Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:8–11
3:8Page 50
رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٨
[Who say], "Our Lord, let not our hearts deviate after You have guided us and grant us from Yourself mercy. Indeed, You are the Bestower.1
قَوْلُهُ تَعالى ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما حَكى عَنِ الرّاسِخِينَ أنَّهم يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ حَكى عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا﴾ وحَذْفُ (يَقُولُونَ) لِدَلالَةَ الأوَّلِ عَلَيْهِ، وكَما في قَوْلِهِ ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] وفي هَذِهِ الآيَةِ اخْتَلَفَ كَلامُ أهْلِ السُّنَّةِ وكَلامُ المُعْتَزِلَةِ.
أمّا كَلامُ أهْلِ السُّنَّةِ فَظاهِرٌ، وذَلِكَ لِأنَّ القَلْبَ صالِحٌ لِأنْ يَمِيلَ إلى الإيمانِ، وصالِحٌ لِأنْ يَمِيلَ إلى الكُفْرِ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَمِيلَ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ إلّا عِنْدَ حُدُوثِ داعِيَةٍ وإرادَةٍ يُحْدِثُها اللَّهُ تَعالى، فَإنْ كانَتْ تِلْكَ الدّاعِيَةُ داعِيَةَ الكُفْرِ، فَهي الخِذْلانُ، والإزاغَةُ، والصَّدُّ، والخَتْمُ، والطَّبْعُ، والرَّيْنُ، والقَسْوَةُ، والوَقْرُ، والكِنانُ، وغَيْرُها مِنَ الألْفاظِ الوارِدَةِ في القُرْآنِ، وإنْ كانَتْ تِلْكَ الدّاعِيَةُ داعِيَةَ الإيمانِ فَهي: التَّوْفِيقُ،
صفحة ١٥٦
والرَّشادُ، والهِدايَةُ، والتَّسْدِيدُ، والتَّثْبِيتُ، والعِصْمَةُ، وغَيْرُها مِنَ الألْفاظِ الوارِدَةِ في القُرْآنِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”«قَلْبُ المُؤْمِنِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ» “ والمُرادُ مِن هَذَيْنِ الأُصْبُعَيْنِ الدّاعِيَتانِ، فَكَما أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ أُصْبُعَيِ الإنْسانِ يَتَقَلَّبُ كَما يُقَلِّبُهُ الإنْسانُ بِواسِطَةِ ذَيْنِكَ الأُصْبُعَيْنِ، فَكَذَلِكَ القَلْبُ لِكَوْنِهِ بَيْنَ الدّاعِيَتَيْنِ يَتَقَلَّبُ كَما يُقَلِّبُهُ الحَقُّ بِواسِطَةِ تَيْنِكَ الدّاعِيَتَيْنِ، ومَن أنْصَفَ ولَمْ يَتَعَسَّفْ، وجَرَّبَ نَفْسَهُ وجَدَ هَذا المَعْنى كالشَّيْءِ المَحْسُوسِ، ولَوْ جَوَّزَ حُدُوثَ إحْدى الدّاعِيَتَيْنِ مِن غَيْرِ مُحْدِثٍ ومُؤَثِّرٍ لَزِمَهُ نَفْيُ الصّانِعِ، وكانَ ﷺ يَقُولُ: ”«يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ والأبْصارِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ» “ ومَعْناهُ ما ذَكَرْنا فَلَمّا آمَنَ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ بِكُلِّ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِنَ المُحْكَماتِ والمُتَشابِهاتِ تَضَرَّعُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في أنْ لا يَجْعَلَ قُلُوبَهم مائِلَةً إلى الباطِلِ بَعْدَ أنْ جَعَلَها مائِلَةً إلى الحَقِّ، فَهَذا كَلامٌ بُرْهانِيٌّ مُتَأكَّدٌ بِتَحْقِيقٍ قُرْآنِيٍّ.
ومِمّا يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَدَحَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم لا يَتَّبِعُونَ المُتَشابِهاتِ، بَلْ يُؤْمِنُونَ بِها عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وتَرْكِ الخَوْضِ فِيها فَيَبْعُدُ مِنهم في مِثْلِ هَذا الوَقْتِ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِالمُتَشابِهِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا قَدْ تَكَلَّمُوا بِهَذا الدُّعاءِ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ مِنَ المُحْكَماتِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى ذَلِكَ عَنْهم في مَعْرِضِ المَدْحِ لَهم والثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى المُحْكَماتِ، وهَذا كَلامٌ مَتِينٌ.
وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ قالُوا: لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ الزَّيْغَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى، وجَبَ صَرْفُ هَذِهِ الآيَةِ إلى التَّأْوِيلِ، فَأمّا دَلائِلُهم فَقَدْ ذَكَرْناها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] .
ومِمّا احْتَجُّوا بِهِ في هَذا المَوْضِعِ خاصَّةً قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وهو صَرِيحٌ في أنَّ ابْتِداءَ الزَّيْغِ مِنهم، وأمّا تَأْوِيلاتُهم في هَذِهِ الآيَةِ فَمِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: وهو الَّذِي قالَهُ الجُبّائِيُّ واخْتارَهُ القاضِي: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ ﴿لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ يَعْنِي لا تَمْنَعْها الألْطافَ الَّتِي مَعَها يَسْتَمِرُّ قَلْبُهم عَلى صِفَةِ الإيمانِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَعَهم ألْطافَهُ عِنْدَ اسْتِحْقاقِهِمْ مَنعَ ذَلِكَ جازَ أنْ يُقالَ: أزاغَهم ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ والثّانِي: قالَ الأصَمُّ: لا تُبْلِنا بِبَلْوى تَزِيغُ عِنْدَها قُلُوبُنا فَهو كَقَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] وقالَ: ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣] والمَعْنى لا تُكَلِّفْنا مِنَ العِباداتِ ما لا نَأْمَنُ مَعَهُ الزَّيْغَ، وقَدْ يَقُولُ القائِلُ: لا تَحْمِلْنِي عَلى إيذائِكَ أيْ لا تَفْعَلْ ما أصِيرُ عِنْدَهُ مُؤْذِيًا لَكَ. الثّالِثُ: قالَ الكَعْبِيُّ ﴿لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ أيْ لا تُسَمِّنا بِاسْمِ الزّائِغِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ يُكَفِّرُ فُلانًا إذا سَمّاهُ كافِرًا. والرّابِعُ: قالَ الجُبّائِيُّ: أيْ لا تُزِغْ قُلُوبَنا عَنْ جَنَّتِكَ وثَوابِكَ بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا؛ وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ إلّا أنْ يُحْمَلَ عَلى شَيْءٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ تَعالى إذا عَلِمَ أنَّهُ مُؤْمِنٌ في الحالِ، وعَلِمَ أنَّهُ لَوْ بَقِيَ إلى السَّنَةِ الثّانِيَةِ لَكَفَرَ، فَقَوْلُهُ ﴿لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ مَحْمُولٌ عَلى أنْ يُمِيتَهُ قَبْلَ أنْ يَصِيرَ كافِرًا، وذَلِكَ لِأنَّ إبْقاءَهُ حَيًّا إلى السَّنَةِ الثّانِيَةِ يَجْرِي مَجْرى ما إذا أزاغَهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ. الخامِسُ: قالَ الأصَمُّ ﴿لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ عَنْ كَمالِ العَقْلِ بِالجُنُونِ بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا بِنُورِ العَقْلِ. السّادِسُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: احْرُسْنا مِنَ الشَّيْطانِ ومِن شُرُورِ أنْفُسِنا حَتّى لا نَزِيغَ. فَهَذا جُمْلَةُ ما ذَكَرُوهُ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ وهي بِأسْرِها ضَعِيفَةٌ.
صفحة ١٥٧
أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ مِن مَذْهَبِهِمْ أنَّ كُلَّ ما صَحَّ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَفْعَلَ في حَقِّهِمْ لُطْفًا وجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وُجُوبًا لَوْ تَرَكَهُ لَبَطَلَتْ إلَهِيَّتُهُ، ولَصارَ جاهِلًا ومُحْتاجًا والشَّيْءُ الَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ فَأيُّ حاجَةٍ إلى الدُّعاءِ في طَلَبِهِ ! بَلْ هَذا القَوْلُ يَسْتَمِرُّ عَلى قَوْلِ بِشْرِ بْنِ المُعْتَمِرِ وأصْحابِهِ الَّذِينَ لا يُوجِبُونَ عَلى اللَّهِ فِعْلَ جَمِيعِ الألْطافِ.
وأمّا الثّانِي: فَضَعِيفٌ، لِأنَّ التَّشْدِيدَ في التَّكْلِيفِ إنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى لَهُ أثَرًا في حَمْلِ المُكَلَّفِ عَلى القَبِيحِ قَبُحَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا أثَرَ لَهُ البَتَّةَ في حَمْلِ المُكَلَّفِ عَلى فِعْلِ القَبِيحِ كانَ وجُودُهُ كَعَدَمِهِ فِيما يَرْجِعُ إلى كَوْنِ العَبْدِ مُطِيعًا وعاصِيًا، فَلا فائِدَةَ في صَرْفِ الدُّعاءِ إلَيْهِ.
وأمّا الثّالِثُ: فَهو أنَّ التَّسْمِيَةَ بِالزَّيْغِ والكُفْرِ دائِرٌ مَعَ الكُفْرِ وجُودًا وعَدَمًا والكُفْرُ والزَّيْغُ بِاخْتِيارِ العَبْدِ، فَلا فائِدَةَ في قَوْلِهِ لا تُسَمِّنا بِاسْمِ الزَّيْغِ والكُفْرِ.
وأمّا الرّابِعُ: فَهو أنَّهُ لَوْ كانَ عِلْمُهُ تَعالى بِأنَّهُ يَكْفُرُ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ، يُوجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُمِيتَهُ لَكانَ عِلْمُهُ بِأنْ لا يُؤْمِنَ قَطُّ ويَكْفُرَ طُولَ عُمُرِهِ يُوجِبُ عَلَيْهِ لا يَخْلُقُهُ.
وأمّا الخامِسُ: وهو حَمْلُهُ عَلى إبْقاءِ العَقْلِ فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِما قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ .
وأمّا السّادِسُ: وهو أنَّ الحِراسَةَ مِنَ الشَّيْطانِ ومِن شُرُورِ النَّفْسِ إنْ كانَ مَقْدُورًا وجَبَ فِعْلُهُ، فَلا فائِدَةَ في الدُّعاءِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا تَعَذَّرَ فِعْلُهُ فَلا فائِدَةَ في الدُّعاءِ. فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا سُقُوطُ هَذِهِ الوُجُوهِ، وأنَّ الحَقَّ ما ذَهَبْنا إلَيْهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَعَلى ذَلِكَ القَوْلِ كَيْفَ الكَلامُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] .
قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُزِيغُهُمُ ابْتِداءً فَعِنْدَ ذَلِكَ يَزِيغُونَ، ثُمَّ يَتَرَتَّبُ عَلى هَذا الزَّيْغِ إزاغَةٌ أُخْرى سِوى الأُولى مِنَ اللَّهِ تَعالى وكُلُّ ذَلِكَ لا مُنافاةَ فِيهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ أيْ بَعْدَ أنْ جَعَلْتَنا مُهْتَدِينَ، وهَذا أيْضًا صَرِيحٌ في أنَّ حُصُولَ الهِدايَةِ في القَلْبِ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ واعْلَمْ أنَّ تَطْهِيرَ القَلْبِ عَمّا لا يَنْبَغِي مُقَدَّمٌ عَلى تَنْوِيرِهِ مِمّا يَنْبَغِي، فَهَؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ سَألُوا رَبَّهم أوَّلًا أنْ لا يَجْعَلَ قُلُوبَهم مائِلَةً إلى الباطِلِ والعَقائِدِ الفاسِدَةِ، ثُمَّ إنَّهم أتْبَعُوا ذَلِكَ بِأنْ طَلَبُوا مِن رَبِّهِمْ أنْ يُنَوِّرَ قُلُوبَهم بِأنْوارِ المَعْرِفَةِ، وجَوارِحَهم وأعْضاءَهم بِزِينَةِ الطّاعَةِ، وإنَّما قالَ: (رَحْمَةً) لِيَكُونَ ذَلِكَ شامِلًا لِجَمِيعِ أنْواعِ الرَّحْمَةِ، فَأوَّلُها: أنْ يَحْصُلَ في القَلْبِ نُورُ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ. وثانِيها: أنْ يَحْصُلَ في الجَوارِحِ والأعْضاءِ نُورُ الطّاعَةِ والعُبُودِيَّةِ والخِدْمَةِ. وثالِثُها: أنْ يَحْصُلَ في الدُّنْيا سُهُولَةُ أسْبابِ المَعِيشَةِ مِنَ الأمْنِ والصِّحَّةِ والكِفايَةِ. ورابِعُها: أنْ يَحْصُلَ عِنْدَ المَوْتِ سُهُولَةُ سَكَراتِ المَوْتِ. وخامِسُها: أنْ يَحْصُلَ في القَبْرِ سُهُولَةُ السُّؤالِ، وسُهُولَةُ ظُلْمَةِ القَبْرِ. وسادِسُها: أنْ يَحْصُلَ في القِيامَةِ سُهُولَةُ العُقابِ والخِطابِ وغُفْرانُ السَّيِّئاتِ وتَرْجِيحُ الحَسَناتِ؛ فَقَوْلُهُ ﴿مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ هَذِهِ الأقْسامِ،
صفحة ١٥٨
ولَمّا ثَبَتَ بِالبَراهِينِ الباهِرَةِ القاهِرَةِ أنَّهُ لا رَحِيمَ إلّا هو، ولا كَرِيمَ إلّا هو، لا جَرَمَ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿مِن لَدُنْكَ﴾ تَنْبِيهًا لِلْعَقْلِ والقَلْبِ والرُّوحِ عَلى أنَّ المَقْصُودَ لا يَحْصُلُ إلّا مِنهُ سُبْحانَهُ، ولَمّا كانَ هَذا المَطْلُوبُ في غايَةِ العَظَمَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى العَبْدِ لا جَرَمَ ذَكَرَها عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أطْلُبُ رَحْمَةً وأيَّةُ رَحْمَةٍ، أطْلُبُ رَحْمَةً مِن لَدُنْكَ، وتَلِيقُ بِكَ؛ وذَلِكَ يُوجِبُ غايَةَ العَظَمَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: إلَهِي هَذا الَّذِي طَلَبْتُهُ مِنكَ في هَذا الدُّعاءِ عَظِيمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيَّ، لَكِنَّهُ حَقِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كَمالِ كَرَمِكَ، وغايَةِ جُودِكَ ورَحْمَتِكَ، فَأنْتَ الوَهّابُ الَّذِي مِن هِبَتِكَ حَصَلَتْ حَقائِقُ الأشْياءِ وذَواتُها وماهِيّاتُها ووُجُوداتُها فَكُلُّ ما سِواكَ فَمِن جُودِكَ وإحْسانِكَ وكَرَمِكَ، يا دائِمَ المَعْرُوفِ، يا قَدِيمَ الإحْسانِ، لا تُخَيِّبْ رَجاءَ هَذا المِسْكِينِ، ولا تَرُدَّ دُعاءَهُ، واجْعَلْهُ بِفَضْلِكَ أهْلًا لِرَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ وأكْرَمَ الأكْرَمِينَ.
3:9Page 50
رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ٩
Our Lord, surely You will gather the people for a Day about which there is no doubt. Indeed, Allāh does not fail in His promise."
قَوْلُهُ تَعالى ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا الدُّعاءَ مِن بَقِيَّةِ كَلامِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَصُونَهم عَنِ الزَّيْغِ، وأنْ يَخُصَّهم بِالهِدايَةِ والرَّحْمَةِ، فَكَأنَّهم قالُوا: لَيْسَ الغَرَضُ مِن هَذا السُّؤالِ ما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحِ الدُّنْيا فَإنَّها مُنْقَضِيَةٌ مُنْقَرِضَةٌ، وإنَّما الغَرَضُ الأعْظَمُ مِنهُ ما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ فَإنّا نَعْلَمُ أنَّكَ يا إلَهَنا جامِعُ النّاسِ لِلْجَزاءِ في يَوْمِ القِيامَةِ، ونَعْلَمُ أنَّ وعْدَكَ لا يَكُونُ خُلْفًا وكَلامَكَ لا يَكُونُ كَذِبًا، فَمَن زاغَ قَلْبُهُ بَقِيَ هُناكَ في العَذابِ أبَدَ الآبادِ، ومَن أعْطَيْتَهُ التَّوْفِيقَ والهِدايَةَ والرَّحْمَةَ وجَعَلْتَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، بَقِيَ هُناكَ في السَّعادَةِ والكَرامَةِ أبَدَ الآبادِ، فالغَرَضُ الأعْظَمُ مِن ذَلِكَ الدُّعاءِ ما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ. بَقِيَ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ تَقْدِيرُهُ: جامِعُ النّاسِ لِلْجَزاءِ في يَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ، فَحُذِفَ لِكَوْنِ المُرادِ ظاهِرًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ كَلامَ المُؤْمِنِينَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ فَأمّا قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ فَهو كَلامُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، كَأنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا ﴿إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ صَدَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ وأيَّدَ كَلامَهم بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ كَما قالَ حِكايَةً عَنِ المُؤْمِنِينَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: لا يَبْعُدُ وُرُودُ هَذا عَلى طَرِيقَةِ العُدُولِ في الكَلامِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ، ومِثْلُهُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى كَثِيرٌ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] .
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالُوا في هَذِهِ الآيَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ وقالُوا في تِلْكَ الآيَةِ ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] .
صفحة ١٥٩
قُلْتُ: الفَرْقُ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في مَقامِ الهَيْبَةِ، يَعْنِي أنَّ الإلَهِيَّةَ تَقْتَضِي الحَشْرَ والنَّشْرَ لِيَنْتَصِفَ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ، فَكانَ ذِكْرُهُ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ أوْلى في هَذا المَقامِ، أمّا قَوْلُهُ في آخِرِ السُّورَةِ ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ فَذاكَ المَقامُ مَقامُ طَلَبِ العَبْدِ مِن رَبِّهِ أنْ يُنْعِمَ عَلَيْهِ بِفَضْلِهِ، وأنْ يَتَجاوَزَ عَنْ سَيِّئاتِهِ فَلَمْ يَكُنِ المَقامُ مَقامَ الهَيْبَةِ، فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ، قالَ: وذَلِكَ لِأنَّ الوَعِيدَ داخِلٌ تَحْتِ لَفْظِ الوَعْدِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] والوَعْدُ والمَوْعِدُ والمِيعادُ واحِدٌ، وقَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ فَكانَ هَذا دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يُخْلِفُ في الوَعِيدِ.
والجَوابُ: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ تَعالى يُوعِدُ الفُسّاقَ مُطْلَقًا، بَلْ ذَلِكَ الوَعِيدُ عِنْدَنا مَشْرُوطٌ بِشَرْطِ عَدَمِ العَفْوِ، كَما أنَّهُ بِالِاتِّفاقِ مَشْرُوطٌ بِشَرْطِ عَدَمِ التَّوْبَةِ، فَكَما أنَّكم أثْبَتُّمْ ذَلِكَ الشَّرْطَ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، فَكَذا نَحْنُ أثْبَتْنا شَرْطَ عَدَمِ العَفْوِ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، سَلَّمْنا أنَّهُ يُوعِدُهم، ولَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ الوَعِيدَ داخِلٌ تَحْتِ لَفْظِ الوَعْدِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] .
قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] وقَوْلِهِ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] وأيْضًا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّهم كانُوا يَتَوَقَّعُونَ مِن أوْثانِهِمْ أنَّها تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، فَكانَ المُرادُ مِنَ الوَعْدِ تِلْكَ المَنافِعَ، وتَمامُ الكَلامِ في مَسْألَةِ الوَعِيدِ قَدْ مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١] وذَكَرَ الواحِدِيُّ في البَسِيطِ طَرِيقَةً أُخْرى، فَقالَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ هَذا عَلى مِيعادِ الأوْلِياءِ، دُونَ وعِيدِ الأعْداءِ، لِأنَّ خُلْفَ الوَعِيدِ كَرَمٌ عِنْدَ العَرَبِ، قالَ: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهم يَمْدَحُونَ بِذَلِكَ، قالَ الشّاعِرُ:
إذا وعَدَ السَّرّاءَ أنْجَزَ وعْدَهُ وإنْ أوْعَدَ الضَّرّاءَ فالعَفْوُ مانِعُهْ
ورَوى المُناظَرَةَ الَّتِي دارَتْ بَيْنَ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، وبَيْنَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ لِعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ: ما تَقُولُ في أصْحابِ الكَبائِرِ ؟ قالَ: أقُولُ إنَّ اللَّهَ وعَدَ وعْدًا، وأوْعَدَ إيعادًا، فَهو مُنْجِزٌ إيعادَهُ، كَما هو مُنْجِزٌ وعْدَهُ، فَقالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: إنَّكَ رَجُلٌ أعْجَمُ، لا أقُولُ أعْجَمُ اللِّسانِ ولَكِنْ أعْجَمُ القَلْبِ، إنَّ العَرَبَ تَعُدُّ الرُّجُوعَ عَنِ الوَعْدِ لُؤْمًا وعَنِ الإيعادِ كَرَمًا وأنْشَدَ:
وإنِّي وإنْ أوْعَدْتُهُ أوْ وعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُكْذِبُ إيعادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي
واعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ حَكَوْا أنَّ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ لَمّا قالَ هَذا الكَلامَ قالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: يا أبا عَمْرٍو فَهَلْ يُسَمّى اللَّهُ مُكَذِّبَ نَفْسِهِ ؟ فَقالَ: لا، فَقالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: فَقَدْ سَقَطَتْ حُجَّتُكَ، قالُوا: فانْقَطَعَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ.
وعِنْدِي أنَّهُ كانَ لِأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنْ يُجِيبَ عَنْ هَذا السُّؤالِ فَيَقُولُ: إنَّكَ قِسْتَ الوَعِيدَ عَلى الوَعْدِ وأنا إنَّما ذَكَرْتُ هَذا لِبَيانِ الفَرْقِ بَيْنَ البابَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ الوَعْدَ حَقٌّ عَلَيْهِ والوَعِيدَ حَقٌّ لَهُ، ومَن أسْقَطَ حَقَّ نَفْسِهِ
صفحة ١٦٠
فَقَدْ أتى بِالجُودِ والكَرَمِ، ومَن أسْقَطَ حَقَّ غَيْرِهِ فَذَلِكَ هو اللُّؤْمُ، فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وبَطَلَ قِياسُكَ، وإنَّما ذَكَرْتُ هَذا الشِّعْرَ لِإيضاحِ هَذا الفَرْقِ، فَأمّا قَوْلُكَ: لَوْ لَمْ يَفْعَلْ لَصارَ كاذِبًا ومُكَذِّبًا نَفْسَهُ، فَجَوابُهُ: أنَّ هَذا إنَّما يَلْزَمُ لَوْ كانَ الوَعِيدُ ثابِتًا جَزْمًا مِن غَيْرِ شَرْطٍ، وعِنْدِي جَمِيعُ الوَعِيداتِ مَشْرُوطَةٌ بِعَدَمِ العَفْوِ، فَلا يَلْزَمُ مِن تَرْكِهِ دُخُولُ الكَذِبِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الحِكايَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
3:10Page 51
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ وَقُودُ ٱلنَّارِ ١٠
Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allāh at all. And it is they who are fuel for the Fire.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا حَكى عَنِ المُؤْمِنِينَ دُعاءَهم وتَضَرُّعَهم، حَكى كَيْفِيَّةَ حالِ الكافِرِينَ وشَدِيدَ عِقابِهِمْ، فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ قَوْلانِ الأوَّلُ: المُرادُ بِهِمْ وفْدُ نَجْرانَ، وذَلِكَ لِأنّا رُوِّينا في بَعْضِ قِصَّتِهِمْ أنَّ أبا حارِثَةَ بْنَ عَلْقَمَةَ قالَ لِأخِيهِ: إنِّي لَأعْلَمُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَقًّا ولَكِنَّنِي إنْ أظْهَرْتُ ذَلِكَ أخَذَ مُلُوكُ الرُّومِ مِنِّي ما أعْطَوْنِي مِنَ المالِ والجاهِ، فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ أمْوالَهم وأوْلادَهم لا تَدْفَعُ عَنْهم عَذابَ اللَّهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، وخُصُوصُ السَّبَبِ لا يَمْنَعُ عُمُومَ اللَّفْظِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ كَمالَ العَذابِ هو أنْ يَزُولَ عَنْهُ كُلُّ ما كانَ مُنْتَفِعًا بِهِ، ثُمَّ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الأسْبابِ المُؤْلِمَةِ.
أمّا الأوَّلُ: فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ المَرْءَ عِنْدَ الخُطُوبِ والنَّوائِبِ في الدُّنْيا يَفْزَعُ إلى المالِ والوَلَدِ، فَهُما أقْرَبُ الأُمُورِ الَّتِي يَفْزَعُ المَرْءُ إلَيْها في دَفْعِ الخُطُوبِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ صِفَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ مُخالِفَةٌ لِصِفَةِ الدُّنْيا لِأنَّ أقْرَبَ الطُّرُقِ إلى دَفْعِ المَضارِّ إذا لَمْ يَتَأتَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَما عَداهُ بِالتَّعَذُّرِ أوْلى، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩] وقَوْلُهُ ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾ [الكهف: ٤٦] وقَوْلُهُ ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] وقَوْلُهُ ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] .
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: مِن أسْبابِ كَمالِ العَذابِ، فَهو أنْ يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ الأسْبابُ المُؤْلِمَةُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ وهَذا هو النِّهايَةُ في شَرْحِ العَذابِ فَإنَّهُ لا عَذابَ أزْيَدُ مِن أنْ تَشْتَعِلَ النّارُ
صفحة ١٦١
فِيهِمْ كاشْتِعالِها في الحَطَبِ اليابِسِ، والوَقُودُ بِفَتْحِ الواوِ الحَطَبُ الَّذِي تُوقَدُ بِهِ النّارُ، وبِالضَّمِّ هو مَصْدَرُ وقَدَتِ النّارُ وُقُودًا كَقَوْلِهِ: ورَدَتْ وُرُودًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ (مِنَ اللَّهِ) قَوْلانِ: أحَدُهُما: التَّقْدِيرُ: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِن عَذابِ اللَّهِ فَحَذَفَ المُضافَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. والثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ ”مِن“ بِمَعْنى عِنْدَ، والمَعْنى لَنْ تُغْنِيَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا.
3:11Page 51
كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١١
[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and those before them. They denied Our signs, so Allāh seized them for their sins. And Allāh is severe in penalty.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .
يُقالُ: دَأبْتُ الشَّيْءَ أدْأبُ دَأْبًا ودُءُوبًا إذا أجْهَدْتُ في الشَّيْءِ وتَعِبْتُ فِيهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ [يوسف: ٤٧] أيْ بِجِدٍّ واجْتِهادٍ ودَوامٍ، ويُقالُ: سارَ فُلانٌ يَوْمًا دائِبًا، إذا أجْهَدَ في السَّيْرِ يَوْمَهُ كُلَّهُ، هَذا مَعْناهُ في اللُّغَةِ، ثُمَّ صارَ الدَّأْبُ عِبارَةً عَنِ الشَّأْنِ والأمْرِ والعادَةِ، يُقالُ: هَذا دَأْبُ فُلانٍ أيْ عادَتُهُ، وقالَ بَعْضُهم: الدُّءُوبُ والدَّأْبُ الدَّوامُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في كَيْفِيَّةِ التَّشْبِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ يُفَسَّرَ الدَّأْبُ بِالِاجْتِهادِ، كَما هو مَعْناهُ في أصْلِ اللُّغَةِ، وهَذا قَوْلُ الأصَمِّ والزَّجّاجِ، ووَجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّ دَأْبَ الكُفّارِ، أيْ جِدَّهم واجْتِهادَهم في تَكْذِيبِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وكُفْرِهِمْ بِدِينِهِ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ إنّا أهْلَكَنا أُولَئِكَ بِذُنُوبِهِمْ، فَكَذا نُهْلِكُ هَؤُلاءِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُفَسَّرَ الدَّأْبُ بِالشَّأْنِ والصُّنْعِ، وفِيهِ وُجُوهٌ الأوَّلُ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ شَأْنُ هَؤُلاءِ وصُنْعُهم في تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَشَأْنِ آلِ فِرْعَوْنَ في التَّكْذِيبِ بِمُوسى، ولا فَرْقَ بَيْنَ هَذا الوَجْهِ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ إلّا أنّا حَمَلْنا اللَّفْظَ في الوَجْهِ الأوَّلِ عَلى الِاجْتِهادِ، وفي هَذا الوَجْهِ عَلى الصُّنْعِ والعادَةِ. والثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، ويَجْعَلُهُمُ اللَّهُ وقُودَ النّارِ كَعادَتِهِ وصُنْعِهِ في آلِ فِرْعَوْنَ، فَإنَّهم لَمّا كَذَّبُوا رَسُولَهم أخَذَهم بِذُنُوبِهِمْ، والمَصْدَرُ تارَةً يُضافُ إلى الفاعِلِ، وتارَةً إلى المَفْعُولِ، والمُرادُ هاهُنا، كَدَأْبِ اللَّهِ في آلِ فِرْعَوْنَ، فَإنَّهم لَمّا كَذَّبُوا بِرَسُولِهِمْ أخَذَهم بِذُنُوبِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] أيْ كَحُبِّهِمُ اللَّهَ، وقالَ: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الإسراء: ٧٧] والمَعْنى: سُنَّتِي فِيمَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ. والثّالِثُ: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ جامِعَةً لِلْعادَةِ المُضافَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، والعادَةِ المُضافَةِ إلى الكُفّارِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ عادَةَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ ومَذْهَبَهم في إيذاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَعادَةِ مَن قَبْلَهم في إيذاءِ رُسُلِهِمْ، وعادَتَنا أيْضًا في إهْلاكِ هَؤُلاءِ، كَعادَتِنا في إهْلاكِ
صفحة ١٦٢
أُولَئِكَ الكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ، والمَقْصُودُ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ نَصْرُ النَّبِيِّ ﷺ عَلى إيذاءِ الكَفَرَةِ وبِشارَتُهُ بِأنَّ اللَّهَ سَيَنْتَقِمُ مِنهم.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ الدَّأْبِ والدُّءُوبِ، وهو اللُّبْثُ والدَّوامُ وطُولُ البَقاءِ في الشَّيْءِ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، أيْ دُءُوبُهم في النّارِ كَدُءُوبِ آلِ فِرْعَوْنَ.
والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ الدَّأْبَ هو الِاجْتِهادُ، كَما ذَكَرْناهُ، ومِن لَوازِمِ ذَلِكَ التَّعَبُ والمَشَقَّةُ لِيَكُونَ المَعْنى ومِشْقَتُهم وتَعَبُهم مِنَ العَذابِ كَمَشَقَّةِ آلِ فِرْعَوْنَ بِالعَذابِ وتَعَبِهِمْ بِهِ، فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ عَذابَهم حَصَلَ في غايَةِ القُرْبِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ [نوح: ٢٥] وفي غايَةِ الشِّدَّةِ أيْضًا وهو قَوْلُهُ ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] .
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ المُشَبَّهَ هو أنَّ أمْوالَهم وأوْلادَهم لا تَنْفَعُهم في إزالَةِ العَذابِ، فَكانَ التَّشْبِيهُ بِآلِ فِرْعَوْنَ حاصِلًا في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، والمَعْنى: أنَّكم قَدْ عَرَفْتُمْ ما حَلَّ بِآلِ فِرْعَوْنَ ومَن قَبْلَهم مِنَ المُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ مِنَ العَذابِ المُعَجَّلِ الَّذِي عِنْدَهُ لَمْ يَنْفَعْهم مالٌ ولا ولَدٌ، بَلْ صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى ما نَزَلَ بِهِمْ فَكَذَلِكَ حالُكم أيُّها الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ في أنَّهُ يَنْزِلُ بِكم مِثْلُ ما نَزَلَ بِالقَوْمِ تَقَدَّمَ أوْ تَأخَّرَ ولا تُغْنِي عَنْكُمُ الأمْوالُ والأوْلادُ.
الوَجْهُ السّادِسُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّهُ كَما نَزَلَ بِمَن تَقَدَّمَ العَذابُ المُعَجَّلُ بِالِاسْتِئْصالِ فَكَذَلِكَ يَنْزِلُ بِكم أيُّها الكُفّارُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وذَلِكَ مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ وسَلْبِ الأمْوالِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ﴾ كالدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ كَما نَزَلَ بِالقَوْمِ العَذابُ المُعَجَّلُ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى دَوامِ العَذابِ، فَسَيَنْزِلُ بِمَن كَذَّبَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ أمْرانِ: أحَدُهُما: المِحَنُ المُعَجَّلَةُ وهي القَتْلُ والسَّبْيُ والإذْلالُ، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُ المَصِيرُ إلى العَذابِ الألِيمِ الدّائِمِ، وهَذانِ الوَجْهانِ الأخِيرانِ ذَكَرَهُما القاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ فالمَعْنى: والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن مُكَذِّبِي الرُّسُلِ، وقَوْلُهُ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ المُرادُ بِالآياتِ المُعْجِزاتُ ومَتى كَذَّبُوا بِها فَقَدْ كَذَّبُوا لا مَحالَةَ بِالأنْبِياءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ وإنَّما اسْتَعْمَلَ فِيهِ الأخْذَ لِأنَّ مَن يَنْزِلُ بِهِ العِقابُ يَصِيرُ كالمَأْخُوذِ المَأْسُورِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى التَّخَلُّصِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ وهو ظاهِرٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences