Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:144–147
3:144Page 68
وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٤
Muḥammad is not but a messenger. [Other] messengers have passed on before him. So if he was to die or be killed, would you turn back on your heels [to unbelief]? And he who turns back on his heels will never harm Allāh at all; but Allāh will reward the grateful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكم ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: «لَمّا نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُحُدٍ أمَرَ الرُّماةَ أنْ يَلْزَمُوا أصْلَ الجَبَلِ، وأنْ لا يَنْتَقِلُوا عَنْ ذَلِكَ سَواءٌ كانَ الأمْرُ لَهم أوْ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا وقَفُوا وحَمَلُوا عَلى الكُفّارِ وهَزَمُوهم وقَتَلَ عَلِيٌّ طَلْحَةَ بْنَ أبِي طَلْحَةَ صاحِبَ لِوائِهِمْ، والزُّبَيْرُ والمِقْدادُ شَدّا عَلى المُشْرِكِينَ ثُمَّ حَمَلَ الرَّسُولُ مَعَ أصْحابِهِ
صفحة ١٨
فَهَزَمُوا أبا سُفْيانَ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَ القَوْمِ لَمّا أنْ رَأوُا انْهِزامَ الكُفّارِ بادَرَ قَوْمٌ مِنَ الرُّماةِ إلى الغَنِيمَةِ وكانَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ صاحِبُ مَيْمَنَةِ الكُفّارِ، فَلَمّا رَأى تَفَرُّقَ الرُّماةِ حَمَلَ عَلى المُسْلِمِينَ فَهَزَمَهم وفَرَّقَ جَمْعَهم وكَثُرَ القَتْلُ في المُسْلِمِينَ، ورَمى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَمِيئَةَ الحارِثِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِحَجَرٍ فَكَسَرَ رَباعِيَتَهُ وشَجَّ وجْهَهُ، وأقْبَلَ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَذَبَّ عَنْهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وهو صاحِبُ الرّايَةِ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمِ أُحُدٍ حَتّى قَتَلَهُ ابْنُ قَمِيئَةَ، فَظَنَّ أنَّهُ قَتَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ قَدْ قَتَلْتُ مُحَمَّدًا، وصَرَخَ صارِخٌ ألا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، وكانَ الصّارِخُ الشَّيْطانَ، فَفَشا في النّاسِ خَبَرُ قَتْلِهِ، فَهُنالِكَ قالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: لَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَأْخُذُ لَنا أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ: لَوْ كانَ نَبِيًّا لَما قُتِلَ، ارْجِعُوا إلى إخْوانِكم وإلى دِينِكم، فَقالَ أنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَمُّ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: يا قَوْمُ إنْ كانَ قَدْ قُتِلَ مُحَمَّدٌ فَإنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ حَيٌّ لا يَمُوتُ وما تَصْنَعُونَ بِالحَياةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قاتِلُوا عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ ومُوتُوا عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمّا يَقُولُ هَؤُلاءِ، ثُمَّ سَلَّ سَيْفَهُ فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، ومَرَّ بَعْضُ المُهاجِرِينَ بِأنْصارِيٍّ يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ، فَقالَ: يا فُلانُ أشْعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَقالَ: إنْ كانَ قَدْ قُتِلَ فَقَدْ بَلَّغَ، قاتِلُوا عَلى دِينِكم، ولَمّا شَجَّ ذَلِكَ الكافِرُ وجْهَ الرَّسُولِ ﷺ وكَسَرَ رَباعِيَتَهُ، احْتَمَلَهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، ودافَعَ عَنْهُ أبُو بَكْرٍ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ونَفَرٌ آخَرُونَ مَعَهم، ثُمَّ إنَّ الرَّسُولَ ﷺ جَعَلَ يُنادِي ويَقُولُ: إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ حَتّى انْحازَتْ إلَيْهِ طائِفَةٌ مِن أصْحابِهِ فَلامَهم عَلى هَزِيمَتِهِمْ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ فَدَيْناكَ بِآبائِنا وأُمَّهاتِنا، أتانا خَبَرُ قَتْلِكَ فاسْتَوْلى الرُّعْبُ عَلى قُلُوبِنا فَوَلَّيْنا مُدْبِرِينَ»، ومَعْنى الآيَةِ ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ فَسَيَخْلُو كَما خَلَوْا، وكَما أنَّ أتْباعَهم بَقُوا مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِهِمْ بَعْدَ خُلُوِّهِمْ، فَعَلَيْكم أنْ تَتَمَسَّكُوا بِدِينِهِ بَعْدَ خُلُوِّهِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مِن بِعْثَةِ الرُّسُلِ تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ وإلْزامُ الحُجَّةِ، لا وُجُودُهم بَيْنَ أظْهُرِ قَوْمِهِمْ أبَدًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: الرَّسُولُ جاءَ عَلى ضَرْبَيْنِ:
أحَدُهُما: يُرادُ بِهِ المُرْسَلُ، والآخَرُ الرِّسالَةُ، وهاهُنا المُرادُ بِهِ المُرْسَلُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٢] وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ [المائِدَةِ: ٦٧] وفَعُولٌ قَدْ يُرادُ بِهِ المَفْعُولُ، كالرَّكُوبِ والحَلُوبِ لِما يُرْكَبُ ويُحْلَبُ، والرَّسُولُ بِمَعْنى الرِّسالَةِ كَقَوْلِهِ:
لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما فُهْتُ عِنْدَهم بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ
أيْ بِرِسالَةٍ، قالَ: ومِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ ونَذْكُرُهُ في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ قالَ: ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَ عَلى الشَّرْطِ وهو في الحَقِيقَةِ داخِلٌ عَلى الجَزاءِ، والمَعْنى أتَنْقَلِبُونَ عَلى أعْقابِكم إنْ ماتَ مُحَمَّدٌ أوْ قُتِلَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: هَلْ زَيْدٌ قائِمٌ ؟ فَأنْتَ إنَّما تَسْتَخْبِرُ عَنْ قِيامِهِ، إلّا أنَّكَ أدْخَلْتَ (هَلْ) عَلى الِاسْمِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُقْتَلُ قالَ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٣٠] وقالَ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائِدَةِ: ٦٧] فَلَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَمّا عَلِمَ أنَّهُ لا يُقْتَلُ فَلِمَ قالَ أوْ قُتِلَ ؟ فَإنَّ الجَوابَ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ صِدْقَ القَضِيَّةِ الشَّرْطِيَّةِ لا يَقْتَضِي صِدْقَ جُزْأيْها، فَإنَّكَ
صفحة ١٩
تَقُولُ: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فالشَّرْطِيَّةُ صادِقَةٌ وجُزْآها كاذِبانِ، وقالَ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٢] فَهَذا حَقٌّ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِما آلِهَةٌ، ولَيْسَ فِيهِما فَسادٌ، فَكَذا هاهُنا.
والثّانِي: أنَّ هَذا ورَدَ عَلى سَبِيلِ الإلْزامِ، فَإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ماتَ ولَمْ تَرْجِعْ أُمَّتُهُ عَنْ ذَلِكَ، والنَّصارى زَعَمُوا أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قُتِلَ وهم لا يَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِ، فَكَذا هاهُنا.
والثّالِثُ: أنَّ المَوْتَ لا يُوجِبُ رُجُوعَ الأُمَّةِ عَنْ دِينِهِ، فَكَذا القَتْلُ وجَبَ أنْ لا يُوجِبَ الرُّجُوعَ عَنْ دِينِهِ؛ لِأنَّهُ فارَقَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَلَمّا رَجَعَ إلى هَذا المَعْنى كانَ المَقْصُودُ مِنهُ الرَّدَّ عَلى أُولَئِكَ الَّذِينَ شَكُّوا في صِحَّةِ الدِّينِ وهَمُّوا بِالِارْتِدادِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ أيْ صِرْتُمْ كُفّارًا بَعْدَ إيمانِكم، يُقالُ لِكُلِّ مَن عادَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ: رَجَعَ وراءَهُ وانْقَلَبَ عَلى عَقِبِهِ ونَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، وذَلِكَ أنَّ المُنافِقِينَ قالُوا لِضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قُتِلَ فالحَقُوا بِدِينِكم، فَقالَ بَعْضُ الأنْصارِ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قُتِلَ فَإنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ لَمْ يُقْتَلْ، فَقاتِلُوا عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ. وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ قَتْلَهُ لا يُوجِبُ ضَعْفًا في دِينِهِ بِدَلِيلَيْنِ:
الأوَّلُ: بِالقِياسِ عَلى مَوْتِ سائِرِ الأنْبِياءِ وقَتْلِهِمْ.
والثّانِي: أنَّ الحاجَةَ إلى الرَّسُولِ لِتَبْلِيغِ الدِّينِ وبَعْدَ ذَلِكَ فَلا حاجَةَ إلَيْهِ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِن قَتْلِهِ فَسادُ الدِّينِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ﴾ شَكٌّ وهو عَلى اللَّهِ تَعالى لا يَجُوزُ، فَإنّا نَقُولُ: المُرادُ أنَّهُ سَواءٌ وقَعَ هَذا أوْ ذاكَ فَلا تَأْثِيرَ لَهُ في ضَعْفِ الدِّينِ ووُجُوبِ الِارْتِدادِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ والغَرَضُ مِنهُ تَأْكِيدُ الوَعِيدِ؛ لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَضُرُّهُ كُفْرُ الكافِرِينَ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ لا يَضُرُّ إلّا نَفْسَهُ، وهَذا كَما إذا قالَ الرَّجُلُ لِوَلَدِهِ عِنْدَ العِتابِ: إنَّ هَذا الَّذِي تَأْتِي بِهِ مِنَ الأفْعالِ لا يَضُرُّ السَّماءَ والأرْضَ، ويُرِيدُ بِهِ أنَّهُ يَعُودُ ضَرَرُهُ عَلَيْهِ فَكَذا هاهُنا، ثُمَّ أتْبَعَ الوَعِيدَ بِالوَعْدِ فَقالَ: ﴿وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ لَمّا وقَعَتِ الشُّبْهَةُ في قُلُوبِ بَعْضِهِمْ بِسَبَبِ تِلْكَ الهَزِيمَةِ ولَمْ تَقَعِ الشُّبْهَةُ في قُلُوبِ العُلَماءِ الأقْوِياءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَهم شَكَرُوا اللَّهَ عَلى ثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ وشِدَّةِ تَمَسُّكِهِمْ بِهِ، فَلا جَرَمَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ أبُو بَكْرٍ وأصْحابُهُ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ أبُو بَكْرٍ مِنَ الشّاكِرِينَ وهو مِن أحِبّاءِ اللَّهِ واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
3:145Page 68
وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ كِتَٰبٗا مُّؤَجَّلٗاۗ وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلۡأٓخِرَةِ نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَاۚ وَسَنَجۡزِي ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٥
And it is not [possible] for one to die except by permission of Allāh at a decree determined. And whoever desires the reward of this world - We will give him thereof; and whoever desires the reward of the Hereafter - We will give him thereof. And We will reward the grateful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُنافِقِينَ أرَجَفُوا أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ قُتِلَ، فاللَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّهُ لا تَمُوتُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وقَضائِهِ وقَدَرِهِ، فَكانَ قَتْلُهُ مِثْلَ مَوْتِهِ في أنَّهُ لا
صفحة ٢٠
يَحْصُلُ إلّا في الوَقْتِ المُقَدَّرِ المُعَيَّنِ، فَكَما أنَّهُ لَوْ ماتَ في دارِهِ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى فَسادِ دِينِهِ، فَكَذا إذا قُتِلَ وجَبَ أنْ لا يُؤَثِّرَ ذَلِكَ في فَسادِ دِينِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ إبْطالُ قَوْلِ المُنافِقِينَ لِضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ: إنَّهُ لَمّا قُتِلَ مُحَمَّدٌ فارْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الأدْيانِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ تَحْرِيضَ المُسْلِمِينَ عَلى الجِهادِ بِإعْلامِهِمْ أنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدَرَ، وأنَّ أحَدًا لا يَمُوتُ قَبْلَ الأجَلِ وإذا جاءَ الأجَلُ لا يَنْدَفِعُ المَوْتُ بِشَيْءٍ، فَلا فائِدَةَ في الجُبْنِ والخَوْفِ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ حِفْظَ اللَّهِ لِلرَّسُولِ ﷺ وتَخْلِيصَهُ مِن تِلْكَ المَعْرَكَةِ المُخَوِّفَةِ، فَإنَّ تِلْكَ الواقِعَةَ ما بَقِيَ سَبَبٌ مِن أسْبابِ الهَلاكِ إلّا وقَدْ حَصَلَ فِيها، ولَكِنْ لَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى حافِظًا وناصِرًا ما ضَرَّهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أصْحابَهُ قَصَّرُوا في الذَّبِّ عَنْهُ.
والرّابِعُ: وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، فَلَيْسَ في إرْجافِ مَن أرْجَفَ بِمَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ما يُحَقِّقُ ذَلِكَ فِيهِ أوْ يُعِينُ في تَقْوِيَةِ الكُفْرِ، بَلْ يُبْقِيهِ اللَّهُ إلى أنْ يَظْهَرَ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ.
الخامِسُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ الجَوابُ عَمّا قالَهُ المُنافِقُونَ، فَإنَّ الصَّحابَةَ لَمّا رَجَعُوا وقَدْ قُتِلَ مِنهم مَن قُتِلَ قالُوا: لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ المَوْتَ والقَتْلَ كِلاهُما لا يَكُونانِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وحُضُورِ الأجَلِ واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ الإذْنِ عَلى أقْوالٍ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الإذْنُ هو الأمْرُ وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ مَلَكَ المَوْتِ بِقَبْضِ الأرْواحِ فَلا يَمُوتُ أحَدٌ إلّا بِهَذا الأمْرِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا الإذْنِ ما هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النَّحْلِ: ٤٠] والمُرادُ مِن هَذا الأمْرِ إنَّما هو التَّكْوِينُ والتَّخْلِيقُ والإيجادُ؛ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى المَوْتِ والحَياةِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَإذَنِ المُرادُ: أنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ إلّا بِما أماتَها اللَّهُ تَعالى.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الإذْنُ هو التَّخْلِيَةُ والإطْلاقُ وتَرْكُ المَنعِ بِالقَهْرِ والإجْبارِ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٠٢] أيْ بِتَخْلِيَتِهِ فَإنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى المَنعِ مِن ذَلِكَ بِالقَهْرِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ بِتَخَلِّي اللَّهِ بَيْنَ القاتِلِ والمَقْتُولِ، ولَكِنَّهُ تَعالى يَحْفَظُ نَبِيَّهُ ويَجْعَلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا لِيُتِمَّ عَلى يَدَيْهِ بَلاغَ ما أرْسَلَهُ بِهِ، ولا يُخَلِّي بَيْنَ أحَدٍ وبَيْنَ قَتْلِهِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى الأجَلِ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ لَهُ، فَلا تَنْكَسِرُوا بَعْدَ ذَلِكَ في غَزَواتِكم بِأنْ يُرْجِفَ مُرْجِفٌ أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ.
الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ الإذْنُ بِمَعْنى العِلْمِ، ومَعْناهُ أنَّ نَفَسًا لَنْ تَمُوتَ إلّا في الوَقْتِ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ مَوْتَها فِيهِ، وإذا جاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ لَزِمَ المَوْتُ، كَما قالَ ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٦١] .
الخامِسُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الإذْنُ هو قَضاءُ اللَّهِ وقَدَرُهُ، فَإنَّهُ لا يَحْدُثُ شَيْءٌ إلّا بِمَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ فَيُجْعَلُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، كَأنَّهُ فِعْلٌ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ: اللّامُ في ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ﴾ مَعْناها النَّفْيُ، والتَّقْدِيرُ وما كانَتْ نَفْسٌ لِتَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المَقْتُولَ مَيِّتٌ بِأجَلِهِ، وأنَّ تَغْيِيرَ الآجالِ مُمْتَنِعٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابًا مُؤَجَّلًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿كِتابًا مُؤَجَّلًا﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ قامَ مَقامَ أنْ يُقالَ: كَتَبَ اللَّهُ، فالتَّقْدِيرُ كَتَبَ اللَّهُ كِتابًا مُؤَجَّلًا ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٢٤]
صفحة ٢١
لِأنَّ في قَوْلِهِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٢٣] دَلالَةً عَلى أنَّهُ كَتَبَ هَذا التَّحْرِيمَ عَلَيْكم، ومِثْلُهُ: صُنْعَ اللَّهِ، ووَعْدَ اللَّهِ، وفِطْرَةَ اللَّهِ، وصِبْغَةَ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِالكِتابِ المُؤَجَّلِ الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى الآجالِ، ويُقالُ: إنَّهُ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، كَما ورَدَ في الأحادِيثِ ”«أنَّهُ تَعالى قالَ لِلْقَلَمِ اكْتُبْ، فَكَتَبَ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ .
واعْلَمْ أنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِلَّهِ تَعالى، وجَمِيعَ حَوادِثِ هَذا العالَمِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والأجَلِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مَكْتُوبَةً في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَلَوْ وقَعَتْ بِخِلافِ عِلْمِ اللَّهِ لانْقَلَبَ عِلْمُهُ جَهْلًا، ولانْقَلَبَ ذَلِكَ الكِتابُ كَذِبًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ. وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ هَذا المَعْنى في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وأكَّدَهُ بِحَدِيثِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ، وبِالحَدِيثِ المَشْهُورِ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ”«فَحَجَّ آدَمُ مُوسى» “ قالَ القاضِي: أمّا الأجَلُ والرِّزْقُ فَهُما مُضافانِ إلى اللَّهِ، وأمّا الكُفْرُ والفِسْقُ والإيمانُ والطّاعَةُ فَكُلُّ ذَلِكَ مُضافٌ إلى العَبْدِ، فَإذا كَتَبَ تَعالى ذَلِكَ فَإنَّما يَكْتُبُ بِعِلْمِهِ مِنَ اخْتِيارِ العَبْدِ، وذَلِكَ لا يُخْرِجُ العَبْدَ مِن أنْ يَكُونَ هو المَذْمُومَ أوِ المَمْدُوحَ.
واعْلَمْ أنَّهُ ما كانَ مِن حَقِّ القاضِي أنْ يَتَغافَلَ عَنْ مَوْضِعِ الإشْكالِ، وذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ: إذا عَلِمَ اللَّهُ مِنَ العَبْدِ الكُفْرَ وكَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مِنهُ الكُفْرَ، فَلَوْ أتى بِالإيمانِ لَكانَ ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ المُتَناقِضَيْنِ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِالكَفْرِ والخَبَرَ الصِّدْقَ عَنِ الكُفْرِ مَعَ عَدَمِ الكُفْرِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وهو مُحالٌ، وإذا كانَ مَوْضِعُ الإلْزامِ هو هَذا فَأنّى يَنْفَعُهُ الفِرارُ مِن ذَلِكَ إلى الكَلِماتِ الأجْنَبِيَّةِ عَنْ هَذا الإلْزامِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ .
فاعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ حَضَرُوا يَوْمَ أُحُدٍ كانُوا فَرِيقَيْنِ، مِنهم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا، ومِنهم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ كَما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى فِيما بَعْدُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، فالَّذِينَ حَضَرُوا القِتالَ لِلدُّنْيا، هُمُ الَّذِينَ حَضَرُوا لِطَلَبِ الغَنائِمِ والذِّكْرِ والثَّناءِ، وهَؤُلاءِ لا بُدَّ وأنْ يَنْهَزِمُوا، والَّذِينَ حَضَرُوا لِلدِّينِ، فَلا بُدَّ وأنْ لا يَنْهَزِمُوا ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن طَلَبَ الدُّنْيا لا بُدَّ وأنْ يَصِلَ إلى بَعْضِ مَقْصُودِهِ ومَن طَلَبَ الآخِرَةَ فَكَذَلِكَ، وتَقْرِيرُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ» “ إلى آخَرِ الحَدِيثِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وإنْ ورَدَتْ في الجِهادِ خاصَّةً، لَكِنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الأعْمالِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤَثِّرَ في جَلْبِ الثَّوابِ والعِقابِ المَقْصُودُ والدَّواعِي لا ظَواهِرُ الأعْمالِ، فَإنَّ مَن وضَعَ الجَبْهَةَ عَلى الأرْضِ في صَلاةِ الظُّهْرِ والشَّمْسُ قُدّامَهُ، فَإنْ قَصَدَ بِذَلِكَ السُّجُودِ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ دَعائِمِ الإسْلامِ، وإنْ قَصَدَ بِهِ عِبادَةَ الشَّمْسِ كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ دَعائِمِ الكُفْرِ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ لِمُقاتِلٍ في سَبِيلِ اللَّهِ ”في ماذا قُتِلْتَ ؟، فَيَقُولُ أُمِرْتُ بِالجِهادِ في سَبِيلِكَ فَقاتَلْتُ حَتّى قُتِلْتُ، فَيَقُولُ تَعالى: كَذَبْتَ بَلْ أرَدْتَ أنْ يُقالَ فُلانٌ مُحارِبٌ وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ“ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ بِهِ إلى النّارِ» .
3:146Page 68
وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٦
And how many a prophet [fought in battle and] with him fought many religious scholars. But they never lost assurance due to what afflicted them in the cause of Allāh, nor did they weaken or submit. And Allāh loves the steadfast.
صفحة ٢٢
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى مِن تَمامِ تَأْدِيبِهِ قالَ لِلْمُنْهَزِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ: إنَّ لَكم بِالأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ وأتْباعِهِمْ أُسْوَةً حَسَنَةً، فَلَمّا كانَتْ طَرِيقَةُ أتْباعِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ الصَّبْرَ عَلى الجِهادِ وتَرْكَ الفِرارِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكم هَذا الفِرارُ والِانْهِزامُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”وكائِنْ“ عَلى وزْنِ كاعِنٍ مَمْدُودًا مَهْمُوزًا مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ ”كَأيِّنْ“ مَشْدُودًا بِوَزْنٍ كَعَيِّنٍ وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ، ومِنَ اللُّغَةِ الأُولى قَوْلُ جَرِيرٍ:
وكائِنْ بِالأباطِحِ مِن صَدِيقٍ يَرانِي لَوْ أُصِيبُ هو المُصابُ
وأنْشَدَ المُفَضَّلُ:
وكائِنْ تَرى في الحَيِّ مِن ذِي قَرابَةٍ
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو (قُتِلَ مَعَهُ) والباقُونَ ﴿قاتَلَ مَعَهُ﴾ فَعَلى القِراءَةِ الأُولى يَكُونُ المَعْنى أنَّ كَثِيرًا مِنَ الأنْبِياءِ قُتِلُوا والَّذِينَ بَقَوْا بَعْدَهم ما وهَنُوا في دِينِهِمْ، بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلى جِهادِ عَدُوِّهِمْ ونُصْرَةِ دِينِهِمْ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حالُكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ هَكَذا. قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: والوَقْفُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ عَلى قَوْلِهِ: (قُتِلَ) وقَوْلُهُ: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ حالٌ بِمَعْنى قُتِلَ حالَ ما كانَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ، أوْ يَكُونُ عَلى مَعْنى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ قُتِلَ فَما وهَنَ الرِّبِّيُّونَ عَلى كَثْرَتِهِمْ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قُتِلَ مِن إخْوانِهِمْ، بَلْ مَضَوْا عَلى جِهادِ عَدُوِّهِمْ، فَقَدْ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حالُكم كَذَلِكَ، وحُجَّةُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ حِكايَةُ ما جَرى لِسائِرِ الأنْبِياءِ لِتَقْتَدِيَ هَذِهِ الأُمَّةُ بِهِمْ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ قَتْلَ سائِرِ الأنْبِياءِ لا قِتالَهم، ومَن قَرَأ ﴿قاتَلَ مَعَهُ﴾ فالمَعْنى: وكَمْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ العَدَدُ الكَثِيرُ مِن أصْحابِهِ فَأصابَهم مِن عَدُوِّهِمْ قَرْحٌ فَما وهَنُوا؛ لِأنَّ الَّذِي أصابَهم إنَّما هو في سَبِيلِ اللَّهِ وطاعَتِهِ وإقامَةِ دِينِهِ ونُصْرَةِ رَسُولِهِ، فَكَذَلِكَ كانَ يَنْبَغِي أنْ تَفْعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ.
وحُجَّةُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبُ الَّذِينَ كانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في القِتالِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ هو القِتالَ. وأيْضًا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: ما سَمِعْنا بِنَبِيٍّ قُتِلَ في القِتالِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّ مَعْنى ”كَأيِّنْ“ كَمْ، وتَأْوِيلُها التَّكْثِيرُ لِعَدَدِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الحَجِّ: ٤٥] ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها﴾ [الحَجِّ: ٤٨] والكافُ في ”كَأيِّنْ“ كافُ التَّشْبِيهِ دَخَلَتْ عَلى ”أيِّ“ الَّتِي هي لِلِاسْتِفْهامِ كَما دَخَلَتْ عَلى ”ذا“ مِن ”كَذا“ و”أنَّ“ مِن ”كَأنَّ“، ولا مَعْنى لِلتَّشْبِيهِ فِيهِ كَما لا مَعْنى لِلتَّشْبِيهِ في كَذا، تَقُولُ: لِي عَلَيْهِ كَذا وكَذا: مَعْناهُ لِي عَلَيْهِ عَدَدٌ ما، فَلا مَعْنى لِلتَّشْبِيهِ، إلّا أنَّها زِيادَةٌ لازِمَةٌ لا يَجُوزُ حَذْفُها، واعْلَمْ أنَّهُ لَمْ يَقَعْ لِلتَّنْوِينِ صُورَةٌ في الخَطِّ إلّا في هَذا الحَرْفِ خاصَّةً، وكَذا اسْتِعْمالُ هَذِهِ الكَلِمَةِ فَصارَتْ كَلِمَةً واحِدَةً مَوْضُوعَةً لِلتَّكْثِيرِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الرِّبِّيُّونَ الرَّبّانِيُّونَ، وقُرِئَ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ والفَتْحِ عَلى
صفحة ٢٣
القِياسِ، والضَّمُّ والكَسْرُ مِن تَغْيِيراتِ النِّسَبِ. وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: الرِّبِّيُّونَ: الأوَّلُونَ، وقالَ الزَّجّاجُ: هُمُ الجَماعاتُ الكَثِيرَةُ، الواحِدُ رِبِّيٌّ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ مِنَ الرِّبَّةِ وهي الجَماعَةُ، يُقالُ: رِبِّيٌّ كَأنَّهُ نُسِبَ إلى الرِّبَّةِ. وقالَ الأخْفَشُ: الرِّبِّيُّونَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الرَّبَّ، وطَعَنَ فِيهِ ثَعْلَبٌ، وقالَ: كانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ: رَبِّيٌّ لِيَكُونَ مَنسُوبًا إلى الرَّبِّ، وأجابَ مَن نَصَرَ الأخْفَشَ وقالَ: العَرَبُ إذا نَسَبَتْ شَيْئًا إلى شَيْءٍ غَيَّرَتْ حَرَكَتَهُ، كَما يُقالُ: بِصْرِيٌّ في النَّسَبِ إلى البَصْرَةِ، ودُهْرِيٌّ في النِّسْبَةِ إلى الدَّهْرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَّبّانِيُّونَ الأئِمَّةُ والوُلاةُ، والرِّبِّيُّونَ الرَّعِيَّةُ، وهُمُ المُنْتَسِبُونَ إلى الرَّبِّ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى مَدَحَ هَؤُلاءِ الرِّبِّيِّينَ بِنَوْعَيْنِ: أوَّلًا بِصِفاتِ النَّفْيِ، وثانِيًا بِصِفاتِ الإثْباتِ، أمّا المَدْحُ بِصِفاتِ النَّفْيِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا﴾ ولا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ما وهَنُوا عِنْدَ قَتْلِ النَّبِيِّ وما ضَعُفُوا عَنِ الجِهادِ بَعْدَهُ وما اسْتَكانُوا لِلْعَدُوِّ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِما أصابَهم مِنَ الوَهْنِ والِانْكِسارِ، عِنْدَ الإرْجافِ بِقَتْلِ رَسُولِهِمْ، وبِضَعْفِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهَدَةِ المُشْرِكِينَ، واسْتِكانَتِهِمْ لِلْكَفّارِ حَتّى أرادُوا أنْ يَعْتَضِدُوا بِالمُنافِقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وطَلَبِ الأمانِ مِن أبِي سُفْيانَ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُفَسَّرَ الوَهْنُ بِاسْتِيلاءِ الخَوْفِ عَلَيْهِمْ، ويُفَسَّرَ الضَّعْفُ بِأنْ يَضْعُفَ إيمانُهم، وتَقَعَ الشُّكُوكُ والشُّبُهاتُ في قُلُوبِهِمْ، والِاسْتِكانَةُ هي الِانْتِقالُ مِن دِينِهِمْ إلى دِينِ عَدُوِّهِمْ، وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ وهو أنَّ الوَهْنَ ضَعْفٌ يَلْحَقُ القَلْبَ. والضَّعْفُ المُطْلَقُ هو اخْتِلالُ القُوَّةِ والقُدْرَةِ بِالجِسْمِ، والِاسْتِكانَةُ هي إظْهارُ ذَلِكَ العَجْزِ وذَلِكَ الضَّعْفِ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ حَسَنَةٌ مُحْتَمَلَةٌ، قالَ الواحِدِيُّ: الِاسْتِكانَةُ الخُضُوعُ، وهو أنْ يَسْكُنَ لِصاحِبِهِ لِيَفْعَلَ بِهِ ما يُرِيدُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ والمَعْنى أنَّ مَن صَبَرَ عَلى تَحَمُّلِ الشَّدائِدِ في طَرِيقِ اللَّهِ ولَمْ يُظْهِرِ الجَزَعَ والعَجْزَ والهَلَعَ فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ، ومَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ عِبارَةٌ عَنْ إرادَةِ إكْرامِهِ وإعْزازِهِ وتَعْظِيمِهِ، والحُكْمِ لَهُ بِالثَّوابِ والجَنَّةِ، وذَلِكَ نِهايَةُ المَطْلُوبِ.
3:147Page 68
وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤٧
And their words were not but that they said, "Our Lord, forgive us our sins and the excess [committed] in our affairs and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنْ مَدَحَهم بِصِفاتِ الثُّبُوتِ فَقالَ:
﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى، والمُعْتَزِلَةُ يَحْمِلُونَهُ عَلى فِعْلِ الألْطافِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: بَيَّنَ تَعالى أنَّهم كانُوا مُسْتَعِدِّينَ عِنْدَ ذَلِكَ التَّصَبُّرِ والتَّجَلُّدِ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ بِطَلَبِ الإمْدادِ والإعانَةِ مِنَ اللَّهِ، والغَرَضُ مِنهُ أنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّ مَن عَوَّلَ في تَحْصِيلِ مُهِمّاتِهِ عَلى نَفْسِهِ ذَلَّ، ومَنِ اعْتَصَمَ بِاللَّهِ فازَ بِالمَطْلُوبِ، قالَ القاضِي: إنَّما قَدَّمُوا قَوْلَهم:
صفحة ٢٤
﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ضَمِنَ النُّصْرَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَإذا لَمْ تَحْصُلِ النُّصْرَةُ وظَهَرَ أماراتُ اسْتِيلاءِ العَدُوِّ، دَلَّ ذَلِكَ ظاهِرًا عَلى صُدُورِ ذَنْبٍ وتَقْصِيرٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ فَلِهَذا المَعْنى يَجِبُ عَلَيْهِمْ تَقْدِيمُ التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ عَلى طَلَبِ النُّصْرَةِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم بَدَءُوا بِالتَّوْبَةِ عَنْ كُلِّ المَعاصِي وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ فَدَخَلَ فِيهِ كُلُّ الذُّنُوبِ، سَواءٌ كانَتْ مِنَ الصَّغائِرِ أوْ مِنَ الكَبائِرِ، ثُمَّ إنَّهم خَصُّوا الذُّنُوبَ العَظِيمَةَ الكَبِيرَةَ مِنها بِالذِّكْرِ بَعْدَ ذَلِكَ لِعِظَمِها وعِظَمِ عِقابِها وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ لِأنَّ الإسْرافَ في كُلِّ شَيْءٍ هو الإفْراطُ فِيهِ، قالَ تَعالى: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣] وقالَ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ [الإسْراءِ: ٣٣] وقالَ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ [الأعْرافِ: ٣١] ويُقالُ: فُلانٌ مُسْرِفٌ إذا كانَ مُكْثِرًا في النَّفَقَةِ وغَيْرِها، ثُمَّ إنَّهم لَمّا فَرَغُوا مِن ذَلِكَ سَألُوا رَبَّهم أنْ يُثَبِّتَ أقْدامَهم، وذَلِكَ بِإزالَةِ الخَوْفِ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وإزالَةِ الخَواطِرِ الفاسِدَةِ عَنْ صُدُورِهِمْ، ثُمَّ سَألُوا بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَنْصُرَهم عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ؛ لِأنَّ هَذِهِ النُّصْرَةَ لا بُدَّ فِيها مِن أُمُورٍ زائِدَةٍ عَلى ثَباتِ أقْدامِهِمْ، وهو كالرُّعْبِ الَّذِي يُلْقِيهِ في قُلُوبِهِمْ، وإحْداثِ أحْوالٍ سَماوِيَّةٍ أوْ أرْضِيَّةٍ تُوجِبُ انْهِزامَهم، مِثْلَ هُبُوبِ رِياحٍ تُثِيرُ الغُبارَ في وُجُوهِهِمْ، ومِثْلَ جَرَيانِ سَيْلٍ في مَوْضِعِ وُقُوفِهِمْ، ثُمَّ قالَ القاضِي: وهَذا تَأْدِيبٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى في كَيْفِيَّةِ الطَّلَبِ بِالأدْعِيَةِ عِنْدَ النَّوائِبِ والمِحَنِ سَواءٌ كانَ في الجِهادِ أوْ غَيْرِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences