُ واجِبٍ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ مَن قالَ: السُّلْطانُ وعَدَ فُلانًا أنْ يُعْطِيَهُ كَذا، فَإنَّهُ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى التَّفْضِيلِ، فَأمّا لَوْ كانَ ذَلِكَ الإعْطاءُ واجِبًا لا يُقالُ: إنَّهُ وعَدَهُ بِهِ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ احْتَجُّوا بِهِ أيْضًا عَلى مَذْهَبِهِمْ، قالُوا: لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أثْبَتَ ذَلِكَ الوَعْدَ لِلْمَوْصُوفِينَ بِصِفَةِ التَّقْوى، وتَرْتِيبُ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالعِلْيَةِ. فَكَذا يَدُلُّ هَذا عَلى أنَّ ذَلِكَ الوَعْدَ
صفحة ٥١
إنَّما حَصَلَ مُعَلَّلًا بِصِفَةِ التَّقْوى، والتَّفْضِيلُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالمُتَّقِينَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُخْتَصُّ بِهِمْ واجِبًا.
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: جَنَّةُ الخُلْدِ هي الَّتِي لا يَنْقَطِعُ نَعِيمُها. والخُلْدُ والخُلُودُ سَواءٌ، كالشُّكْرِ والشُّكُورِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [ الإنْسانِ: ٩] فَإنْ قِيلَ: الجَنَّةُ اسْمٌ لِدارِ الثَّوابِ وهي مُخَلَّدَةٌ، فَأيُّ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَنَّةُ الخُلْدِ﴾ ؟ قُلْنا: الإضافَةُ قَدْ تَكُونُ لِلتَّمْيِيزِ، وقَدْ تَكُونُ لِبَيانِ صِفَةِ الكَمالِ، كَما يُقالُ: اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ، وما هُنا مِن هَذا البابِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ الِاسْتِحْقاقِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ اسْمَ الجَزاءِ لا يَتَناوَلُ إلّا المُسْتَحِقَّ، فَأمّا الوَعْدُ بِمَحْضِ التَّفْضِيلِ فَإنَّهُ لا يُسَمّى جَزاءً.
والثّانِي: لَوْ كانَ المُرادُ مِنَ الجَزاءِ الأمْرَ الَّذِي يَصِيرُونَ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الوَعْدِ، فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿جَزاءً﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ومَصِيرًا﴾ تَفاوُتٌ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ تَكْرارًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ.
قالَ أصْحابُنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ: لا نِزاعَ في كَوْنِهِ ﴿جَزاءً﴾ إنَّما النِّزاعُ في أنَّ كَوْنَهُ جَزاءً ثَبَتَ بِالوَعْدِ أوْ بِالِاسْتِحْقاقِ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى التَّعْيِينِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْفُو عَنْ صاحِبِ الكَبِيرَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ يَسْتَحِقُّ العِقابَ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ؛ لِأنَّ الثَّوابَ هو النَّفْعُ الدّائِمُ الخالِصُ عَنْ شَوْبِ الضَّرَرِ، والعِقابُ هو الضَّرَرُ الدّائِمُ الخالِصُ عَنْ شَوْبِ النَّفْعِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ، وما كانَ مُمْتَنِعَ الوُجُودِ امْتَنَعَ أنْ يَحْصُلَ اسْتِحْقاقُهُ، فَإذَنْ مَتى ثَبَتَ اسْتِحْقاقُ العِقابِ وجَبَ أنْ يَزُولَ اسْتِحْقاقُ الثَّوابِ. فَنَقُولُ: لَوْ عَفا اللَّهُ عَنْ صاحِبِ الكَبِيرَةِ لَكانَ إمّا أنْ يُخْرِجَهُ مِنَ النّارِ ولا يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وذَلِكَ باطِلٌ بِالإجْماعِ لِأنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُكَلَّفِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، إمّا أنْ يَكُونُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ أوْ مِن أهْلِ النّارِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشُّورى: ٧] وإمّا أنْ يُخْرِجَهُ مِنَ النّارِ ويُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ الجَنَّةَ حَقُّ المُتَّقِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ فَجَعَلَ الجَنَّةَ لَهم ومُخْتَصَّةً بِهِمْ، وبَيَّنَ أنَّها إنَّما كانَتْ لَهم لِكَوْنِها جَزاءً لَهم عَلى أعْمالِهِمْ، فَكانَتْ حَقًّا لَهم، وإعْطاءُ حَقِّ الإنْسانِ لِغَيْرِهِ لا يَجُوزُ، ولَمّا بَطَلَتِ الأقْسامُ ثَبَتَ أنَّ العَفْوَ غَيْرُ جائِزٍ. أجابَ أصْحابُنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُتَّقُونَ يَرْضَوْنَ بِإدْخالِ اللَّهِ أهْلَ العَفْوِ في الجَنَّةِ ؟ فَحِينَئِذٍ لا يَمْتَنِعُ دُخُولُهم فِيها.
الوجه الثّانِي: قالُوا: المُتَّقِي في عُرْفِ الشَّرْعِ مُخْتَصٌّ بِمَنِ اتَّقى الكُفْرَ والكَبائِرَ، وإنِ اخْتَلَفْنا في أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ هَلْ يُسَمّى مُؤْمِنًا أمْ لا، لَكِنّا اتَّفَقْنا عَلى أنَّهُ لا يُسَمّى مُتَّقِيًا، ثم قال في وصْفِ الجَنَّةِ: إنَّها كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا، وهَذا لِلْحَصْرِ، والمَعْنى أنَّها مَصِيرٌ لِلْمُتَّقِينَ لا لِغَيْرِهِمْ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَدْخُلَها صاحِبُ الكَبِيرَةِ، قُلْنا: أقْصى ما في البابِ أنَّ هَذا العُمُومَ صَرِيحٌ في الوَعِيدِ، فَتَخُصُّهُ بِآياتِ الوَعْدِ.
المسألة الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الجَنَّةَ سَتَصِيرُ لِلْمُتَّقِينَ جَزاءً ومَصِيرًا، لَكِنَّها بَعْدَما صارَتْ كَذَلِكَ، فَلِمَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ما وعَدَ اللَّهُ فَهو في تَحَقُّقِهِ كَأنَّهُ قَدْ كانَ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأزْمِنَةٍ مُتَطاوِلَةٍ أنَّ الجَنَّةَ جَزاؤُهم ومَصِيرُهم.
* * *
صفحة ٥٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ﴾ فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣١] وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: أهْلُ الدَّرَجاتِ النّازِلَةِ إذا شاهَدُوا الدَّرَجاتِ العالِيَةَ لا بُدَّ وأنْ يُرِيدُوها، فَإذا سَألُوها رَبَّهم، فَإنْ أعْطاهم إيّاها لَمْ يَبْقَ بَيْنَ النّاقِصِ والكامِلِ تَفاوُتٌ في الدَّرَجَةِ، وإنْ لَمْ يُعْطِها قَدَحَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ وأيْضًا فالأبُ إذا كانَ ولَدُهُ في دَرَجاتِ النِّيرانِ وأشَدُّ العَذابِ إذا اشْتَهى أنْ يُخَلِّصَهُ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ العَذابِ فَلا بُدَّ وأنْ يَسْألَ رَبَّهُ أنْ يُخَلِّصَهُ مِنهُ، فَإنْ فَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ قَدَحَ في أنَّ عَذابَ الكافِرِ مُخَلَّدٌ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ قَدَحَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ [فصلت: ٣١] وفي قَوْلِهِ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ [ق: ٣٥]، وجَوابُهُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُزِيلُ ذَلِكَ الخاطِرَ عَنْ قُلُوبِ أهْلِ الجَنَّةِ، بَلْ يَكُونُ اشْتِغالُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِما فِيهِ مِنَ اللَّذّاتِ شاغِلًا عَنِ الِالتِفاتِ إلى حالِ غَيْرِهِ.
المسألة الثّانِيَةُ: شَرْطُ نَعِيمِ الجَنَّةِ أنْ يَكُونَ دائِمًا؛ إذْ لَوِ انْقَطَعَ لَكانَ مَشُوبًا بِضَرْبٍ مِنَ الغَمِّ، ولِذَلِكَ قالَ المُتَنَبِّي:
أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ تَيَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالا
ولِذَلِكَ اعْتَبَرَ الخُلُودَ فِيهِ فَقالَ: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ﴾ .
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ حُصُولَ المُراداتِ بِأسْرِها لا يَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ، فَأمّا في غَيْرِها فَلا يَحْصُلُ ذَلِكَ، بَلْ لا بُدَّ في الدُّنْيا مِن أنْ تَكُونَ راحاتُها مَشُوبَةً بِالجِراحاتِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن طَلَبَ ما لَمْ يُخْلَقْ أتْعَبَ نَفْسَهُ ولَمْ يُرْزَقْ، فَقِيلَ: وما هو يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: سُرُورُ يَوْمٍ» .
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: كَلِمَةُ (عَلى) لِلْوُجُوبِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن نَذَرَ وسَمّى فَعَلَيْهِ الوَفاءُ بِما سَمّى»، فَقَوْلُهُ: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ﴾ يُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، والواجِبُ هو الَّذِي لَوْ لَمْ يُفْعَلْ لاسْتَحَقَّ تارِكُهُ بِفِعْلِهِ الذَّمَّ، أوْ أنَّهُ الَّذِي يَكُونُ عَدَمُهُ مُمْتَنِعًا، فَإنْ كانَ الوُجُوبُ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ كانَ تَرْكُهُ مُحالًا؛ لِأنَّ تَرْكَهُ لَمّا اسْتَلْزَمَ اسْتِحْقاقَ الذَّمِّ، واسْتِحْقاقُ اللَّهِ تَعالى الذَّمَّ مُحالٌ، ومُسْتَلْزَمُ المُحالِ مُحالٌ، كانَ ذَلِكَ التَّرْكُ مُحالًا، والمُحالُ غَيْرُ مَقْدُورٍ، فَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ تَعالى قادِرًا عَلى أنْ لا يَفْعَلَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُلْجَأً إلى الفِعْلِ، وإنْ كانَ الوُجُوبُ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي وهو أنْ يُقالَ: الواجِبُ ما يَكُونُ عَدَمُهُ مُمْتَنِعًا يَكُونُ القَوْلُ بِالإلْجاءِ لازِمًا، فَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ قادِرًا، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ ثَبَتَ بِحُكْمِ الوَعْدِ، فَنَقُولُ: لَوْ لَمْ يَفْعَلْ لانْقَلَبَ خَبَرُهُ الصِّدْقُ كَذِبًا، وعِلْمُهُ جَهْلًا، وذَلِكَ مُحالٌ، والمُؤَدِّي إلى المُحالِ مُحالٌ، فالتَّرْكُ مُحالٌ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُلْجَأً إلى الفِعْلِ، والمُلْجَأُ إلى الفِعْلِ لا يَكُونُ قادِرًا، ولا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِلثَّناءِ والمَدْحِ.
تَمامُ السُّؤالِ وجَوابُهُ: أنَّ فِعْلَ الشَّيْءِ مُتَقَدِّمٌ عَلى الإخْبارِ عَنْ فِعْلِهِ وعَنِ العِلْمِ بِفِعْلِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الفِعْلُ فِعْلًا لا عَلى سَبِيلِ الإلْجاءِ، فَكانَ قادِرًا ومُسْتَحِقًّا لِلثَّناءِ والمَدْحِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وعْدًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَنَّةَ حَصَلَتْ بِحُكْمِ الوَعْدِ، لا بِحُكْمِ الِاسْتِحْقاقِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.
صفحة ٥٣
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مَسْئُولًا﴾ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُكَلَّفِينَ سَألُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩٤] .
وثانِيها: أنَّ المُكَلَّفِينَ سَألُوهُ بِلِسانِ الحالِ؛ لِأنَّهم لَمّا تَحَمَّلُوا المَشَقَّةَ الشَّدِيدَةَ في طاعَتِهِ كانَ ذَلِكَ قائِمًا مَقامَ السُّؤالِ، قالَ المُتَنَبِّي:
وفِي النَّفْسِ حاجاتٌ وفِيكَ فَطانَةٌ سُكُوتِي كَلامٌ عِنْدَها وخِطابُ
وثالِثُها: المَلائِكَةُ سَألُوا اللَّهَ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ [غافِرٍ: ٨] .
ورابِعُها: ﴿وعْدًا مَسْئُولًا﴾ أيْ واجِبًا، يُقالُ: لَأُعْطِيَنَّكَ ألْفًا وعْدًا مَسْئُولًا، أيْ واجِبًا وإنْ لَمْ تَسْألْ، قالَهُ الفَرّاءُ. وسائِرُ الوُجُوهِ أقْرَبُ مِن هَذا؛ لِأنَّ سائِرَ الوُجُوهِ أقْرَبُ إلى الحَقِيقَةِ، وما قالَهُ الفَرّاءُ مَجازٌ.
وخامِسُها: مَسْئُولًا أيْ مِن حَقِّهِ أنْ يَكُونَ مَسْئُولًا؛ لِأنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ، إمّا بِحُكْمِ الِاسْتِحْقاقِ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، أوْ بِحُكْمِ الوَعْدِ عَلى قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences