Ar-RaziAl‑Furqan · 25:17–20

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:17–20

25:17Page 361

وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمۡ أَضۡلَلۡتُمۡ عِبَادِي هَٰٓؤُلَآءِ أَمۡ هُمۡ ضَلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ١٧

And [mention] the Day He will gather them and that which they worship besides Allāh and will say, "Did you mislead these, My servants, or did they [themselves] stray from the way?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ [الفُرْقانِ: ٣] ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ فَنَقُولُ: كِلاهُما بِالنُّونِ والياءِ، وقُرِئَ: ”نَحْشِرُهم“ بِكَسْرِ الشِّينِ.

المسألة الثّانِيَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وما يَعْبُدُونَ﴾ أنَّها الأصْنامُ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي﴾ أنَّهُ مَن عُبِدَ مِنَ الأحْياءِ كالمَلائِكَةِ والمَسِيحِ وغَيْرِهِما؛ لِأنَّ الإضْلالَ وخِلافَهُ مِنهم يَصِحُّ، فَلِأجْلِ هَذا اخْتَلَفُوا،

صفحة ٥٤

فَمِنَ النّاسِ مَن حَمَلَهُ عَلى الأوْثانِ، فَإنْ قِيلَ لَهُمُ: الوَثَنُ جَمادٌ فَكَيْفَ خاطَبَهُ اللَّهُ تَعالى، وكَيْفَ قَدَرَ عَلى الجَوابِ ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ ذَكَرُوا وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ فِيهِمُ الحَياةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُخاطِبُهم فَيَرُدُّونَ الجَوابَ.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الكَلامُ لا بِالقَوْلِ اللِّسانِيِّ، بَلْ عَلى سَبِيلِ لِسانِ الحالِ كَما ذَكَرَ بَعْضُهم في تَسْبِيحِ المَواتِ وكَلامِ الأيْدِي والأرْجُلِ، وكَما قِيلَ: سَلِ الأرْضَ مَن شَقَّ أنْهارَكِ، وغَرَسَ أشْجارَكِ ؟ فَإنْ لَمْ تُجِبْكَ حِوارًا، أجابَتْكَ اعْتِبارًا. وأمّا الأكْثَرُونَ فَزَعَمُوا أنَّ المُرادَ هو المَلائِكَةُ وعِيسى وعُزَيْرٌ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، قالُوا: ويَتَأكَّدُ هَذا القَوْلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٤٠]، وإذا قِيلَ لَهم: لَفْظَةُ ”ما“ لا تُسْتَعْمَلُ في العُقَلاءِ أجابُوا عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ لِما لا يَعْقِلُ، بِدَلِيلِ أنَّهم قالُوا ”مَن“ لِما لا يَعْقِلُ.

والثّانِي: أُرِيدَ بِهِ الوَصْفُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ”ومَعْبُودَهم“ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشَّمْسِ: ٥] ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافِرُونَ: ٣] لا يَسْتَقِيمُ إلّا عَلى أحَدِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، وكَيْفَ كانَ فالسُّؤالُ ساقِطٌ.

المسألة الثّالِثَةُ: حاصِلُ الكَلامِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْشُرُ المَعْبُودِينَ، ثُمَّ يَقُولُ لَهم: أأنْتُمْ أوْقَعْتُمْ عِبادِي في الضَّلالِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، أمْ هم ضَلُّوا عَنْهُ بِأنْفُسِهِمْ ؟ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وفِيهِ كَسْرٌ بَيِّنٌ لِقَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ عِبادَهُ في الحَقِيقَةِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانَ الجَوابُ الصَّحِيحُ أنْ يَقُولُوا: إلَهُنا هَهُنا قِسْمٌ ثالِثٌ غَيْرُهُما هو الحَقُّ، وهو أنَّكَ أنْتَ أضْلَلْتَهم، فَلَمّا لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ بَلْ نَسَبُوا إضْلالَهم إلى أنْفُسِهِمْ، عَلِمْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُضِلُّ أحَدًا مِن عِبادِهِ. فَإنْ قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المَعْبُودِينَ ما تَعَرَّضُوا لِهَذا القِسْمِ بَلْ ذَكَرُوهُ، فَإنَّهم قالُوا: ﴿ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ ضَلالَهم إنَّما حَصَلَ لِأجْلِ ما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ، وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَتَّعَهم وآباءَهم بِنَعِيمِ الدُّنْيا. قُلْنا: لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانَ يَلْزَمُهم أنْ يَصِيرَ اللَّهُ مَحْجُوبًا في يَدِ أُولَئِكَ المَعْبُودِينَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ الغَرَضُ ذَلِكَ، بَلِ الغَرَضُ أنْ يَصِيرَ الكافِرُ مَحْجُوجًا مُفْحَمًا مُلْزَمًا. هَذا تَمامُ تَقْرِيرِ المُعْتَزِلَةِ في الآيَةِ، أجابَ أصْحابُنا بِأنَّ القُدْرَةَ عَلى الضَّلالِ إنْ لَمْ تَصْلُحْ لِلِاهْتِداءِ فالإضْلالُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنْ صَلَحَتْ لَهُ لَمْ تَتَرَجَّحْ مَصْدَرِيَّتُها لِلْإضْلالِ عَلى مَصْدَرِيَّتِها لِلِاهْتِداءِ إلّا لِمُرَجِّحٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وعِنْدَ ذَلِكَ يَعُودُ السُّؤالُ، وأمّا ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ فَهو وإنْ كانَ لَهم لَكِنَّهُ مُعارَضٌ بِسائِرِ الظَّواهِرِ المُطابِقَةِ لِقَوْلِنا.

المسألة الرّابِعَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا السُّؤالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنِ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ المَلائِكَةِ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى. بَقِيَ عَلى الآيَةِ سُؤالاتٌ:

الأوَّلُ: ما فائِدَةُ أنْتُمْ وهم ؟ وهَلّا قِيلَ: أأضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ؟ الجَوابُ: لَيْسَ السُّؤالُ عَنِ الفِعْلِ ووُجُودِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْلا وُجُودُهُ لَما تَوَجَّهَ هَذا العِتابُ، وإنَّما هو عَنْ فاعِلِهِ، فَلا بُدَّ مِن ذِكْرِهِ وإيلائِهِ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ المَسْئُولُ عَنْهُ.

السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ كانَ عالِمًا في الأزَلِ بِحالِ المَسْئُولِ عَنْهُ، فَما فائِدَةُ هَذا السُّؤالِ ؟ الجَوابُ: هَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ لِلْمُشْرِكِينَ كَما قالَ لِعِيسى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦] ولِأنَّ أُولَئِكَ المَعْبُودِينَ لَمّا بَرَّءُوا أنْفُسَهم، وأحالُوا ذَلِكَ الضَّلالَ عَلَيْهِمْ صارَ تَبَرُّؤُ

صفحة ٥٥

المَعْبُودِينَ عَنْهم أشَدَّ في حَسْرَتِهِمْ وحَيْرَتِهِمْ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: قالَ تَعالى: ﴿أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ والقِياسُ أنْ يُقالَ: ضَلَّ عَنِ السَّبِيلِ. الجَوابُ: الأصْلُ ذَلِكَ، إلّا أنَّ الإنْسانَ إذا كانَ مُتَناهِيًا في التَّفْرِيطِ وقِلَّةِ الِاحْتِياطِ، يُقالُ: ضَلَّ السَّبِيلَ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَكَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى جَوابَهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ﴾ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعَجَّبَ مِنهم فَقَدْ تَعَجَّبُوا مِمّا قِيلَ لَهم؛ لِأنَّهم مَلائِكَةٌ وأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ، فَما أبْعَدَهم عَنِ الإضْلالِ الَّذِي هو مُخْتَصٌّ بِإبْلِيسَ وحِزْبِهِ.

وثانِيها: أنَّهم نَطَقُوا بِسُبْحانَكَ لِيَدُلُّوا عَلى أنَّهُمُ المُسَبِّحُونَ المُقَدِّسُونَ المُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِحالِهِمْ أنْ يُضِلُّوا عِبادَهُ.

وثالِثُها: قَصَدُوا بِهِ تَنْزِيهَهُ عَنِ الأنْدادِ، سَواءً كانَ وثَنًا أوْ نَبِيًّا أوْ مَلَكًا.

ورابِعُها: قَصَدُوا تَنْزِيهَهُ أنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ مِن هَذا السُّؤالِ اسْتِفادَةَ عِلْمٍ أوْ إيذاءَ مَن كانَ بَرِيئًا عَنِ الجُرْمِ، بَلْ إنَّهُ إنَّما سَألَهم تَقْرِيعًا لِلْكُفّارِ وتَوْبِيخًا لَهم.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: القِراءَةُ المَعْرُوفَةُ ”أنْ نَتَّخِذَ“ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الخاءِ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ وابْنِ عامِرٍ بِرَفْعِ النُّونِ وفَتْحِ الخاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، قالَ الزَّجّاجُ: أخْطَأ مَن قَرَأ: ”أنْ نُتَّخَذَ“ بِضَمِّ النُّونِ؛ لِأنَّ (مِن) إنَّما تَدْخُلُ في هَذا البابِ في الأسْماءِ إذا كانَ مَفْعُولًا أوَّلًا، ولا تَدْخُلُ عَلى مَفْعُولِ الحالِ، تَقُولُ: ما اتَّخَذْتُ مِن أحَدٍ ولِيًّا، ولا يَجُوزُ: ما اتَّخَذْتُ أحَدًا مِن ولِيٍّ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: اتَّخَذَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ؛ كَقَوْلِكَ: اتَّخَذَ ولِيًّا، وإلى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِكَ اتَّخَذَ فُلانًا ولِيًّا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النِّساءِ: ١٢٥] والقِراءَةُ الأُولى مِنَ المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ، وهو ”مِن أوْلِياءَ“، والأصْلُ أنْ نَتَّخِذَ أوْلِياءَ فَزِيدَتْ مِن لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ، والثّانِيَةُ مِنَ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ، فالأوَّلُ ما بُنِيَ لَهُ الفِعْلُ، والثّانِي ”مِن أوْلِياءَ“ مِن لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: لا نَتَّخِذُ بَعْضَ أوْلِياءَ، وتَنْكِيرُ أوْلِياءَ مِن حَيْثُ إنَّهم أوْلِياءُ مَخْصُوصُونَ، وهُمُ الجِنُّ والأصْنامُ.

المسألة الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا:

أوَّلُها: وهو الأصَحُّ الأقْوى، أنَّ المَعْنى: إذا كُنّا لا نَرى أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ أوْلِياءَ فَكَيْفَ نَدْعُو غَيْرَنا إلى ذَلِكَ.

وثانِيها: ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَكُونَ أمْثالَ الشَّياطِينِ في تَوَلِّيهِمُ الكُفّارَ، كَما يُوَلِّيهِمُ الكُفّارُ، قالَ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ [النِّساءِ: ٧٦] يُرِيدُ الكَفَرَةَ، وقالَ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٧] عَنْ أبِي مُسْلِمٍ.

وثالِثُها: ما كانَ لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِ رِضاكَ مِن أوْلِياءَ، أيْ لَمّا عَلِمْنا أنَّكَ لا تَرْضى بِهَذا ما فَعَلْناهُ، والحاصِلُ أنَّهُ حَذَفَ المُضافَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ.

ورابِعُها: قالَتِ المَلائِكَةُ: إنَّهم عَبِيدُكَ، فَلا يَنْبَغِي لِعَبِيدِكَ أنْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ إذْنِكَ ولِيًّا ولا حَبِيبًا، فَضْلًا عَنْ أنْ يَتَّخِذَ عَبْدٌ عَبْدًا آخَرَ إلَهًا لِنَفْسِهِ.

وخامِسُها: أنَّ عَلى قِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ الإشْكالُ زائِلٌ، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ القِراءَةُ غَيْرُ جائِزَةٍ؛ لِأنَّهُ لا مَدْخَلَ لَهم في أنْ يَتَّخِذَهم غَيْرُهم أوْلِياءَ، قُلْنا: المُرادُ أنّا لا نَصْلُحُ لِذَلِكَ، فَكَيْفَ نَدْعُوهم إلى عِبادَتِنا.

وسادِسُها: أنَّ هَذا قَوْلُ الأصْنامِ، وأنَّها قالَتْ: لا يَصِحُّ مِنّا أنْ نَكُونَ مِنَ العابِدِينَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُنا ادِّعاؤُنا أنّا مِنَ المَعْبُودِينَ.

المسألة الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَجُوزُ الوِلايَةُ والعَداوَةُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، فَكُلُّ وِلايَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلى مَيْلِ النَّفْسِ ونَصِيبِ الطَّبْعِ فَذاكَ عَلى خِلافِ الشَّرْعِ.

25:18–19Page 361

قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكۡرَ وَكَانُواْ قَوۡمَۢا بُورٗا ١٨

They will say, "Exalted are You! It was not for us to take besides You any allies [i.e., protectors]. But You provided comforts for them and their fathers until they forgot the message and became a people ruined."

فَقَدۡ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسۡتَطِيعُونَ صَرۡفٗا وَلَا نَصۡرٗاۚ وَمَن يَظۡلِم مِّنكُمۡ نُذِقۡهُ عَذَابٗا كَبِيرٗا ١٩

So they will deny you, [disbelievers], in what you say,1 and you cannot avert [punishment] or [find] help. And whoever commits injustice2 among you - We will make him taste a great punishment.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ٥٦

المسألة الأُولى: مَعْنى الآيَةِ أنَّكَ يا إلَهَنا أكْثَرْتَ عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمْ مِنَ النِّعَمِ، وهي تُوجِبُ الشُّكْرَ والإيمانَ لا الإعْراضَ والكُفْرانَ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ بَيانُ أنَّهم ضَلُّوا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ لا بِإضْلالِنا؛ فَإنَّهُ لَوْلا عِنادُهُمُ الظّاهِرُ، وإلّا فَمَعَ ظُهُورِ هَذِهِ الحجة لا يُمْكِنُ الإعْراضُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى.

وقالَ آخَرُونَ: إنَّ هَذا الكَلامَ كالرَّمْزِ فِيما صَرَّحَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ [ الأعْرافِ: ١٥٥] وذَلِكَ لِأنَّ المُجِيبَ قالَ: إلَهِي أنْتَ الَّذِي أعْطَيْتَهُ جَمِيعَ مَطالِبِهِ مِنَ الدُّنْيا حَتّى صارَ كالغَرِيقِ في بَحْرِ الشَّهَواتِ، واسْتِغْراقُهُ فِيها صارَ صادًّا لَهُ عَنِ التَّوَجُّهِ إلى طاعَتِكَ والِاشْتِغالِ بِخِدْمَتِكَ، فَإنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ.

المسألة الثّانِيَةُ: الذِّكْرُ ذِكْرُ اللَّهِ والإيمانُ بِهِ والقُرْآنِ والشَّرائِعِ، أوْ ما فِيهِ حُسْنُ ذِكْرِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

المسألة الثّالِثَةُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: رَجُلٌ بُورٌ ورَجُلانِ بُورٌ ورِجالٌ بُورٌ، وكَذَلِكَ الأُنْثى، ومَعْناهُ هالِكٌ، وقَدْ يُقالُ: رَجُلٌ بائِرٌ وقَوْمٌ بُورٌ، وهو مِثْلُ هائِرٍ وهُورٍ، والبَوارُ الهَلاكُ، وقَدِ احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ، ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِنهُ: وكانُوا مِنَ الَّذِينَ حُكِمَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ بِالعَذابِ والهَلاكِ، فالَّذِي حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِعَذابِ الآخِرَةِ وعَلَّمَ ذَلِكَ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وأطْلَعَ المَلائِكَةَ عَلَيْهِ، لَوْ صارَ مُؤْمِنًا لَصارَ الخَبَرُ الصِّدْقُ كَذِبًا، ولَصارَ العِلْمُ جَهْلًا، ولَصارَتِ الكِتابَةُ المُثْبَتَةُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ باطِلَةً، ولَصارَ اعْتِقادُ المَلائِكَةِ جَهْلًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ ومُسْتَلْزَمُ المُحالِ مُحالٌ، فَصُدُورُ الإيمانِ مِنهُ مُحالٌ، فَدَلَّ عَلى أنَّ السَّعِيدَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَنْقَلِبَ شَقِيًّا، والشَّقِيُّ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَنْقَلِبَ سَعِيدًا. ومِن وجْهٍ آخَرَ هو أنَّهم ذَكَرُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى آتاهم أسْبابَ الضَّلالِ، وهو إعْطاءُ المُراداتِ في الدُّنْيا واسْتِغْراقُ النَّفْسِ فِيها، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ ذَلِكَ السَّبَبَ بَلَغَ مَبْلَغًا يُوجِبُ البَوارَ؛ فَإنَّ ذِكْرَ البَوارِ عَقِيبَ ذَلِكَ السَّبَبِ يَدُلُّ عَلى أنَّ البَوارَ إنَّما حَصَلَ لِأجْلِ ذَلِكَ السَّبَبِ، فَرَجَعَ حاصِلُ الكَلامِ إلى أنَّهُ تَعالى فَعَلَ بِالكافِرِ ما صارَ مَعَهُ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهُ تَرْكُ الكُفْرِ، وحِينَئِذٍ ظَهَرَ أنَّ السَّعِيدَ لا يَنْقَلِبُ شَقِيًّا، وأنَّ الشَّقِيَّ لا يَنْقَلِبُ سَعِيدًا.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ: ”يَقُولُونَ“ بِالياءِ والتّاءِ، فَمَعْنى مَن قَرَأ بِالتّاءِ: فَقَدْ كَذَّبُوكم بِقَوْلِكم: إنَّهم آلِهَةٌ، أيْ: كَذَّبُوكم في قَوْلِكم: إنَّهم آلِهَةٌ، ومَن قَرَأ بِالياءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتُ فالمَعْنى أنَّهم كَذَّبُوكم بِقَوْلِكم: ”سُبْحانَكَ“، ومِثالُهُ قَوْلُكَ: كَتَبْتُ بِالقَلَمِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ: ”يَسْتَطِيعُونَ“ بِالياءِ والتّاءِ أيْضًا، يَعْنِي فَما تَسْتَطِيعُونَ أنْتُمْ يا أيُّها الكُفّارُ صَرْفَ العَذابِ عَنْكم، وقِيلَ: الصَّرْفُ التَّوْبَةُ، وقِيلَ: الحِيلَةُ، مِن قَوْلِهِمْ: إنَّهُ لَيَتَصَرَّفُ أيْ: يَحْتالُ، أوْ فَما يَسْتَطِيعُ آلِهَتُكم أنْ يَصْرِفُوا عَنْكُمُ العَذابَ وأنْ يَحْتالُوا لَكم.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المسألة الأُولى: قُرِئَ: ”يُذِقْهُ“بِالياءِ، وفِيهِ ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى أوْ ضَمِيرُ الظُّلْمِ.

المسألة الثّانِيَةُ: أنَّ المُعْتَزِلَةَ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في القَطْعِ بِوَعِيدِ أهْلِ الكَبائِرِ، فَقالُوا: ثَبَتَ أنَّ ”مَن“ لِلْعُمُومِ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ، وثَبَتَ أنَّ الكافِرَ ظالِمٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمانَ: ١٣]، والفاسِقَ ظالِمٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الحُجُراتِ: ١١] فَثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ الفاسِقَ لا يُعْفى عَنْهُ، بَلْ يُعَذَّبُ لا مَحالَةَ

صفحة ٥٧

والجَوابُ: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ كَلِمَةَ ”مَن“ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ لِلْعُمُومِ، والكَلامُ فِيهِ مَذْكُورٌ في أُصُولِ الفِقْهِ، سَلَّمْنا أنَّهُ لِلْعُمُومِ ولَكِنْ قَطْعًا أمْ ظاهِرًا ؟ ودَعْوى القَطْعِ مَمْنُوعَةٌ؛ فَإنّا نَرى في العُرْفِ العامِّ المَشْهُورِ اسْتِعْمالَ صِيَغِ العُمُومِ مَعَ أنَّ المُرادَ هو الأكْثَرُ، أوْ لِأنَّ المُرادَ أقْوامٌ مُعَيَّنُونَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦] ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا قَدْ آمَنُوا، فَلا دافِعَ لَهُ إلّا أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وإنْ كانَ يُفِيدُ العُمُومَ، لَكِنَّ المُرادَ مِنهُ الغالِبُ، أوِ المُرادُ مِنهُ أقْوامٌ مَخْصُوصُونَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ ثَبَتَ أنَّ اسْتِعْمالَ ألْفاظِ العُمُومِ في الأغْلَبِ عُرْفٌ ظاهِرٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ دَلالَةُ هَذِهِ الصِّيَغِ عَلى العُمُومِ دَلالَةً ظاهِرَةً لا قاطِعَةً، وذَلِكَ لا يَنْفِي تَجْوِيزَ العَفْوِ.

سَلَّمْنا دَلالَتَهُ قَطْعًا، ولَكِنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكُمْ﴾ مَشْرُوطٌ بِأنْ لا يُوجَدَ ما يُزِيلُهُ، وعِنْدَ هَذا نَقُولُ: هَذا مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لِمَ قُلْتَ بِأنْ لَمْ يُوجَدْ ما يُزِيلُهُ ؟ فَإنَّ العَفْوَ عِنْدَنا أحَدُ الأُمُورِ الَّتِي تُزِيلُهُ، وذَلِكَ هو أحَدُ الثَّلاثَةِ أوَّلَ المسألة. سَلَّمْنا دَلالَتَهُ عَلى ما قالَ، ولَكِنَّهُ مُعارَضٌ بِآياتِ الوَعْدِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكَهْفِ: ١٠٧] فَإنْ قِيلَ: آياتُ الوَعِيدِ أوْلى؛ لِأنَّ السّارِقَ يُقْطَعُ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ، ومَن لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِلْعِقابِ لا يَجُوزُ قَطْعُ يَدِهِ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ، فَإذا ثَبَتَ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقابِ ثَبَتَ أنَّ اسْتِحْقاقَ الثَّوابِ أحْبَطُ؛ لِما بَيَّنّا أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الِاسْتِحْقاقَيْنِ مُحالٌ. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّ السّارِقَ يُقْطَعُ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ تابَ فَإنَّهُ يُقْطَعُ لا عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ المِحْنَةِ، نَزَلْنا عَنْ هَذِهِ المَقاماتِ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكُمْ﴾ إنَّهُ خِطابٌ مَعَ قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ مُعَيَّنِينَ فَهَبْ أنَّهُ لا يَعْفُو عَنْهم فَلِمَ قُلْتَ: إنَّهُ لا يَعْفُو عَنْ غَيْرِهِمْ ؟ .

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: هَذا جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفُرْقانِ: ٧] بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذِهِ عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ مِنَ اللَّهِ في كُلِّ رُسُلِهِ، فَلا وجْهَ لِهَذا الطَّعْنِ.

المسألة الثّانِيَةُ: حَقُّ الكَلامِ أنْ يُقالَ: ”ألا أنَّهم“ بِفَتْحِ الألِفِ؛ لِأنَّهُ مُتَوَسِّطٌ، والمَكْسُورَةُ لا تَلِيقُ إلّا بِالِابْتِداءِ، فَلِأجْلِ هَذا ذَكَرُوا وُجُوهًا:

أحَدُها: قالَ الزَّجّاجُ: الجُمْلَةُ بَعْدَ (إلّا) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ أحَدًا مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا آكِلِينَ وماشِينَ، وإنَّما حُذِفَ لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ دَلِيلًا عَلَيْهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٤] عَلى مَعْنى: وما مِنّا أحَدٌ.

وثانِيها: قالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ صِلَةٌ لِاسْمٍ مَتْرُوكٍ اكْتُفِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ عَنْهُ، والمَعْنى: إلّا مَن أنَّهم؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ أيْ مَن لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مَرْيَمَ: ٧١] أيْ إلّا مَن يَرِدُها، فَعَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ: المَوْصُوفُ مَحْذُوفٌ، وعَلى قَوْلِ الفَرّاءِ: المَوْصُولُ هو المَحْذُوفُ. ولا يَجُوزُ حَذْفُ المَوْصُولِ وتَبْقِيَةُ الصِّلَةِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ.

وثالِثُها: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تُكْسَرُ إنَّ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ بِإضْمارِ واوٍ، عَلى تَقْدِيرِ إلّا وإنَّهم.

رابِعُها: قالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى إلّا قِيلَ: إنَّهم.

المسألة الثّالِثَةُ: قُرِئَ: ”يُمَشَّوْنَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ يُمَشِّيهِمْ حَوائِجُهم أوِ النّاسُ، ولَوْ قُرِئَ: ”يَمْشُونَ“ لَكانَ أوْجَهَ لَوْلا الرِّوايَةُ.

25:20Page 361

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا ٢٠

And We did not send before you, [O Muḥammad], any of the messengers except that they ate food and walked in the markets. And We have made some of you [people] as trial for others - will you have patience? And ever is your Lord, Seeing.

صفحة ٥٨

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: فِيهِ أقْوالٌ:

أحَدُها: أنَّ هَذا في رُؤَساءِ المُشْرِكِينَ وفُقَراءِ الصَّحابَةِ، فَإذا رَأى الشَّرِيفُ الوَضِيعَ قَدْ أسْلَمَ قَبْلَهُ أنِفَ أنْ يُسْلِمَ، فَأقامَ عَلى كُفْرِهِ لِئَلّا يَكُونَ لِلْوَضِيعِ السّابِقَةُ والفَضْلُ عَلَيْهِ؛ ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [ الأحْقافِ: ١١] وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ والفَرّاءِ والزَّجّاجِ.

وثانِيها: أنَّ هَذا عامٌّ في جَمِيعِ النّاسِ، رَوى أبُو الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ويْلٌ لِلْعالِمِ مِنَ الجاهِلِ، ووَيْلٌ لِلسُّلْطانِ مِنَ الرَّعِيَّةِ، ووَيْلٌ لِلرَّعِيَّةِ مِنَ السُّلْطانِ، ووَيْلٌ لِلْمالِكِ مِنَ المَمْلُوكِ، ووَيْلٌ لِلشَّدِيدِ مِنَ الضَّعِيفِ، ولِلضَّعِيفِ مِنَ الشَّدِيدِ، بَعْضُهم لِبَعْضٍ فِتْنَةٌ» وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.

وثالِثُها: أنَّ هَذا في أصْحابِ البَلاءِ والعافِيَةِ، هَذا يَقُولُ: لِمَ لَمْ أُجْعَلْ مِثْلَهُ في الخَلْقِ والخُلُقِ، وفي العَقْلِ وفي العِلْمِ، وفي الرِّزْقِ وفي الأجَلِ ؟ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ.

ورابِعُها: هَذا احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ في تَخْصِيصِ مُحَمَّدٍ بِالرِّسالَةِ مَعَ مُساواتِهِ إيّاهم في البَشَرِيَّةِ وصِفاتِها، فابْتَلى المُرْسَلِينَ بِالمُرْسَلِ إلَيْهِمْ وأنْواعِ أذاهم، عَلى ما قالَ: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٦] والمُرْسَلُ إلَيْهِمْ يَتَأذَّوْنَ أيْضًا مِنَ المُرْسَلِ بِسَبَبِ الحَسَدِ وصَيْرُورَتِهِ مُكَلَّفًا بِالخِدْمَةِ وبَذْلِ النَّفْسِ والمالِ بَعْدَ أنْ كانَ رَئِيسًا مَخْدُومًا، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى الكُلِّ؛ لِأنَّ بَيْنَ الجَمِيعِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا.

المسألة الثّانِيَةُ: قالَ أصْحابُنا: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى القَضاءِ والقَدَرِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ قالَ الجُبّائِيُّ: هَذا الجَعْلُ هو بِمَعْنى التَّعْرِيفِ كَما يُقالُ فِيمَن سَرَقَ: إنَّ فُلانًا لِصٌّ، جَعَلَهُ لِصًّا، وهَذا التَّأْوِيلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى أضافَ الجَعْلَ إلى وصْفِ كَوْنِهِ فِتْنَةً، لا إلى الحُكْمِ بِكَوْنِهِ كَذَلِكَ، بَلِ العَقْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ غَيْرُ ما ذَكَرَهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ فاعِلَ السَّبَبِ فاعِلٌ لِلْمُسَبَّبِ، فَمَن خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى مِزاجِ الصَّفْراءِ والحَرارَةِ وخُلُقِ الغَضَبِ فِيهِ ثُمَّ خَلَقَ فِيهِ الإدْراكَ الَّذِي يُطْلِعُهُ عَلى الشَّيْءِ المُغْضِبِ، فَمَن فَعَلَ هَذا المَجْمُوعَ كانَ هو الفاعِلَ لِلْغَضَبِ لا مَحالَةَ، وكَذا القَوْلُ في الحَسَدِ وسائِرِ الأخْلاقِ والأفْعالِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي جَعَلَ البَعْضَ فِتْنَةً لِلْبَعْضِ. سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ ما قالَهُ الجُبّائِيُّ أنَّ المُرادَ مِنَ الجَعْلِ هو الحُكْمُ، ولَكِنَّ المَجْعُولَ إنِ انْقَلَبَ لَزِمَ انْقِلابُهُ انْقِلابَ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الصِّدْقِ إلى الكَذِبِ، وذَلِكَ مُحالٌ، فانْقِلابُ ذَلِكَ الجَعْلِ مُحالٌ، فانْقِلابُ المَجْعُولِ أيْضًا مُحالٌ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ القَوْلُ بِالقَضاءِ والقَدَرِ.

المسألة الثّالِثَةُ: الوجه في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ القَوْمَ لَمّا طَعَنُوا في الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّهُ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ، وبِأنَّهُ فَقِيرٌ، كانَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ جارِيَةً مَجْرى الخُرافاتِ، فَإنَّهُ لَمّا قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى النُّبُوَّةِ لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الأشْياءِ أثَرٌ في القَدْحِ فِيها، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَأذّى مِنهم مِن حَيْثُ إنَّهم كانُوا يَشْتُمُونَهُ، ومِن حَيْثُ إنَّهم كانُوا يَذْكُرُونَ الكَلامَ المُعْوَجَّ الفاسِدَ، وما كانُوا يَفْهَمُونَ الجَوابَ الجَيِّدَ، فَلا جَرَمَ صَبَّرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ تِلْكَ الأذِيَّةِ، وبَيَّنَ أنَّهُ جَعَلَ الخَلْقَ بَعْضَهم فِتْنَةً لِلْبَعْضِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ الخَبَرَ، لَما ذَكَرَ عَقِيبَهُ ﴿أتَصْبِرُونَ﴾؛ لِأنَّ أمْرَ العاجِزِ غَيْرُ جائِزٍ.

المسألة الثّانِيَةُ: المَعْنى: أتَصْبِرُونَ عَلى البَلاءِ، فَقَدْ عَلِمْتُمْ ما وعَدَ اللَّهُ الصّابِرِينَ ﴿وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾

صفحة ٥٩

أيْ هو العالِمُ بِمَن يَصْبِرُ ومَن لا يَصْبِرُ، فَيُجازِي كُلًّا مِنهم بِما يَسْتَحِقُّهُ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ.

المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أتَصْبِرُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ، والمُرادُ مِنهُ التَّقْرِيرُ، ومَوْقِعُهُ بَعْدَ ذِكْرِ الفِتْنَةِ مَوْقِعُ ”أيُّكم“ بَعْدَ الِابْتِلاءِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском