Ar-RaziAl‑Qasas · 28:29–32

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Qasas 28:29–32

28:29–30Page 389

۞ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلۡأَجَلَ وَسَارَ بِأَهۡلِهِۦٓ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارٗاۖ قَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ جَذۡوَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ ٢٩

And when Moses had completed the term and was traveling with his family, he perceived from the direction of the mount a fire. He said to his family, "Stay here; indeed, I have perceived a fire. Perhaps I will bring you from there [some] information or burning wood from the fire that you may warm yourselves."

فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ مِن شَٰطِيِٕ ٱلۡوَادِ ٱلۡأَيۡمَنِ فِي ٱلۡبُقۡعَةِ ٱلۡمُبَٰرَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّيٓ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٠

But when he came to it, he was called from the right side of the valley in a blessed spot - from the tree,1 "O Moses, indeed I am Allāh, Lord of the worlds."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِي الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أنْ يامُوسى إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يامُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ «رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”تَزَوَّجَ صُغْراهُما، وقَضى أوْفاهُما» “ أيْ قَضى أوْفى الأجَلَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: قَضى الأجَلَ عَشْرَ سِنِينَ، ومَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَهُ عَشْرَ سِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ﴾

صفحة ٢٠٩

﴿آنَسَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الإيناسَ حَصَلَ عَقِيبَ مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَصَلَ عَقِيبَ أحَدِهِما، وهو قَضاءُ الأجَلِ، فَبَطَلَ ما قالَهُ القاضِي مِن أنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وسارَ بِأهْلِهِ﴾ لَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ خَرَجَ مُنْفَرِدًا مَعَها وقَوْلُهُ: ﴿امْكُثُوا﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى الجَمْعِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ فَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ طه والنَّمْلِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:

الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الجَذْوَةُ

بِاللُّغاتِ الثَّلاثِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِنَّ جَمِيعًا، وهو العُودُ الغَلِيظُ كانَتْ في رَأْسِهِ نارٌ أوْ لَمْ تَكُنْ، قالَ الزَّجّاجُ: الجَذْوَةُ القِطْعَةُ الغَلِيظَةُ مِنَ الحَطَبِ.

الثّانِي: قَدْ حَكَيْنا في سُورَةِ طه: إنَّهُ أظْلَمَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ في الصَّحْراءِ، وهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَرَّقَتْ ماشِيَتَهُ وضَلَّ وأصابَهم مَطَرٌ، فَوَجَدُوا بَرْدًا شَدِيدًا، فَعِنْدَهُ أبْصَرَ نارًا بَعِيدَةً، فَسارَ إلَيْها يَطْلُبُ مَن يَدُلُّهُ عَلى الطَّرِيقِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ أوْ آتِيكم مِن هَذِهِ النّارِ بِجَذْوَةٍ مِنَ الحَطَبِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ ضَلَّ وفي قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ دَلالَةٌ عَلى البَرْدِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِي الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أنْ يامُوسى إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ شاطِئَ الوادِي جانِبُهُ، وجاءَ النِّداءُ عَنْ يَمِينِ مُوسى مِن شاطِئِ الوادِي مِن قِبَلِ الشَّجَرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن شاطِئِ الوادِي﴾ بَدَلُ الِاشْتِمالِ؛ لِأنَّ الشَّجَرَةَ كانَتْ نابِتَةً عَلى الشّاطِئِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٣٣) وإنَّما وصَفَ البُقْعَةَ بِكَوْنِها مُبارَكَةً؛ لِأنَّهُ حَصَلَ فِيها ابْتِداءُ الرِّسالَةِ وتَكْلِيمُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ.

* * *

وهَهُنا مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: احْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ عَلى قَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى مُتَكَلِّمٌ بِكَلامٍ يَخْلُقُهُ في جِسْمٍ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ فَإنَّ هَذا صَرِيحٌ في أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ النِّداءَ مِنَ الشَّجَرَةِ، والمُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ النِّداءِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهو تَعالى مُنَزَّهٌ أنْ يَكُونَ في جِسْمٍ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى إنَّما يَتَكَلَّمُ بِخَلْقِ الكَلامِ في جِسْمٍ. أجابَ القائِلُونَ بِقِدَمِ الكَلامِ، فَقالُوا لَنا مَذْهَبانِ:

الأوَّلُ: قَوْلُ أبِي مَنصُورٍ الماتُرِيدِيِّ وأئِمَّةِ ما وراءَ النَّهْرِ وهو: أنَّ الكَلامَ القَدِيمَ القائِمَ بِذاتِ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مَسْمُوعٍ، إنَّما المَسْمُوعُ هو الصَّوْتُ والحَرْفُ، وذَلِكَ كانَ مَخْلُوقًا في الشَّجَرَةِ ومَسْمُوعًا مِنها، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ زالَ السُّؤالُ.

الثّانِي: قَوْلُ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ وهو: أنَّ الكَلامَ الَّذِي لَيْسَ بِحَرْفٍ ولا صَوْتٍ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَسْمُوعًا، كَما أنَّ الذّاتَ الَّتِي لَيْسَتْ بِجِسْمٍ ولا عَرَضٍ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ مَرْئِيَّةً، فَعَلى هَذا القَوْلِ لا يَبْعُدُ أنَّهُ سَمِعَ الحَرْفَ والصَّوْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ، وسَمِعَ الكَلامَ القَدِيمَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِنَ الشَّجَرَةِ، فَلا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، واحْتَجَّ أهْلُ السُّنَّةِ بِأنَّ مَحَلَّ قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ لَوْ كانَ هو الشَّجَرَةَ لَكانَ قَدْ قالَتِ الشَّجَرَةُ: إنِّي أنا اللَّهُ، والمُعْتَزِلَةُ أجابُوا بِأنَّ هَذا إنَّما يَلْزَمُ لَوْ كانَ المُتَكَلِّمُ بِالكَلامِ هو مَحَلُّ الكَلامِ لا فاعِلُهُ، وهَذا هو أصْلُ المسألة، أجابَ أهْلُ السُّنَّةِ بِأنَّ الذِّراعَ المَسْمُومَ قالَ: لا تَأْكُلْ مِنِّي، فَإنِّي مَسْمُومٌ، فَفاعِلُ ذَلِكَ الكَلامِ هو اللَّهُ تَعالى، فَإنْ كانَ المُتَكَلِّمُ بِالكَلامِ هو فاعِلُ ذَلِكَ الكَلامِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ قالَ: لا تَأْكُلْ مِنِّي فَإنِّي مَسْمُومٌ، وهَذا باطِلٌ وإنْ كانَ المُتَكَلِّمُ هو مَحَلُّ الكَلامِ لَزِمَ أنْ تَكُونَ الشَّجَرَةُ قَدْ قالَتْ: إنِّي أنا اللَّهُ، وكُلُّ ذَلِكَ باطِلٌ.

* * *

المسألة الثّانِيَةُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ فِيهِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِأنَّ ذَلِكَ الكَلامَ كَلامُ اللَّهِ، والمُعْتَزِلَةُ لا يَرْضَوْنَ بِذَلِكَ، قالُوا: لِأنَّهُ لَوْ عَلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ ذَلِكَ الكَلامَ كَلامُ اللَّهِ لَوَجَبَ أنْ يَعْلَمَ بِالضَّرُورَةِ وُجُودَ اللَّهِ تَعالى

صفحة ٢١٠

لِأنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ الصِّفَةُ مَعْلُومَةً بِالضَّرُورَةِ، والذّاتُ مَعْلُومَةٌ بِالنَّظَرِ، ولَوْ عَلِمَ مُوسى أنَّهُ اللَّهُ تَعالى بِالضَّرُورَةِ لَزالَ التَّكْلِيفُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أسْمَعَهُ الكَلامَ الَّذِي لَيْسَ بِحَرْفٍ ولا صَوْتٍ عَرَفَ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الكَلامِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كَلامَ الخَلْقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ ظُهُورَ الكَلامِ مِنَ الشَّجَرَةِ كَظُهُورِ التَّسْبِيحِ مِنَ الحَصى في أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُعْجِزُ هو أنَّهُ رَأى النّارَ في الشَّجَرَةِ الرَّطْبَةِ، فَعَلِمَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى الجَمْعِ بَيْنَ النّارِ وبَيْنَ خُضْرَةِ الشَّجَرَةِ إلّا اللَّهُ تَعالى. ويُحْتَمَلُ أنْ يَصِحَّ ما يُرْوى أنَّ إبْلِيسَ لَمّا قالَ لَهُ: كَيْفَ عَرَفْتَ أنَّهُ نِداءُ اللَّهِ تَعالى ؟ قالَ: لِأنِّي سَمِعْتُهُ بِجَمِيعِ أجَزائِي، فَلَمّا وجَدَ حِسَّ السَّمْعِ مِن جَمِيعِ الأجْزاءِ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ سِوى اللَّهِ تَعالى، وهَذا إنَّما يَصِحُّ عَلى مَذْهَبِنا حَيْثُ قُلْنا: البَيِّنَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا.

* * *

المسألة الثّالِثَةُ: قالَ في سُورَةِ النَّمْلِ ﴿نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ [النمل: ٨] وقالَ هَهُنا: ﴿إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ وقالَ في طه: ﴿نُودِيَ يامُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ ( طه: ١١ - ١٢) ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ، فَهو تَعالى ذَكَرَ الكُلَّ إلّا أنَّهُ حَكى في كُلِّ سُورَةٍ بَعْضَ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ النِّداءُ.

المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الحَسَنُ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نُودِيَ نِداءَ الوَحْيِ لا نِداءَ الكَلامِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ (طه: ١٣) قالَ الجُمْهُورُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى كَلَّمَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ (النِّساءِ: ١٦٤) وسائِرُ الآياتِ، وأمّا الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ الحَسَنُ فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ لَمْ يَكُنْ بِالوَحْيِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ أيْضًا بِالوَحْيِ لانْتَهى آخِرُ الأمْرِ إلى كَلامٍ يَسْمَعُهُ المُكَلَّفُ لا بِالوَحْيِ، وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، بَلِ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ وصِيَّتُهُ بِأنْ يَتَشَدَّدَ في الأُمُورِ الَّتِي تَصِلُ إلَيْهِ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ بِالوَحْيِ.

28:31Page 389

وَأَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهۡتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنّٞ وَلَّىٰ مُدۡبِرٗا وَلَمۡ يُعَقِّبۡۚ يَٰمُوسَىٰٓ أَقۡبِلۡ وَلَا تَخَفۡۖ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡأٓمِنِينَ ٣١

And [he was told], "Throw down your staff." But when he saw it writhing as if it was a snake, he turned in flight and did not return.1 [Allāh said], "O Moses, approach and fear not. Indeed, you are of the secure.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يامُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ كُلِّ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ تَعالى شَبَّهَها بِالجانِّ، ولَمْ يَقُلْ: إنَّهُ في نَفْسِهِ جانٌّ، فَلا يَكُونُ هَذا مُناقِضًا لِكَوْنِهِ ثُعْبانًا، بَلْ شَبَّهَها بِالجانِّ مِن حَيْثُ الِاهْتِزازِ والحَرَكَةِ، لا مِن حَيْثُ المِقْدارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في خَوْفِهِ، ومَعْنى ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ لَمْ يَرْجِعْ، يُقالُ: عَقَّبَ المُقاتِلُ إذا كَرَّ بَعْدَ الفَرِّ، وقالَ وهْبٌ: إنَّها لَمْ تَدَعْ شَجَرَةً ولا صَخْرَةً إلّا ابْتَلَعَتْها حَتّى سَمِعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ صَرِيرَ أسْنانِها، وسَمِعَ قَعْقَعَةَ الصَّخْرِ في جَوْفِها، فَحِينَئِذٍ ولّى.

واخْتَلَفُوا في العَصا عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: قالُوا إنَّ شُعَيْبًا كانَتْ عِنْدَهُ عِصِيُّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَقالَ لِمُوسى بِاللَّيْلِ: إذا دَخَلْتَ ذَلِكَ البَيْتَ فَخُذْ عَصًا مِن تِلْكَ العِصِيِّ، فَأخَذَ عَصًا هَبَطَ بِها آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَنَّةِ، ولَمْ تَزَلِ الأنْبِياءُ تَتَوارَثُها حَتّى وقَعَتْ إلى شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: أرِنِي العَصا فَلَمَسَها، وكانَ مَكْفُوفًا، فَضَنَّ بِها، فَقالَ: خُذْ غَيْرَها فَما وقَعَ في يَدِهِ إلّا هي سَبْعَ مَرّاتٍ، فَعَلِمَ أنَّ لَهُ مَعَها شَأْنًا. ورُوِيَ أيْضًا أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ ابْنَتَهُ أنْ تَأْتِيَ بِعَصًا لِأجْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَدَخَلَتِ البَيْتَ وأخَذَتِ العَصا وأتَتْهُ بِها، فَلَمّا رَآها الشَّيْخُ، قالَ: ائْتِيهِ بِغَيْرِها فَألْقَتْها، وأرادَتْ أنْ تَأْخُذَ غَيْرَها، فَلَمْ يَقَعْ في يَدِها غَيْرُها. فَلَمّا رَأى الشَّيْخُ ذَلِكَ رَضِيَ بِهِ ثُمَّ نَدِمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وخَرَجَ يَطْلُبُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا لَقِيَهُ، قالَ: أعْطِنِي العَصا، قالَ مُوسى: هي عَصايَ فَأبى أنْ يُعْطِيَهُ إيّاها فاخْتَصَما، ثُمَّ تَوافَقا عَلى أنْ يَجْعَلا بَيْنَهُما أوَّلَ رَجُلٍ يَلْقاهُما، فَأتاهُما مَلَكٌ يَمْشِي، فَقَضى بَيْنَهُما، فَقالَ: ضَعُوها عَلى الأرْضِ، فَمَن حَمَلَها فَهي لَهُ، فَعالَجَها الشَّيْخُ: فَلَمْ

صفحة ٢١١

يُطِقْ، وأخَذَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِسُهُولَةٍ، فَتَرَكَها الشَّيْخُ لَهُ ورَعى لَهُ عَشْرَ سِنِينَ.

وثانِيها: رَوى ابْنُ صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ في دارِ بَيْرُونَ ابْنِ أخِي شُعَيْبٍ بَيْتٌ لا يَدْخُلُهُ إلّا بَيْرُونُ وابْنَتُهُ الَّتِي زَوَّجَها مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّها كانَتْ تَكْنُسُهُ وتُنَظِّفُهُ، وكانَ في ذَلِكَ البَيْتِ ثَلاثَ عَشْرَةَ عَصا، وكانَ لِبَيْرُونَ أحَدَ عَشَرَ ولَدًا مِنَ الذُّكُورِ، فَكُلَّما أدْرَكَ مِنهم ولَدٌ أمَرَهُ بِدُخُولِ البَيْتِ وإخْراجِ عَصًا مِن تِلْكَ العِصِيِّ، فَرَجَعَ مُوسى ذاتَ يَوْمٍ إلى مَنزِلِهِ، فَلَمْ يَجِدْ أهْلَهُ واحْتاجَ إلى عَصا لِرَعْيهِ، فَدَخَلَ ذَلِكَ البَيْتَ وأخَذَ عَصًا مِن تِلْكَ العِصِيِّ، وخَرَجَ بِها، فَلَمّا عَلِمَتِ المَرْأةُ ذَلِكَ انْطَلَقَتْ إلى أبِيها، وأخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ فَسُرَّ بِذَلِكَ بَيْرُونُ، وقالَ لَها: إنَّ زَوْجَكِ هَذا لَنَبِيٌّ، وإنَّ لَهُ مَعَ هَذِهِ العَصا لَشَأْنًا.

وثالِثُها: في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَقَدَ العَقْدَ مَعَ شُعَيْبٍ وأصْبَحَ مِنَ الغَدِ وأرادَ الرَّعْيَ. قالَ لَهُ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: اذْهَبْ بِهَذِهِ الأغْنامِ، فَإذا بَلَغْتَ مَفْرِقَ الطَّرِيقِ، فَخُذْ عَلى يَسارِكَ، ولا تَأْخُذْ عَلى يَمِينِكَ، وإنْ كانَ الكَلَأُ بِها أكْثَرَ، فَإنَّ بِها تِنِّينًا عَظِيمًا، فَأخْشى عَلَيْكَ وعَلى الأغْنامِ مِنهُ، فَذَهَبَ مُوسى بِالأغْنامِ، فَلَمّا بَلَغَ مَفْرِقَ الطَّرِيقِ أخَذَتِ الأغْنامُ ذاتَ اليَمِينِ، فاجْتَهَدَ مُوسى عَلى أنْ يَرُدَّها، فَلَمْ يَقْدِرْ، فَسارَ عَلى أثَرِها فَرَأى عُشْبًا كَثِيرًا، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نامَ والأغْنامُ تَرْعى وإذا بِالتِّنِّينِ قَدْ جاءَ، فَقامَتْ عَصا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقاتَلَتْهُ حَتّى قَتَلَتْهُ، وعادَتْ إلى جَنْبِ مُوسى وهي دامِيَةٌ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى العَصا دامِيَةً، والتِّنِّينَ مَقْتُولًا فارْتاحَ لِذَلِكَ، وعَلِمَ أنَّ لِلَّهِ تَعالى في تِلْكَ العَصا قُدْرَةً وآيَةً، وعادَ إلى شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ ضَرِيرًا فَمَسَّ الأغْنامَ، فَإذا هي أحْسَنُ حالًا مِمّا كانَتْ، فَسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأخْبَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالقِصَّةِ فَفَرِحَ بِذَلِكَ، وعَلِمَ أنَّ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَصاهُ شَأْنًا، فَأرادَ أنْ يُجازِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى حُسْنِ رَعْيِهِ إكْرامًا وصِلَةً لِابْنَتِهِ، فَقالَ: إنِّي وهَبْتُ لَكَ مِنَ السِّخالِ الَّتِي تَضَعُها أغْنامِي في هَذِهِ السَّنَةِ كُلَّ أبْلَقٍ وبَلْقاءَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الماءَ الَّذِي تَسْقِي الغَنَمَ مِنهُ، فَفَعَلَ ثُمَّ سَقى الأغْنامَ مِنهُ، فَما أخْطَتْ واحِدَةٌ مِنها إلّا وضَعَتْ حَمْلَها ما بَيْنَ أبْلَقٍ وبَلْقاءَ، فَعَلِمَ شُعَيْبٌ أنَّ ذَلِكَ رِزْقٌ ساقَهُ اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وامْرَأتِهِ فَوَفّى لَهُ شَرْطَهُ.

ورابِعُها: قالَ بَعْضُهم: تِلْكَ العَصا هي عَصا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ تِلْكَ العَصا بَعْدَ مَوْتِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكانَتْ مَعَهُ حَتّى لَقِيَ بِها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ لَيْلًا.

وخامِسُها: قالَ الحَسَنُ: ما كانَتْ إلّا عَصًا مِنَ الشَّجَرِ اعْتَرَضَها اعْتِراضًا أيْ أخَذَها مِن عَرْضِ الشَّجَرِ، يُقالُ: اعْتَرَضَ إذا لَمْ يَتَخَيَّرْ. وعَنِ الكَلْبِيِّ: الشَّجَرَةُ الَّتِي مِنها نُودِيَ شَجَرَةُ العَوْسَجِ، ومِنها كانَتْ عَصاهُ ولا مَطْمَعَ في تَرْجِيحِ بَعْضِ هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى بَعْضٍ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلَيْها والأخْبارُ مُتَعارِضَةٌ، واللَّهُ أعْلَمُ بِها.

28:32Page 389

ٱسۡلُكۡ يَدَكَ فِي جَيۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٖ وَٱضۡمُمۡ إِلَيۡكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهۡبِۖ فَذَٰنِكَ بُرۡهَٰنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٣٢

Insert your hand into the opening of your garment; it will come out white, without disease. And draw in your arm close to you [as prevention] from fear, for those are two proofs from your Lord to Pharaoh and his establishment. Indeed, they have been a people defiantly disobedient."

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِثَلاثِ عِباراتٍ:

أحَدُها: هَذِهِ.

وثانِيها: قَوْلُهُ في طه: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ﴾ [طه: ٢٢] .

وثالِثُها: قَوْلُهُ في النَّمْلِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ [النمل: ١٢] قالَ العَزِيزِيُّ في غَرِيبِ القُرْآنِ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ أدْخِلْها فِيهِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ فَأحْسَنُ النّاسِ كَلامًا فِيهِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فِيهِ مَعْنَيانِ:

أحَدُهُما: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَلَبَ اللَّهُ لَهُ العَصا حَيَّةً فَزِعَ واضْطَرَبَ، فاتَّقاها بِيَدِهِ كَما يَفْعَلُ الخائِفُ مِنَ الشَّيْءِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ اتِّقاءَكَ بِيَدِكَ فِيهِ غَضاضَةٌ عِنْدَ الأعْداءِ، فَإذا ألْقَيْتَها فَكَما تَنْقَلِبُ حَيَّةً فَأدْخِلْ يَدَكَ تَحْتَ عَضُدِكَ مَكانَ اتِّقائِكَ بِها، ثُمَّ أخْرِجْها بَيْضاءَ لِيَحْصُلَ الأمْرانِ؛ اجْتِنابُ ما هو غَضاضَةٌ عَلَيْكَ وإظْهارُ

صفحة ٢١٢

مُعْجِزَةٍ أُخْرى، والمُرادُ بِالجَناحِ اليَدُ؛ لِأنَّ يَدَيِ الإنْسانِ بِمَنزِلَةِ جَناحَيِ الطّائِرِ، وإذا أدْخَلَ يَدَهُ اليُمْنى تَحْتَ عَضُدِهِ اليُسْرى، فَقَدْ ضَمَّ جَناحَهُ إلَيْهِ.

الثّانِي: أنْ يُرادَ بِضَمِّ جَناحِهِ إلَيْهِ تَجَلُّدُهُ وضَبْطُهُ نَفْسَهُ وتَشَدُّدُهُ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً حَتّى لا يَضْطَرِبَ ولا يَرْهَبَ اسْتَعارَهُ مِن فِعْلِ الطّائِرِ؛ لِأنَّهُ إذا خافَ نَشَرَ جَناحَيْهِ وأرْخاهُما، وإلّا فَجَناحاهُ مَضْمُومانِ إلَيْهِ مُشَمِّرانِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ أيْ إذا أصابَكَ الرَّهْبُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الحَيَّةِ، فاضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ. وقَوْلُهُ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ واحِدٌ، ولَكِنْ خُولِفَ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ، وإنَّما كَرَّرَ المَعْنى الواحِدَ لِاخْتِلافِ الغَرَضَيْنِ، وذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ في أحَدِهِما خُرُوجُ اليَدِ بَيْضاءَ، وفي الثّانِي إخْفاءُ الرَّهْبِ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ جُعِلَ الجَناحُ وهو اليَدُ في أحَدِ المَوْضِعَيْنِ مَضْمُومًا وفي الآخَرِ مَضْمُومًا إلَيْهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ فَما التَّوْفِيقُ بَيْنَهُما ؟ قُلْنا: المُرادُ بِالجَناحِ المَضْمُومِ هو اليَدُ اليُمْنى، وبِالمَضْمُومِ إلَيْهِ اليَدُ اليُسْرى، وكُلُّ واحِدَةٍ مِن يُمْنى اليَدَيْنِ ويُسْراهُما جَناحٌ، هَذا كُلُّهُ كَلامُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“، وهو في نِهايَةِ الحُسْنِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذانِكَ﴾ قُرِئَ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا، فالمُخَفَّفُ مُثَنّى (ذا)، والمُشَدَّدُ مُثَنّى (ذانٍ) . قَوْلُهُ: ﴿بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ﴾ حُجَّتانِ نَيِّرَتانِ عَلى صِدْقِهِ في النُّبُوَّةِ وصِحَّةِ ما دَعاهم إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، وظاهِرُ الكَلامِ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِذَلِكَ قَبْلَ لِقاءِ فِرْعَوْنَ حَتّى عَرَفَ ما الَّذِي يُظْهِرُهُ عِنْدَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ، لِأنَّهُ تَعالى حَكى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ قالَ القاضِي: وإذا كانَ كَذَلِكَ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ في حالِ ظُهُورِ البُرْهانَيْنِ هُناكَ مَن دَعاهُ إلى رِسالَتِهِ مِن أهْلِهِ أوْ غَيْرِهِمْ، إذِ المُعْجِزاتُ إنَّما تَظْهَرُ عَلى الرُّسُلِ في حالِ الإرْسالِ لا قَبْلَهُ، وإنَّما تَظْهَرُ لِكَيْ يَسْتَدِلَّ بِها غَيْرُهم عَلى الرِّسالَةِ وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ في إظْهارِ المُعْجِزَةِ مِن حِكْمَةٍ ولا حِكْمَةَ أعْظَمُ مِن أنْ يَسْتَدِلَّ بِها الغَيْرُ عَلى صِدْقِ المُدَّعِي، وأمّا كَوْنُهُ لا حِكْمَةَ هَهُنا فَلا نُسَلِّمُ، فَلَعَلَّ هُناكَ أنْواعًا مِنَ الحِكَمِ والمَقاصِدِ سِوى ذَلِكَ، لا سِيَّما وهَذِهِ الآياتُ مُتَطابِقَةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أحَدٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском