Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:33–43
28:33–37Page 389
قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلۡتُ مِنۡهُمۡ نَفۡسٗا فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ ٣٣
He said, "My Lord, indeed I killed from among them someone, and I fear they will kill me.
وَأَخِي هَٰرُونُ هُوَ أَفۡصَحُ مِنِّي لِسَانٗا فَأَرۡسِلۡهُ مَعِيَ رِدۡءٗا يُصَدِّقُنِيٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ٣٤
And my brother Aaron is more fluent than me in tongue, so send him with me as support, verifying me. Indeed, I fear that they will deny me."
قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجۡعَلُ لَكُمَا سُلۡطَٰنٗا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيۡكُمَا بِـَٔايَٰتِنَآۚ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلۡغَٰلِبُونَ ٣٥
[Allāh] said, "We will strengthen your arm through your brother and grant you both supremacy so they will not reach you. [It will be] through Our signs; you and those who follow you will be the predominant."
فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّفۡتَرٗى وَمَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٦
But when Moses came to them with Our signs as clear evidences, they said, "This is not except invented magic, and we have not heard of this [religion] among our forefathers."
وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ مِنۡ عِندِهِۦ وَمَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٣٧
And Moses said, "My Lord is more knowing [than we or you] of who has come with guidance from Him and to whom will be succession in the home.1 Indeed, wrongdoers do not succeed."
قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا إلّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقالَ مُوسى رَبِّي أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ ومَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾
صفحة ٢١٣
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ تَضَمَّنَ ذَلِكَ أنْ يَذْهَبَ مُوسى بِهَذَيْنَ البُرْهانَيْنِ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما يُقَوِّي قَلْبَهُ ويُزِيلُ خَوْفَهُ، فَقالَ: ﴿رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ لِأنَّهُ كانَ في لِسانِهِ حُبْسَةٌ؛ إمّا في أصْلِ الخِلْقَةِ، وإمّا لِأجْلِ أنَّهُ وضَعَ الجَمْرَةَ في فِيهِ عِنْدَما نَتَفَ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: الرِّدْءُ اسْمُ ما يُسْتَعانُ بِهِ، فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ بِهِ، كَما أنَّ الدِّفْءَ اسْمٌ لِما يُدْفَأُ بِهِ، يُقالُ: رَدَأْتُ الحائِطَ أرْدَؤُهُ إذا دَعَمْتَهُ بِخَشَبٍ أوْ غَيْرِهِ لِئَلّا يَسْقُطَ.
البَحْثُ الثّانِي: قَرَأ نافِعٌ رِدْءًا بِغَيْرِ هَمْزٍ والباقُونَ بِالهَمْزِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ يُصَدِّقُنِي بِرَفْعِ القافِ، ويُرْوى ذَلِكَ أيْضًا عَنْ أبِي عَمْرٍو والباقُونَ بِجَزْمِ القافِ، وهو المَشْهُورُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، فَمَن رَفَعَ فالتَّقْدِيرُ: رِدْءًا مُصَدِّقًا لِي، ومَن جَزَمَ كانَ عَلى مَعْنى الجَزاءِ، يَعْنِي: إنْ أرْسَلْتَهُ صَدَّقْنِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي﴾ (مَرْيَمَ: ٥ - ٦) بِجَزْمِ الثّاءِ مِن يَرِثُنِي. ورَوى السُّدِّيُّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ رِدْءًا كَيْما يُصَدِّقَنِي.
البَحْثُ الثّالِثُ: الجُمْهُورُ عَلى أنَّ التَّصْدِيقَ لِهارُونَ، وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى كَيْ يُصَدِّقَنِي فِرْعَوْنُ، والمَعْنى: أرْسِلْ مَعِيَ أخِي حَتّى يُعاضِدَنِي عَلى إظْهارِ الحجة والبَيانِ، فَعِنْدَ اجْتِماعِ البُرْهانَيْنِ رُبَّما حَصَلَ المَقْصُودُ مِن تَصْدِيقِ فِرْعَوْنَ.
البَحْثُ الرّابِعُ: لَيْسَ الغَرَضُ بِتَصْدِيقِ هارُونَ أنْ يَقُولَ لَهُ: صَدَقْتَ، أوْ يَقُولَ لِلنّاسِ: صَدَقَ مُوسى، وإنَّما هو أنْ يُلَخِّصَ بِلِسانِهِ الفَصِيحِ وُجُوهَ الدَّلائِلِ، ويُجِيبَ عَنِ الشُّبَهاتِ ويُجادِلَ بِهِ الكُفّارَ فَهَذا هو التَّصْدِيقُ المُفِيدُ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ وفائِدَةُ الفَصاحَةِ إنَّما تَظْهَرُ فِيما ذَكَرْناهُ لا في مُجَرَّدِ قَوْلِهِ: صَدَقْتَ.
البَحْثُ الخامِسُ: قالَ الجُبّائِيُّ: إنَّما سَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُرْسَلَ هارُونُ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وإنْ كانَ لا يَدْرِي هَلْ يَصْلُحُ هارُونُ لِلْبَعْثَةِ أمْ لا ؟ فَلَمْ يَكُنْ لِيَسْألَ ما لا يَأْمَنُ أنْ يُجابَ أوْ لا يَكُونُ حِكْمَةً، ويُحْتَمُلُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّهُ سَألَهُ لا مُطْلَقًا بَلْ مَشْرُوطًا عَلى مَعْنى، إنِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ ذَلِكَ كَما يَقُولُهُ الدّاعِي في دُعائِهِ.
البَحْثُ السّادِسُ: قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ نَبِيَّيْنِ وآيَتَيْنِ أقْوى مِن نَبِيٍّ واحِدٍ وآيَةٍ واحِدَةٍ. قالَ القاضِي: والَّذِي قالَهُ مِن جِهَةِ العادَةِ أقْوى، فَأمّا مِن حَيْثُ الدَّلالَةِ فَلا فَرْقَ بَيْنَ مُعْجِزَةٍ ومُعْجِزَتَيْنِ ونَبِيٍّ ونَبِيَّيْنِ؛ لِأنَّ المَبْعُوثَ إلَيْهِ إنْ نَظَرَ في أيِّهِما كانَ عَلِمَ، وإنْ لَمْ يَنْظُرْ فالحالَةُ واحِدَةٌ، هَذا إذا كانَتْ طَرِيقَةُ الدَّلالَةِ في المُعْجِزَتَيْنِ واحِدَةً، فَأمّا إذا اخْتَلَفَتْ وأمْكَنَ في إحْداهُما إزالَةُ الشُّبْهَةِ ما لا يُمْكِنُ في الأُخْرى، فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أنْ يَخْتَلِفا، ويَصْلُحُ عِنْدَ ذَلِكَ أنْ يُقالَ: إنَّهُما بِمَجْمُوعِهِما أقْوى مِن إحْداهُما عَلى ما قالَهُ السُّدِّيُّ. لَكِنَّ ذَلِكَ لا يَتَأتّى في مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ؛ لِأنَّ مُعْجِزَتَهُما كانَتْ واحِدَةً لا مُتَغايِرَةً.
صفحة ٢١٤
أمّا قَوْلُهُ: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ العَضُدَ قَوامُ اليَدِ وبِشِدَّتِها تَشْتَدُّ، يُقالُ في دُعاءِ الخَيْرِ: شَدَّ اللَّهُ عَضُدَكَ، وفي ضِدِّهِ: فَتَّ اللَّهُ في عَضُدِكِ. ومَعْنى سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ: سَنُقَوِّيكَ بِهِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّ اليَدَ تَشْتَدُّ لِشِدَّةِ العَضُدِ، والجُمْلَةُ تَقْوى بِشِدَّةِ اليَدِ عَلى مُزاوَلَةِ الأُمُورِ، وإمّا لِأنَّ الرَّجُلَ شُبِّهَ بِاليَدِ في اشْتِدادِها بِاشْتِدادِ العَضُدِ، فَجُعِلَ كَأنَّهُ يَدٌ مُشْتَدَّةٌ بِعَضُدٍ شَدِيدَةٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ فالمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ تَعالى آمَنُهُ مِمّا كانَ يَحْذَرُ، فَإنْ قِيلَ: بَيَّنَ تَعالى أنَّ السُّلْطانَ هو بِالآياتِ، فَكَيْفَ لا يَصِلُونَ إلَيْهِما لِأجْلِ الآياتِ، أوَ لَيْسَ فِرْعَوْنُ قَدْ وصَلَ إلى صَلْبِ السَّحَرَةِ، وإنْ كانَتْ هَذِهِ الآياتُ ظاهِرَةً، قُلْنا: إنَّ الآيَةَ الَّتِي هي قَلْبُ العَصا حَيَّةً كَما أنَّها مُعْجِزَةٌ، فَهي أيْضًا تَمْنَعُ مِن وُصُولِ ضَرَرِ فِرْعَوْنَ إلى مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ؛ لِأنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّهُ مَتى ألْقاها صارَتْ حَيَّةً عَظِيمَةً وإنْ أرادَ إرْسالَها عَلَيْهِمْ أهْلَكَتْهم زَجَرَهم ذَلِكَ عَنِ الإقْدامِ عَلَيْهِما، فَصارَتْ مانِعَةً مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِما بِالقَتْلِ وغَيْرِهِ، وصارَتْ آيَةً ومُعْجِزَةً، فَجَمَعَتْ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. فَأمّا صَلْبُ السَّحَرَةِ فَفِيهِ خِلافٌ، فَمِنهم مَن قالَ: ما صُلِبُوا، ولَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وإنْ سَلَّمْنا ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ فالمَنصُوصُ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى إيصالِ الضَّرَرِ إلَيْهِما، وإيصالُ الضَّرَرِ إلى غَيْرِهِما لا يَقْدَحُ فِيهِ، ثم قال: ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ والمُرادُ إمّا الغَلَبَةُ بِالحجة والبُرْهانِ في الحالِ، أوِ الغَلَبَةُ في الدَّوْلَةِ والمَمْلَكَةِ في ثانِي الحالِ، والأوَّلُ أقْرَبُ إلى اللَّفْظِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ﴾ فَقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ طه أنَّهُ كَيْفَ أطْلَقَ لَفْظَ الآياتِ وهو جَمْعٌ عَلى العَصا واليَدِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا ما هَذا إلّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في مُفْتَرًى، فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ أنَّهُ إذا كانَ سِحْرًا وفاعِلُهُ يُوهِمُ خِلافَهُ فَهو المُفْتَرى، وقالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّهُ مَنسُوبٌ إلى اللَّهِ تَعالى وهو مِن قِبَلِهِ، فَكَأنَّهم قالُوا: هو كَذِبٌ مِن هَذا الوجه، ثُمَّ ضَمُّوا إلَيْهِ ما يَدُلُّ عَلى جَهْلِهِمْ، وهو قَوْلُهم: ﴿وما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ أيْ ما حُدِّثَنا بِكَوْنِهِ فِيهِمْ، ولا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونُوا كاذِبِينَ في ذَلِكَ وقَدْ سَمِعُوا مِثْلَهُ، أوْ يُرِيدُوا أنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا بِمِثْلِهِ في فَظاعَتِهِ، أوْ ما كانَ الكُهّانُ يُخْبِرُونَ بِظُهُورِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ومَجِيئِهِ بِما جاءَ بِهِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ ساقِطَةٌ؛ لِأنَّ حاصِلَها يَرْجِعُ إلى التَّقْلِيدِ، ولِأنَّ حالَ الأوَّلِينَ لا يَخْلُو مِن وجْهَيْنِ: إمّا أنْ لا يُورِدَ عَلَيْهِمْ بِمِثْلِ هَذِهِ الحجة فَحِينَئِذٍ الفَرْقُ ظاهِرٌ، أوْ أُورِدَ عَلَيْهِمْ فَدَفَعُوهُ، فَحِينَئِذٍ لا يَجُوزُ جَعْلُ جَهْلِهِمْ وخَطَئِهِمْ حُجَّةً، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ عَرَفَ مِنهُمُ العِنادَ: ﴿رَبِّي أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ ومَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ فَإنَّ مَن أظْهَرَ الحجة، ولَمْ يَجِدْ مِنَ الخَصْمِ اعْتِراضًا عَلَيْها، وإنَّما لَمّا وجَدَ مِنهُ العِنادَ صَحَّ أنْ يَقُولَ: رَبِّي أعْلَمُ بِمَن مَعَهُ الهُدى والحجة مِنّا جَمِيعًا، ومَن هو عَلى الباطِلِ، ويَضُمَّ إلَيْهِ طَرِيقَ الوَعِيدِ والتَّخْوِيفِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ مِن ثَوابٍ عَلى تَمَسُّكِهِ بِالحَقِّ أوْ مِن عِقابٍ، وعاقِبَةُ الدّارِ هي العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ [ الرَّعْدِ: ٢٢ - ٢٣] وقَوْلُهُ: ﴿وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٤٢] والمُرادُ بِالدّارِ الدُّنْيا وعاقِبَتُها وعُقْباها أنْ يُخْتَمَ لِلْعَبْدِ بِالرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ وتَلَقِّي المَلائِكَةِ بِالبُشْرى عِنْدَ المَوْتِ، فَإنْ قِيلَ: العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ والمَذْمُومَةُ كِلْتاهُما يَصِحُّ أنْ تُسَمّى عاقِبَةَ الدّارِ؛ لِأنَّ الدُّنْيا قَدْ تَكُونُ خاتِمَتُها بِخَيْرٍ في حَقِّ البَعْضِ وبَشَرٍّ في حَقِّ البَعْضِ الآخَرِ، فَلِمَ
صفحة ٢١٥
اخْتُصَّتْ خاتِمَتُها بِالخَيْرِ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ دُونَ خاتِمَتِها بِالشَّرِّ ؟ قُلْنا: إنَّهُ قَدْ وضَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الدُّنْيا مَجازًا إلى الآخِرَةِ، وأمَرَ عِبادَهُ أنْ لا يَعْمَلُوا فِيها إلّا الخَيْرَ لِيَبْلُغُوا خاتِمَةَ الخَيْرِ وعاقِبَةَ الصِّدْقِ، فَمَن عَمِلِ فِيها خِلافَ ما وضَعَها اللَّهُ لَهُ فَقَدْ حَرَّفَ، فَإذَنْ عاقِبَتُها الأصْلِيَّةُ هي عاقِبَةُ الخَيْرِ، وأمّا عاقِبَةُ السُّوءِ فَلا اعْتِدادَ بِها؛ لِأنَّها مِن نَتائِجِ تَحْرِيفِ الفُجّارِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ والمُرادُ أنَّهم لا يَظْفَرُونَ بِالفَوْزِ والنَّجاةِ والمَنافِعِ بَلْ يَحْصُلُونَ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، وهَذا نِهايَةٌ في زَجْرِهِمْ عَنِ العِنادِ الَّذِي ظَهَرَ مِنهم.
28:38Page 390
وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٣٨
And Pharaoh said, "O eminent ones, I have not known you to have a god other than me. Then ignite for me, O Hāmān, [a fire] upon the clay1 and make for me a tower that I may look at the God of Moses. And indeed, I do think he is among the liars."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ياأيُّها المَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي فَأوْقِدْ لِي ياهامانُ عَلى الطِّينِ فاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَتْ عادَتُهُ مَتى ظَهَرَتْ حُجَّةُ مُوسى أنْ يَتَعَلَّقَ في دَفْعِ تِلْكَ الحجة بِشُبْهَةٍ يُرَوِّجُها عَلى أغْمارِ قَوْمِهُ، وذَكَرَ هَهُنا شُبْهَتَيْنِ:
الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ وهَذا في الحَقِيقَةِ يَشْتَمِلُ عَلى كَلامَيْنِ:
أحَدُهُما: نَفْيُ إلَهٍ غَيْرِهِ.
والثّانِي: إثْباتُ إلَهِيَّةِ نَفْسِهِ.
فَأمّا الأوَّلُ فَقَدْ كانَ اعْتِمادُهُ عَلى أنَّ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ إثْباتُهُ، أمّا أنَّهُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَلِأنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ والأفْلاكَ كافِيَةٌ في اخْتِلافِ أحْوالِ هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ، فَلا حاجَةَ إلى إثْباتِ صانِعٍ، وأمّا أنَّ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ إثْباتُهُ، فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ.
واعْلَمْ أنَّ المُقَدِّمَةَ الأُولى كاذِبَةٌ، فَإنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ؛ وذَلِكَ لِأنّا إذا عَرَفْنا بِالدَّلِيلِ حُدُوثَ الأجْسامِ عَرَفْنا حُدُوثَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ، وعَرَفْنا بِالضَّرُورَةِ أنَّ المُحْدَثَ لا بُدَّ لَهُ مِن مُحْدِثٍ فَحِينَئِذٍ
صفحة ٢١٦
نَعْرِفُ بِالدَّلِيلِ أنَّ هَذا العالَمَ لَهُ صانِعٌ، والعَجَبُ أنَّ جَماعَةً اعْتَمَدُوا في نَفْيِ كَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ عَلى أنْ قالُوا: لا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَوَجَبَ نَفْيُهُ، قالُوا: وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ لا دَلِيلَ لِأنّا بَحَثْنا وسَبَرْنا فَلَمْ نَجِدْ عَلَيْهِ دَلِيلًا، فَرَجَعَ حاصِلُ كَلامِهِمْ بَعْدَ التَّحْقِيقِ إلى أنَّ كُلَّ ما لا يُعَرَفُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وجَبَ نَفْيُهُ، وإنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَقْطَعْ بِالنَّفْيِ، بَلْ قالَ: لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَلا أُثْبِتُهُ بَلْ أظُنُّهُ كاذِبًا في دَعْواهُ، فَفِرْعَوْنُ عَلى نِهايَةِ جَهْلِهِ أحْسَنُ حالًا مِن هَذا المُسْتَدِلِّ.
أمّا الثّانِي: وهو إثْباتُهُ إلَهِيَّةَ نَفْسِهِ، فاعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ كانَ يَدَّعِي كَوْنَهُ خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ والبِحارِ والجِبالِ وخالِقًا لِذَواتِ النّاسَ وصِفاتِهِمْ، فَإنَّ العِلْمَ بِامْتِناعِ ذَلِكَ مِن أوائِلِ العُقُولِ، فالشَّكُّ فِيهِ يَقْتَضِي زَوالَ العَقْلِ، بَلِ الإلَهُ هو المَعْبُودُ فالرَّجُلُ كانَ يَنْفِي الصّانِعَ، ويَقُولُ: لا تَكْلِيفَ عَلى النّاسِ إلّا أنْ يُطِيعُوا مَلِكَهم ويَنْقادُوا لِأمْرِهِ، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ ادِّعائِهِ الإلَهِيَّةَ لا ما ظَنَّهُ الجُمْهُورُ مِنَ ادِّعائِهِ كَوْنَهُ خالِقًا لِلسَّماءِ والأرْضِ، لا سِيَّما وقَدْ دَلَّلْنا في سُورَةِ طه في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ [طه: ٤٩] عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ كانَ يَقُولُ ذَلِكَ تَرْوِيجًا عَلى الأغْمارِ مِنَ النّاسِ.
الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأوْقِدْ لِي ياهامانُ عَلى الطِّينِ فاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ وهَهُنا أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: تَعَلَّقَتِ المُشَبِّهَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ اللَّهَ تَعالى في السَّماءِ، قالُوا: لَوْلا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دَعاهُ إلى ذَلِكَ لَما قالَ فِرْعَوْنُ هَذا القَوْلَ. والجَوابُ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دَلَّ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ولَمْ يَقُلْ هو الَّذِي في السَّماءِ دُونَ الأرْضِ، فَأُوهِمَ فِرْعَوْنُ أنَّهُ يَقُولُ: إنَّ إلَهَهُ في السَّماءِ، وذَلِكَ أيْضًا مِن خُبْثِ فِرْعَوْنَ ومَكْرِهِ ودَهائِهِ.
الثّانِي: اخْتَلَفُوا في أنَّ فِرْعَوْنَ هَلْ بَنى هَذا الصَّرْحَ ؟ فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ بَناهُ، قالُوا: إنَّهُ لَمّا أمَرَ بِبِناءِ الصَّرْحِ، جَمَعَ هامانُ العُمّالَ حَتّى اجْتَمَعَ خَمْسُونَ ألْفَ بَنّاءٍ سِوى الأتْباعِ والأُجَراءِ، وأمَرَ بِطَبْخِ الآجُرِّ والجِصِّ ونَجْرِ الخَشَبِ وضَرْبِ المَسامِيرِ، فَشَيَّدُوهُ حَتّى بَلَغَ ما لَمْ يَبْلُغْهُ بُنْيانُ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَضَرَبَهُ بِجَناحِهِ فَقَطَعَهُ ثَلاثَ قِطَعٍ؛ قِطْعَةٌ وقَعَتْ عَلى عَسْكَرِ فِرْعَوْنَ، فَقَتَلَتْ ألْفَ ألْفَ رَجُلٍ، وقِطْعَةٌ وقَعَتْ في البَحْرِ، وقِطْعَةٌ في المَغْرِبِ، ولَمْ يَبْقَ أحَدٌ مِن عُمّالِهِ إلّا وقَدْ هَلَكَ، ويُرْوى في هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ فِرْعَوْنَ ارْتَقى فَوْقَهُ ورَمى بِنُشّابَةٍ نَحْوَ السَّماءِ، فَأرادَ اللَّهُ أنْ يَفْتِنَهم، فَرُدَّتْ إلَيْهِمْ وهي مَلْطُوخَةٌ بِالدَّمِ، فَقالَ: قَدْ قَتَلْتُ إلَهَ مُوسى، فَعِنْدَ ذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِهَدْمِهِ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ لَمْ يَبْنِ ذَلِكَ الصَّرْحَ؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ مِنَ العُقَلاءِ أنْ يَظُنُّوا أنَّهم بِصُعُودِ الصَّرْحِ يَقْرَبُونَ مِنَ السَّماءِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ مَن عَلى أعْلى الجِبالِ الشّاهِقَةِ يَرى السَّماءَ كَما كانَ يَراها حِينَ كانَ عَلى قَرارِ الأرْضِ، ومَن شَكَّ في ذَلِكَ خَرَجَ عَنْ حَدِّ العَقْلِ، وهَكَذا القَوْلُ فِيما يُقالُ: مِن رَمْيِ السَّهْمِ إلى السَّماءِ ورُجُوعِهِ مُتَلَطِّخًا بِالدَّمِ، فَإنَّ كُلَّ مَن كانَ كامِلَ العَقْلِ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ إيصالَ السَّهْمِ إلى السَّماءِ، وأنَّ مَن حاوَلَ ذَلِكَ كانَ مِنَ المَجانِينِ، فَلا يَلِيقُ بِالعَقْلِ والدِّينِ حَمْلُ القِصَّةِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ عَلى مَحْمَلٍ يُعَرَفُ فَسادُهُ بِضَرُورَةِ العَقْلِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ مَشْرَعًا قَوِيًّا لِمَن أحَبَّ الطَّعْنَ في القُرْآنِ، فالأقْرَبُ أنَّهُ كانَ أُوهِمَ البِناءَ ولَمْ يَبِنِ، أوْ كانَ هَذا مِن تَتِمَّةِ قَوْلِهِ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ يَعْنِي لا سَبِيلَ إلى إثْباتِهِ بِالدَّلِيلِ، فَإنَّ حَرَكاتِ الكَواكِبِ كافِيَةٌ في تَغَيُّرِ هَذا العالَمِ، ولا سَبِيلَ إلى إثْباتِهِ بِالحِسِّ، فَإنَّ الإحْساسَ بِهِ لا يُمْكِنُ إلّا بَعْدَ صُعُودِ السَّماءِ، وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ، ثم قال عِنْدَ ذَلِكَ لِهامانَ: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ [غافر: ٣٦] وإنَّما قالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، فَبِمَجْمُوعِ هَذِهِ الأشْياءِ قَرَّرَ أنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى الصّانِعِ، ثُمَّ إنَّهُ رَتَّبَ النَّتِيجَةَ عَلَيْهِ، فَقالَ:
صفحة ٢١٧
﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فَهَذا التَّأْوِيلُ أوْلى مِمّا عَداهُ.
الثّالِثُ: إنَّما قالَ: ﴿فَأوْقِدْ لِي ياهامانُ عَلى الطِّينِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: اطْبُخْ لِي الآجُرَّ واتَّخِذْهُ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن عَمِلَ الآجُرَّ فَهو يُعَلِّمُهُ الصَّنْعَةَ؛ ولِأنَّ هَذِهِ العِبارَةَ ألْيَقُ بِفَصاحَةِ القُرْآنِ وأشْبَهُ بِكَلامِ الجَبابِرَةِ، وأمَرَ هامانَ، وهو وزِيرُهُ بِالإيقادِ عَلى الطِّينِ، فَنادى بِاسْمِهِ بـِ (يا) في وسَطِ الكَلامِ دَلِيلٌ عَلى التَّعَظُّمِ والتَّجَبُّرِ، والطُّلُوعُ والِاطِّلاعُ الصُّعُودُ، يُقالُ: طَلَعَ الجَبَلَ واطَّلَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الِاسْتِكْبارَ بِالحَقِّ إنَّما هو لِلَّهِ تَعالى، وهو المُتَكَبِّرُ في الحَقِيقَةِ أيِ المُبالِغُ في كِبْرِياءِ الشَّأْنِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما حَكى عَنْ رَبِّهِ: ”«الكِبْرِياءُ رِدائِي والعَظْمَةُ إزارِي، فَمَن نازَعَنِي واحِدًا مِنهُما ألْقَيْتُهُ في النّارِ» “ وكُلُّ مُسْتَكْبِرٍ سِواهُ، فاسْتِكْبارُهُ بِغَيْرِ الحَقِّ.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى ما أعْطاهُ المُلْكَ وإلّا لَكانَ ذَلِكَ بِحَقٍّ، وهَكَذا كُلُّ مُتَغَلِّبٍ، لا كَما ادَّعى مُلُوكُ بَنِي أُمَيَّةَ عِنْدَ تَغَلُّبِهِمْ أنَّ مُلْكَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ بَيَّنَ في كُلِّ غاصِبٍ لِحُكْمِ اللَّهِ أنَّهُ أخَذَ ذَلِكَ بِغَيْرِ حَقٍّ، واعْلَمْ أنَّ هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ وُصُولَ ذَلِكَ المُلْكِ إلَيْهِ، إمّا أنْ يَكُونَ مِنهُ أوْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ لا مِنهُ ولا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَإنْ كانَ مِنهُ، فَلِمَ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَرُبَّما كانَ العاجِزُ أقْوى وأعْقَلَ بِكَثِيرٍ مِنَ المُتَوَلِّي لِلْأمْرِ ؟ وإنْ كانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ صَحَّ الغَرَضُ، وإنْ كانَ مِن سائِرِ النّاسِ، فَلِمَ اجْتَمَعَتْ دَواعِي النّاسِ عَلى نُصْرَةِ أحَدِهِما وخِذْلانِ الآخَرِ ؟ واعْلَمْ أنَّ هَذا أظْهَرُ مِن أنْ يَرْتابَ فِيهِ العاقِلُ.
28:39–43Page 390
وَٱسۡتَكۡبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ إِلَيۡنَا لَا يُرۡجَعُونَ ٣٩
And he was arrogant, he and his soldiers, in the land, without right, and they thought that they would not be returned to Us.
فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٠
So We took him and his soldiers and threw them into the sea.1 So see how was the end of the wrongdoers.
وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ ٤١
And We made them leaders1 inviting to the Fire, and on the Day of Resurrection they will not be helped.
وَأَتۡبَعۡنَٰهُمۡ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلۡمَقۡبُوحِينَ ٤٢
And We caused to overtake them in this world a curse, and on the Day of Resurrection they will be of the despised.1
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٤٣
And We gave Moses the Scripture, after We had destroyed the former generations, as enlightenment for the people and guidance and mercy that they might be reminded.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا عارِفِينَ بِاللَّهِ تَعالى إلّا أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ تَمَرَّدُوا وطَغَوْا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ فَهو مِنَ الكَلامِ المُفْحِمِ الَّذِي دَلَّ بِهِ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ وكِبْرِياءِ سُلْطانِهِ، شَبَّهَهُمُ اسْتِحْقارًا لَهم واسْتِقْلالًا لِعَدَدِهِمْ، وإنْ كانُوا الكَبِيرَ الكَثِيرَ والجَمَّ الغَفِيرَ بِحَصَياتٍ أخَذَهُنَّ آخِذٌ في كَفِّهِ، فَطَرَحَهُنَّ في البَحْرِ ونَحْوُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولَيْسَ الغَرَضُ مِنهُ إلّا تَصْوِيرُ أنَّ كُلَّ مَقْدُورٍ وإنْ عَظُمَ فَهو حَقِيرٌ بِالقِياسِ إلى قُدْرَتِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ فَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ الأصْحابُ في كَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناهُمْ﴾ أيْ بَيَّنا ذَلِكَ مِن حالِهِمْ وسَمَّيْناهم بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] وتَقُولُ أهْلُ اللُّغَةِ في تَفْسِيرِ فِسْقِهِ وبُخْلِهِ جَعَلَهُ فاسِقًا وبَخِيلًا، لا أنَّهُ خَلَقَهم أئِمَّةً؛ لِأنَّهم حالَ خَلْقِهِ لَهم كانُوا أطْفالًا، وقالَ الكَعْبِيُّ: إنَّما قالَ: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً﴾ مِن حَيْثُ خَلّى بَيْنَهم وبَيْنَ ما فَعَلُوهُ ولَمْ يُعاجِلْ بِالعُقُوبَةِ، ومِن حَيْثُ كَفَرُوا ولَمْ يَمْنَعْهم بِالقَسْرِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا﴾ [التوبة: ١٢٥] لَمّا زادُوا عِنْدَها، ونَظِيرُ ذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ يَسْألُ ما يَثْقُلُ عَلَيْهِ، وإنْ أمْكَنَهُ فَإذا
صفحة ٢١٨
بَخِلَ بِهِ، قِيلَ لِلسّائِلِ: جَعَلْتَ فُلانًا بَخِيلًا أيْ قَدْ بَخَّلْتُهُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْنى الإمامَةِ التَّقَدُّمِ، فَلَمّا عَجَّلَ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ العَذابَ صارُوا مُتَقَدِّمِينَ لِمَن وراءَهم مِنَ الكافِرِينَ. واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ مَرْيَمَ في قَوْلِهِ: ﴿أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ﴾ [مريم: ٨٣] ومَعْنى دَعَوْتِهِمْ إلى النّارِ دَعْوَتُهم إلى مُوجِباتِها مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، فَإنَّ أحَدًا لا يَدْعُو إلى النّارِ البَتَّةَ، وإنَّما جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أئِمَّةً في هَذا البابِ؛ لِأنَّهم بَلَغُوا في هَذا البابِ أقْصى النِّهاياتِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ اسْتَحَقَّ أنْ يَكُونَ إمامًا يُقْتَدى بِهِ في ذَلِكَ البابِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ العِقابَ سَيَنْزِلُ بِهِمْ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ التَّخَلُّصُ مِنهُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ أوْ يَكُونُ مَعْناهُ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ كَما يَنْصُرُ الأئِمَّةَ الدُّعاةَ إلى الجَنَّةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ مَعْناهُ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ لَهم وأمْرُهُ تَعالى بِذَلِكَ فِيها لِلْمُؤْمِنِينَ، وبَيَّنَ أنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المَقْبُوحِينَ أيِ المُبْعَدِينَ المَلْعُونِينَ، والقُبْحُ هو الإبْعادُ، قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: قَبَّحَهُ اللَّهُ، أيْ نَحّاهُ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مِنَ المَشْئُومِينَ بِسَوادِ الوجه وزُرْقَةِ العَيْنِ، وعَلى الجُمْلَةِ فالأوَّلُونَ حَمَلُوا القُبْحَ عَلى القُبْحِ الرُّوحانِيِّ، وهو الطَّرْدُ والإبْعادُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، والباقُونَ حَمَلُوهُ عَلى القُبْحِ في الصُّوَرِ.
وقِيلَ فِيهِ: إنَّهُ تَعالى يُقَبِّحُ صُوَرَهم ويُقَبِّحُ عَلَيْهِمْ عَمَلَهم ويَجْمَعُ بَيْنَ الفَضِيحَتَيْنِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي يَجِبُ التَّمَسُّكُ بِهِ ما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ والكِتابُ هو التَّوْراةُ، ووَصَفَهُ تَعالى بِأنَّهُ بَصائِرُ لِلنّاسِ، مِن حَيْثُ يُسْتَبْصَرُ بِهِ في بابِ الدِّينِ، وهُدًى مِن حَيْثُ يُسْتَدَلُّ بِهِ، ومِن حَيْثُ إنَّ المُتَمَسِّكَ بِهِ يَفُوزُ بِطَلِبَتِهِ مِنَ الثَّوابِ، ووَصَفَهُ بِأنَّهُ رَحْمَةٌ؛ لِأنَّهُ مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلى مَن تَعَبَّدَ بِهِ. ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«ما أهْلَكَ اللَّهُ تَعالى قَرْنًا مِنَ القُرُونِ بِعَذابٍ مِنَ السَّماءِ ولا مِنَ الأرْضِ مُنْذُ أنْزَلَ التَّوْراةَ، غَيْرَ أهْلِ القَرْيَةِ الَّتِي مَسَخَها قِرَدَةً» “ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ فالمُرادُ: لِكَيْ يَتَذَكَّرُوا، قالَ القاضِي: وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى إرادَةِ التَّذَكُّرِ مِن كُلِّ مُكَلَّفٍ سَواءٌ اخْتارَ ذَلِكَ أوْ لَمْ يَخْتَرْهُ، فَفِيهِ إبْطالُ مَذْهَبِ المُجْبِرَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ ما أرادَ التَّذَكُّرَ إلّا مِمَّنْ يَتَذَكَّرُ، فَأمّا مَن لا يَتَذَكَّرُ فَقَدْ كَرِهَ ذَلِكَ مِنهُ، ونَصُّ القُرْآنِ دافِعٌ لِهَذا القَوْلِ، قُلْنا: ألَيْسَ أنَّكم حَمَلْتُمْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] عَلى العاقِبَةِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ هَهُنا عَلى العاقِبَةِ ؟ فَإنَّ عاقِبَةَ الكُلِّ حُصُولُ هَذا التَّذَكُّرِ لَهُ وذَلِكَ في الآخِرَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences