Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
الشعراء
Ash-Shu'ara
The Poets · Meccan · 227 ayahs
26:1–4Page 367
طسٓمٓ ١
Ṭā, Seen, Meem.1
تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ٢
These are the verses of the clear Book.
لَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٣
Perhaps, [O Muḥammad], you would kill yourself with grief that they will not be believers.
إِن نَّشَأۡ نُنَزِّلۡ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةٗ فَظَلَّتۡ أَعۡنَٰقُهُمۡ لَهَا خَٰضِعِينَ ٤
If We willed, We could send down to them from the sky a sign for which their necks would remain humbled.1
صفحة ١٠٣
(سُورَةُ الشُّعَراءِ) مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ إلى آخِرِها.
وهِيَ مِائَتانِ وسِتٌّ أوْ سَبْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً.
﷽
﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ .
﷽
﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ .
الطّاءُ إشارَةٌ إلى طَرَبِ قُلُوبِ العارِفِينَ، والسِّينُ سُرُورُ المُحِبِّينَ، والمِيمُ مُناجاةُ المُرِيدِينَ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَرَأ قَتادَةُ: ”باخِعُ نَفْسِكَ“ عَلى الإضافَةِ، وقُرِئَ: ”فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعَةً“ .
المسألة الثّانِيَةُ: البَخْعُ أنْ يَبْلُغَ بِالذَّبْحِ البِخاعَ، وهو الخُرْمُ النّافِذُ في ثَقْبِ الفِقْراتِ، وذَلِكَ أقْصى حَدِّ الذّابِحِ. ولَعَلَّ لِلْإشْفاقِ.
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ مَعْناهُ: آياتُ هَذِهِ السُّورَةِ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ ما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ هو القُرْآنُ، والمُبِينُ وإنْ كانَ في الحَقِيقَةِ هو المُتَكَلِّمَ فَقَدْ يُضافُ إلى الكَلامِ مِن حَيْثُ يَتَبَيَّنُ بِهِ عِنْدَ النَّظَرِ فِيهِ، فَإنْ قِيلَ: القَوْمُ لَمّا كانُوا كُفّارًا فَكَيْفَ تَكُونُ آياتُ القُرْآنِ مُبَيِّنَةً لَهم ما يَلْزَمُهم، وإنَّما يَتَبَيَّنُ بِذَلِكَ الأحْكامُ ؟ قُلْنا: ألْفاظُ القُرْآنِ مِن حَيْثُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى فاعِلٍ مُخالِفٍ لَهم، كَما يُسْتَدَلُّ بِسائِرِ ما لا يَقْدِرُ العِبادُ عَلى مِثْلِهِ، فَهو دَلِيلُ التَّوْحِيدِ مِن هَذا الوجه، ودَلِيلُ النُّبُوَّةِ مِن حَيْثُ الإعْجازُ، ويُعْلَمُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ إذا كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى فَهو دَلالَةُ الأحْكامِ أجْمَعَ، وإذا ثَبَتَ هَذا صارَتْ آياتُ القُرْآنِ كافِيَةً في كُلِّ الأُصُولِ والفُرُوعِ أجْمَعَ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ بَيَّنَ الأُمُورَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ مُنَبِّهًا بِذَلِكَ عَلى أنَّ الكِتابَ وإنْ بَلَغَ في البَيانِ كُلَّ غايَةٍ فَغَيْرُ مُدْخِلٍ لَهم في الإيمانِ لَمّا أنَّهُ سَبَقَ حُكْمُ اللَّهِ
صفحة ١٠٤
بِخِلافِهِ، فَلا تُبالِغْ في الحُزْنِ والأسَفِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّكَ إنْ بالَغْتَ فِيهِ كُنْتَ بِمَنزِلَةِ مَن يَقْتُلُ نَفْسَهُ ثُمَّ لا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ أصْلًا، فَصَبَّرَهُ وعَزّاهُ وعَرَّفَهُ أنَّ غَمَّهُ وحُزْنَهُ لا نَفْعَ فِيهِ، كَما أنَّ وُجُودَ الكِتابِ عَلى بَيانِهِ ووُضُوحِهِ لا نَفْعَ لَهم فِيهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ آيَةً يَذِلُّونَ عِنْدَها ويَخْضَعُونَ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ صَحَّ مَجِيءُ ﴿خاضِعِينَ﴾ خَبَرًا عَنِ الأعْناقِ ؟ قُلْنا: أصْلُ الكَلامِ: فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ، فَذُكِرَتِ الأعْناقُ لِبَيانِ مَوْضِعِ الخُضُوعِ، ثُمَّ تُرِكَ الكَلامُ عَلى أصْلِهِ، ولَمّا وُصِفَتْ بِالخُضُوعِ الَّذِي هو لِلْعُقَلاءِ، قِيلَ: ﴿خاضِعِينَ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿لِي ساجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٤]، وقِيلَ: أعْناقُ النّاسِ رُؤَساؤُهم ومُقَدَّمُوهم، شُبِّهُوا بِالأعْناقِ كَما يُقالُ: هُمُ الرُّءُوسُ والصُّدُورُ، وقِيلَ: هم جَماعاتُ النّاسِ، يُقالُ: جاءَنا عُنُقٌ مِنَ النّاسِ لِفَوْجٍ مِنهم.
المسألة الرّابِعَةُ: نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطِرٍ: ٨] .
26:5–9Page 367
وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ مُحۡدَثٍ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهُ مُعۡرِضِينَ ٥
And no mention [i.e., revelation] comes to them anew from the Most Merciful except that they turn away from it.
فَقَدۡ كَذَّبُواْ فَسَيَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٦
For they have already denied, but there will come to them the news of that which they used to ridicule.
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَمۡ أَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجٖ كَرِيمٍ ٧
Did they not look at the earth - how much We have produced therein from every noble kind?
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ٨
Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٩
And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ﴾ [الشُّعَراءِ: ٤] فَنَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُؤْمِنِينَ بِالإلْجاءِ رَحِيمٌ بِهِمْ مِن حَيْثُ يَأْتِيهِمْ حالًا بَعْدَ حالٍ بِالقُرْآنِ، وهو الذِّكْرُ، ويُكَرِّرُهُ عَلَيْهِمْ وهم مَعَ ذَلِكَ عَلى حَدٍّ واحِدٍ في الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ثُمَّ عِنْدَ ذَلِكَ زَجَرَ وتَوَعَّدَ؛ لِأنَّ المَرْءَ إذا اسْتَمَرَّ عَلى كُفْرِهِ فَلَيْسَ يَنْفَعُ فِيهِ إلّا الزَّجْرُ الشَّدِيدُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بَلَغُوا النِّهايَةَ في رَدِّ آياتِ اللَّهِ تَعالى ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا﴾ وذَلِكَ إمّا عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، أوْ عِنْدَ المُعايَنَةِ، أوْ في الآخِرَةِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ وقَدْ جَرَتِ العادَةُ فِيمَن يُسِيءُ أنْ يُقالَ لَهُ: سَتَرى حالَكَ مِن بَعْدُ، عَلى وجْهِ الوَعِيدِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ مَعَ إنْزالِهِ القُرْآنَ حالًا بَعْدَ حالٍ قَدْ أظْهَرَ أدِلَّةً تَحْدُثُ حالًا بَعْدَ حالٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ والزَّوْجُ هو الصِّنْفُ مِنَ النَّباتِ، والكَرِيمُ صِفَةٌ لِكُلِّ ما يُرْضى ويُحْمَدُ في بابِهِ، يُقالُ: وجْهٌ كَرِيمٌ إذا كانَ مَرْضِيًّا في حُسْنِهِ وجَمالِهِ. وكِتابٌ كَرِيمٌ إذا كانَ مَرْضِيًّا في فَوائِدِهِ ومَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المَرْضِيُّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ المَنافِعِ. وفي وصْفِ الزَّوْجِ بِالكَرِيمِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ النَّباتَ عَلى نَوْعَيْنِ: نافِعٍ وضارٍّ، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ كَثْرَةَ ما أنْبَتَ في الأرْضِ مِن جَمِيعِ أصْنافِ النَّباتِ النّافِعِ، وتَرَكَ ذِكْرَ الضّارِّ.
والثّانِي: أنَّهُ عَمَّ جَمِيعَ النَّباتِ نافِعِهِ وضارِّهِ، ووَصَفَهُما جَمِيعًا بِالكَرَمِ، ونَبَّهَ عَلى أنَّهُ ما أنْبَتَ شَيْئًا إلّا وفِيهِ فائِدَةٌ، وإنْ غَفَلَ عَنْها الغافِلُونَ.
صفحة ١٠٥
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] والمَعْنى أنَّ في ذَلِكَ دَلالَةً لِمَن يَتَفَكَّرُ ويَتَدَبَّرُ، وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ، أيْ: مَعَ كُلِّ ذَلِكَ يَسْتَمِرُّ أكْثَرُهم عَلى كُفْرِهِمْ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ فَإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ العَزِيزِ عَلى ذِكْرِ الرَّحِيمِ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدِّمْهُ لَكانَ رُبَّما قِيلَ: إنَّهُ رَحِمَهم لِعَجْزِهِ عَنْ عُقُوبَتِهِمْ، فَأزالَ هَذا الوَهْمَ بِذِكْرِ العَزِيزِ، وهو الغالِبُ القاهِرُ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ، فَإنَّ الرَّحْمَةَ إذا كانَتْ عَنِ القُدْرَةِ الكامِلَةِ كانَتْ أعْظَمَ وقْعًا. والمُرادُ أنَّهم مَعَ كُفْرِهِمْ وقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى أنْ يُعَجِّلَ عِقابَهم لا يَتْرُكُ رَحْمَتَهم بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن خَلْقِ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ مِنَ النَّباتِ، ثُمَّ مِن إعْطاءِ الصِّحَّةِ والعَقْلِ والهِدايَةِ.
المسألة الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ الكُفّارَ بِالإعْراضِ أوَّلًا، وبِالتَّكْذِيبِ ثانِيًا، وبِالِاسْتِهْزاءِ ثالِثًا، وهَذِهِ دَرَجاتُ مَن أخَذَ يَتَرَقّى في الشَّقاوَةِ؛ فَإنَّهُ يُعَرِّضُ أوَّلًا، ثُمَّ يُصَرِّحُ بِالتَّكْذِيبِ والإنْكارِ إلى حَيْثُ يَسْتَهْزِئُ بِهِ ثالِثًا.
المسألة الثّالِثَةُ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى الجَمْعِ بَيْنَ كَمْ وكُلٍّ، ولِمَ لَمْ يَقُلْ: كَمْ أنْبَتْنا فِيها مَن زَوْجٍ كَرِيمٍ ؟ قُلْتُ: قَدْ دَلَّ كُلٌّ عَلى الإحاطَةِ بِأزْواجِ النَّباتِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وكَمْ عَلى أنَّ هَذا المُحِيطَ مُتَكاثِرٌ مُفْرِطُ الكَثْرَةِ، فَهَذا مَعْنى الجَمْعِ رَتَّبَهُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، فَإنْ قُلْتَ: فَحِينَ ذَكَرَ الأزْواجَ ودَلَّ عَلَيْها بِكَلِمَتَيِ الكَثْرَةِ والإحاطَةِ، وكانَتْ بِحَيْثُ لا يُحْصِيها إلّا عالِمُ الغَيْبِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ وهَلّا قالَ: لَآياتٍ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُشارًا بِهِ إلى مَصْدَرِ أنْبَتْنا، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ في ذَلِكَ الإنْباتِ لَآيَةً أيَّ آيَةٍ.
والثّانِي: أنْ يُرادَ أنَّ في كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأزْواجِ لَآيَةً.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: احْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ عَلى خَلْقِ القُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ فَقالُوا: الذِّكْرُ هو القُرْآنُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ [ الأنْبِياءِ: ٥٠] وبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الذِّكْرَ مُحْدَثٌ، فَيَلْزَمُ مِن هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّ القُرْآنَ مُحْدَثٌ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا﴾ [الزُّمَرِ: ٢٣] وبِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٥٠] وإذا ثَبَتَ أنَّهُ مُحْدَثٌ فَلَهُ خالِقٌ، فَيَكُونُ مَخْلُوقًا لا مَحالَةَ.
والجَوابُ: أنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلى هَذِهِ الألْفاظِ، ونَحْنُ نُسَلِّمُ حُدُوثَها، إنَّما نَدَّعِي قِدَمَ أمْرٍ آخَرَ وراءَ هَذِهِ الحُرُوفِ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى ذَلِكَ.
26:10–11Page 367
وَإِذۡ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئۡتِ ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠
And [mention] when your Lord called Moses, [saying], "Go to the wrongdoing people -
قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَۚ أَلَا يَتَّقُونَ ١١
The people of Pharaoh. Will they not fear Allāh?"
[ القِصَّةُ الأُولى: قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ] .
﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ ألا يَتَّقُونَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ ألا يَتَّقُونَ﴾ .
اخْتَلَفَ أهْلُ السُّنَّةِ في النِّداءِ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، هَلْ هو كَلامُهُ القَدِيمُ، أوْ هو ضَرْبٌ مِنَ الأصْواتِ، فَقالَ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ: المَسْمُوعُ هو الكَلامُ القَدِيمُ، وكَما أنَّ ذاتَهُ تَعالى لا تُشْبِهُ سائِرَ الأشْياءِ، مَعَ أنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ عَلى أنَّها مَعْلُومَةٌ ومُرَتَّبَةٌ، فَكَذا كَلامُهُ مُنَزَّهٌ عَنْ مُشابَهَةِ الحُرُوفِ والأصْواتِ، مَعَ أنَّهُ مَسْمُوعٌ، وقالَ أبُو مَنصُورٍ الماتُرِيدِيُّ: الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ نِداءً مِن جِنْسِ الحُرُوفِ والأصْواتِ، وذَلِكَ لِأنَّ الدَّلِيلَ لَمّا دَلَّ عَلى أنّا رَأيْنا الجَوْهَرَ والعَرَضَ، ولا بُدَّ مِن عِلَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَهُما لِصِحَّةِ الرُّؤْيَةِ، ولا عِلَّةَ إلّا الوُجُودُ، حَكَمْنا بِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ يَصِحُّ أنْ يُرى، ولَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنا أنّا نَسْمَعُ الأصْواتَ والأجْسامَ حَتّى يَحْكُمَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن مُشْتَرَكٍ بَيْنَ الجِسْمِ والصَّوْتِ، فَلَمْ يَلْزَمْ صِحَّةُ كَوْنِ كُلِّ مَوْجُودٍ مَسْمُوعًا
صفحة ١٠٦
فَظَهَرَ الفَرْقُ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ ذَلِكَ المَسْمُوعَ ما كانَ إلّا حُرُوفًا وأصْواتًا، فَعِنْدَ هَذا قالُوا: إنَّ ذَلِكَ النِّداءَ وقَعَ عَلى وجْهٍ عَلِمَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، فَصارَ مُعْجِزًا عَلِمَ بِهِ أنَّ اللَّهَ مُخاطِبٌ لَهُ، فَلَمْ يَحْتَجْ مَعَ ذَلِكَ إلى واسِطَةٍ، وكَفى في الوَقْتِ أنْ يُحَمِّلَهُ الرِّسالَةَ الَّتِي هي ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ لِأنَّ في بَدْءِ البَعْثَةِ يَجِبُ أنْ يَأْمُرَهُ بِالدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، ثُمَّ بَعْدَهُ يَأْمُرُهُ بِالأحْكامِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَهُ تَعالى بِذَلِكَ إلّا وقَدْ عَرَّفَهُ أنَّهُ سَتَظْهَرُ عَلَيْهِ المُعْجِزاتُ إذا طُولِبَ بِذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى سَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ، وقَدِ اسْتَحَقُّوا هَذا الِاسْمَ مِن وجْهَيْنِ: مِن وجْهِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم بِكُفْرِهِمْ، ومِن وجْهِ ظُلْمِهِمْ لِبَنِي إسْرائِيلَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ فَقَدْ عَطَفَ ”﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾“ عَلى ”﴿القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾“ عَطْفَ بَيانٍ، كَأنَّ القَوْمَ الظّالِمِينَ وقَوْمَ فِرْعَوْنَ لَفْظانِ يَدُلّانِ عَلى مَعْنًى واحِدٍ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ فَقُرِئَ: ”ألا يَتَّقُونِ“ بِكَسْرِ النُّونِ، بِمَعْنى ألا يَتَّقُونَنِي، فَحُذِفَتِ النُّونُ لِاجْتِماعِ النُّونَيْنِ والياءُ لِلِاكْتِفاءِ بِالكَسْرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ أتْبَعَهُ تَعالى إرْسالَهُ إلَيْهِمْ لِلْإنْذارِ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ؛ تَعْجِيبًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حالِهِمْ في الظُّلْمِ والعَسْفِ، ومِن أمْنِهِمُ العَواقِبَ وقِلَّةِ خَوْفِهِمْ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ”الظّالِمِينَ“، أيْ: يَظْلِمُونَ غَيْرَ مُتَّقِينَ اللَّهَ وعِقابَهُ، فَأُدْخِلَتْ هَمْزَةُ الإنْكارِ عَلى الحالِ، ووَجْهٌ ثالِثٌ وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى ألا يا ناسُ اتَّقُونِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾ [النَّمْلِ: ٢٥] . وأمّا مَن قَرَأ: ”ألا تَتَّقُونَ“ عَلى الخِطابِ، فَعَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ وصَرْفِ وُجُوهِهِمْ بِالإنْكارِ والغَضَبِ عَلَيْهِمْ، كَما يَرى مَن يَشْكُو مِمَّنْ رَكِبَ جِنايَةً والجانِي حاضِرٌ، فَإذا انْدَفَعَ في الشِّكايَةِ وحَمِيَ غَضَبُهُ، قَطَعَ مُباثَةَ صاحِبِهِ وأقْبَلَ عَلى الجانِي يُوَبِّخُهُ ويُعَنِّفُهُ بِهِ، ويَقُولُ لَهُ: ألا تَتَّقِي اللَّهَ ألّا تَسْتَحِي مِنَ النّاسِ، فَإنْ قُلْتَ: فَما الفائِدَةُ في هَذا الِالتِفاتِ والخِطابُ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في وقْتِ المُناجاةِ، والمُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ غائِبُونَ لا يَشْعُرُونَ ؟ قُلْتُ: إجْراءُ ذَلِكَ في تَكْلِيمِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ في مَعْنى إجْرائِهِ بِحَضْرَتِهِمْ وإلْقائِهِ إلى مَسامِعِهِمْ؛ لِأنَّهُ مُبَلِّغُهم ومُنْهِيهِ إلَيْهِمْ، ولَهُ فِيهِ لُطْفٌ وحَثٌّ عَلى زِيادَةِ التَّقْوى، وكَمْ مِن آيَةٍ نَزَلَتْ في شَأْنِ الكافِرِينَ وفِيها أوْفَرُ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِينَ تَدَبُّرًا لَها واعْتِبارًا بِمَوارِدِها.
26:12–14Page 367
قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ١٢
He said, "My Lord, indeed I fear that they will deny me
وَيَضِيقُ صَدۡرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرۡسِلۡ إِلَىٰ هَٰرُونَ ١٣
And that my breast will tighten and my tongue will not be fluent, so send for Aaron.
وَلَهُمۡ عَلَيَّ ذَنۢبٞ فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ ١٤
And they have upon me a [claim due to] sin, so I fear that they will kill me."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذَّهابِ إلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ، طَلَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَبْعَثَ مَعَهُ هارُونَ إلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ الأُمُورَ الدّاعِيَةَ لَهُ إلى ذَلِكَ السُّؤالِ، وحاصِلُها أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ هارُونُ، لاخْتَلَّتِ المَصْلَحَةُ المَطْلُوبَةُ مِن بَعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ رُبَّما كَذَّبَهُ، والتَّكْذِيبُ سَبَبٌ لِضِيقِ القَلْبِ، وضِيقُ القَلْبِ سَبَبٌ لِتَعَسُّرِ الكَلامِ عَلى مَن يَكُونُ في لِسانِهِ حُبْسَةٌ؛ لِأنَّ
صفحة ١٠٧
عِنْدَ ضِيقِ القَلْبِ تَنْقَبِضُ الرُّوحُ والحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ إلى باطِنِ القَلْبِ، وإذا انْقَبَضا إلى الدّاخِلِ وخَلا مِنهُما الخارِجُ ازْدادَتِ الحُبْسَةُ في اللِّسانِ، فالتَّأذِّي مِنَ التَّكْذِيبِ سَبَبٌ لِضِيقِ القَلْبِ، وضِيقُ القَلْبِ سَبَبٌ لِلْحُبْسَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ بَدَأ بِخَوْفِ التَّكْذِيبِ، ثُمَّ ثَنّى بِضِيقِ الصَّدْرِ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِعَدَمِ انْطِلاقِ اللِّسانِ. وأمّا هارُونُ فَهو أفْصَحُ لِسانًا مِنِّي ولَيْسَ في حَقِّهِ هَذا المَعْنى، فَكانَ إرْسالُهُ لائِقًا.
الثّانِي: أنَّ لَهم عِنْدِي ذَنْبًا فَأخافُ أنْ يُبادِرُوا إلى قَتْلِي، وحِينَئِذٍ لا يَحْصُلُ المَقْصُودُ مِنَ البَعْثَةِ. وأمّا هارُونُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ فَيَحْصُلُ المَقْصُودُ مِنَ البَعْثَةِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”يَضِيقُ“ و”يَنْطَلِقُ“ بِالرَّفْعِ، لِأنَّهُما مَعْطُوفانِ عَلى خَبَرِ ”إنَّ“، وبِالنَّصْبِ لِعَطْفِهِما عَلى صِلَةِ أنْ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ، وأخافُ أنْ يَضِيقَ صَدْرِي، وأخافُ أنْ لا يَنْطَلِقَ لِسانِي، والفَرْقُ أنَّ الرَّفْعَ يُفِيدُ ثَلاثَ عِلَلٍ في طَلَبِ إرْسالِ هارُونَ، والنَّصْبَ يُفِيدُ عِلَّةً واحِدَةً، وهي الخَوْفُ مِن هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، فَإنْ قُلْتَ: الخَوْفُ غَمٌّ يَحْصُلُ لِتَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ سَيَقَعُ، وعَدَمُ انْطِلاقِ اللِّسانِ كانَ حاصِلًا، فَكَيْفَ جازَ تَعَلُّقُ الخَوْفِ بِهِ ؟ قُلْتُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ التَّكْذِيبَ الَّذِي سَيَقَعُ يُوجِبُ ضِيقَ القَلْبِ، وضِيقُ القَلْبِ يُوجِبُ زِيادَةَ الِاحْتِباسِ، فَتِلْكَ الزِّيادَةُ ما كانَتْ حاصِلَةً في الحالِ بَلْ كانَتْ مُتَوَقَّعَةً، فَجازَ تَعْلِيقُ الخَوْفِ عَلَيْها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ فَلَيْسَ في الظّاهِرِ ذِكْرُ مَنِ الَّذِي يُرْسَلُ إلَيْهِ، وفي الخَبَرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِ، قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سارَ بِأهْلِهِ إلى مِصْرَ والتَقى بِهارُونَ وهو لا يَعْرِفُهُ، فَقالَ: أنا مُوسى، فَتَعارَفا وأمَرَهُ أنْ يَنْطَلِقَ مَعَهُ إلى فِرْعَوْنَ لِأداءِ الرِّسالَةِ، فَصاحَتْ أُمُّهُما لِخَوْفِها عَلَيْهِما فَذَهَبا إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ، لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ إلى الأنْبِياءِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا كانَ هو مُتَعَيِّنًا لِهَذا الأمْرِ حُذِفَ ذِكْرُهُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، وأيْضًا لَيْسَ في الظّاهِرِ أنَّهُ يُرْسَلُ لِماذا، لَكِنَّ فَحْوى الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ طَلَبَهُ لِلْمَعُونَةِ فِيما سَألَ، كَما يُقالُ إذا نابَتْكَ نائِبَةٌ: فَأرْسِلْ إلى فُلانٍ أيْ لِيُعِينَكَ فِيها ولَيْسَ في الظّاهِرِ أنَّهُ التَمَسَ كَوْنَ هارُونَ نَبِيًّا مَعَهُ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ فَأرادَ بِالذَّنْبِ قَتْلَهُ القِبْطِيَّ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ مَشْرُوحَةً في سُورَةِ القَصَصِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في التِماسِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُضَمَّ إلَيْهِ هارُونُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اسْتَعْفى مِنَ الذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ بَلْ مَقْصُودُهُ فِيما سَألَ أنْ يَقَعَ ذَلِكَ الذَّهابُ عَلى أقْوى الوُجُوهِ في الوُصُولِ إلى المُرادِ، واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ وإنْ كانَ نَبِيًّا فَهو غَيْرُ عالِمٍ بِأنَّهُ يَبْقى حَتّى يُؤَدِّيَ الرِّسالَةَ؛ لِأنَّهُ إنَّما أُمِرَ بِذَلِكَ بِشَرْطِ التَّمْكِينِ، وهَذا قَوْلُ الكَعْبِيِّ وغَيْرِهِ مِنَ البَغْدادِيِّينَ لِأنَّهم يُجَوِّزُونَ دُخُولَ الشَّرْطِ في تَكْلِيفِ اللَّهِ تَعالى العَبْدَ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ لِأنَّهُ تَعالى إذا أمَرَ فَهو عالِمٌ بِما يَتَمَكَّنُ مِنهُ المَأْمُورُ وبِأوْقاتِ تَمَكُّنِهِ، فَإذا عَلِمَ أنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنهُ فَإنَّهُ لا يَأْمُرُهُ بِهِ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ فالأقْرَبُ في الأنْبِياءِ أنَّهم يَعْلَمُونَ إذا حَمَّلَهُمُ اللَّهُ تَعالى الرِّسالَةَ أنَّهُ تَعالى يُمَكِّنُهم مِن أدائِها وأنَّهم سَيَبْقَوْنَ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يَكُونُ إغْراءً في الأنْبِياءِ وإنْ جازَ أنْ يَكُونَ إغْراءً في غَيْرِهِمْ.
المسألة الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ هَلْ يَدُلُّ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ مِنهُ ؟
جَوابُهُ: لا والمُرادُ لَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ في زَعْمِهِمْ.
26:15–20Page 367
قَالَ كـَلَّاۖ فَٱذۡهَبَا بِـَٔايَٰتِنَآۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسۡتَمِعُونَ ١٥
[Allāh] said, "No. Go both of you with Our signs; indeed, We are with you, listening.
فَأۡتِيَا فِرۡعَوۡنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦
Go to Pharaoh and say, 'We are the messengers1 of the Lord of the worlds,
أَنۡ أَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٧
[Commanded to say], "Send with us the Children of Israel."'"
قَالَ أَلَمۡ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدٗا وَلَبِثۡتَ فِينَا مِنۡ عُمُرِكَ سِنِينَ ١٨
[Pharaoh] said, "Did we not raise you among us as a child, and you remained among us for years of your life?
وَفَعَلۡتَ فَعۡلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلۡتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩
And [then] you did your deed which you did,1 and you were of the ungrateful."
قَالَ فَعَلۡتُهَآ إِذٗا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٢٠
[Moses] said, "I did it, then, while I was of those astray [i.e., ignorant].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَدْفَعَ عَنْهُ شَرَّهم.
والثّانِي: أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ هارُونَ.
فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلى الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ”كَلّا“ ومَعْناهُ ارْتَدِعْ يا مُوسى عَمّا تَظُنُّ وأجابَهُ إلى الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿فاذْهَبا﴾ أيِ اذْهَبْ أنْتَ والَّذِي طَلَبْتَهُ وهو هارُونُ فَإنْ قِيلَ: عَلامَ عَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿فاذْهَبا﴾ ؟ قُلْنا: عَلى الفِعْلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ”كَلّا“ كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَمّا تَظُنُّ فاذْهَبْ أنْتَ وهارُونُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ فَمِن مَجازِ الكَلامِ يُرِيدُ أنا لَكُما ولِعَدُوِّكُما كالنّاصِرِ الظَّهِيرِ لَكُما عَلَيْهِ، إذًا أحْضُرَ وأسْتَمِعَ ما يَجْرِي بَيْنَكُما فَأُظْهِرَكُما عَلَيْهِ وأُعْلِيكُما وأكْسِرُ شَوْكَتَهُ عَنْكُما، وإنَّما جَعَلْنا الِاسْتِماعَ مَجازًا لِأنَّ الِاسْتِماعَ عِبارَةٌ عَنِ الإصْغاءِ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ هَلّا ثُنِّيَ الرَّسُولُ كَما ثُنِّيَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٠] جَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الرَّسُولَ اسْمٌ لِلْماهِيَّةِ مِن غَيْرِ بَيانِ أنَّ تِلْكَ الماهِيَّةَ واحِدَةٌ أوْ كَثِيرَةٌ والألِفُ واللّامُ لا يُفِيدانِ إلّا الوَحْدَةَ لا الِاسْتِغْراقَ، بِدَلِيلِ أنَّكَ تَقُولُ: الإنْسانُ هو الضَّحّاكُ ولا تَقُولُ: كُلُّ إنْسانٍ هو الضَّحّاكُ، ولا أيْضًا هَذا الإنْسانُ هو الضَّحّاكُ، وإذا ثَبَتَ أنَّ لَفْظَ الرَّسُولِ لا يُفِيدُ إلّا الماهِيَّةَ وثَبَتَ أنَّ الماهِيَّةَ مَحْمُولَةٌ عَلى الواحِدِ وعَلى الِاثْنَيْنِ ثَبَتَ صِحَّةُ قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
وثانِيها: أنَّ الرَّسُولَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الرِّسالَةَ قالَ الشّاعِرُ:
لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما فُهْتُ عِنْدَهم بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ
فَيَكُونُ المَعْنى: إنّا ذُو رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ.
وثالِثُها: أنَّهُما لِاتِّفاقِهِما عَلى شَرِيعَةٍ واحِدَةٍ واتِّحادِهِما بِسَبَبِ الأُخُوَّةِ كَأنَّهُما رَسُولٌ واحِدٌ.
ورابِعُها: المُرادُ كُلُّ واحِدٍ مِنّا رَسُولٌ.
وخامِسُها: ما قالَهُ بَعْضُهم إنَّهُ إنَّما قالَ ذَلِكَ لا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِكَوْنِهِ هو الرَّسُولُ خاصَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿إنّا﴾ فَكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ وهو ضَعِيفٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ فالمُرادُ مِن هَذا الإرْسالِ التَّخْلِيَةُ والإطْلاقُ كَقَوْلِكَ: أرْسِلِ البازِيَّ، يُرِيدُ خَلِّهِمْ يَذْهَبُوا مَعَنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وهو أنَّهُما أتَياهُ وقالا ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ ما قالَ، يُرْوى أنَّهُما انْطَلَقا إلى بابِ فِرْعَوْنَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُما سَنَةً حَتّى قالَ البَوّابُ: إنَّ هَهُنا إنْسانًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ،
صفحة ١٠٩
فَقالَ: ائْذَنْ لَهُ لَعَلَّنا نَضْحَكُ مِنهُ، فَأدَّيا إلَيْهِ الرِّسالَةَ فَعَرَفَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَدَّدَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ أوَّلًا، ثُمَّ إساءَةَ مُوسى إلَيْهِ ثانِيًا، أمّا النِّعَمُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ والوَلِيدُ: الصَّبِيُّ لِقُرْبِ عَهْدِهِ مِنَ الوِلادَةِ. ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ﴾ وعَنْ أبِي عَمْرٍو بِسُكُونِ المِيمِ، ﴿سِنِينَ﴾ قِيلَ: لَبِثَ عِنْدَهم ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: وكَزَ القِبْطِيَّ وهو ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وفَرَّ مِنهم واللَّهُ أعْلَمُ بِصَحِيحِ ذَلِكَ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ ”فِعْلَتَكَ“ بِالكَسْرِ وهي قَتْلُهُ القِبْطِيَّ لِأنَّهُ قَتَلَهُ بِالوَكْزِ وهو ضَرْبٌ مِنَ القَتْلِ، وأمّا الفَعْلَةُ فَلِأنَّها وكْزَةٌ واحِدَةٌ عَدَّدَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ مِن تَرْبِيَتِهِ وتَبْلِيغِهِ مَبْلَغَ الرِّجالِ ووَبَّخَهُ بِما جَرى عَلى يَدِهِ مِن قَتْلِ خَبّازِهِ وعَظَّمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا أيْ قَتَلْتَهُ وأنْتَ بِذاكَ مِنَ الكافِرِينَ بِنِعْمَتِي.
وثانِيها: وأنْتَ إذْ ذاكَ مِمَّنْ تَكْفُرُهُمُ السّاعَةُ وقَدِ افْتَرى عَلَيْهِ أوْ جَهِلَ أمْرَهُ لِأنَّهُ كانَ يُعاشِرُهم بِالتَّقِيَّةِ فَإنَّ الكُفْرَ غَيْرُ جائِزٍ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ.
وثالِثُها: ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ بِفِرْعَوْنَ وإلَهِيَّتِهِ أوْ مِنَ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ في دِينِهِمْ فَقَدْ كانَتْ لَهم آلِهَةٌ يَعْبُدُونَها، يَشْهَدُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences