Ar-RaziAli 'Imran · 3:133–137

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:133–137

3:133Page 67

۞ وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ ١٣٣

And hasten to forgiveness from your Lord and a garden [i.e., Paradise] as wide as the heavens and earth, prepared for the righteous

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (سارِعُوا) بِغَيْرِ واوٍ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ، والباقُونَ بِالواوِ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِ مَكَّةَ والعِراقِ ومُصْحَفِ عُثْمانَ، فَمَن قَرَأ بِالواوِ عَطَفَها عَلى ما قَبْلَها والتَّقْدِيرُ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وسارِعُوا، ومَن تَرَكَ الواوَ فَلِأنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ: (سارِعُوا) وقَوْلَهُ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣٢] كالشَّيْءِ الواحِدِ، ولِقُرْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنها مِنَ الآخَرِ في المَعْنى أسْقَطَ العاطِفَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ الإمالَةُ في (سارِعُوا) و﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ﴾ و(نُسارِعُ) وذَلِكَ جائِزٌ لِمَكانِ الرّاءِ المَسْكُورَةِ، ويَمْنَعُ كَما المَفْتُوحَةِ الإمالَةَ، كَذَلِكَ المَسْكُورَةُ يُمِيلُها.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالُوا: في الكَلامِ حَذْفٌ والمَعْنى: وسارِعُوا إلى ما يُوجِبُ مَغْفِرَةً مِن رَبِّكم ولا شَكَّ أنَّ المُوجِبَ لِلْمَغْفِرَةِ لَيْسَ إلّا فِعْلَ المَأْمُوراتِ وتَرْكَ المَنهِيّاتِ، فَكانَ هَذا أمْرًا بِالمُسارَعَةِ إلى فِعْلِ المَأْمُوراتِ وتَرْكِ المَنهِيّاتِ، وتَمَسَّكَ كَثِيرٌ مِنَ الأُصُولِيِّينَ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ يُوجِبُ الفَوْرَ ويَمْنَعُ مِنَ التَّراخِي ووَجْهُهُ ظاهِرٌ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ كَلِماتٌ:

إحْداها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الإسْلامُ، أقُولُ: وجْهُهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ المَغْفِرَةَ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ، والمُرادُ مِنهُ المَغْفِرَةُ العَظِيمَةُ المُتَناهِيَةُ في العِظَمِ وذَلِكَ هو المَغْفِرَةُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِ الإسْلامِ.

الثّانِي: رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هو أداءُ الفَرائِضِ، ووَجْهُهُ أنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَيَجِبُ أنْ يَعُمَّ الكُلَّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الإخْلاصُ وهو قَوْلُ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ووَجْهُهُ أنَّ المَقْصُودَ مِن جَمِيعِ العِباداتِ الإخْلاصُ، كَما قالَ: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البَيِّنَةِ: ٥]

الرّابِعُ: قالَ أبُو العالِيَةِ: هو الهِجْرَةُ.

والخامِسُ: أنَّهُ الجِهادُ وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ، ومُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، قالَ: لِأنَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٢١] إلى تَمامِ سِتِّينَ آيَةً نَزَلَ في يَوْمِ أُحُدٍ فَكانَ كُلُّ هَذِهِ الأوامِرِ والنَّواهِي مُخْتَصَّةً بِما يَتَعَلَّقُ بِبابِ الجِهادِ.

السّادِسُ: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّها التَّكْبِيرَةُ الأُولى.

والسّابِعُ: قالَ عُثْمانُ: إنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ.

والثّامِنُ: قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّها جَمِيعُ الطّاعاتِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ فَيَتَناوَلُ الكُلَّ.

والتّاسِعُ: قالَ الأصَمُّ: سارِعُوا، أيْ بادِرُوا إلى التَّوْبَةِ مِنَ الرِّبا والذُّنُوبِ، والوَجْهُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى نَهى أوَّلًا عَنِ الرِّبا، ثُمَّ قالَ: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ المُسارَعَةُ في تَرْكِ ما تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْهُ، والأوْلى ما تَقَدَّمَ مِن وُجُوبِ حَمْلِهِ عَلى أداءِ الواجِباتِ والتَّوْبَةِ عَنْ جَمِيعِ المَحْظُوراتِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ فَلا وجْهَ في تَخْصِيصِهِ، ثُمَّ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ كَما تَجِبُ المُسارَعَةُ إلى المَغْفِرَةِ فَكَذَلِكَ تَجِبُ المُسارَعَةُ إلى الجَنَّةِ، وإنَّما فُصِلَ بَيْنَهُما لِأنَّ الغُفْرانَ مَعْناهُ إزالَةُ العُقابِ، والجَنَّةُ مَعْناها إيصالُ الثَّوابِ، فَجَمَعَ بَيْنَهُما لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ لا بُدَّ لِلْمُكَلَّفِ مِن تَحْصِيلِ الأمْرَيْنِ، فَأمّا وصْفُ الجَنَّةِ بِأنَّ عَرْضَها السَّماواتُ: فَمَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ لِأنَّ نَفْسَ السَّماواتِ لا تَكُونُ عَرْضًا لِلْجَنَّةِ، فالمُرادُ كَعِرْضِ السَّماواتِ والأرْضِ وهاهُنا سُؤالاتٌ.

صفحة ٦

السُّؤالُ الأوَّلُ: ما مَعْنى أنَّ عَرْضَها مِثْلُ عَرْضٍ السَّماواتِ والأرْضِ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ لَوْ جُعِلَتِ السَّماواتُ والأرَضُونَ طَبَقًا طَبَقًا بِحَيْثُ يَكُونُ كُلُّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الطَّبَقاتِ سَطْحًا مُؤَلَّفًا مِن أجْزاءٍ لا تَتَجَزَّأُ، ثُمَّ وُصِلَ البَعْضُ بِالبَعْضِ طَبَقًا واحِدًا لَكانَ ذَلِكَ مِثْلَ عَرْضِ الجَنَّةِ، وهَذا غايَةٌ في السَّعَةِ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ.

والثّانِي: أنَّ الجَنَّةَ الَّتِي يَكُونُ عَرْضُها مِثْلَ عَرْضِ السَّماواتِ والأرْضِ إنَّما تَكُونُ لِلرَّجُلِ الواحِدِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إنَّما يَرْغَبُ فِيما يَصِيرُ مُلْكًا، فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ الجَنَّةُ المَمْلُوكَةُ لِكُلِّ واحِدٍ مِقْدارُها هَذا.

الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الجَنَّةَ لَوْ عُرِضَتْ بِالسَّماواتِ والأرْضِ عَلى سَبِيلِ البَيْعِ لَكانَتا ثَمَنًا لِلْجَنَّةِ، تَقُولُ إذا بِعْتَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ الآخَرِ: عَرَضْتُهُ عَلَيْهِ وعارَضْتُهُ بِهِ، فَصارَ العَرْضُ يُوضَعُ مَوْضِعَ المُساواةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ في القَدْرِ، وكَذا أيْضًا مَعْنى القِيمَةِ لِأنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن مُقاوَمَةِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ حَتّى يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مِثْلًا لِلْآخَرِ.

الرّابِعُ: المَقْصُودُ المُبالَغَةُ في وصْفِ سَعَةِ الجَنَّةِ وذَلِكَ لِأنَّهُ لا شَيْءَ عِنْدَنا أعْرَضُ مِنهُما ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ [هُودٍ: ١٠٧] فَإنَّ أطْوَلَ الأشْياءِ بَقاءً عِنْدَنا هو السَّماواتُ والأرْضُ، فَخُوطِبْنا عَلى وفْقِ ما عَرَفْناهُ، فَكَذا هاهُنا.

السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ خُصَّ العَرْضُ بِالذِّكْرِ ؟ .

والجَوابُ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا كانَ العَرْضُ ذَلِكَ فالظّاهِرُ أنَّ الطُّولَ يَكُونُ أعْظَمَ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٥٤] وإنَّما ذَكَرَ البَطائِنَ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّها تَكُونُ أقَلَّ حالًا مِنَ الظِّهارَةِ، فَإذا كانَتِ البِطانَةُ هَكَذا فَكَيْفَ الظِّهارَةُ ؟ فَكَذا هاهُنا إذا كانَ العَرْضُ هَكَذا فَكَيْفَ الطُّولُ ؟ .

والثّانِي: قالَ القَفّالُ: لَيْسَ المُرادُ بِالعَرْضِ هاهُنا ما هو خِلافُ الطُّولِ، بَلْ هو عِبارَةٌ عَنِ السَّعَةِ كَما تَقُولُ العَرَبُ: بِلادٌ عَرِيضَةٌ، ويُقالُ هَذِهِ دَعْوى عَرِيضَةٌ، أيْ: واسِعَةٌ عَظِيمَةٌ، والأصْلُ فِيهِ أنَّ ما اتَّسَعَ عَرْضُهُ لَمْ يَضِقْ، وما ضاقَ عَرْضُهُ دَقَّ، فَجُعِلَ العَرْضُ كِنايَةً عَنِ السَّعَةِ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: أنْتُمْ تَقُولُونَ: الجَنَّةُ في السَّماءِ فَكَيْفَ يَكُونُ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ ؟

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِنا: إنَّها فَوْقَ السَّماواتِ وتَحْتَ العَرْشِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: في صِفَةِ الفِرْدَوْسِ ”«سَقْفُها عَرْشُ الرَّحْمَنِ» “ ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ هِرَقَلَ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ وقالَ: إنَّكَ تَدْعُو إلى جَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ فَأيْنَ النّارُ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: سُبْحانَ اللَّهِ فَأيْنَ اللَّيْلُ إذا جاءَ النَّهارُ» ؟ .

والمَعْنى واللَّهُ أعْلَمُ أنَّهُ إذا دارَ الفَلَكُ حَصَلَ النَّهارُ في جانِبٍ مِنَ العالَمِ واللَّيْلُ في ضِدِّ ذَلِكَ الجانِبِ، فَكَذا الجَنَّةُ في جِهَةِ العُلُوِّ والنّارُ في جِهَةِ السُّفْلِ، وسُئِلَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنِ الجَنَّةِ أفِي الأرْضِ أمْ في السَّماءِ ؟ فَقالَ: وأيُّ أرْضٍ وسَماءٍ تَسَعُ الجَنَّةَ، قِيلَ فَأيْنَ هي ؟ قالَ: فَوْقَ السَّماواتِ السَّبْعِ تَحْتَ العَرْشِ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ الجَنَّةُ والنّارُ غَيْرُ مَخْلُوقَتَيْنِ الآنَ، بَلِ اللَّهُ تَعالى يَخْلُقُهُما بَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الجَنَّةُ مَخْلُوقَةً في مَكانِ السَّماواتِ والنّارُ في مَكانِ الأرْضِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ فَظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَنَّةَ والنّارَ مَخْلُوقَتانِ الآنَ وقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ

3:134Page 67

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣٤

Who spend [in the cause of Allāh] during ease and hardship and who restrain anger and who pardon the people - and Allāh loves the doers of good;

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الجَنَّةَ مُعَدَّةٌ لِلْمُتَّقِينَ ذَكَرَ صِفاتِ المُتَّقِينَ حَتّى يَتَمَكَّنَ الإنْسانُ مِنَ اكْتِسابِ الجَنَّةِ بِواسِطَةِ اكْتِسابِ تِلْكَ الصِّفاتِ.

فالصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى أنَّهم في حالِ الرَّخاءِ واليُسْرِ والقُدْرَةِ والعُسْرِ لا يَتْرُكُونَ الإنْفاقَ، وبِالجُمْلَةِ فالسَّرّاءُ هو الغِنى، والضَّرّاءُ هو الفَقْرُ. يُحْكى عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّهُ رُبَّما تَصَدَّقَ بِبَصَلَةٍ، وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّها تَصَدَّقَتْ بِحَبَّةِ عِنَبٍ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى أنَّهم سَواءٌ كانُوا في سُرُورٍ أوْ في حُزْنٍ أوْ في عُسْرٍ أوْ في يُسْرٍ فَإنَّهم لا يَدَعُونَ الإحْسانَ إلى النّاسِ.

الثّالِثُ: المَعْنى أنَّ ذَلِكَ الإحْسانَ والإنْفاقَ سَواءٌ سَرَّهم بِأنْ كانَ عَلى وفْقِ طَبْعِهِمْ، أوْ ساءَهم بِأنْ كانَ عَلى خِلافِ طَبْعِهِمْ فَإنَّهم لا يَتْرُكُونَهُ، وإنَّما افْتَتَحَ اللَّهُ بِذِكْرِ الإنْفاقِ؛ لِأنَّهُ طاعَةٌ شاقَّةٌ ولِأنَّهُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أشْرَفَ الطّاعاتِ لِأجْلِ الحاجَةِ إلَيْهِ في مُجاهَدَةِ العَدُوِّ ومُواساةِ فُقَراءِ المُسْلِمِينَ.

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: كَظَمَ غَيْظَهُ إذا سَكَتَ عَلَيْهِ ولَمْ يُظْهِرْهُ لا بِقَوْلٍ ولا بِفِعْلٍ قالَ: المُبَرِّدُ تَأْوِيلُهُ أنَّهُ كَتَمَ عَلى امْتِلائِهِ مِنهُ، يُقالُ: كَظَمْتُ السِّقاءَ إذا مَلَأْتَهُ وسَدَدْتَ عَلَيْهِ، ويُقالُ: فُلانٌ لا يَكْظِمُ عَلى جَرَّتِهِ إذا كانَ لا يَحْتَمِلُ شَيْئًا، وكُلُّ ما سَدَدْتَ مِن مَجْرى ماءٍ أوْ بابٍ أوْ طَرِيقٍ فَهو كَظْمٌ، والَّذِي يُسَدُّ بِهِ يُقالُ لَهُ الكِظامَةُ والسِّدادَةُ، ويُقالُ لِلْقَناةِ الَّتِي تَجْرِي في بَطْنِ الأرْضِ كِظامَةٌ، لِامْتِلائِها بِالماءِ كامْتِلاءِ القِرَبِ المَكْظُومَةِ، ويُقالُ: أخَذَ فُلانٌ بِكَظْمِ فُلانٍ إذا أخَذَ بِمَجْرى نَفَسِهِ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ الِامْتِلاءِ بِالنَّفَسِ، وكَظَمَ البَعِيرُ كُظُومًا إذا أمْسَكَ عَلى ما في جَوْفِهِ ولَمْ يَجْتَرَّ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ الَّذِينَ يَكُفُّونَ غَيْظَهم عَنِ الإمْضاءِ يَرُدُّونَ غَيْظَهم في أجْوافِهِمْ، وهَذا الوَصْفُ مِن أقْسامِ الصَّبْرِ والحِلْمِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ [الشُّورى: ٣٧] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأ اللَّهُ قَلْبَهُ أمْنًا وإيمانًا» “ «وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لِأصْحابِهِ ”تَصَدَّقُوا“ فَتَصَدَّقُوا بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ والطَّعامِ، وأتاهُ الرَّجُلُ بِقُشُورِ التَّمْرِ فَتَصَدَّقَ بِهِ، وجاءَهُ آخَرُ فَقالَ: واللَّهِ ما عِنْدِي ما أتَصَدَّقُ بِهِ، ولَكِنْ أتَصَدَّقُ بِعِرْضِي فَلا أُعاقِبُ أحَدًا بِما يَقُولُهُ في حَدِيثِهِ، فَوَفَدَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن قَوْمِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وفْدٌ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”لَقَدْ تَصَدَّقَ مِنكم رَجُلٌ بِصَدَقَةٍ ولَقَدْ قَبِلَها اللَّهُ مِنهُ تَصَدَّقَ بِعِرْضِهِ“» وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَسْتَطِيعُ أنْ يُنْفِذَهُ زَوَّجَهُ اللَّهُ مِنَ الحُورِ العِينِ حَيْثُ يَشاءُ» “ وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما مِن جَرْعَتَيْنِ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِن جَرْعَةٍ مُوجِعَةٍ يَجْرَعُها صاحِبُها بِصَبْرٍ وحُسْنِ عَزاءٍ، ومِن جَرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَها» “ وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”«لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرْعَةِ لَكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» “ .

صفحة ٨

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا راجِعًا إلى ما ذُمَّ مِن فِعْلِ المُشْرِكِينَ في أكْلِ الرِّبا، فَنُهِيَ المُؤْمِنُونَ عَنْ ذَلِكَ ونُدِبُوا إلى العَفْوِ عَنِ المُعْسِرِينَ.

قالَ تَعالى عَقِيبَ قِصَّةِ الرِّبا والتَّدايُنِ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٠] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَما قالَ في الدِّيَةِ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٠] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا بِسَبَبِ «غَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ مَثَّلُوا بِحَمْزَةَ وقالَ: ”لَأُمَثِّلَنَّ بِهِمْ“» فَنُدِبَ إلى كَظْمِ هَذا الغَيْظِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ والكَفِّ عَنْ فِعْلِ ما ذَكَرَ أنَّهُ يَفْعَلُهُ مِنَ المُثْلَةِ، فَكانَ تَرْكُهُ فِعْلَ ذَلِكَ عَفْوًا، قالَ تَعالى: في هَذِهِ القِصَّةِ ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٦] قالَ ﷺ: ”«لا يَكُونُ العَبْدُ ذا فَضْلٍ حَتّى يَصِلَ مَن قَطَعَهُ، ويَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، ويُعْطِيَ مَن حَرَمَهُ» “ ورُوِيَ عَنْ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: لَيْسَ الإحْسانُ أنْ تُحْسِنَ إلى مَن أحْسَنَ إلَيْكَ، ذَلِكَ مُكافَأةٌ، إنَّما الإحْسانُ أنْ تُحْسِنَ إلى مَن أساءَ إلَيْكَ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلْجِنْسِ فَيَتَناوَلُ كُلَّ مُحْسِنٍ ويَدْخُلُ تَحْتَهُ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ، وأنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ فَيَكُونَ إشارَةً إلى هَؤُلاءِ.

واعْلَمْ أنَّ الإحْسانَ إلى الغَيْرِ إمّا أنْ يَكُونَ بِإيصالِ النَّفْعِ إلَيْهِ أوْ بِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ. أمّا إيصالُ النَّفْعِ إلَيْهِ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ﴾ ويَدْخُلُ فِيهِ إنْفاقُ العِلْمِ، وذَلِكَ بِأنْ يَشْتَغِلَ بِتَعْلِيمِ الجاهِلِينَ وهِدايَةِ الضّالِّينَ، ويَدْخُلُ فِيهِ إنْفاقُ المالِ في وُجُوهِ الخَيْراتِ والعِباداتِ وأمّا دَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ الغَيْرِ فَهو إمّا في الدُّنْيا، وهو أنْ لا يَشْتَغِلَ بِمُقابَلَةِ تِلْكَ الإساءَةِ بِإساءَةٍ أُخْرى، وهو المُرادُ بِكَظْمِ الغَيْظِ، وإمّا في الآخِرَةِ وهو أنْ يُبَرِّئَ ذِمَّتَهُ عَنِ التَّبِعاتِ والمُطالَباتِ في الآخِرَةِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا الوَجْهِ دالَّةً عَلى جَمِيعِ جِهاتِ الإحْسانِ إلى الغَيْرِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ مُشْتَرِكَةً في كَوْنِها إحْسانًا إلى الغَيْرِ ذَكَرَ ثَوابَها فَقالَ: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ فَإنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ أعَمُّ دَرَجاتِ الثَّوابِ.

3:135–136Page 67

وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٣٥

And those who, when they commit an immorality or wrong themselves [by transgression], remember Allāh and seek forgiveness for their sins - and who can forgive sins except Allāh? - and [who] do not persist in what they have done while they know.

أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ١٣٦

Those - their reward is forgiveness from their Lord and gardens beneath which rivers flow [in Paradise], wherein they will abide eternally; and excellent is the reward of the [righteous] workers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾

واعْلَمْ أنَّ وجْهَ النَّظْمِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الجَنَّةَ بِأنَّها مُعَدَّةٌ لِلْمُتَّقِينَ بَيَّنَ أنَّ المُتَّقِينَ قِسْمانِ:

أحَدُهُما: الَّذِينَ أقْبَلُوا عَلى الطّاعاتِ والعِباداتِ، وهُمُ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِالإنْفاقِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وكَظْمِ الغَيْظِ، والعَفْوِ عَنِ النّاسِ.

وثانِيهُما: الَّذِينَ أذْنَبُوا ثُمَّ تابُوا وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾

صفحة ٩

وبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الفِرْقَةَ كالفِرْقَةِ الأُولى في كَوْنِها مُتَّقِيَةً، وذَلِكَ لِأنَّ المُذْنِبَ إذا تابَ عَنِ الذَّنْبِ صارَ حالُهُ كَحالِ مَن لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ في اسْتِحْقاقِ المَنزِلَةِ والكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى نَدَبَ في الآيَةِ الأُولى إلى الإحْسانِ إلى الغَيْرِ، ونَدَبَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى الإحْسانِ إلى النَّفْسِ، فَإنَّ المُذْنِبَ العاصِيَ إذا تابَ كانَتْ تِلْكَ التَّوْبَةُ إحْسانًا مِنهُ إلى نَفْسِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: «رَوى ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ، أنْصارِيٍّ وثَقَفِيٍّ، والرَّسُولُ ﷺ كانَ قَدْ آخى بَيْنَهُما، وكانا لا يَفْتَرِقانِ في أحْوالِهِما، فَخَرَجَ الثَّقَفِيُّ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ بِالقُرْعَةِ في السَّفَرِ، وخَلَّفَ الأنْصارِيَّ عَلى أهْلِهِ لِيَتَعاهَدَهم، فَكانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، ثُمَّ قامَ إلى امْرَأتِهِ لِيُقَبِّلَها فَوَضَعَتْ كَفَّها عَلى وجْهِها، فَنَدِمَ الرَّجُلُ، فَلَمّا وافى الثَّقَفِيُّ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ لَمْ يَرَ الأنْصارِيَّ، وكانَ قَدْ هامَ في الجِبالِ لِلتَّوْبَةِ، فَلَمّا عَرَفَ الرَّسُولُ ﷺ سَكَتَ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «قالَ المُؤْمِنُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ أكْرَمَ عَلى اللَّهِ مِنّا، فَكانَ أحَدُهم إذا أذْنَبَ ذَنْبًا أصْبَحَتْ كَفّارَةُ ذَنْبِهِ مَكْتُوبَةً عَلى عَتَبَةِ دارِهِ: اجْدَعْ أنْفَكَ، افْعَلْ كَذا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وبَيَّنَ أنَّهم أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنهم حَيْثُ جَعَلَ كَفّارَةَ ذَنْبِهِمُ الِاسْتِغْفارَ» .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفاحِشَةُ هاهُنا نَعْتٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَعَلُوا فِعْلَةً فاحِشَةً، وذَكَرُوا في الفَرْقِ بَيْنَ الفاحِشَةِ وبَيْنَ ظُلْمِ النَّفْسِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الفاحِشَةُ ما يَكُونُ فِعْلُهُ كامِلًا في القُبْحِ، وظُلْمُ النَّفْسِ: هو أيُّ ذَنْبٍ كانَ مِمّا يُؤاخَذُ الإنْسانُ بِهِ.

والثّانِي: أنَّ الفاحِشَةَ هي الكَبِيرَةُ، وظُلْمُ النَّفْسِ هي الصَّغِيرَةُ، والصَّغِيرَةُ يَجِبُ الِاسْتِغْفارُ مِنها، بِدَلِيلِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ مَأْمُورًا بِالِاسْتِغْفارِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٩] وما كانَ اسْتِغْفارُهُ دالًّا عَلى الصَّغائِرِ بَلْ عَلى تَرْكِ الأفْضَلِ. الثّالِثُ: الفاحِشَةُ: هي الزِّنا، وظُلْمُ النَّفْسِ: هي القُبْلَةُ واللَّمْسَةُ والنَّظْرَةُ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن حَمَلَ الآيَةَ عَلى السَّبَبِ الَّذِي رَوَيْناهُ؛ ولِأنَّهُ تَعالى سَمّى الزِّنا فاحِشَةً، فَقالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ [الإسْراءِ: ٣٢] .

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى ذَكَرُوا وعِيدَ اللَّهِ أوْ عِقابَهُ أوْ جَلالَهُ المُوجِبَ لِلْخَشْيَةِ والحَياءِ مِنهُ، فَيَكُونُ مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والذِّكْرُ هاهُنا هو الَّذِي ضِدُّ النِّسْيانِ وهَذا مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ، ومُقاتِلٍ، والواقِدِيِّ، فَإنَّ الضَّحّاكَ قالَ: ذَكَرُوا العَرْضَ الأكْبَرَ عَلى اللَّهِ، ومُقاتِلٌ والواقِدِيُّ قالا: تَفَكَّرُوا أنَّ اللَّهَ سائِلُهم، وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ كالأثَرِ، والنَّتِيجَةِ لِذَلِكَ الذِّكْرِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الذِّكْرَ الَّذِي يُوجِبُ الِاسْتِغْفارَ لَيْسَ إلّا ذِكْرَ عِقابِ اللَّهِ، ونَهْيِهِ ووَعِيدِهِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠١]

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهَذا الذِّكْرِ ذِكْرُ اللَّهِ بِالثَّناءِ والتَّعْظِيمِ والإجْلالِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن أرادَ أنْ يَسْألَ اللَّهَ مَسْألَةً، فالواجِبُ أنْ يُقَدِّمَ عَلى تِلْكَ المَسْألَةِ الثَّناءَ عَلى اللَّهِ، فَهُنا لَمّا كانَ المُرادُ الِاسْتِغْفارَ مِنَ الذُّنُوبِ قَدَّمُوا عَلَيْهِ الثَّناءَ عَلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ اشْتَغَلُوا بِالِاسْتِغْفارِ عَنِ الذُّنُوبِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ والمُرادُ مِنهُ الإتْيانُ بِالتَّوْبَةِ عَلى الوَجْهِ الصَّحِيحِ، وهو النَّدَمُ عَلى فِعْلِ ما

صفحة ١٠

مَضى مَعَ العَزْمِ عَلى تَرْكِ مِثْلِهِ في المُسْتَقْبَلِ، فَهَذا هو حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ، فَأمّا الِاسْتِغْفارُ بِاللِّسانِ، فَذاكَ لا أثَرَ لَهُ في إزالَةِ الذَّنْبِ، بَلْ يَجِبُ إظْهارُ هَذا الِاسْتِغْفارِ لِإزالَةِ التُّهْمَةِ، ولِإظْهارِ كَوْنِهِ مُنْقَطِعًا إلى اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: (لِذُنُوبِهِمْ) أيْ لِأجْلِ ذُنُوبِهِمْ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ لا يَطْلُبَ العَبْدُ المَغْفِرَةَ إلّا مِنهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى عِقابِ العَبْدِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَكانَ هو القادِرَ عَلى إزالَةِ ذَلِكَ العِقابِ عَنْهُ، فَصَحَّ أنَّهُ لا يَجُوزُ طَلَبُ الِاسْتِغْفارِ إلّا مِنهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا.

وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ حالٌ مِن فِعْلِ الإصْرارِ، والتَّقْدِيرُ: ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا مِنَ الذُّنُوبِ حالَ ما كانُوا عالِمِينَ بِكَوْنِها مَحْظُورَةً مُحَرَّمَةً لِأنَّهُ قَدْ يُعْذَرُ مَن لا يَعْلَمُ حُرْمَةَ الفِعْلِ، أمّا العالِمُ بِحُرْمَتِهِ فَإنَّهُ لا يُعْذَرُ في فِعْلِهِ ألْبَتَّةَ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ العَقْلَ والتَّمْيِيزَ والتَّمْكِينَ مِنَ الِاحْتِرازِ مِنَ الفَواحِشِ فَيَجْرِي مَجْرى قَوْلِهِ ﷺ: ”«رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ» “ .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ والمَعْنى أنَّ المَطْلُوبَ أمْرانِ:

الأوَّلُ: الأمْنُ مِنَ العِقابِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ .

والثّانِي: إيصالُ الثَّوابِ إلَيْهِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي يَحْصُلُ لَهم مِن ذَلِكَ وهو الغُفْرانُ والجَنّاتُ يَكُونُ أجْرًا لِعَمَلِهِمْ وجَزاءً عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ قالَ القاضِي: وهَذا يُبْطِلُ قَوْلَ مَن قالَ إنَّ الثَّوابَ تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ ولَيْسَ بِجَزاءٍ عَلى عَمَلِهِمْ.

3:137Page 67

قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ١٣٧

Similar situations [as yours] have passed on before you, so proceed throughout the earth and observe how was the end of those who denied.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَ عَلى الطّاعَةِ والتَّوْبَةِ مِنَ المَعْصِيَةِ الغُفْرانَ والجَنّاتِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما يَحْمِلُهم عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ وعَلى التَّوْبَةِ مِنَ المَعْصِيَةِ وهو تَأمُّلُ أحْوالِ القُرُونِ الخالِيَةِ مِنَ المُطِيعِينَ والعاصِينَ فَقالَ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: أصْلُ الخُلُوِّ في اللُّغَةِ الِانْفِرادُ والمَكانُ الخالِي هو المُنْفَرِدُ عَمَّنْ يَسْكُنُ فِيهِ ويُسْتَعْمَلُ أيْضًا في الزَّمانِ بِمَعْنى المُضِيِّ؛ لِأنَّ ما مَضى انْفَرَدَ عَنِ الوُجُودِ وخَلا عَنْهُ، وكَذا الأُمَمُ الخالِيَةُ، وأمّا السُّنَّةُ فَهي الطَّرِيقَةُ المُسْتَقِيمَةُ والمِثالُ المُتَّبَعُ، وفي اشْتِقاقِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّها فُعْلَةٌ مِن سَنَّ الماءَ يَسُنُّهُ إذا والى صَبَّهُ، والسَّنُّ الصَّبُّ لِلْماءِ، والعَرَبُ شَبَّهَتِ الطَّرِيقَةَ المُسْتَقِيمَةَ بِالماءِ المَصْبُوبِ فَإنَّهُ لِتَوالِي أجْزاءِ الماءِ فِيهِ عَلى نَهْجٍ واحِدٍ يَكُونُ كالشَّيْءِ الواحِدِ، والسُّنَّةُ فُعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ.

وثانِيها: أنْ تَكُونَ

صفحة ١١

مِن: سَنَنْتُ النَّصْلَ والسِّنانَ أسُنُّهُ سَنًّا فَهو مَسْنُونٌ إذا حَدَدْتَهُ عَلى المِسَنِّ، فالفِعْلُ المَنسُوبُ إلى النَّبِيِّ ﷺ سُمِّيَ سُنَّةً عَلى مَعْنى أنَّهُ مَسْنُونٌ.

وثالِثُها: أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: سَنَّ الإبِلَ إذا أحْسَنَ الرَّعْيَ، والفِعْلُ الَّذِي داوَمَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ سُمِّيَ سُنَّةً بِمَعْنى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أحْسَنَ رِعايَتَهُ وإدامَتَهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ: قَدِ انْقَضَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنُ اللَّهِ تَعالى في الأُمَمِ السّالِفَةِ، واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ، فالأكْثَرُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ سُنَنُ الهَلاكِ والِاسْتِئْصالِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم خالَفُوا الأنْبِياءَ والرُّسُلَ لِلْحِرْصِ عَلى الدُّنْيا وطَلَبِ لَذّاتِها، ثُمَّ انْقَرَضُوا ولَمْ يَبْقَ مِن دُنْياهم أثَرٌ وبَقِيَ اللَّعْنُ في الدُّنْيا والعِقابُ في الآخِرَةِ عَلَيْهِمْ، فَرَغَّبَ اللَّهُ تَعالى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ في تَأمُّلِ أحْوالِ هَؤُلاءِ الماضِينَ لِيَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ والإعْراضِ عَنِ الرِّياسَةِ في الدُّنْيا وطَلَبِ الجاهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: بَلِ المُرادُ سُنَنُ اللَّهِ تَعالى في الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّ الدُّنْيا ما بَقِيَتْ لا مَعَ المُؤْمِنِ ولا مَعَ الكافِرِ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ يَبْقى لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ الثَّناءُ الجَمِيلُ في الدُّنْيا والثَّوابُ الجَزِيلُ في العُقْبى، والكافِرُ بَقِيَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ في الدُّنْيا والعِقابُ في العُقْبى ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ التَّأمُّلَ في حالِ أحَدِ القِسْمَيْنِ يَكْفِي في مَعْرِفَةِ حالِ القِسْمِ الآخَرِ، وأيْضًا يُقالُ الغَرَضُ مِنهُ زَجْرُ الكُفّارِ عَنْ كُفْرِهِمْ وذَلِكَ إنَّما يُعْرَفُ بِتَأمُّلِ أحْوالِ المُكَذِّبِينَ والمُعانِدِينَ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٧٣] وقَوْلُهُ: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٢٨] وقَوْلُهُ: ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٥] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ [النَّحْلِ: ٣٦] الأمْرَ بِذَلِكَ لا مَحالَةَ، بَلِ المَقْصُودُ تَعَرُّفُ أحْوالِهِمْ، فَإنْ حَصَلَتْ هَذِهِ المَعْرِفَةُ بِغَيْرِ المَسِيرِ في الأرْضِ كانَ المَقْصُودُ حاصِلًا، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ أيْضًا: إنَّ لِمُشاهَدَةِ آثارِ المُتَقَدِّمِينَ أثَرًا أقْوى مِن أثَرِ السَّماعِ كَما قالَ الشّاعِرُ:

إنَّ آثارَنا تَدُلُّ عَلَيْنا فانْظُرُوا بَعْدَنا إلى الآثارِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском