Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:38–62
26:38–42Page 368
فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ٣٨
So the magicians were assembled for the appointment of a well-known day.1
وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلۡ أَنتُم مُّجۡتَمِعُونَ ٣٩
And it was said to the people, "Will you congregate
لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ٤٠
That we might follow the magicians if they are the predominant?"
فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرۡعَوۡنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجۡرًا إِن كُنَّا نَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ٤١
And when the magicians arrived, they said to Pharaoh, "Is there indeed for us a reward if we are the predominant?"
قَالَ نَعَمۡ وَإِنَّكُمۡ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٤٢
He said, "Yes, and indeed, you will then be of those near [to me]."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أئِنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: اليَوْمُ المَعْلُومُ يَوْمُ الزِّينَةِ ومِيقاتُهُ وقْتُ الضُّحى، لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي وقَّتَهُ لَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن يَوْمِ الزِّينَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩] والمِيقاتُ ما وُقِّتَ بِهِ أيْ حُدِّدَ مِن مَكانٍ وزَمانٍ ومِنهُ مَواقِيتُ الإحْرامِ.
المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا أشارُوا بِتَأْخِيرِ أمْرِهِ وبِأنْ يَجْمَعَ لَهُ السَّحَرَةَ لِيَظْهَرَ عِنْدَ حُضُورِهِمْ فَسادُ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، رَضِيَ فِرْعَوْنُ بِما قالُوهُ وعَمِيَ عَمّا شاهَدَهُ وحُبُّ الشَّيْءِ يُعْمِي ويُصِمُّ. فَجَمَعَ السَّحَرَةَ ثُمَّ أرادَ أنْ تَقَعَ تِلْكَ المُناظَرَةُ يَوْمَ عِيدٍ لَهم لِيَكُونَ ذَلِكَ بِمَحْضَرِ الخَلْقِ العَظِيمِ وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَطْلُبُ ذَلِكَ لِتَظْهَرَ حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ الخَلْقِ العَظِيمِ وكانَ هَذا أيْضًا مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى في ظُهُورِ أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّهم بُعِثُوا عَلى الحُضُورِ لِيُشاهِدُوا ما يَكُونُ مِنَ الجانِبَيْنِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ فالمُرادُ إنّا نَرْجُو أنْ يَكُونَ الغَلَبَةُ لَهم فَنَتَّبِعُهم فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ ابْتَدَأُوا بِطَلَبِ الجَزاءِ، وهو إمّا المالُ وإمّا الجاهُ فَبَذَلَ لَهم ذَلِكَ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ لِأنَّ نِهايَةَ مَطْلُوبِهِمْ مِنهُ البَذْلُ ورَفْعُ المَنزِلَةِ فَبَذَلَ كِلا الأمْرَيْنِ.
26:43Page 369
قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلۡقُواْ مَآ أَنتُم مُّلۡقُونَ ٤٣
Moses said to them, "Throw whatever you will throw."
صفحة ١١٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهم لَمّا اجْتَمَعُوا كانَ لا بُدَّ مِن أنْ يَبْدَأ مُوسى أوْ يَبْدَءُوا ثُمَّ إنَّهم تَواضَعُوا لَهُ فَقَدَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، وقالُوا: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ [طه: ٦٥] فَلَمّا تَواضَعُوا لَهُ تَواضَعَ هو أيْضًا لَهم فَقَدَّمَهم عَلى نَفْسِهِ، وقالَ: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَأْمُرَ السَّحَرَةَ بِإلْقاءِ الحِبالِ والعِصِيِّ وذَلِكَ سِحْرٌ وتَلْبِيسٌ وكُفْرٌ والأمْرُ بِمِثْلِهِ لا يَجُوزُ ؟ الجَوابُ: لا شُبْهَةَ في أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأمْرٍ لِأنَّ مُرادَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم كانَ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ ولا يَقْدُمُوا عَلى ما يَجْرِي مَجْرى المُغالَبَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ تَأْوِيلُ صِيغَةِ الأمْرِ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: ذَلِكَ الأمْرُ كانَ مَشْرُوطًا والتَّقْدِيرُ: ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ إنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣] .
وثانِيها: لَمّا تَعَيَّنَ ذَلِكَ طَرِيقًا إلى كَشْفِ الشُّبْهَةِ صارَ جائِزًا.
وثالِثُها: أنَّ هَذا لَيْسَ بِأمْرٍ بَلْ هو تَهْدِيدٌ، أيْ إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ أتَيْنا بِما تُبْطِلُهُ، كَقَوْلِ القائِلِ: لَئِنْ رَمَيْتَنِي لَأفْعَلَنَّ ولَأصْنَعَنَّ ثُمَّ يُفَوِّقُ لَهُ السَّهْمَ فَيَقُولُ لَهُ: ارْمِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنهُ تَهْدِيدًا.
ورابِعُها: ما ذَكَرْنا أنَّهم لَمّا تَواضَعُوا لَهُ وقَدَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ فَهو قَدَّمَهم عَلى نَفْسِهِ عَلى رَجاءِ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ التَّواضُعُ سَبَبًا لِقَبُولِ الحَقِّ. ولَقَدْ حَصَلَ بِبَرَكَةِ ذَلِكَ التَّواضُعِ ذَلِكَ المَطْلُوبُ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ اللّائِقَ بِالمُسْلِمِ في كُلِّ الأحْوالِ التَّواضُعُ، لِأنَّ مِثْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَتْرُكِ التَّواضُعَ مَعَ أُولَئِكَ السَّحَرَةِ، فَبِأنْ يَفْعَلَ الواحِدُ مِنّا أوْلى.
26:44Page 369
فَأَلۡقَوۡاْ حِبَالَهُمۡ وَعِصِيَّهُمۡ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّا لَنَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٤٤
So they threw their ropes and their staffs and said, "By the might of Pharaoh, indeed it is we who are predominant."
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهُمْ﴾ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم لَمّا ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وقَدْ كانَتِ الحِبالُ مَطْلِيَّةً بِالزِّئْبَقِ والعِصِيُّ مُجَوَّفَةً مَمْلُوءَةً مِنَ الزِّئْبَقِ فَلَمّا حَمِيَتِ اشْتَدَّتْ حَرَكَتُها فَصارَتْ كَأنَّها حَيّاتٌ تَدِبُّ مِن كُلِّ جانِبٍ مِنَ الأرْضِ فَهابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: ألْقِ ما في يَمِينِكَ ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ثُمَّ فَتَحَتْ فاها فابْتَلَعَتْ كُلَّ ما رَمَوْهُ مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ حَتّى أكَلَتِ الكُلَّ ثُمَّ أخَذَ مُوسى عَصاهُ، فَإذا هي كَما كانَتْ، فَلَمّا رَأتِ السَّحَرَةُ ذَلِكَ قالَتْ لِفِرْعَوْنَ: كُنّا نُساحِرُ النّاسَ فَإذا غَلَبْناهم بَقِيَتِ الحِبالُ والعِصِيُّ، وكَذَلِكَ إنْ غَلَبُونا، ولَكِنَّ هَذا حَقٌّ فَسَجَدُوا وآمَنُوا بِرَبِّ العالَمِينَ.
واعْلَمْ أنَّ في الآثارِ اخْتِلافًا فَمِنهم مَن كَثَّرَ الحِبالَ والعِصِيَّ، ومِنهم مَن تَوَسَّطَ واللَّهُ أعْلَمُ بِعَدَدِ ذَلِكَ، والَّذِي يَدُلُّ القُرْآنُ عَلَيْهِ أنَّها كَثِيرَةٌ مِن حَيْثُ حُشِرُوا مِن كُلِّ بَلَدٍ، ولِأنَّ الأمْرَ بَلَغَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ في العِظَمِ مَبْلَغًا يَبْعُدُ أنْ يَدَّخِرَ عَنْهُ ما يُمْكِنُ مِن جَمْعِ السَّحَرَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّهم أظْهَرُوا ما يَجْرِي مَجْرى القَطْعِ عَلى أنَّهم يَغْلِبُونَ، وكُلُّ ذَلِكَ لَمّا ظَهَرَ كانَ أقْوى لِأمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
26:45–48Page 369
فَأَلۡقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلۡقَفُ مَا يَأۡفِكُونَ ٤٥
Then Moses threw his staff, and at once it devoured what they falsified.
فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ ٤٦
So the magicians fell down in prostration [to Allāh].
قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٧
They said, "We have believed in the Lord of the worlds,
رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٤٨
The Lord of Moses and Aaron."
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ ما يَقْلِبُونَهُ عَنْ وجْهِهِ وحَقِيقَتِهِ بِسِحْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ فَيُخَيِّلُونَ في حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ أنَّها حَيّاتٌ تَسْعى، وسَمّى تِلْكَ الأشْياءَ إفْكًا مُبالَغَةً.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ فالمُرادُ خَرُّوا سُجَّدًا لِأنَّهم كانُوا في الطَّبَقَةِ العالِيَةِ مِن عِلْمِ السِّحْرِ،
صفحة ١١٧
فَلا جَرَمَ كانُوا عالِمِينَ بِمُنْتَهى السِّحْرِ، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ وشاهَدُوهُ خارِجًا عَنْ حَدِّ السِّحْرِ عَلِمُوا أنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ، وما كانَ ذَلِكَ إلّا بِبَرَكَةِ تَحْقِيقِهِمْ في عِلْمِ السِّحْرِ، ثُمَّ إنَّهم عِنْدَ ذَلِكَ لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ رَمَوْا بِأنْفُسِهِمْ إلى الأرْضِ ساجِدِينَ كَأنَّهم أُخِذُوا فَطُرِحُوا طَرْحًا، فَإنْ قِيلَ فاعِلُ الإلْقاءِ ما هو لَوْ صَرَّحَ بِهِ ؟ جَوابُهُ: هو اللَّهُ تَعالى بِما حَصَلَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الدَّواعِي الجازِمَةِ الخالِيَةِ عَنِ المُعارَضاتِ ولَكِنَّ الأوْلى أنْ لا نُقَدِّرَ فاعِلًا لِأنَّ أُلْقِيَ بِمَعْنى: خَرَّ وسَقَطَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ فَهو عَطْفُ بَيانٍ لِرَبِّ العالَمِينَ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ فَأرادُوا عَزْلَهُ ومَعْنى إضافَتِهِ إلَيْهِما في ذَلِكَ المَقامِ أنَّهُ الَّذِي دَعا مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ إلَيْهِ.
26:49–51Page 369
قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَ فَلَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَۚ لَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٤٩
[Pharaoh] said, "You believed him [i.e., Moses] before I gave you permission. Indeed, he is your leader who has taught you magic, but you are going to know. I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides, and I will surely crucify you all."
قَالُواْ لَا ضَيۡرَۖ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ٥٠
They said, "No harm. Indeed, to our Lord we will return.
إِنَّا نَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَٰيَٰنَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٥١
Indeed, we aspire that our Lord will forgive us our sins because we were the first of the believers."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قالُوا لا ضَيْرَ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهم لَمّا آمَنُوا بِأجْمَعِهِمْ لَمْ يَأْمَن فِرْعَوْنُ أنْ يَقُولَ النّاسُ إنَّ هَؤُلاءِ السَّحَرَةَ عَلى كَثْرَتِهِمْ وتَظاهُرِهِمْ لَمْ يُؤْمِنُوا إلّا عَنْ مَعْرِفَةٍ بِصِحَّةِ أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَسْلُكُونَ مِثْلَ طَرِيقِهِمْ فَلَبَّسَ عَلى القَوْمِ وبالَغَ في التَّنْفِيرِ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ وهَذا فِيهِ إيهامٌ أنَّ مُسارَعَتَكم إلى الإيمانِ بِهِ دالَّةٌ عَلى أنَّكم كُنْتُمْ مائِلِينَ إلَيْهِ، وذَلِكَ يَطْرُقُ التُّهْمَةَ إلَيْهِمْ فَلَعَلَّهم قَصَّرُوا في السِّحْرِ حِيالَهُ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وهَذا تَصْرِيحٌ بِما رَمَزَ بِهِ أوَّلًا، وغَرَضُهُ مِنهُ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ عَنْ مُواطَأةٍ بَيْنَهم وبَيْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَصَّرُوا في السِّحْرِ لِيَظْهَرَ أمْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإلّا فَفي قُوَّةِ السَّحَرَةِ أنْ يَفْعَلُوا مِثْلَ ما فَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذِهِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ في تَنْفِيرِ مَن يَقْبَلُ قَوْلَهُ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وهو وعِيدٌ مُطْلَقٌ وتَهْدِيدٌ شَدِيدٌ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ وهَذا هو الوَعِيدُ المُفَصَّلُ وقَطْعُ اليَدِ والرِّجْلِ مِن خِلافٍ هو قَطْعُ اليَدِ اليُمْنى والرِّجْلِ اليُسْرى والصَّلْبُ مَعْلُومٌ، ولَيْسَ في الإهْلاكِ أقْوى مِن ذَلِكَ، ولَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ أوْ لَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ إنَّهم أجابُوا عَنْ هَذِهِ الكَلِماتِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿لا ضَيْرَ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ الضُّرُّ والضَّيْرُ واحِدٌ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ إنْ وقَعَ لَمْ يَضُرَّ وإنَّما عَنَوْا بِالإضافَةِ إلى ما عَرَفُوهُ مِن دارِ الجَزاءِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهم: ﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ فِيهِ نُكْتَةٌ شَرِيفَةٌ وهي أنَّهم قَدْ بَلَغُوا في حُبِّ اللَّهِ تَعالى أنَّهم ما أرادُوا شَيْئًا سِوى الوُصُولِ إلى حَضْرَتِهِ، وأنَّهم ما آمَنُوا رَغْبَةً في ثَوابٍ أوْ رَهْبَةً مِن عِقابٍ، وإنَّما مَقْصُودُهم مَحْضُ الوُصُولِ إلى مَرْضاتِهِ والِاسْتِغْراقِ في أنْوارِ مَعْرِفَتِهِ، وهَذا أعْلى دَرَجاتِ الصَّدِّيقِينَ.
الجَوابُ الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا﴾ فَهو إشارَةٌ مِنهم إلى الكُفْرِ والسِّحْرِ وغَيْرِهِما، والطَّمَعُ في هَذا
صفحة ١١٨
المَوْضِعِ يَحْتَمِلُ اليَقِينَ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] ويَحْتَمِلُ الظَّنَّ لِأنَّ المَرْءَ لا يَعْلَمُ ما سَيَجِيءُ مِن بَعْدُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ فالمُرادُ لِأنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الجَماعَةِ الَّذِينَ حَضَرُوا ذَلِكَ المَوْقِفَ، أوْ يَكُونُ المُرادُ مِنَ السَّحَرَةِ خاصَّةً، أوْ مِن رَعِيَّةِ فِرْعَوْنَ أوْ مِن أهْلِ زَمانِهِمْ، وقُرِئَ ”إنْ كُنّا“ بِالكَسْرِ، وهو مِنَ الشَّرْطِ الَّذِي يَجِيءُ بِهِ العَدْلُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ القائِلِ لِمَن يُؤَخِّرُ جُعْلَهُ: إنْ كُنْتُ عَمِلْتُ لَكَ فَوَفِّنِي حَقِّي.
26:52–62Page 369
۞ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِيٓ إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٥٢
And We inspired to Moses, "Travel by night with My servants; indeed, you will be pursued."
فَأَرۡسَلَ فِرۡعَوۡنُ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ٥٣
Then Pharaoh sent among the cities gatherers1
إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَشِرۡذِمَةٞ قَلِيلُونَ ٥٤
[And said], "Indeed, those are but a small band,
وَإِنَّهُمۡ لَنَا لَغَآئِظُونَ ٥٥
And indeed, they are enraging us,
وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَٰذِرُونَ ٥٦
And indeed, we are a cautious society..."
فَأَخۡرَجۡنَٰهُم مِّن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٥٧
So We removed them from gardens and springs
وَكُنُوزٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ ٥٨
And treasures and honorable station1 -
كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٥٩
Thus. And We caused to inherit it the Children of Israel.
فَأَتۡبَعُوهُم مُّشۡرِقِينَ ٦٠
So they pursued them at sunrise.
فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلۡجَمۡعَانِ قَالَ أَصۡحَٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدۡرَكُونَ ٦١
And when the two companies saw one another, the companions of Moses said, "Indeed, we are to be overtaken!"
قَالَ كـَلَّآۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهۡدِينِ ٦٢
[Moses] said, "No! Indeed, with me is my Lord; He will guide me."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .
قُرِئَ (أسْرِ) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ ووَصْلِها و”سِرْ“ . لَمّا ظَهَرَ أمْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما شاهَدُوهُ مِنَ الآيَةِ، أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَمّا كانَ في المَعْلُومِ مِن تَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى في مُوسى وتَخْلِيصِهِ مِنَ القَوْمِ وتَمْلِيكِهِ بِلادَهم وأمْوالَهم، ولَمْ يَأْمَن وقَدْ جَرَتْ تِلْكَ الغَلَبَةُ الظّاهِرَةُ أنْ يَقَعَ مِن فِرْعَوْنَ بِبَنِي إسْرائِيلَ ما يُؤَدِّي إلى الِاسْتِئْصالِ، فَلِذَلِكَ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَسْرِيَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا مِن قَوْمِ مُوسى، ولا شُبْهَةَ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وهو أنَّهُ أسْرى بِهِمْ كَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ إنَّ قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ: إنَّ لَنا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ عِيدًا، ثُمَّ اسْتَعارُوا مِنهم حُلِيَّهم وحُلَلَهم بِهَذا السَّبَبِ، ثُمَّ خَرَجُوا بِتِلْكَ الأمْوالِ في اللَّيْلِ إلى جانِبِ البَحْرِ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ أرْسَلَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ، ثُمَّ إنَّهُ قَوّى نَفْسَهُ ونَفْسَ أصْحابِهِ بِأنْ وصَفَ قَوْمَ مُوسى بِوَصْفَيْنِ مِن أوْصافِ الذَّمِّ، ووَصَفَ قَوْمَ نَفْسِهِ بِصِفَةِ المَدْحِ. أمّا وصْفُ قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذَّمِّ:
فالصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ والشِّرْذِمَةُ الطّائِفَةُ القَلِيلَةُ، ومِنهُ قَوْلُهم ثَوْبٌ شَراذِمُ لِلَّذِي بَلِيَ وتَقَطَّعَ قِطَعًا، ذَكَرَهم بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى القِلَّةِ، ثُمَّ جَعَلَهم قَلِيلًا بِالوَصْفِ، ثُمَّ جَمَعَ القَلِيلَ فَجَعَلَ كُلَّ حِزْبٍ مِنهم قَلِيلًا واخْتارَ جَمْعَ السَّلامَةِ الَّذِي هو لِلْقِلَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالقِلَّةِ: الذِّلَّةَ لا قِلَّةَ العَدَدِ، والمَعْنى: أنَّهم لِقِلَّتِهِمْ لا يُبالِي بِهِمْ ولا يَتَوَقَّعُ غَلَبَتَهم وعُلُوَّهم، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في عَدَدِ تِلْكَ الشِّرْذِمَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفِ مُقاتِلٍ لا شابَّ فِيهِمْ دُونَ عِشْرِينَ سَنَةً، ولا شَيْخَ يُوفِي عَلى السِّتِّينَ
صفحة ١١٩
سِوى الحَشَمِ، وفِرْعَوْنُ يُقَلِّلُهم لِكَثْرَةِ مَن مَعَهُ، وهَذا الوَصْفُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الكَثِيرِ عِنْدَ الإضافَةِ إلى ما هو أكْثَرُ مِنهُ، فَرُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ خَرَجَ عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ حِصانٍ وفي عَسْكَرِهِ عَلى لَوْنِ فَرَسِهِ ثَلَثُمِائَةِ ألْفٍ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ يَعْنِي يَفْعَلُونَ أفْعالًا تَغِيظُنا وتُضَيِّقُ صُدُورَنا، واخْتَلَفُوا في تِلْكَ الأفْعالِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ الحُلِيِّ وغَيْرِهِ.
وثانِيها: خُرُوجُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْ عُبُودِيَّةِ فِرْعَوْنَ واسْتِقْلالُهم بِأنْفُسِهِمْ.
وثالِثُها: مُخالَفَتُهم لَهم في الدِّينِ وخُرُوجُهم عَلَيْهِمْ.
ورابِعُها: لَيْسَ إلّا أنَّهم لَمْ يَتَّخِذُوا فِرْعَوْنَ إلَهًا. أمّا الَّذِي وصَفَ فِرْعَوْنُ بِهِ قَوْمَهُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ وفِيهِ ثَلاثُ قِراءاتٍ ”حَذِرُونِ“ و”حاذِرُونَ“ و”حادِرُونَ“ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ.
واعْلَمْ أنَّ الصِّفَةَ إذا كانَتْ جارِيَةً عَلى الفِعْلِ وهي اسْمُ الفاعِلِ واسْمُ المَفْعُولِ كالضّارِبِ والمَضْرُوبِ أفادَتِ الحُدُوثَ، وإذا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ وهي المُشَبَّهَةُ أفادَتِ الثُّبُوتَ، فَمَن قَرَأ ”حَذِرُونَ“ ذَهَبَ إلى: إنّا قَوْمٌ مِن عادَتِنا الحَذَرُ واسْتِعْمالُ الحَزْمِ، ومَن قَرَأ ”حاذِرُونَ“ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى مَعْنى: إنّا قَوْمٌ ما عَهِدْنا أنْ نَحْذَرَ إلّا عَصْرَنا هَذا. وأمّا مَن قَرَأ ”حادِرُونَ“ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى نَفْيِ الحَذَرِ أصْلًا؛ لِأنَّ الحادِرَ هو المُشَمِّرُ، فَأرادَ إنّا قَوْمٌ أقْوِياءُ أشِدّاءُ، أوْ أرادَ إنّا مُدَجَّجُونَ في السِّلاحِ، والغَرَضُ مِن هَذِهِ المَعاذِيرِ أنْ لا يَتَوَهَّمَ أهْلُ المَدائِنِ أنَّهُ مُنْكَسِرٌ مِن قَوْمِ مُوسى أوْ خائِفٌ مِنهم.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾ فالمُرادُ: إنّا جَعَلْنا في قُلُوبِهِمْ داعِيَةَ الخُرُوجِ فاسْتَوْجَبَتِ الدّاعِيَةُ الفِعْلَ، فَكانَ الفِعْلُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى لا مَحالَةَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: سَمّاها كُنُوزًا، لِأنَّهم لَمْ يُنْفِقُوا مِنها في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَقامُ الكَرِيمُ يُرِيدُ المَنازِلَ الحَسَنَةَ والمَجالِسَ البَهِيَّةَ، والمَعْنى إنّا أخْرَجْناهم مِن بَساتِينِهِمُ الَّتِي فِيها عُيُونُ الماءِ وكُنُوزُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والمَواضِعِ الَّتِي كانُوا يَتَنَعَّمُونَ فِيها لِنُسَلِّمَها إلى بَنِي إسْرائِيلَ. أمّا قَوْلُهُ: ”كَذَلِكَ“ فَيَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: النَّصْبَ عَلى أخْرَجْناهم مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي وصَفْناهُ، والجَرَّ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَقامٍ كَرِيمٍ، أيْ مَقامٍ كَرِيمٍ مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم، والرَّفْعَ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعُوهُمْ﴾ أيْ: فَلَحِقُوهم، وقُرِئَ ”فاتَّبَعُوهم مُشْرِقِينَ“ داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ مِن أشْرَقَتِ الشَّمْسُ شُرُوقًا إذا طَلَعَتْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ أيْ رَأى بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ أصْحابُ مُوسى: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ لَمُلْحَقُونَ ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ [الأعراف: ١٢٩] كانُوا يَذْبَحُونَ أبْناءَنا، مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا يُدْرِكُونَنا، أيْ في السّاعَةِ فَيَقْتُلُونَنا، وقُرِئَ ”فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ“ ”إنّا لَمُدَّرِكُونَ“ بِتَشْدِيدِ الدّالِ وكَسْرِ الرّاءِ مِنَ ادّارَكَ الشَّيْءُ إذا تَتابَعَ فَفَنِيَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ [النمل: ٦٦] قالَ الحَسَنُ: جَهِلُوا عِلْمَ الآخِرَةِ، والمَعْنى إنّا لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم: كَلّا، وذَلِكَ كالمَنعِ مِمّا تَوَهَّمُوهُ، ثُمَّ قَوّى نُفُوسَهم بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ وهَذا دَلالَةُ النُّصْرَةِ والتَّكَفُّلِ بِالمَعُونَةِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ والهُدى هو طَرِيقُ النَّجاةِ والخَلاصِ، وإذا دَلَّهُ عَلى طَرِيقِ نَجاتِهِ وهَلاكِ أعْدائِهِ، فَقَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في النُّصْرَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences