Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-'Ankabut 29:24–27
29:24Page 399
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱقۡتُلُوهُ أَوۡ حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٢٤
And the answer of his [i.e., Abraham's] people was not but that they said, "Kill him or burn him," but Allāh saved him from the fire. Indeed in that are signs for a people who believe.
ثُمَّ قالَ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
صفحة ٤٦
لَمّا أتى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَيانِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ، وأقامَ البُرْهانَ عَلَيْهِ، بَقِيَ الأمْرُ مِن جانِبِهِمْ إمّا الإجابَةُ أوِ الإتْيانُ بِما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابَهُ فَلَمْ يَأْتُوا إلّا بِقَوْلِهِمُ ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: كَيْفَ سَمّى قَوْلَهُمُ ﴿اقْتُلُوهُ﴾ جَوابًا مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِجَوابٍ ؟ فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ خَرَجَ مِنهم مَخْرَجَ كَلامِ المُتَكَبِّرِ كَما يَقُولُ المَلِكُ لِرَسُولِ خَصْمِهِ: جَوابُكُمُ السَّيْفُ، مَعَ أنَّ السَّيْفَ لَيْسَ بِجَوابٍ، وإنَّما مَعْناهُ لا أُقابِلُهُ بِالجَوابِ، وإنَّما أُقابِلُهُ بِالسَّيْفِ فَكَذَلِكَ قالُوا لا تُجِيبُوا عَنْ بَراهِينِهِ واقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ.
الثّانِي: هو أنَّ اللَّهَ أرادَ بَيانَ ضَلالَتِهِمْ وهو أنَّهم ذُكِرُوا في مَعْرِضِ الجَوابِ هَذا مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِجَوابٍ، فَتَبَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم جَوابٌ أصْلًا، وذَلِكَ لِأنَّ مَن لا يُجِيبُ غَيْرَهُ ويَسْكُتُ، لا يُعْلَمُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى الجَوابِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ سُكُوتُهُ لِعَدَمِ الِالتِفاتِ، أمّا إذا أجابَ بِجَوابٍ فاسِدٍ، عُلِمَ أنَّهُ قَصَدَ الجَوابَ وما قَدَرَ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القائِلُونَ الَّذِينَ قالُوا: اقْتُلُوهُ هم قَوْمُهُ والمَأْمُورُونَ بِقَوْلِهِمُ اقْتُلُوهُ أيْضًا هم، فَيَكُونُ الآمِرُ نَفْسَ المَأْمُورِ ؟ فَنَقُولُ الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم قالَ لِمَن عَداهُ: اقْتُلُوهُ، فَحَصَلَ الأمْرُ مِن كُلِّ واحِدٍ وصارَ المَأْمُورُ كُلَّ واحِدٍ ولا اتِّحادَ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ أمَرَ غَيْرَهُ.
وثانِيهِما: هو أنَّ الجَوابَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الأكابِرِ والرُّؤَساءِ، فَإذا قالَ أعْيانُ بَلَدٍ كَلامًا يُقالُ: اتَّفَقَ أهْلُ البَلْدَةِ عَلى هَذا ولا يُلْتَفَتُ إلى عَدَمِ قَوْلِ العَبِيدِ والأراذِلِ، فَكانَ جَوابَ قَوْمِهِ وهُمُ الرُّؤَساءُ أنْ قالُوا لِأتْباعِهِمْ وأعْوانِهِمُ: اقْتُلُوهُ، لِأنَّ الجَوابَ لا يُباشِرُهُ إلّا الأكابِرُ، والقَتْلَ لا يُباشِرُهُ إلّا الأتْباعُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أوْ يُذْكَرُ بَيْنَ أمْرَيْنِ الثّانِي مِنهُما يَنْفَكُّ عَنِ الأوَّلِ كَما يُقالُ: زَوْجٌ أوْ فَرْدٌ، ويُقالُ: هَذا إنْسانٌ أوْ حَيَوانٌ، يَعْنِي إنْ لَمْ يَكُنْ إنْسانًا فَهو حَيَوانٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: هَذا حَيَوانٌ أوْ إنْسانٌ، إذْ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ يَقُولُ هو حَيَوانٌ فَإنْ لَمْ يَكُنْ حَيَوانًا فَهو إنْسانٌ وهو مُحالٌ، لَكِنَّ التَّحْرِيقَ مُشْتَمِلٌ عَلى القَتْلِ فَقَوْلُهُ اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ كَقَوْلِ القائِلِ: حَيَوانٌ أوْ إنْسانٌ، الجَوابُ عَنْهُ: مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الِاسْتِعْمالَ عَلى خِلافِ ما ذُكِرَ شائِعٌ ويَكُونُ (أوْ) مُسْتَعْمَلًا في مَوْضِعِ بَلْ، كَما يَقُولُ القائِلُ: أعْطَيْتُهُ دِينارًا أوْ دِينارَيْنِ، وكَما يَقُولُ القائِلُ: أعْطِهِ دِينارًا بَلْ دِينارَيْنِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ ( المُزَّمِّلِ:٢ - ٣ - ٤) فَكَذَلِكَ هَهُنا اقْتُلُوهُ أوْ زِيدُوا عَلى القَتْلِ وحَرِّقُوهُ.
الجَوابُ الثّانِي: هو أنّا نُسَلِّمُ ما ذَكَرْتُمْ والأمْرُ هُنا كَذَلِكَ، لِأنَّ التَّحْرِيقَ فِعْلٌ مُفْضٍ إلى القَتْلِ وقَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ القَتْلُ فَإنَّ مَن ألْقى غَيْرَهُ في النّارِ حَتّى احْتَرَقَ جِلْدُهُ بِأسْرِهِ وأُخْرِجَ مِنها حَيًّا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: احْتَرَقَ فُلانٌ وأحْرَقَهُ فُلانٌ وما ماتَ، فَكَذَلِكَ هَهُنا قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ لا تُعَجِّلُوا قَتْلَهُ وعَذِّبُوهُ بِالنّارِ، وإنْ تَرَكَ مَقالَتَهُ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ وإنْ أصَرَّ فَخَلُّوا في النّارِ مَقِيلَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ اخْتَلَفَ العُقَلاءُ في كَيْفِيَّةِ الإنْجاءِ، بَعْضُهم قالَ: بَرَّدَ النّارَ وهو الأصَحُّ المُوافِقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا﴾ (الأنْبِياءِ: ٦٩ ) وبَعْضُهم قالَ: خَلَقَ في إبْراهِيمَ كَيْفِيَّةً اسْتَبْرَدَ مَعَها النّارَ، وقالَ بَعْضُهم: تَرَكَ إبْراهِيمَ عَلى ما هو عَلَيْهِ والنّارَ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ ومَنَعَ أذى النّارِ عَنْهُ، والكُلُّ مُمْكِنٌ واللَّهُ قادِرٌ عَلَيْهِ، وأنْكَرَ بَعْضُ الأطِبّاءِ الكُلَّ، أمّا سَلْبُ الحَرارَةِ عَنِ النّارِ، قالُوا: الحَرارَةُ في النّارِ ذاتِيَّةٌ كالزَّوْجِيَّةِ في الأرْبَعَةِ لا يُمْكِنُ أنْ تُفارِقَها، وأمّا خَلْقُ كَيْفِيَّةٍ تَسْتَبْرِدُ النّارَ فَلِأنَّ المِزاجَ الإنْسانِيَّ لَهُ طَرَفا تَفْرِيطٍ وإفْراطٍ، فَلَوْ خَرَجَ عَنْهُما لا يَبْقى إنْسانًا أوْ لا يَعِيشُ. مَثَلًا المِزاجُ إنْ كانَ البارِدُ فِيهِ عَشَرَةَ أجْزاءٍ يَكُونُ إنْسانًا
صفحة ٤٧
فَإنْ صارَ أحَدَ عَشَرَ لا يَكُونُ إنْسانًا وإنْ صارَتِ الأجْزاءُ البارِدَةُ خَمْسَةً يَبْقى إنْسانًا، فَإذا صارَتْ أرْبَعَةً لا يَبْقى إنْسانًا لَكِنَّ البُرُودَةَ الَّتِي يَسْتَبْرِدُ مَعَها النّارَ مِزاجُ السَّمَندَلِ، فَلَوْ حَصَلَ في الإنْسانِ لَماتَ أوْ لَكانَ ذَلِكَ فَإنَّ النَّفْسَ تابِعَةٌ لِلْمِزاجِ، وأمّا الثّالِثُ فَمُحالٌ أنْ تَكُونَ القُطْنَةُ في النّارِ والنّارُ كَما هي، والقُطْنَةُ كَما هي ولا تَحْتَرِقُ، فَنَقُولُ: الآيَةُ رَدٌّ عَلَيْهِمْ والعَقْلُ مُوافِقٌ لِلنَّقْلِ، أمّا الأوَّلُ فَلِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الحَرارَةَ في النّارِ تَقْبَلُ الِاشْتِدادَ والضَّعْفَ، فَإنَّ النّارَ في الفَحْمِ إذا نُفِخَ فِيهِ يَشْتَدُّ حَتّى يُذِيبَ الحَدِيدَ وإنْ لَمْ يُنْفَخْ لا يَشْتَدُّ لَكِنَّ الضَّعْفَ هو عُدْمُ بَعْضٍ مِنَ الحَرارَةِ الَّتِي كانَتْ في النّارِ، فَإذا أمْكَنَ عُدْمُ البَعْضِ جازَ عُدْمُ بَعْضٍ آخَرَ مِن ذَلِكَ عَلَيْها إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى حَدٍّ لا يُؤْذِي الإنْسانَ، ولا كَذَلِكَ الزَّوْجِيَّةٌ فَإنَّها لا تَشْتَدُّ ولا تَضْعُفُ.
والثّانِي: وهو أنَّ في أُصُولِ الطِّبِّ ذُكِرَ أنَّ النّارَ لَها كَيْفِيَّةٌ حارَةٌ كَما أنَّ الماءَ لَهُ كَيْفِيَّةٌ بارِدَةٌ لَكِنْ رَأيْنا أنَّ الماءَ تَزُولُ عَنْهُ البُرُودَةُ وهو ماءٌ فَكَذَلِكَ النّارُ تَزُولُ عَنْها الحَرارَةُ وتَبْقى نارًا وهو نُورٌ غَيْرُ مُحْرِقٍ، وأمّا الثّانِي فَأيْضًا مُمْكِنٌ، وقَوْلُهم مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: مَنعُ أصْلِهِمْ مِن كَوْنِ النَّفْسِ تابِعَةً لِلْمِزاجِ بَلِ اللَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ في المِزاجِ الَّذِي مِثْلَ مِزاجِ الجَمَدِ.
وثانِيهِما: أنْ نَقُولَ عَلى أصْلِكم لا يَلْزَمُ المُحالُ لِأنَّ الكَيْفِيَّةَ الَّتِي ذَكَرْناها تَكُونُ في ظاهِرٍ كالأجْزاءِ الرَّشِّيَّةِ عَلَيْهِ ولا يَتَأدّى إلى القَلْبِ والأعْضاءِ الرَّئِيسَةِ، ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ إذا مَسَّ الجَمَدَ زَمانًا ثُمَّ مَسَّ جَمْرَةَ نارٍ لا تُؤَثِّرُ النّارُ في إحْراقِ يَدِهِ مِثْلَ ما تُؤَثِّرُ في إحْراقِ يَدِ مَن أخْرَجَ يَدَهُ مِن جَيْبِهِ، ولِهَذا تَحْتَرِقُ يَدُهُ قَبْلَ يَدِ هَذا.
فَإذا جازَ وُجُودُ كَيْفِيَّةٍ في ظاهِرِ جِلْدِ الإنْسانِ تَمْنَعُ تَأْثِيرَ النّارِ فِيهِ بِالإحْراقِ زَمانًا فَيَجُوزُ أنْ تَتَجَدَّدَ تِلْكَ الكَيْفِيَّةُ لَحْظَةً فَلَحْظَةً حَتّى لا تَحْتَرِقَ.
وأمّا الثّالِثُ: فَمُجَرَّدُ اسْتِبْعادِ بَيانِ عَدَمِ الِاعْتِيادِ ونَحْنُ نُسَلِّمُ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُعْتادٍ لِأنَّهُ مُعْجِزٌ والمُعْجِزُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ خارِقًا لِلْعادَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي في إنْجائِهِ مِنَ النّارِ لَآياتٍ، وهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ في إنْجاءِ نُوحٍ وأصْحابِ السَّفِينَةِ ﴿وجَعَلْناها آيَةً﴾ وقالَ هَهُنا ﴿لَآياتٍ﴾ بِالجَمْعِ لِأنَّ الإنْجاءَ بِالسَّفِينَةِ شَيْءٌ تَتَّسِعُ لَهُ العُقُولُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنَ الآيَةِ إلّا بِسَبَبِ إعْلامِ اللَّهِ إيّاهُ بِالِاتِّخاذِ وقْتَ الحاجَةِ، فَإنَّهُ لَوْلاهُ لَما اتَّخَذَهُ لِعَدَمِ حُصُولِ عِلْمِهِ بِما في الغَيْبِ، وبِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ صانَ السَّفِينَةَ عَنِ المُهْلِكاتِ كالرِّياحِ العاصِفَةِ، وأمّا الإنْجاءُ مِنَ النّارِ فَعَجِيبٌ فَقالَ فِيهِ آياتٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هُناكَ ﴿آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ وقالَ هَهُنا ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خَصَّ الآياتِ بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّ السَّفِينَةَ بَقِيَتْ أعْوامًا حَتّى مَرَّ عَلَيْها النّاسُ ورَأوْها فَحَصَلَ العِلْمُ بِها لِكُلِّ أحَدٍ، وأمّا تَبْرِيدُ النّارِ فَإنَّهُ لَمْ يَبْقَ فَلَمْ يَظْهَرْ لِمَن بَعْدَهُ إلّا بِطَرِيقِ الإيمانِ بِهِ والتَّصْدِيقِ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ اللَّهَ لَمّا بَرَّدَ النّارَ عَلى إبْراهِيمَ بِسَبَبِ اهْتِدائِهِ في نَفْسِهِ وهِدايَتِهِ لِأبْناءِ جِنْسِهِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم أُسْوَةً حَسَنَةً في إبْراهِيمَ، فَحَصَلَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِشارَةٌ بِأنَّ اللَّهَ يُبَرِّدُ عَلَيْهِمُ النّارَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَقالَ إنَّ في ذَلِكَ التَّبْرِيدِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هُناكَ ﴿وجَعَلْناها﴾ وقالَ هَهُنا (جَعَلْناهُ) لِأنَّ السَّفِينَةَ ما صارَتْ آيَةً في نَفْسِها ولَوْلا خَلْقُ اللَّهِ الطُّوفانَ لَبَقِيَ فِعْلُ نُوحٍ سَفَهًا، فاللَّهُ تَعالى جَعَلَ السَّفِينَةَ بَعْدَ وُجُودِها آيَةً، وأمّا تَبْرِيدُ النّارِ فَهو في نَفْسِهِ آيَةٌ إذا وُجِدَتْ لا تَحْتاجُ إلى أمْرٍ آخَرَ كَخَلْقِ الطُّوفانِ حَتّى يَصِيرَ آيَةً.
29:25Page 399
وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا مَّوَدَّةَ بَيۡنِكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضٖ وَيَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٥
And [Abraham] said, "You have only taken, other than Allāh, idols as [a bond of] affection among you in worldly life. Then on the Day of Resurrection you will deny one another and curse one another, and your refuge will be the Fire, and you will not have any helpers."
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾
لَمّا خَرَجَ إبْراهِيمُ مِنَ النّارِ عادَ إلى عَذْلِ الكُفّارِ وبَيانِ فَسادِ ما هم عَلَيْهِ، وقالَ: إذا بَيَّنْتُ لَكم فَسادَ مَذْهَبِكم وما كانَ لَكم جَوابٌ ولا تَرْجِعُونَ عَنْهُ، فَلَيْسَ هَذا إلّا تَقْلِيدًا، فَإنَّ بَيْنَ بَعْضِكم وبَعْضٍ مَوَدَّةً فَلا يُرِيدُ أحَدُكم أنْ يُفارِقَهُ صاحِبُهُ في السِّيرَةِ والطَّرِيقَةِ، أوْ بَيْنَكم وبَيْنَ آبائِكم مَوَدَّةٌ فَوَرِثْتُمُوهم وأخَذْتُمْ مَقالَتَهم ولَزِمْتُمْ ضَلالَتَهم وجَهالَتَهم فَقَوْلُهُ: (إنَّما اتَّخَذْتُمْ. . . . . . . . مَوَدَّةَ بَيْنِكم ) يَعْنِي لَيْسَ بِدَلِيلٍ أصْلًا وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو تَحْقِيقٌ دَقِيقٌ، وهو أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ: (إنَّما اتَّخَذْتُمْ. . . . . . مَوَدَّةَ بَيْنِكم) أيْ مَوَدَّةً بَيْنَ الأوْثانِ وبَيْنَ عَبَدَتِها، وتِلْكَ المَوَدَّةُ هي أنَّ الإنْسانَ مُشْتَمِلٌ عَلى جِسْمٍ وعَقْلٍ، ولِجِسْمِهِ لَذّاتٌ جُسْمانِيَّةٌ ولِعَقْلِهِ لَذّاتٌ عَقْلِيَّةٌ، ثُمَّ إنَّ مَن غَلَبَتْ فِيهِ الجِسْمِيَّةُ لا يَلْتَفِتُ إلى اللَّذّاتِ العَقْلِيَّةِ، ومَن غَلَبَتْ عَلَيْهِ العَقْلِيَّةُ لا يَلْتَفِتُ إلى اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، كالمَجْنُونِ إذا احْتاجَ إلى قَضاءِ حاجَةٍ مِن أكْلٍ أوْ شُرْبٍ أوْ إراقَةِ ماءٍ وهو بَيْنَ قَوْمٍ مِنَ الأكابِرِ في مَجْمَعٍ يَحْصُلُ ما فِيهِ لَذَّةُ جِسْمِهِ مِنَ الأكْلِ وإراقَةِ الماءِ وغَيْرِهِما ولا يَلْتَفِتُ إلى اللَّذَّةِ العَقْلِيَّةِ مِن حُسْنِ السِّيرَةِ وحَمْدِ الأوْصافِ ومَكْرُمَةِ الأخْلاقِ. والعاقِلُ يَحْمِلُ الألَمَ الجُسْمانِيَّ ويُحَصِّلُ اللَّذَّةَ العَقْلِيَّةَ، حَتّى لَوْ غَلَبَتْ قُوَّتُهُ الدّافِعَةُ عَلى قُوَّتِهِ الماسِكَةِ وخَرَجَ مِنهُ رِيحٌ أوْ قَطْرَةُ ماءٍ يَكادُ يَمُوتُ مِنَ الخَجالَةِ والألَمِ العَقْلِيِّ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَهم كانُوا قَلِيلِي العَقْلِ غَلَبَتِ الجِسْمِيَّةُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَتَّسِعْ عَقْلُهم لِمَعْبُودٍ لا يَكُونُ فَوْقَهم ولا تَحْتَهم، ولا يَمِينَهم ولا يَسارَهم، ولا قُدّامَهم ولا وراءَهم، ولا يَكُونُ جِسْمًا مِنَ الأجْسامِ، ولا شَيْئًا يَدْخُلُ في الأوْهامِ، ورَأوُا الأجْسامَ المُناسِبَةَ لِلْغالِبِ فِيهِمْ مُزَيَّنَةً بِجَواهِرَ فَوَدُّوها، فاتِّخاذُهُمُ الأوْثانَ كانَ مَوَدَّةً بَيْنَهم وبَيْنَ الأوْثانِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾ يَعْنِي يَوْمَ يَزُولُ عَمى القُلُوبِ وتَتَبَيَّنُ الأُمُورُ لِلَّبِيبِ والغَفُولِ، يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَعْلَمُ فَسادَ ما كانَ عَلَيْهِ فَيَقُولُ العابِدُ ما هَذا مَعْبُودِي، ويَقُولُ المَعْبُودُ ما هَؤُلاءِ عَبَدَتِي ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا، ويَقُولُ هَذا لِذاكَ: أنْتَ أوْقَعْتَنِي في العَذابِ حَيْثُ عَبَدْتَنِي، ويَقُولُ ذاكَ لِهَذا أنْتَ أوْقَعْتَنِي فِيهِ حَيْثُ أضْلَلْتَنِي بِعِبادَتِكَ، ويُرِيدُ كُلُّ واحِدٍ أنْ يُبْعِدَ صاحِبَهُ بِاللَّعْنِ ولا يَتَباعَدُونَ، بَلْ هم مُجْتَمِعُونَ في النّارِ كَما كانُوا مُجْتَمِعِينَ في هَذِهِ الدّارِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَأْواكُمُ النّارُ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ يَعْنِي لَيْسَ تِلْكَ النّارُ مِثْلَ نارِكُمُ الَّتِي أنْجى اللَّهُ مِنها إبْراهِيمَ ونَصَرَهُ فَأنْتُمْ في النّارِ ولا ناصِرَ لَكم، وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قَبْلَ هَذا: ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ عَلى لَفْظِ الواحِدِ، وقالَ هَهُنا عَلى لَفْظِ الجَمْعِ: ﴿وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّهم لَمّا أرادُوا إحْراقَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا نَحْنُ نَنْصُرُ آلِهَتَنا كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم ﴿حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ (الأنْبِياءِ: ٦٨) فَقالَ: أنْتُمُ ادَّعَيْتُمْ أنَّ لِهَؤُلاءِ ناصِرِينَ فَما لَكم ولَهم أيْ: لِلْأوْثانِ وعَبَدَتِها مِن ناصِرِينَ، وأمّا هُناكَ ما سَبَقَ مِنهم دَعْوى النّاصِرِينَ فَنَفى الجِنْسَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا نَصِيرٍ﴾ .
صفحة ٤٩
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هُناكَ: ﴿ما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ وما ذَكَرَ الوَلِيَّ هَهُنا فَنَقُولُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ بِالوَلِيِّ الشَّفِيعُ، يَعْنِي: لَيْسَ لَكم شافِعٌ ولا نَصِيرٌ دافِعٌ، وهَهُنا لَمّا كانَ الخِطابُ دَخَلَ فِيهِ الأوْثانُ أيْ: ما لَكم كُلِّكم، لَمْ يَقُلْ: شَفِيعٌ لِأنَّهم كانُوا مُعْتَرِفِينَ أنَّ كُلَّهم لَيْسَ لَهم شافِعٌ لِأنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّ آلِهَتَهم شُفَعاءُ، كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا﴾ (يُونُسَ: ١٨ ) والشَّفِيعُ لا يَكُونُ لَهُ شَفِيعٌ، فَما نَفى عَنْهُمُ الشَّفِيعَ لِعَدَمِ الحاجَةِ إلى نَفْيِهِ لِاعْتِرافِهِمْ بِهِ، وأمّا هُناكَ فَكانَ الكَلامُ مَعَهم وهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّ لِأنْفُسِهِمْ شُفَعاءَ فَنَفى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هُناكَ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَذُكِرَ عَلى مَعْنى الِاسْتِثْناءِ فَيُفْهَمُ أنَّ لَهم ناصِرًا ووَلِيًّا هو اللَّهُ، ولَيْسَ لَهم غَيْرُهُ ولِيٌّ وناصِرٌ وقالَ هَهُنا ﴿وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ مِن غَيْرِ اسْتِثْناءٍ فَنَقُولُ كانَ ذَلِكَ وارِدًا عَلى أنَّهم في الدُّنْيا فَقالَ لَهم في الدُّنْيا: لا تَظُنُّوا أنَّكم تُعْجِزُونَ اللَّهَ فَما لَكم أحَدٌ يَنْصُرُكم، بَلِ اللَّهُ تَعالى يَنْصُرُكم إنْ تُبْتُمْ، فَهو ناصِرٌ مُعَدٌّ لَكم مَتى أرَدْتُمُ اسْتَنْصَرْتُمُوهُ بِالتَّوْبَةِ وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾ وعَدَمُ النّاصِرِ عامٌّ لِأنَّ التَّوْبَةَ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا تُقْبَلْ فَسَواءٌ تابُوا أوْ لَمْ يَتُوبُوا لا يَنْصُرُهُمُ اللَّهُ ولا ناصِرَ لَهم غَيْرُهُ فَلا ناصِرَ لَهم مُطْلَقًا.
29:26Page 399
۞ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٞۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٦
And Lot believed him. [Abraham] said, "Indeed, I will emigrate to [the service of] my Lord. Indeed, He is the Exalted in Might, the Wise."
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ أيْ إلى حَيْثُ أمَرَنِي بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ عَزِيزٌ يَمْنَعُ أعْدائِي عَنْ إيذائِي بِعِزَّتِهِ، وحَكِيمٌ لا يَأْمُرُنِي إلّا بِما يُوافِقُ لِكَمالِ حِكْمَتِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ أيْ: بَعْدَما رَأى مِنهُ المُعْجِزَ القاهِرَ، ودَرَجَةُ لُوطٍ كانَتْ عالِيَةً، وبَقاؤُهُ إلى هَذا الوَقْتِ مِمّا يُنْقِصُ مِنَ الدَّرَجَةِ ألا تَرى أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا قَبِلَ دِينَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- وكانَ نَيِّرَ القَلْبِ قَبِلَهُ قَبْلَ الكُلِّ مِن غَيْرِ سَماعِ تَكَلُّمِ الحَصى ولا رُؤْيَةِ انْشِقاقِ القَمَرِ، فَنَقُولُ إنَّ لُوطًا لَمّا رَأى مُعْجِزَتَهُ آمَنَ بِرِسالَتِهِ، وأمّا بِالوَحْدانِيَّةِ فَآمَنَ حَيْثُ سَمِعَ حُسْنَ مَقالَتِهِ، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ وما قالَ فَآمَنَ لُوطٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما تَعَلُّقُ قَوْلِهِ: ﴿وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ بِما تَقَدَّمَ ؟ فَنَقُولُ لَمّا بالَغَ إبْراهِيمُ في الإرْشادِ ولَمْ يَهْتَدِ قَوْمُهُ، وحَصَلَ اليَأْسُ الكُلِّيُّ حَيْثُ رَأى القَوْمُ الآيَةَ الكُبْرى ولَمْ يُؤْمِنُوا وجَبَتِ المُهاجَرَةُ، لِأنَّ الهادِيَ إذا هَدى قَوْمَهُ ولَمْ يَنْتَفِعُوا فَبَقاؤُهُ فِيهِمْ مَفْسَدَةٌ لِأنَّهُ إنْ دامَ عَلى الإرْشادِ كانَ اشْتِغالًا بِما لا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ عِلْمِهِ، فَيَصِيرُ كَمَن يَقُولُ لِلْحَجَرِ صَدِّقْ، وهو عَبَثٌ، أوْ يَسْكُتُ والسُّكُوتُ دَلِيلُ الرِّضا فَيُقالُ بِأنَّهُ صارَ مِنّا ورَضِيَ بِأفْعالِنا، وإذا لَمْ يَبْقَ لِلْإقامَةِ وجْهٌ وجَبَتِ المُهاجَرَةُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ﴿مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ ولَمْ يَقُلْ مُهاجِرٌ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي مَعَ أنَّ المُهاجَرَةَ إلى الرَّبِّ تُوهِمُ الجِهَةَ، فَنَقُولُ قَوْلُهُ: ﴿مُهاجِرٌ﴾ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي لَيْسَ في الإخْلاصِ كَقَوْلِهِ: ﴿إلى رَبِّي﴾ لِأنَّ المَلِكَ إذا صَدَرَ مِنهُ أمَرٌ بِرَواحِ الأجْنادِ إلى المَوْضِعِ الفُلانِيِّ، ثُمَّ إنَّ واحِدًا مِنهم سافَرَ إلَيْهِ لِغَرَضٍ [ في ] نَفْسِهِ يُصِيبُهُ فَقَدْ هاجَرَ إلى حَيْثُ أمَرَهُ المَلِكُ ولَكِنْ لا مُخْلِصًا لِوَجْهِهِ فَقالَ: ﴿مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ يَعْنِي تَوَجُّهِي إلى الجِهَةِ المَأْمُورُ بِالهِجْرَةِ إلَيْها لَيْسَ طَلَبًا لِلْجِهَةِ إنَّما هو طَلَبٌ لِلَّهِ.
29:27Page 399
وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَجۡرَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٢٧
And We gave to him Isaac and Jacob and placed in his descendants prophethood and scripture. And We gave him his reward in this world, and indeed, he is in the Hereafter among the righteous.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾
قَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٧ ) أنَّ أثَرَ رَحْمَةِ اللَّهِ في أمْرَيْنِ في الأمانِ مِن سُوءِ العَذابِ والِامْتِنانِ بِحُسْنِ الثَّوابِ وهو واصِلٌ إلى المُؤْمِنِ في الدّارِ الآخِرَةِ قَطْعًا بِحُكْمِ وعْدِ اللَّهِ نَفْيَ العَذابِ عَنْهُ لِنَفْيِهِ الشِّرْكَ، وإثْباتَ الثَّوابِ لِإثْباتِهِ الواحِدَ، ولَكِنَّ هَذا لَيْسَ بِواجِبِ الحُصُولِ في الدُّنْيا، فَإنَّ كَثِيرًا ما يَكُونُ الكافِرُ في رَغَدٍ، والمُؤْمِنُ جائِعٌ في يَوْمِهِ مُتَفَكِّرٌ في أمْرِ غَدِهِ لَكِنَّهُما مَطْلُوبانِ في الدُّنْيا، أمّا دَفْعُ العَذابِ العاجِلِ فَلِأنَّهُ ورَدَ في دُعاءِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَوْلُهُ: ”«وقِنا عَذابَ الفَقْرِ والنّارِ» “ فَعَذابُ الفَقْرِ إشارَةٌ إلى دَفْعِ العَذابِ العاجِلِ، وأمّا الثَّوابُ العاجِلُ فَفي قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ (البَقَرَةِ: ٢٠١ ) إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أتى بِبَيانِ التَّوْحِيدِ أوَّلًا دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ عَذابَ الدُّنْيا وهو عَذابُ النّارِ، ولَمّا أتى بِهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ مَعَ إصْرارِ القَوْمِ عَلى التَّكْذِيبِ، وإضْرارِهِمْ بِهِ بِالتَّعْذِيبِ، أعْطاهُ الجَزاءَ الآخَرَ، وهو الثَّوابُ العاجِلُ وعَدَّدَهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ وفي الآيَةِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ اللَّهَ بَدَّلَ جَمِيعَ أحْوالِ إبْراهِيمَ في الدُّنْيا بِأضْدادِها لَمّا أرادَ القَوْمُ تَعْذِيبَهُ بِالنّارِ وكانَ وحِيدًا فَرِيدًا فَبَدَّلَ وحْدَتَهُ بِالكَثْرَةِ حَتّى مَلَأ الدُّنْيا مِن ذُرِّيَّتِهِ، ولَمّا كانَ أوَّلًا قَوْمُهُ وأقارِبُهُ القَرِيبَةُ ضالِّينَ مُضِلِّينَ مِن جُمْلَتِهِمْ آزَرُ، بَدَّلَ اللَّهُ أقارِبَهُ بِأقارِبَ مُهْتَدِينَ هادِينَ وهم ذُرِّيَّتُهُ الَّذِينَ جَعَلَ اللَّهُ فِيهِمُ النُّبُوَّةَ والكِتابَ، وكانَ أوَّلًا لا جاهَ لَهُ ولا مالَ وهُما غايَةُ اللَّذَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ آتاهُ اللَّهُ أجْرَهُ مِنَ المالِ والجاهِ، فَكَثُرَ مالُهُ حَتّى كانَ لَهُ مِنَ المَواشِي ما عَلِمَ اللَّهُ عَدَدَهُ، حَتّى قِيلَ: إنَّهُ كانَ لَهُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ كَلْبٍ حارِسٍ بِأطْواقٍ ذَهَبٍ، وأمّا الجاهُ فَصارَ بِحَيْثُ يَقْرِنُ الصَّلاةَ عَلَيْهِ بِالصَّلاةِ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَصارَ مَعْرُوفًا بِشَيْخِ المُرْسَلِينَ بَعْدَ أنْ كانَ خامِلًا، حَتّى قالَ قائِلُهم: ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ (الأنْبِياءِ: ٦٠ ) وهَذا الكَلامُ لا يُقالُ إلّا في مَجْهُولٍ بَيْنَ النّاسِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي لَيْسَ لَهُ هَذا في الدُّنْيا فَحَسْبُ كَما يَكُونُ لِمَن قَدَّمَ لَهُ ثَوابَ حَسَناتِهِ، أوْ أمْلى لَهُ اسْتِدْراجًا لِيُكْثِرَ مِن سَيِّئاتِهِ بَلْ هَذا لَهُ عُجالَةٌ ولَهُ في الآخِرَةِ ثَوابُ الدَّلالَةِ والرِّسالَةِ، وهو كَوْنُهُ مِنَ الصّالِحِينَ، فَإنَّ كَوْنَ العَبْدِ صالِحًا أعْلى مَراتِبِهِ، لَمّا بَيَّنّا أنَّ الصّالِحَ هو الباقِي عَلى ما يَنْبَغِي، يُقالُ: الطَّعامُ بَعْدُ صالِحٌ، أيْ هو باقٍ عَلى ما يَنْبَغِي، ومَن بَقِيَ عَلى ما يَنْبَغِي لا يَكُونُ في عَذابٍ، ويَكُونُ لَهُ كُلُّ ما يُرِيدُ مِن حُسْنِ ثَوابٍ. وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ إسْماعِيلَ كانَ مِن أوْلادِهِ الصّالِحِينَ، وكانَ قَدْ أسْلَمَ لِأمْرِ اللَّهِ بِالذَّبْحِ وانْقادَ لِحُكْمِ اللَّهِ، فَلِمَ لَمْ يُذْكَرْ ؟ فَيُقالُ هو مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ﴾ ولَكِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِهِ لِأنَّهُ كانَ غَرَضُهُ تَبْيِينَ فَضْلِهِ عَلَيْهِ بِهِبَةِ الأوْلادِ والأحْفادِ، فَذَكَرَ مِنَ الأوْلادِ واحِدًا وهو الأكْبَرُ، ومِنَ الأحْفادِ واحِدًا وهو الأظْهَرُ، كَما يَقُولُ القائِلُ: إنَّ السُّلْطانَ في خِدْمَتِهِ المُلُوكُ والأُمَراءُ، المَلِكُ الفُلانِيُّ والأمِيرُ الفُلانِيُّ ولا يُعَدِّدُ الكُلَّ لِأنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ الواحِدِ لِبَيانِ الجِنْسِ لا لِخُصُوصِيَّتِهِ، ولَوْ ذَكَرَ غَيْرَهُ لَفُهِمَ مِنهُ التَّعْدِيدُ واسْتِيعابُ الكُلِّ
صفحة ٥١
بِالذِّكْرِ، فَيُظَنُّ أنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُ المَذْكُورِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ إجابَةً لِدُعائِهِ والوالِدُ يَسْتَحِبُّ مِنهُ أنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ ولَدَيْهِ، فَكَيْفَ صارَتِ النُّبُوَّةُ في أوْلادِ إسْحاقَ أكْثَرَ مِنَ النُّبُوَّةِ في أوْلادِ إسْماعِيلَ ؟ فَنَقُولُ: اللَّهُ تَعالى قَسَمَ الزَّمانَ مِن وقْتِ إبْراهِيمَ إلى القِيامَةِ قِسْمَيْنِ والنّاسَ أجْمَعِينَ، فالقِسْمُ الأوَّلُ مِنَ الزَّمانِ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِ أنْبِياءَ فِيهِمْ فَضائِلُ جَمَّةٌ وجاءُوا تَتْرى واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، ومُجْتَمِعِينَ في عَصْرٍ واحِدٍ، كُلُّهم مِن ورَثَةِ إسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ في القِسْمِ الثّانِي مِنَ الزَّمانِ أخْرَجَ مِن ذُرِّيَّةِ ولَدِهِ الآخَرِ وهو إسْماعِيلُ واحِدًا جَمَعَ فِيهِ ما كانَ فِيهِمْ وأرْسَلَهُ إلى كافَّةِ الخَلْقِ وهو مُحَمَّدٌ -ﷺ- وجَعَلَهُ خاتَمَ النَّبِيِّينَ، وقَدْ دامَ الخَلْقُ عَلى دِينِ أوْلادِ إسْحاقَ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ آلافِ سَنَةٍ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَبْقى الخَلْقُ عَلى دِينِ ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ مِثْلَ ذَلِكَ المِقْدارِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences