Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:197–223
26:197–202Page 375
أَوَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ ءَايَةً أَن يَعۡلَمَهُۥ عُلَمَٰٓؤُاْ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٩٧
And has it not been a sign to them that it is recognized by the scholars of the Children of Israel?
وَلَوۡ نَزَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ بَعۡضِ ٱلۡأَعۡجَمِينَ ١٩٨
And even if We had revealed it to one among the foreigners1
فَقَرَأَهُۥ عَلَيۡهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ مُؤۡمِنِينَ ١٩٩
And he had recited it to them [perfectly],1 they would [still] not have been believers in it.
كَذَٰلِكَ سَلَكۡنَٰهُ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٢٠٠
Thus have We inserted it [i.e., disbelief] into the hearts of the criminals.
لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٢٠١
They will not believe in it until they see the painful punishment.
فَيَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٠٢
And it will come to them suddenly while they perceive [it] not.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ المُرادُ مِنهُ ذِكْرُ الحجة الثّانِيَةِ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وصِدْقِهِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ جَماعَةً مِن عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ أسْلَمُوا ونَصُّوا عَلى مَواضِعَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ذُكِرَ فِيها الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِصِفَتِهِ ونَعْتِهِ، وقَدْ كانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يَذْهَبُونَ إلى اليَهُودِ ويَتَعَرَّفُونَ مِنهم هَذا الخَبَرَ، وهَذا يَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى نُبُوَّتِهِ لِأنَّ تَطابُقَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ عَلى نَعْتِهِ ووَصْفِهِ يَدُلُّ قَطْعًا عَلى نُبُوَّتِهِ، واعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ ”يَكُنْ“ بِالتَّذْكِيرِ، ”وآيَةً“ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها خَبَرُهُ و”أنْ يَعْلَمَهُ“ هو الِاسْمُ، وقُرِئَ ”تَكُنْ“ بِالتَّأْنِيثِ وجُعِلَتْ ”آيَةٌ“ اسْمًا و”أنْ يَعْلَمَهُ“ خَبَرًا، ولَيْسَتْ كالأُولى لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ اسْمًا والمَعْرِفَةِ خَبَرًا، ويَجُوزُ مَعَ نَصْبِ الآيَةِ تَأْنِيثُ ”يَكُنْ“ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا﴾ [الأنعام: ٢٣] .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِدْقَ لَهْجَتِهِ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا تَنْفَعُهُمُ الدَّلائِلُ ولا البَراهِينُ، فَقالَ: ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ يَعْنِي: إنّا أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى رَجُلٍ عَرَبِيٍّ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، فَسَمِعُوهُ وفَهِمُوهُ وعَرَفُوا
صفحة ١٤٦
فَصاحَتَهُ، وأنَّهُ مُعْجِزٌ لا يُعارَضُ بِكَلامٍ مِثْلِهِ، وانْضَمَّ إلى ذَلِكَ بِشارَةُ كُتُبِ اللَّهِ السّالِفَةِ بِهِ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ وجَحَدُوهُ، وسَمَّوْهُ شِعْرًا تارَةً وسِحْرًا أُخْرى، فَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ لَكَفَرُوا بِهِ أيْضًا ولَتَمَحَّلُوا لِجُحُودِهِمْ عُذْرًا، ثم قال: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا السَّلْكِ سَلَكْناهُ في قُلُوبِهِمْ، وهَكَذا مَكَّنّاهُ وقَرَّرْناهُ فِيها وكَيْفَما فَعَلَ بِهِمْ فَلا سَبِيلَ إلى أنْ يَتَغَيَّرُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الجُحُودِ والإنْكارِ، وهَذا أيْضًا مِمّا يُفِيدُ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ ﷺ لِأنَّهُ إذا عَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ، وأنَّهُ قَدْ جَرى القَضاءُ الأزَلِيُّ بِذَلِكَ حَصَلَ اليَأْسُ، وفي المَثَلِ: اليَأْسُ إحْدى الرّاحَتَيْنِ.
المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ وخَلْقِهِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أرادَ بِهِ أنَّهُ صارَ ذَلِكَ التَّكْذِيبُ مُتَمَكِّنًا في قُلُوبِهِمْ أشَدَّ التَّمَكُّنِ فَصارَ ذَلِكَ كالشَّيْءِ الجِبِلِّيِّ. والجَوابُ: أنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ فَعَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ما يَقْتَضِي رُجْحانَ التَّكْذِيبِ عَلى التَّصْدِيقِ أوْ ما فَعَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَقَدْ دَلَّلْنا في سُورَةِ الأنْعامِ عَلى أنَّ التَّرْجِيحَ لا يَتَحَقَّقُ ما لَمْ يَنْتَهِ إلى حَدِّ الوُجُوبِ وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ المَقْصُودُ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ فِيهِمْ ما يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ البَتَّةَ، امْتَنَعَ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ﴾ كَما أنَّ طَيَرانَ الطّائِرِ لَمّا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِكُفْرِهِمْ، امْتَنَعَ إسْنادُ الكُفْرِ إلى ذَلِكَ الطَّيَرانِ.
المسألة الخامِسَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فَإنْ قُلْتَ: ما مَوْقِعُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ مِن قَوْلِهِ ﴿سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ؟ قُلْتُ: مَوْقِعُهُ مِنهُ مُوقِعُ المُوَضِّحِ والمُبَيِّنِ؛ لِأنَّهُ مَسُوقٌ لِبَيانِهِ مُؤَكِّدٌ لِلْجُحُودِ في قُلُوبِهِمْ، فاتَّبَعَ ما يُقَرِّرُ هَذا المَعْنى مِن أنَّهم لا يَزالُونَ عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ حَتّى يُعايِنُوا الوَعِيدَ.
26:203–209Page 375
فَيَقُولُواْ هَلۡ نَحۡنُ مُنظَرُونَ ٢٠٣
And they will say, "May we be reprieved?"
أَفَبِعَذَابِنَا يَسۡتَعۡجِلُونَ ٢٠٤
So for Our punishment are they impatient?
أَفَرَءَيۡتَ إِن مَّتَّعۡنَٰهُمۡ سِنِينَ ٢٠٥
Then have you considered if We gave them enjoyment for years
ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ ٢٠٦
And then there came to them that which they were promised?
مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ ٢٠٧
They would not be availed by the enjoyment with which they were provided.
وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ٢٠٨
And We did not destroy any city except that it had warners
ذِكۡرَىٰ وَمَا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٢٠٩
As a reminder; and never have We been unjust.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ، وأنَّهُ يَأْتِيهِمُ العَذابُ بَغْتَةً أتْبَعَهُ بِما يَكُونُ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الحَسْرَةَ فَقالَ: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ كَما يَسْتَغِيثُ المَرْءُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الخَلاصِ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ في الآخِرَةِ أنْ لا مَلْجَأ، لَكِنَّهم يَذْكُرُونَ ذَلِكَ اسْتِرْواحًا.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا يَسْتَعْجِلُونَ العَذابَ، مَعَ أنَّ حالَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ طَلَبُ النَّظْرَةِ لِيُعْرَفَ تَفاوُتُ الطَّرِيقَيْنِ فَيُعْتَبَرَ بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ اسْتِعْجالَ العَذابِ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ إنَّما يَقَعُ مِنهم لِيَتَمَتَّعُوا في الدُّنْيا، إلّا أنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ، وذَلِكَ لِأنَّ مُدَّةَ التَّمَتُّعِ في الدُّنْيا مُتَناهِيَةٌ قَلِيلَةٌ، ومُدَّةَ العَذابِ الَّذِي يَحْصُلُ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، ولَيْسَ في العَقْلِ تَرْجِيحٌ لَذّاتٍ مُتَناهِيَةٍ
صفحة ١٤٧
قَلِيلَةٍ عَلى آلامٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، وعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ أنَّهُ لَقِيَ الحَسَنَ في الطَّوافِ، فَقالَ لَهُ: عِظْنِي، فَلَمْ يَزِدْ عَلى تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ مَيْمُونٌ: لَقَدْ وعَظْتَ فَأبْلَغْتَ، وقُرِئَ ”يُمْتَعُونَ“ بِالتَّخْفِيفِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يُهْلِكْ قَرْيَةً إلّا وهُناكَ نَذِيرٌ يُقِيمُ عَلَيْهِمُ الحجة.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذِكْرى﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ذِكْرى مَنصُوبَةٌ بِمَعْنى تَذْكِرَةٍ، إمّا لِأنَّ أنْذَرَ وذَكَّرَ مُتَقارِبانِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مُذَكِّرُونَ تَذْكِرَةً، وإمّا لِأنَّها حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”مُنْذِرُونَ“، أيْ يُنْذِرُونَهم ذَوِي تَذْكِرَةٍ، وإمّا لِأنَّها مَفْعُولٌ لَهُ عَلى مَعْنى أنَّهم يُنْذِرُونَ لِأجْلِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِرَةِ، أوْ مَرْفُوعَةٌ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بِمَعْنى هَذِهِ ذِكْرى، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ أوْ صِفَةٌ بِمَعْنى مُنْذِرُونَ ذَوُو ذِكْرى، وجَعَلُوا ذِكْرى لِإمْعانِهِمْ في التَّذْكِرَةِ وإطْنابِهِمْ فِيها، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ ذِكْرى مُتَعَلِّقَةً بِ ”أهْلَكْنا“ مَفْعُولًا لَهُ، والمَعْنى وما أهْلَكْنا مِن أهْلِ قَرْيَةٍ قَوْمًا ظالِمِينَ إلّا بَعْدَ ما ألْزَمْناهُمُ الحجة بِإرْسالِ المُنْذِرِينَ إلَيْهِمْ لِيَكُونَ إهْلاكُهم تَذْكِرَةً وعِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ فَلا يَعْصُوا مِثْلَ عِصْيانِهِمْ، ﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ فَنُهْلِكَ قَوْمًا غَيْرَ ظالِمِينَ، وهَذا الوجه عَلَيْهِ المُعَوَّلُ، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ عَزَلْتَ الواوَ عَنِ الجُمْلَةِ بَعْدَ إلّا، ولَمْ تَعْزِلْ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] قُلْتُ: الأصْلُ عَزْلُ الواوِ لِأنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ، وإذا زِيدَتْ فَلِتَأْكِيدِ وصْلِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ.
26:210–213Page 376
وَمَا تَنَزَّلَتۡ بِهِ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢١٠
And the devils have not brought it [i.e., the revelation] down.1
وَمَا يَنۢبَغِي لَهُمۡ وَمَا يَسۡتَطِيعُونَ ٢١١
It is not allowable for them, nor would they be able.
إِنَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّمۡعِ لَمَعۡزُولُونَ ٢١٢
Indeed they, from [its] hearing, are removed.1
فَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُعَذَّبِينَ ٢١٣
So do not invoke1 with Allāh another deity and [thus] be among the punished.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا احْتَجَّ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِكَوْنِ القُرْآنِ تَنْزِيلَ رَبِّ العالَمِينَ، وإنَّما يُعْرَفُ ذَلِكَ لِوُقُوعِهِ مِنَ الفَصاحَةِ في النِّهايَةِ القُصْوى، ولِأنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى قَصَصِ المُتَقَدِّمِينَ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالتَّعَلُّمِ والِاسْتِفادَةِ، فَكانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن إلْقاءِ الجِنِّ والشَّياطِينِ كَسائِرِ ما يَنْزِلُ عَلى الكَهَنَةِ ؟، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَتَسَهَّلُ لِلشَّياطِينِ لِأنَّهم مَرْجُومُونَ بِالشُّهُبِ مَعْزُولُونَ عَنِ اسْتِماعِ كَلامِ أهْلِ السَّماءِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: العِلْمُ بِكَوْنِ الشَّياطِينِ مَمْنُوعِينَ عَنْ ذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِواسِطَةِ خَبَرِ النَّبِيِّ الصّادِقِ، فَإذا أثْبَتْنا كَوْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ صادِقًا بِفَصاحَةِ القُرْآنَ وإخْبارِهِ عَنِ الغَيْبِ، ولا يُمْكِنُ إثْباتُ كَوْنِ الفَصاحَةِ والإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزًا إلّا إذا ثَبَتَ كَوْنُ الشَّياطِينِ مَمْنُوعِينَ عَنْ ذَلِكَ، لَزِمَ الدَّوْرُ وهو باطِلٌ وجَوابُهُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ العِلْمَ بِكَوْنِ الشَّياطِينِ مَمْنُوعِينَ عَنْ ذَلِكَ لا يُسْتَفادُ إلّا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ، وذَلِكَ لِأنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الِاهْتِمامَ بِشَأْنِ الصَّدِيقِ أقْوى مِنَ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ العَدُوِّ، ونَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ يَلْعَنُ الشَّياطِينَ ويَأْمُرُ النّاسَ بِلَعْنِهِمْ، فَلَوْ كانَ هَذا الغَيْبُ إنَّما حَصَلَ مِن إلْقاءِ الشَّياطِينِ، لَكانَ الكُفّارُ أوْلى بِأنْ يَحْصُلَ لَهم مِثْلُ هَذا العِلْمِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ اقْتِدارُ الكُفّارِ عَلى مِثْلِهِ أوْلى، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عِلِمْنا أنَّ الشَّياطِينَ مَمْنُوعُونَ عَنْ ذَلِكَ، وأنَّهم مَعْزُولُونَ عَنْ تَعَرُّفِ الغُيُوبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا الجَوابَ ابْتَدَأ بِخِطابِ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ وذَلِكَ في الحَقِيقَةِ خِطابٌ
صفحة ١٤٨
لِغَيْرِهِ، لِأنَّ مِن شَأْنِ الحَكِيمِ إذا أرادَ أنْ يُؤَكِّدَ خِطابَ الغَيْرِ أنْ يُوَجِّهَهُ إلى الرُّؤَساءِ في الظّاهِرِ، وإنْ كانَ المَقْصُودُ بِذَلِكَ هُمُ الأتْباعَ، ولِأنَّهُ تَعالى أرادَ أنْ يُتْبِعَهُ ما يَلِيقُ بِذَلِكَ، فَلِهَذِهِ العِلَّةِ أفْرَدَهُ بِالمُخاطَبَةِ.
26:214–220Page 376
وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ ٢١٤
And warn, [O Muḥammad], your closest kindred.
وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢١٥
And lower your wing [i.e., show kindness] to those who follow you of the believers.
فَإِنۡ عَصَوۡكَ فَقُلۡ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢١٦
And if they disobey you, then say, "Indeed, I am disassociated from what you are doing."
وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٢١٧
And rely upon the Exalted in Might, the Merciful,
ٱلَّذِي يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ ٢١٨
Who sees you when you arise1
وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّٰجِدِينَ ٢١٩
And your movement among those who prostrate.1
إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٢٢٠
Indeed, He is the Hearing, the Knowing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بالَغَ في تَسْلِيَةِ رَسُولِهِ أوَّلًا، ثُمَّ أقامَ الحجة عَلى نُبُوَّتِهِ ثانِيًا ثُمَّ أوْرَدَ سُؤالَ المُنْكِرِينَ، وأجابَ عَنْهُ ثالِثًا، أمَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِما يَتَعَلَّقُ بِبابِ التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ وهو هَهُنا أُمُورٌ ثَلاثَةٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَدَأ بِالرَّسُولِ فَتَوَعَّدَهُ إنْ دَعا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، ثُمَّ أمَرَهُ بِدَعْوَةِ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا تَشَدَّدَ عَلى نَفْسِهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ ثانِيًا، لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ فِيهِ طَعْنٌ البَتَّةَ وكانَ قَوْلُهُ أنْفَعَ وكَلامُهُ أنْجَعَ، ورُوِيَ ”«أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ صَعِدَ الصَّفا فَنادى الأقْرَبَ فالأقْرَبَ وقالَ: يا بَنِي هاشِمٍ، يا بَنِي عَبْدِ مُنافٍ، يا عَبّاسُ عَمَّ مُحَمَّدٍ، يا صَفِيَّةُ عَمَّةَ مُحَمَّدٍ؛ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، سَلُونِي مِنَ المالِ ما شِئْتُمْ» “ ورُوِيَ ”«أنَّهُ جَمَعَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ وهم يَوْمَئِذٍ أرْبَعُونَ رَجُلًا عَلى رِجْلِ شاةٍ وقَعْبٍ مِن لَبَنٍ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَأْكُلُ الجَذَعَةَ ويَشْرَبُ العُسَّ، فَأكَلُوا وشَرِبُوا، ثم قال يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ خَيْلًا، أكَنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟ قالُوا: نَعَمْ، فَقالَ: إنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» “ .
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ﴾ واعْلَمْ أنَّ الطّائِرَ إذا أرادَ أنْ يَنْحَطَّ لِلْوُقُوعِ كَسَرَ جَناحَهُ وخَفَضَهُ، وإذا أرادَ أنْ يَنْهَضَ لِلطَّيَرانِ رَفَعَ جَناحَهُ فَجَعَلَ خَفْضَ جَناحِهِ عِنْدَ الِانْحِطاطِ مَثَلًا في التَّواضُعِ ولِينِ الجانِبِ، فَإنْ قِيلَ المُتَّبِعُونَ لِلرَّسُولِ هُمُ المُؤْمِنُونَ وبِالعَكْسِ فَلِمَ قالَ: ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ؟ جَوابُهُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُتَّبِعِينَ لِلرَّسُولِ هُمُ المُؤْمِنُونَ فَإنَّ كَثِيرًا مِنهم كانُوا يَتَّبِعُونَهُ لِلْقَرابَةِ والنَّسَبِ لا لِلدِّينِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ فَمَعْناهُ ظاهِرٌ، قالَ الجُبّائِيُّ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَرِيئًا مِن مَعاصِيهِمْ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أيْضًا بَرِيءٌ مِن عَمَلِهِمْ كالرَّسُولِ وإلّا كانَ مُخالِفًا لِلَّهِ، كَما لَوْ رَضِيَ عَمَّنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَكانَ كَذَلِكَ، وإذا كانَ تَعالى بَرِيئًا مِن عَمَلِهِمْ فَكَيْفَ يَكُونُ فاعِلًا لَهُ ومُرِيدًا لَهُ ؟ الجَوابُ: أنَّهُ تَعالى بَرِيءٌ مِنَ المَعاصِي بِمَعْنى أنَّهُ ما أمَرَ بِها بَلْ نَهى عَنْها، فَأمّا بِمَعْنى أنَّهُ لا يُرِيدُها فَلا نُسَلِّمُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلِمَ وُقُوعَها، وعَلِمَ أنَّ ما هو مَعْلُومُ الوُقُوعِ فَهو واجِبُ الوُقُوعِ وإلّا لانْقَلَبَ عِلْمُهُ جَهْلًا وهو مُحالٌ والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، وعَلِمَ أنَّ ما هو واجِبُ الوُقُوعِ فَإنَّهُ لا يُرادُ عَدَمُ وُقُوعِهِ فَثَبَتَ ما قُلْناهُ.
والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وتَوَكَّلْ﴾ والتَّوَكُّلُ عِبارَةٌ عَنْ تَفْوِيضِ الرَّجُلِ أمْرَهُ إلى مَن يَمْلِكُ أمْرَهُ ويَقْدِرُ
صفحة ١٤٩
عَلى نَفْعِهِ وضُرِّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ أيْ عَلى الَّذِي يَقْهَرُ أعْداءَكَ بِعِزَّتِهِ ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ ثُمَّ أتْبَعُ كَوْنَهُ رَحِيمًا عَلى رَسُولِهِ ما هو كالسَّبَبِ لِتِلْكَ الرَّحْمَةِ، وهو قِيامُهُ وتَقَلُّبُهُ في السّاجِدِينَ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: المُرادُ ما كانَ يَفْعَلُهُ في جَوْفِ اللَّيْلِ مِن قِيامِهِ لِلتَّهَجُّدِ وتَقَلُّبِهِ في تَصَفُّحِ أحْوالِ المُجْتَهِدِينَ لِيَطَّلِعَ عَلى أسْرارِهِمْ، كَما يُحْكى أنَّهُ حِينَ نُسِخَ فَرْضُ قِيامِ اللَّيْلِ طافَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِبُيُوتِ أصْحابِهِ لِيَنْظُرَ ما يَصْنَعُونَ لِحِرْصِهِ عَلى ما يُوجَدُ مِنهم مَنِ الطّاعاتِ، فَوَجَدَها كَبُيُوتِ الزَّنابِيرِ لِما يَسْمَعُ مِنها مِن دَنْدَنَتِهِمْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والمُرادُ بِالسّاجِدِينَ المُصَلِّينَ.
وثانِيها: المَعْنى يَراكَ حِينَ تَقُومُ لِلصَّلاةِ بِالنّاسِ جَماعَةً، وتُقَلُّبُهُ في السّاجِدِينَ تَصَرُّفُهُ فِيما بَيْنَهم بِقِيامِهِ ورُكُوعِهِ وسُجُودِهِ وقُعُودِهِ إذْ كانَ إمامًا لَهم.
وثالِثُها: أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ حالُكَ كُلَّما قُمْتَ وتَقَلَّبْتَ مَعَ السّاجِدِينَ في كِفايَةِ أُمُورِ الدِّينِ.
ورابِعُها: المُرادُ تَقَلُّبُ بَصَرِهُ فِيمَن يُصَلِّي خَلْفَهُ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ”«أتَمُّوا الرُّكُوعَ والسُّجُودَ فَواللَّهِ إنِّي لَأراكم مِن خَلْفِي» “ .
ثم قال: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ أيْ لِما تَقُولُهُ ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ بِما تَنْوِيهِ وتَعْمَلُهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهُ سَمِيعًا أمْرٌ مُغايِرٌ لِعِلْمِهِ بِالمَسْمُوعاتِ وإلّا لَكانَ لَفْظُ ”العَلِيمُ“ مُفِيدًا فائِدَتَهُ. واعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ ”ونُقَلِّبُكَ“ .
واعْلَمْ أنَّ الرّافِضَةَ ذَهَبُوا إلى أنَّ آباءَ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا مُؤْمِنِينَ وتَمَسَّكُوا في ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ وبِالخَبَرِ، أمّا هَذِهِ الآيَةُ فَقالُوا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ يَحْتَمِلُ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرْتُمْ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَقَلَ رُوحَهُ مِن ساجِدٍ إلى ساجِدٍ كَما نَقُولُهُ نَحْنُ، وإذا احْتَمَلَ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ وجَبَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى الكُلِّ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا مُنافاةَ ولا رُجْحانَ، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لَمْ أزَلْ أُنْقَلُ مِن أصْلابِ الطّاهِرَيْنِ إلى أرْحامِ الطّاهِراتِ» “ وكُلُّ مَن كانَ كافِرًا فَهو نَجِسٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] قالُوا: فَإنْ تَمَسَّكْتُمْ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤] قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ أنَّ لَفْظَ الأبِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى العَمِّ كَما قالَ أبْناءُ يَعْقُوبَ لَهُ: ﴿نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] فَسَمَّوْا إسْماعِيلَ أبًا لَهُ مَعَ أنَّهُ كانَ عَمًّا لَهُ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«رُدُّوا عَلَيَّ أبِي» “ يَعْنِي العَبّاسَ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مُتَّخِذَ الأصْنامِ أبَ أُمِّهِ فَإنَّ هَذا قَدْ يُقالُ لَهُ الأبُ قالَ تَعالى: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وعِيسى﴾ [الأنعام: ٨٥] فَجَعَلَ عِيسى مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ مَعَ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ جَدَّهُ مِن قِبَلِ الأُمِّ.
واعْلَمْ أنّا نَتَمَسَّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِأبِيهِ آزَرَ﴾ وما ذَكَرُوهُ صَرْفٌ لِلَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ، وأمّا حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ فَغَيْرُ جائِزٍ لِما بَيَّنّا أنَّ حَمْلَ المُشْتَرَكِ عَلى كُلِّ مَعانِيهِ غَيْرُ جائِزٍ، وأمّا الحَدِيثُ فَهو خَبَرٌ واحِدٌ فَلا يُعارِضُ القُرْآنَ.
26:221–223Page 376
هَلۡ أُنَبِّئُكُمۡ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢٢١
Shall I inform you upon whom the devils descend?
تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٖ ٢٢٢
They descend upon every sinful liar.
يُلۡقُونَ ٱلسَّمۡعَ وَأَكۡثَرُهُمۡ كَٰذِبُونَ ٢٢٣
They pass on what is heard,1 and most of them are liars.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ .
صفحة ١٥٠
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أعادَ الشُّبْهَةَ المُتَقَدِّمَةَ وأجابَ عَنْها مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ وذَلِكَ هو الَّذِي قَرَّرْناهُ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ الكُفّارَ يُدْعَوْنَ إلى طاعَةِ الشَّيْطانِ، ومُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَدْعُو إلى لَعْنِ الشَّيْطانِ والبَراءَةِ عَنْهُ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ والمُرادُ أنَّهم كانُوا يَقِيسُونَ حالَ النَّبِيِّ ﷺ عَلى حالِ سائِرِ الكَهَنَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: إنْ كانَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرْتُمْ فَكَما أنَّ الغالِبَ عَلى سائِرِ الكَهَنَةِ الكَذِبُ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ حالُ الرَّسُولِ ﷺ كَذَلِكَ أيْضًا، فَلَمّا لَمْ يَظْهَرْ في إخْبارِ الرَّسُولِ ﷺ عَنِ المُغَيَّباتِ إلّا الصِّدْقُ عَلِمْنا أنَّ حالَهُ بِخِلافِ حالِ الكَهَنَةِ.
ثُمَّ إنَّ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا في الآيَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُمُ الشَّياطِينُ؛ رُوِيَ أنَّهم كانُوا قَبْلَ أنْ حُجِبُوا بِالرَّجْمِ يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى فَيَخْتَطِفُونَ بَعْضَ ما يَتَكَلَّمُونَ بِهِ مِمّا اطَّلَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الغُيُوبِ، ثُمَّ يُوحُونَ بِهِ إلى أوْلِيائِهِمْ ﴿وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ فِيما يُوحِي بِهِ إلَيْهِمْ، لِأنَّهم يُسْمِعُونَهم ما لَمْ يَسْمَعُوا.
وثانِيها: يُلْقُونَ إلى أوْلِيائِهِمُ السَّمْعَ أيِ المَسْمُوعَ مِنَ المَلائِكَةِ.
وثالِثُها: الأفّاكُونَ يُلْقُونَ السَّمْعَ إلى الشَّياطِينِ فَيُلْقُونَ وحْيَهم إلَيْهِمْ.
ورابِعُها: يُلْقُونَ المَسْمُوعَ مِنَ الشَّياطِينِ إلى النّاسِ، وأكْثَرُ الأفّاكِينَ كاذِبُونَ يَفْتَرُونَ عَلى الشَّياطِينِ ما لَمْ يُوحُوا إلَيْهِمْ، فَإنْ قُلْتَ: ﴿يُلْقُونَ﴾ ما مَحَلُّهُ ؟ قُلْتُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ أيْ تَنَزَّلُ مُلْقِينَ السَّمْعَ، وفي مَحَلِّ الجَرِّ صِفَةً لِ ”كُلِّ أفّاكٍ“ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، وأنْ لا يَكُونَ لَهُ مَحَلٌّ بِأنْ يَسْتَأْنِفَ كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ تَنَزَّلُ عَلى الأفّاكِينَ ؟ فَقِيلَ: يَفْعَلُونَ كَيْتَ وكَيْتَ، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ ؟ قالَ: ﴿وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ بَعْدَما قَضى عَلَيْهِمْ أنَّ كَلَّ واحِدٍ مِنهم أفّاكٌ ؟ قُلْتُ: الأفّاكُونَ هُمُ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ الكَذِبَ، لا أنَّهُمُ الَّذِينَ لا يَنْطِقُونَ إلّا بِالكَذِبِ، فَأرادَ أنَّ هَؤُلاءِ الأفّاكِينَ قَلَّ مَن يَصْدُقُ مِنهم فِيما يَحْكِي عَنِ الجِنِّ وأكْثَرُهم يَفْتَرِي عَلَيْهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences