Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:119–122
3:119Page 65
هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١١٩
Here you are loving them but they are not loving you, while you believe in the Scripture - all of it.1 And when they meet you, they say, "We believe." But when they are alone, they bite their fingertips at you in rage. Say, "Die in your rage. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكم إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾
واعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن تَحْذِيرِ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُخالَطَةِ المُنافِقِينَ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ السَّيِّدُ السَّرَخْسِيُّ سَلَّمَهُ اللَّهُ: (ها) لِلتَّنْبِيهِ و(أنْتُمْ) مُبْتَدَأٌ و﴿أُولاءِ﴾ خَبَرُهُ و﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ اسْمِ الإشارَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿أُولاءِ﴾ بِمَعْنى الَّذِينَ و﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ صِلَةٌ لَهُ، والمَوْصُولُ مَعَ الصِّلَةِ خَبَرُ (أنْتُمْ) وقالَ الفَرّاءُ ﴿أُولاءِ﴾ خَبَرٌ و﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أُمُورًا ثَلاثَةً، كُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى أنَّ المُؤْمِنَ لا يَجُوزُ أنْ يَتَّخِذَ غَيْرَ المُؤْمِنِ بِطانَةً لِنَفْسِهِ. فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ. أحَدُها: قالَ المُفَضَّلُ: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ تُرِيدُونَ لَهُمُ الإسْلامَ وهو خَيْرُ الأشْياءِ ﴿ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ لِأنَّهم يُرِيدُونَ بَقاءَكم عَلى الكُفْرِ، ولا شَكَّ أنَّهُ يُوجِبُ الهَلاكَ. الثّانِي: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ما بَيْنَكم وبَيْنَهم مِنَ الرَّضاعَةِ والمُصاهَرَةِ ﴿ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ بِسَبَبِ كَوْنِكم مُسْلِمِينَ. الثّالِثُ: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم أظْهَرُوا لَكُمُ الإيمانَ ﴿ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّ الكُفْرَ مُسْتَقِرٌّ في باطِنِهِمْ. الرّابِعُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ بِمَعْنى أنَّكم لا تُرِيدُونَ إلْقاءَهم في الآفاتِ والمِحَنِ ﴿ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ بِمَعْنى أنَّهم يُرِيدُونَ إلْقاءَكم في الآفاتِ والمِحَنِ ويَتَرَبَّصُونَ بِكُمُ الدَّوائِرَ. الخامِسُ: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم يُظْهِرُونَ لَكم مَحَبَّةَ الرَّسُولِ، ومُحِبُّ المَحْبُوبِ مَحْبُوبٌ ﴿ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّكم تُحِبُّونَ الرَّسُولَ وهم يُبْغِضُونَ الرَّسُولَ، ومُحِبُّ المَبْغُوضِ مَبْغُوضٌ. السّادِسُ: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ أيْ تُخالِطُونَهم، وتُفْشُونَ إلَيْهِمْ أسْرارَكم في أُمُورِ دِينِكم ﴿ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ أيْ لا يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ بِكم.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرْناها إشارَةٌ إلى الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِكَوْنِ المُؤْمِنِينَ يُحِبُّونَهم ولِكَوْنِهِمْ يُبْغِضُونَ المُؤْمِنِينَ، فالكُلُّ داخِلٌ تَحْتِ الآيَةِ، ولَمّا عَرَّفَهم تَعالى كَوْنَهم مُبْغِضِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ وعَرَّفَهم أنَّهم مُبْطِلُونَ في ذَلِكَ البُغْضِ صارَ ذَلِكَ داعِيًا مِن حَيْثُ الطَّبْعِ، ومِن حَيْثُ الشَّرْعِ إلى أنْ يَصِيرَ المُؤْمِنُونَ مُبْغِضِينَ لِهَؤُلاءِ المُنافِقِينَ.
* * *
والسَّبَبُ الثّانِي لِذَلِكَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، وحَسُنَ الحَذْفُ لِما بَيَّنّا أنَّ الضِّدَّيْنِ يُعْلَمانِ مَعًا فَكانَ ذِكْرُ أحَدِهِما مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ (الكِتابَ) بِلَفْظِ الواحِدِ لِوُجُوهٍ. أحَدُها: أنَّهُ ذَهَبَ بِهِ مَذْهَبَ الجِنْسِ كَقَوْلِهِمْ: كَثُرَ الدِّرْهَمُ في أيْدِي النّاسِ. وثانِيها: أنَّ المَصْدَرَ لا يُجْمَعُ إلّا عَلى التَّأْوِيلِ، فَلِهَذا لَمْ يَقُلِ الكُتُبَ بَدَلًا مِنَ الكِتابِ، وإنْ كانَ لَوْ قالَهُ لَجازَ تَوَسُّعًا.
صفحة ١٧٦
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: أنَّكم تُؤْمِنُونَ بِكُتُبِهِمْ كُلِّها وهم مَعَ ذَلِكَ يُبْغِضُونَكم فَما بالُكم مَعَ ذَلِكَ تُحِبُّونَهم وهم لا يُؤْمِنُونَ بِشَيْءٍ مِن كِتابِكم، وفِيهِ تَوْبِيخٌ شَدِيدٌ بِأنَّهم في باطِلِهِمْ أصْلَبُ مِنكم في حَقِّكم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] .
* * *
السَّبَبُ الثّالِثُ لِقُبْحِ هَذِهِ المُخالَطَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ إذا خَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ أظْهَرُوا شِدَّةَ العَداوَةِ، وشِدَّةَ الغَيْظِ عَلى المُؤْمِنِينَ حَتّى تَبْلُغَ تِلْكَ الشِّدَّةُ إلى عَضِّ الأنامِلِ، كَما يَفْعَلُ ذَلِكَ أحَدُنا إذا اشْتَدَّ غَيْظُهُ وعَظُمَ حُزْنُهُ عَلى فَواتِ مَطْلُوبِهِ، ولَمّا كَثُرَ هَذا الفِعْلُ مِنَ الغَضْبانِ، صارَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الغَضَبِ حَتّى يُقالَ في الغَضْبانِ: إنَّهُ يَعَضُّ يَدَهُ غَيْظًا وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ عَضٌّ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما حَصَلَ لَهم هَذا الغَيْظُ الشَّدِيدُ لِما رَأوْا مِنَ ائْتِلافِ المُؤْمِنِينَ واجْتِماعِ كَلِمَتِهِمْ وصَلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ وهو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزْدادَ غَيْظُهم حَتّى يَهْلَكُوا بِهِ، والمُرادُ مِنَ ازْدِيادِ الغَيْظِ ازْدِيادُ ما يُوجِبُ لَهم ذَلِكَ الغَيْظَ مِن قُوَّةِ الإسْلامِ وعِزَّةِ أهْلِهِ وما لَهم في ذَلِكَ مِنَ الذُّلِّ والخِزْيِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ أمْرٌ لَهم بِالإقامَةِ عَلى الغَيْظِ، وذَلِكَ الغَيْظُ كُفْرٌ، فَكانَ هَذا أمْرًا بِالإقامَةِ عَلى الكُفْرِ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ.
قُلْنا: قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ دُعاءٌ بِازْدِيادِ ما يُوجِبُ هَذا الغَيْظَ وهو قُوَّةُ الإسْلامِ، فَسَقَطَ السُّؤالُ:
وأيْضًا فَإنَّهُ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالمَوْتِ قَبْلَ بُلُوغِ ما يَتَمَنَّوْنَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: (ذاتُ) كَلِمَةٌ وُضِعَتْ لِنِسْبَةِ المُؤَنَّثِ كَما أنَّ (ذُو) كَلِمَةٌ وُضِعَتْ لِنِسْبَةِ المُذَكَّرِ والمُرادُ بِذاتِ الصُّدُورِ الخَواطِرُ القائِمَةُ بِالقَلْبِ والدَّواعِي والصَّوارِفُ المَوْجُودَةُ فِيهِ وهي لِكَوْنِها حالَّةً في القَلْبِ مُنْتَسِبَةً إلَيْهِ فَكانَتْ ذاتَ الصُّدُورِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ ما حَصَلَ في قُلُوبِكم مِنَ الخَواطِرِ والبَواعِثِ والصَّوارِفِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ داخِلَةً في جُمْلَةِ المَقُولِ، وأنْ لا تَكُونَ. أمّا الأوَّلُ: فالتَّقْدِيرُ: أخْبِرْهم بِما يُسِرُّونَهُ مِن عَضِّهِمُ الأنامِلَ غَيْظًا إذا خَلَوْا وقُلْ لَهم: إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما هو أخْفى مِمّا تُسِرُّونَهُ بَيْنَكم، وهو مُضْمَراتُ الصُّدُورِ، فَلا تَظُنُّوا أنَّ شَيْئًا مِن أسْرارِكم يَخْفى عَلَيْهِ. أمّا الثّانِي: وهو أنْ لا يَكُونَ داخِلًا في المَقُولِ فَمَعْناهُ: قُلْ لَهم ذَلِكَ يا مُحَمَّدُ ولا تَتَعَجَّبْ مِن إطْلاعِي إيّاكَ عَلى ما يُسِرُّونَ، فَإنِّي أعْلَمُ ما هو أخْفى مِن ذَلِكَ، وهو ما أضْمَرُوهُ في صُدُورِهِمْ ولَمْ يُظْهِرُوهُ بِألْسِنَتِهِمْ ويَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ، ثُمَّ قَوْلُ وأنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ أمْرُ الرَّسُولِ ﷺ بِطِيبِ النَّفْسِ وقُوَّةِ الرَّجاءِ والِاسْتِبْشارِ بِوَعْدِ اللَّهِ إيّاهُ أنَّهم يَهْلَكُونَ غَيْظًا بِإعْزازِ الإسْلامِ وإذْلالِهِمْ بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: حَدِّثْ نَفْسَكَ بِذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
3:120Page 65
إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ١٢٠
If good touches you, it distresses them; but if harm strikes you, they rejoice at it. And if you are patient and fear Allāh, their plot will not harm you at all. Indeed, Allāh is encompassing of what they do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن تَمامِ وصْفِ المُنافِقِينَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم مَعَ ما لَهم مِنَ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ والأفْعالِ القَبِيحَةِ مُتَرَقِّبُونَ نُزُولَ نَوْعٍ مِنَ المِحْنَةِ والبَلاءِ بِالمُؤْمِنِينَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَسُّ أصْلُهُ بِاليَدِ ثُمَّ يُسَمّى كُلُّ ما يَصِلُ إلى الشَّيْءِ (ماسًّا) عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، فَيُقالُ: فُلانٌ مَسَّهُ التَّعَبُ والنَّصَبُ، قالَ تَعالى: ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] وقالَ: ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ﴾ [الإسراء: ٦٧] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المَسُّ هاهُنا بِمَعْنى الإصابَةِ، قالَ تَعالى: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ [التوبة: ٥٠] وقَوْلُهُ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] وقالَ: ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِنَ الحَسَنَةِ هاهُنا مَنفَعَةُ الدُّنْيا عَلى اخْتِلافِ أحْوالِها، فَمِنها صِحَّةُ البَدَنِ وحُصُولُ الخِصْبِ والفَوْزُ بِالغَنِيمَةِ والِاسْتِيلاءُ عَلى الأعْداءِ وحُصُولُ المَحَبَّةِ والأُلْفَةِ بَيْنَ الأحْبابِ، والمُرادُ بِالسَّيِّئَةِ أضْدادُها، وهي المَرَضُ والفَقْرُ والهَزِيمَةُ والِانْهِزامُ مِنَ العَدُوِّ وحُصُولُ التَّفَرُّقِ بَيْنَ الأقارِبِ، والقَتْلُ والنَّهْبُ والغارَةُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يَحْزَنُونَ ويَغْتَمُّونَ بِحُصُولِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الحَسَنَةِ لِلْمُسْلِمِينَ ويَفْرَحُونَ بِحُصُولِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ السَّيِّئَةِ لَهم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُقالُ ساءَ الشَّيْءُ يَسُوءُ فَهو سَيِّئٌ، والأُنْثى سَيِّئَةٌ أيْ قَبُحَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦] والسَّوْأى ضِدُّ الحُسْنى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا﴾ يَعْنِي عَلى طاعَةِ اللَّهِ وعَلى ما يَنالُكم فِيها مِن شِدَّةٍ وغَمٍّ (وتَتَّقُوا) كُلَّ ما نَهاكم عَنْهُ وتَتَوَكَّلُوا في أُمُورِكم عَلى اللَّهِ ﴿لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو: (لا يَضِرْكم) بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الضّادِ وسُكُونِ الرّاءِ، وهو مِن ضارَهُ يَضِيرُهُ، ويَضُورُهُ ضَوْرًا إذا ضَرَّهُ، والباقُونَ ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ بِضَمِّ الضّادِ والرّاءِ المُشَدَّدَةِ وهو مِنَ الضُّرِّ، وأصْلُهُ يَضْرُرْكم جَزْمًا، فَأُدْغِمَتِ الرّاءُ في الرّاءِ ونُقِلَتْ ضَمَّةُ الرّاءِ الأُولى إلى الضّادِ وضُمَّتِ الرّاءُ الأخِيرَةُ اتِّباعًا لِأقْرَبِ الحَرَكاتِ وهي ضَمَّةُ الضّادِ، وقالَ بَعْضُهم: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ تَقْدِيرُهُ: ولا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ (لا يَضُرَّكم) بِفَتْحِ الرّاءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكَيْدُ هو أنْ يَحْتالَ الإنْسانُ لِيُوقِعَ غَيْرَهُ في مَكْرُوهٍ، وابْنُ عَبّاسٍ فَسَّرَ الكَيْدَ هاهُنا بِالعَداوَةِ.
صفحة ١٧٨
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (شَيْئًا) نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ أيْ شَيْئًا مِنَ الضُّرِّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ كُلَّ مَن صَبَرَ عَلى أداءِ أوامِرِ اللَّهِ تَعالى واتَّقى كُلَّ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ كانَ في حِفْظِ اللَّهِ فَلا يَضُرُّهُ كَيْدُ الكافِرِينَ ولا حِيَلُ المُحْتالِينَ.
وتَحْقِيقُ الكَلامِ في ذَلِكَ هو أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما خَلَقَ الخَلْقَ لِلْعُبُودِيَّةِ كَما قالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فَمَن وفى بِعَهْدِ العُبُودِيَّةِ في ذَلِكَ فاللَّهُ سُبْحانَهُ أكْرَمُ مِن أنْ لا يَفِيَ بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ في حِفْظِهِ عَنِ الآفاتِ والمَخافاتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] إشارَةٌ إلى أنَّهُ يُوَصِّلُ إلَيْهِ كُلَّ ما يَسُرُّهُ، وقالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: إذا أرَدْتَ أنْ تَكْبِتَ مَن يَحْسُدُ فاجْتَهِدْ في اكْتِسابِ الفَضائِلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ (بِما يَعْمَلُونَ) بِالياءِ عَلى سَبِيلِ المُغايَبَةِ بِمَعْنى أنَّهُ عالِمٌ بِما يَعْمَلُونَ في مُعاداتِكم فَيُعاقِبُهم عَلَيْهِ، ومَن قَرَأ بِالتّاءِ عَلى سَبِيلِ المُخاطَبَةِ، فالمَعْنى أنَّهُ عالِمٌ مُحِيطٌ بِما تَعْمَلُونَ مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى فَيَفْعَلُ بِكم ما أنْتُمْ أهْلُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إطْلاقُ لَفْظِ المُحِيطِ عَلى اللَّهِ مَجازٌ، لِأنَّ المُحِيطَ بِالشَّيْءِ هو الَّذِي يُحِيطُ بِهِ مِن كُلِّ جَوانِبِهِ، وذَلِكَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ عالِمًا بِكُلِّ الأشْياءِ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، جازَ في مَجازِ اللُّغَةِ أنَّهُ مُحِيطٌ بِها، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] وقالَ: ﴿واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩] وقالَ: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١١] وقالَ: ﴿وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ إنَّ اللَّهَ مُحِيطٌ بِما يَعْمَلُونَ لِأنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ والَّذِي هم بِشَأْنِهِ أعْنى، ولَيْسَ المَقْصُودُ هاهُنا بَيانَ كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِمْ مَعْلُومَةٌ لِلَّهِ تَعالى ومُجازِيهِمْ عَلَيْها فَلا جَرَمَ قَدْ ذَكَرَ العَمَلَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
3:121Page 65
وَإِذۡ غَدَوۡتَ مِنۡ أَهۡلِكَ تُبَوِّئُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلۡقِتَالِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٢١
And [remember] when you, [O Muḥammad], left your family in the morning to post the believers at their stations for the battle [of Uḥud] - and Allāh is Hearing and Knowing -
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّهم عَلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ في بابِ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ ودَفْعِ مَضارِّ العَدُوِّ إذا هم صَبَرُوا واتَّقَوْا، وخِلافُ ذَلِكَ فِيهِمْ إذا لَمْ
صفحة ١٧٩
يَصْبِرُوا فَقالَ: ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ﴾ يَعْنِي أنَّهم يَوْمَ أُحُدٍ كانُوا كَثِيرِينَ لِلْقِتالِ، فَلَمّا خالَفُوا أمْرَ الرَّسُولِ انْهَزَمُوا، ويَوْمَ بَدْرٍ كانُوا قَلِيلِينَ غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ لِلْقِتالِ فَلَمّا أطاعُوا أمْرَ الرَّسُولِ غَلَبُوا واسْتَوْلَوْا عَلى خُصُومِهِمْ، وذَلِكَ يُؤَكِّدُ قَوْلَنا، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الِانْكِسارَ يَوْمَ أُحُدٍ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ تَخَلُّفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ المُنافِقِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ اتِّخاذُ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ بِطانَةً وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ الأوَّلُ: تَقْدِيرُهُ واذْكُرْ إذْ غَدَوْتَ. والثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: هَذا كَلامٌ مَعْطُوفٌ بِالواوِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣] يَقُولُ: قَدْ كانَ لَكم في نَصْرِ اللَّهِ تِلْكَ الطّائِفَةَ القَلِيلَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى الطّائِفَةِ الكَثِيرَةِ مِنَ الكافِرِينَ مَوْضِعُ اعْتِبارٍ لِتَعْرِفُوا بِهِ أنَّ اللَّهَ ناصِرُ المُؤْمِنِينَ، وكانَ لَهم مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ إذْ غَدا الرَّسُولُ ﷺ يُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ. والثّالِثُ: العامِلُ فِيهِ مُحِيطٌ: تَقْدِيرُهُ واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ إذْ غَدَوْتَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا اليَوْمَ أيُّ يَوْمٍ هو ؟ فالأكْثَرُونَ: أنَّهُ يَوْمُ أُحُدٍ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ وابْنِ إسْحاقَ والرَّبِيعِ والأصَمِّ وأبِي مُسْلِمٍ، وقِيلَ: إنَّهُ يَوْمُ بَدْرٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقِيلَ إنَّهُ يَوْمُ الأحْزابِ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ، حُجَّةُ مَن قالَ هَذا اليَوْمُ هو يَوْمُ أُحُدٍ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ بِالمَغازِي زَعَمُوا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في وقْعَةِ أُحُدٍ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣] والظّاهِرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، ومِن حَقِّ المَعْطُوفِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وأمّا يَوْمُ الأحْزابِ، فالقَوْمُ إنَّما خالَفُوا أمْرَ الرَّسُولِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ لا يَوْمَ الأحْزابِ، فَكانَتْ قِصَّةُ أُحُدٍ ألْيَقَ بِهَذا الكَلامِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ تَقْرِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ فَثَبَتَ أنَّ هَذا اليَوْمَ هو يَوْمُ أُحُدٍ. الثّالِثُ: أنَّ الِانْكِسارَ واسْتِيلاءَ العَدُوِّ كانَ في يَوْمِ أُحُدٍ أكْثَرَ مِنهُ في يَوْمِ الأحْزابِ لِأنَّ في يَوْمِ أُحُدٍ قَتَلُوا جَمْعًا كَثِيرًا مِن أكابِرِ الصَّحابَةِ ولَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ يَوْمَ الأحْزابِ فَكانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى يَوْمِ أُحُدٍ أوْلى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ «أنَّ المُشْرِكِينَ نَزَلُوا بِأُحُدٍ يَوْمَ الأرْبِعاءِ فاسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْحابَهُ ودَعا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ ولَمْ يَدْعُهُ قَطُّ قَبْلَها فاسْتَشارَهُ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ وأكْثَرُ الأنْصارِ: يا رَسُولَ اللَّهِ أقِمْ بِالمَدِينَةِ ولا تَخْرُجْ إلَيْهِمْ واللَّهِ ما خَرَجْنا مِنها إلى عَدُوٍّ قَطُّ إلّا أصابَ مِنّا ولا دَخَلَ عَدُوٌّ عَلَيْنا إلّا أصَبْنا مِنهُ، فَكَيْفَ وأنْتَ فِينا ؟ فَدَعْهم فَإنْ أقامُوا أقامُوا بِشَرِّ مَوْضِعٍ وإنْ دَخَلُوا قَتَلَهُمُ الرِّجالُ في وُجُوهِهِمْ، ورَماهُمُ النِّساءُ والصِّبْيانُ بِالحِجارَةِ، وإنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خائِبِينَ، وقالَ آخَرُونَ: اخْرُجْ بِنا إلى هَؤُلاءِ الأكْلُبِ لِئَلّا يَظُنُّوا أنّا قَدْ خِفْناهم، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنِّي قَدْ رَأيْتُ في مَنامِي بَقَرًا تُذْبَحُ حَوْلِي فَأوَّلْتُها خَيْرًا ورَأيْتُ في ذُبابِ سَيْفِي ثَلْمًا فَأوَّلْتُهُ هَزِيمَةً ورَأيْتُ كَأنِّي أدْخَلْتُ يَدِي في دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأوَّلْتُهاالمَدِينَةَ فَإنْ رَأيْتُمْ أنْ تُقِيمُوا بِالمَدِينَةِ وتَدَعُوهم“ فَقالَ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مِنَ الَّذِينَ فاتَتْهم (بَدْرٌ) وأكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِالشَّهادَةِ يَوْمَ أُحُدٍ اخْرُجْ بِنا إلى أعْدائِنا فَلَمْ يَزالُوا بِهِ حَتّى دَخَلَ فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ، فَلَمّا لَبِسَ نَدِمَ القَوْمُ، وقالُوا: بِئْسَما صَنَعْنا نُشِيرُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ والوَحْيُ يَأْتِيهِ، فَقالُوا لَهُ اصْنَعْ يا رَسُولَ اللَّهِ ما رَأيْتَ، فَقالَ: ”لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَلْبَسَ لَأْمَتَهُ فَيَضَعُها حَتّى يُقاتِلَ“ فَخَرَجَ يَوْمَ الجُمُعَةِ بَعْدَ صَلاةِ الجُمُعَةِ وأصْبَحَ بِالشِّعْبِ مِن أُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِن شَوّالٍ، فَمَشى عَلى رِجْلَيْهِ وجَعَلَ
صفحة ١٨٠
يَصُفُّ أصْحابَهُ لِلْقِتالِ كَأنَّما يُقَوِّمُ بِهِمُ القِدْحَ إنْ رَأى صَدْرًا خارِجًا قالَ لَهُ تَأخَّرْ، وكانَ نُزُولُهُ في جانِبِ الوادِي، وجَعَلَ ظَهْرَهُ وعَسْكَرَهُ إلى أُحُدٍ وأمَّرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ عَلى الرُّماةِ، وقالَ: ادْفَعُوا عَنّا بِالنَّبْلِ حَتّى لا يَأْتُونا مِن ورائِنا، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأصْحابِهِ: اثْبُتُوا في هَذا المَقامِ، فَإذا عايَنُوكم ولُّوكُمُ الأدْبارَ، فَلا تَطْلُبُوا المُدْبِرِينَ ولا تَخْرُجُوا مِن هَذا المَقامِ، ثُمَّ إنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامَ لَمّا خالَفَ رَأْيَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وقالَ: أطاعَ الوِلْدانَ وعَصانِي، ثُمَّ قالَ لِأصْحابِهِ: إنَّ مُحَمَّدًا إنَّما يَظْفَرُ بِعَدُوِّهِ بِكم، وقَدْ وعَدَ أصْحابَهُ أنَّ أعْداءَهم إذا عايَنُوهُمُ انْهَزَمُوا، فَإذا رَأيْتُمْ أعْداءَهم فانْهَزِمُوا فَيَتْبَعُوكم، فَيَصِيرُ الأمْرُ عَلى خِلافِ ما قالَهُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا التَقى الفَرِيقانِ انْهَزَمَ عَبْدُ اللَّهِ بِالمُنافِقِينَ، وكانَ جُمْلَةُ عَسْكَرِ المُسْلِمِينَ ألْفًا، فانْهَزَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ مَعَ ثَلاثِمِائَةٍ، فَبَقِيَتْ سَبْعُمِائَةٍ، ثُمَّ قَوّاهُمُ اللَّهُ مَعَ ذَلِكَ حَتّى هَزَمُوا المُشْرِكِينَ، فَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ انْهِزامَ القَوْمِ، وكانَ اللَّهُ تَعالى بَشَّرَهم بِذَلِكَ، طَمِعُوا أنْ تَكُونَ هَذِهِ الواقِعَةُ كَواقِعَةِ بَدْرٍ، فَطَلَبُوا المُدْبِرِينَ وتَرَكُوا ذَلِكَ المَوْضِعَ، وخالَفُوا أمْرَ الرَّسُولِ ﷺ بَعْدَ أنْ أراهم ما يُحِبُّونَ، فَأرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَفْطِمَهم عَنْ هَذا الفِعْلِ لِئَلّا يُقْدِمُوا عَلى مُخالَفَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِيَعْلَمُوا أنَّ ظَفَرَهم إنَّما حَصَلَ يَوْمَ بَدْرٍ بِبَرَكَةِ طاعَتِهِمْ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، ومَتى تَرَكَهُمُ اللَّهُ مَعَ عَدُوِّهِمْ لَمْ يَقُومُوا لَهم فَنَزَعَ اللَّهُ الرُّعْبَ مِن قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، فَكَثُرَ عَلَيْهِمُ المُشْرِكُونَ وتَفَرَّقَ العَسْكَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣] وشُجَّ وجْهُ الرَّسُولِ ﷺ وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ وشُلَّتْ يَدُ طَلْحَةَ دُونَهُ، ولَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلّا أبُو بَكْرٍ وعَلِيٌّ والعَبّاسُ وسَعْدٌ، ووَقَعَتِ الصَّيْحَةُ في العَسْكَرِ أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، وكانَ رَجُلٌ يُكَنّى أبا سُفْيانَ مِنَ الأنْصارِ نادى الأنْصارَ وقالَ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ، فَرَجَعَ إلَيْهِ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، وكانَ قُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ وكَثُرَ فِيهِمُ الجِراحُ، فَقالَ ﷺ: ”رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا ذَبَّ عَنْ إخْوانِهِ“ وشَدَّ عَلى المُشْرِكِينَ بِمَن مَعَهُ حَتّى كَشَفَهم عَنِ القَتْلى والجَرْحى»، واللَّهُ أعْلَمُ.
والمَقْصُودُ مِنَ القِصَّةِ أنَّ الكُفّارَ كانُوا ثَلاثَةَ آلافٍ والمُسْلِمُونَ كانُوا ألْفًا وأقَلَّ، ثُمَّ رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ مَعَ ثَلاثِمِائَةٍ مِن أصْحابِهِ فَبَقِيَ الرَّسُولُ ﷺ مَعَ سَبْعِمِائَةٍ، فَأعانَهُمُ اللَّهُ حَتّى هَزَمُوا الكُفّارَ، ثُمَّ لَمّا خالَفُوا أمْرَ الرَّسُولِ واشْتَغَلُوا بِطَلَبِ الغَنائِمِ انْقَلَبَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ وانْهَزَمُوا ووَقَعَ ما وقَعَ، وكُلُّ ذَلِكَ يُؤَكِّدُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ وأنَّ المُقْبِلَ مَن أعانَهُ اللَّهُ، والمُدْبِرَ مَن خَذَلَهُ اللَّهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: يُقالُ: بَوَّأْتُهُ مَنزِلًا وبَوَّأْتُ لَهُ مَنزِلًا أيْ أنْزَلْتُهُ فِيهِ، والمَباءَةُ والباءَةُ المَنزِلُ وقَوْلُهُ: ﴿مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ أيْ مَواطِنَ ومَواضِعَ، وقَدِ اتَّسَعُوا في اسْتِعْمالِ المَقْعَدِ والمَقامِ بِمَعْنى المَكانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥] وقالَ: ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ [النمل: ٣٩] أيْ مِن مَجْلِسِكَ ومَوْضِعِ حُكْمِكَ وإنَّما عَبَّرَ عَنِ الأمْكِنَةِ هاهُنا بِالمَقاعِدِ لِوَجْهَيْنِ. الأوَّلُ: وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم أنْ يَثْبُتُوا في مَقاعِدِهِمْ لا يَنْتَقِلُوا عَنْها، والقاعِدُ في مَكانٍ لا يَنْتَقِلُ عَنْهُ، فَسَمّى تِلْكَ الأمْكِنَةَ بِالمَقاعِدِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم مَأْمُورُونَ بِأنْ يَثْبُتُوا فِيها ولا يَنْتَقِلُوا عَنْها ألْبَتَّةَ. والثّانِي: أنَّ المُقاتِلِينَ قَدْ يَقْعُدُونَ في الأمْكِنَةِ المُعَيَّنَةِ إلى أنْ يُلاقِيَهُمُ العَدُوُّ فَيَقُومُوا عِنْدَ الحاجَةِ إلى المُحارَبَةِ فَسُمِّيَتْ تِلْكَ الأمْكِنَةُ بِالمَقاعِدِ لِهَذا الوَجْهِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ يُرْوى «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ غَدا مِن مَنزِلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَمَشى عَلى رِجْلَيْهِ إلى أُحُدٍ»، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ والواقِدِيِّ، فَدَلَّ هَذا
صفحة ١٨١
النَّصُّ عَلى أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها كانَتْ أهْلًا لِلنَّبِيِّ ﷺ وقالَ تَعالى: ﴿والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ [النور: ٢٦] فَدَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّها مُطَهَّرَةٌ مُبَرَّأةٌ عَنْ كُلِّ قَبِيحٍ، ألا تَرى أنَّ ولَدَ نُوحٍ لَمّا كانَ كافِرًا قالَ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] وكَذَلِكَ امْرَأةُ لُوطٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ سَمِيعٌ لِأقْوالِكم عَلِيمٌ بِضَمائِرِكم ونِيّاتِكم، فَإنّا ذَكَرْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ شاوَرَ أصْحابَهُ في تِلْكَ الحَرْبِ، فَمِنهم مَن قالَ لَهُ: أقِمْ بِالمَدِينَةِ، ومِنهم مَن قالَ: اخْرُجْ إلَيْهِمْ، وكانَ لِكُلِّ أحَدٍ غَرَضٌ آخَرُ فِيما يَقُولُ، فَمِن مُوافِقٍ، ومِن مُخالِفٍ فَقالَ تَعالى: أنا سَمِيعٌ لِما يَقُولُونَ عَلِيمٌ بِما يُضْمِرُونَ.
3:122Page 66
إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٢٢
When two parties among you were about to lose courage, but Allāh was their ally; and upon Allāh the believers should rely.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكُمْ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: العامِلُ فِيهِ التَّبْوِئَةُ، والمَعْنى كانَتِ التَّبْوِئَةُ في ذَلِكَ الوَقْتِ. الثّانِي: العامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (إذْ غَدَوْتَ) .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الطّائِفَتانِ حَيّانِ مِنَ الأنْصارِ: بَنُو سَلَمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ وبَنُو حارِثَةَ مِنَ الأوْسِ لَمّا انْهَزَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ هَمَّتِ الطّائِفَتانِ بِاتِّباعِهِ، فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ، فَثَبَتُوا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ، ومِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أبْهَمَ ذِكْرَهُما وسَتَرَ عَلَيْهِما، فَلا يَجُوزُ لَنا أنْ نَهْتِكَ ذَلِكَ السِّتْرَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفَشَلُ الجُبْنُ والخَوَرُ، فَإنْ قِيلَ: الهَمُّ بِالشَّيْءِ هو العَزْمُ، فَظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الطّائِفَتَيْنِ عَزَمَتا عَلى الفَشَلِ والتَّرْكِ وذَلِكَ مَعْصِيَةٌ فَكَيْفَ بِهِما أنْ يُقالَ واللَّهُ ولِيُّهُما ؟
والجَوابُ: الهَمُّ قَدْ يُرادُ بِهِ العَزْمُ، وقَدْ يُرادُ بِهِ الفِكْرُ، وقَدْ يُرادُ بِهِ حَدِيثُ النَّفْسِ، وقَدْ يُرادُ بِهِ ما يَظْهَرُ مِنَ القَوْلِ الدّالِّ عَلى قُوَّةِ العَدُوِّ وكَثْرَةِ عَدَدِهِ ووُفُورِ عُدَدِهِ، لِأنَّ أيَّ شَيْءٍ ظَهَرَ مِن هَذا الجِنْسِ صَحَّ أنْ يُوصَفَ مَن ظَهَرَ ذَلِكَ مِنهُ بِأنَّهُ هَمَّ بِأنْ يَفْشَلَ مِن حَيْثُ ظَهَرَ مِنهُ ما يُوجِبُ ضَعْفَ القَلْبِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْصِيَةً وقَعَتْ مِنهُما، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ لَكِنَّها مِن بابِ الصَّغائِرِ لا مِن بابِ الكَبائِرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ فَإنَّ ذَلِكَ الهَمَّ لَوْ كانَ مِن بابِ الكَبائِرِ لَما بَقِيَتْ وِلايَةُ اللَّهِ لَهُما.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (واللَّهُ ولِيُّهم) كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المَعْنى وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الهَمَّ ما أخْرَجَهُما عَنْ وِلايَةِ اللَّهِ تَعالى. الثّانِي: كَأنَّهُ قِيلَ: اللَّهُ تَعالى ناصِرُهُما ومُتَوَلِّي أمْرِهِما فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِما هَذا الفَشَلُ وتَرْكُ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى ؟ الثّالِثُ: فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ الفَشَلَ إنَّما لَمْ يَدْخُلْ في الوُجُودِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ولِيُّهُما فَأمَدَّهُما بِالتَّوْفِيقِ والعِصْمَةِ، والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ أنَّهُ لَوْلا تَوْفِيقُهُ سُبْحانَهُ وتَسْدِيدُهُ لَما تَخَلَّصَ أحَدٌ عَنْ ظُلُماتِ المَعاصِي، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ما رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ ما يَسُرُّنا أنّا لَمْ نَهُمَّ بِما هَمَّتِ الطّائِفَتانِ بِهِ، وقَدْ أخْبَرَنا اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ ولِيُّهُما ؟
صفحة ١٨٢
قُلْنا: مَعْنى ذَلِكَ فَرْطُ الِاسْتِبْشارِ بِما حَصَلَ لَهم مِنَ الشَّرَفِ بِثَناءِ اللَّهِ تَعالى وإنْزالِهِ فِيهِمْ آيَةً ناطِقَةً بِصِحَّةِ الوِلايَةِ، وأنَّ تِلْكَ الهَمَّةَ ما أخْرَجَتْهم عَنْ وِلايَةِ اللَّهِ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ التَّوَكُّلُ: تَفْعُّلُ، مِن وكَلَ أمْرَهُ إلى فُلانٍ إذا اعْتَمَدَ فِيهِ كِفايَتَهُ عَلَيْهِ ولَمْ يَتَوَلَّهُ بِنَفْسِهِ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَدْفَعَ الإنْسانُ ما يَعْرِضُ لَهُ مِن مَكْرُوهٍ وآفَةٍ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، وأنْ يَصْرِفَ الجَزَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ التَّوَكُّلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences