Ar-RaziAr‑Rum · 30:43–55

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ar-Rum 30:43–55

30:43–44Page 409

فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ ٱلۡقَيِّمِ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۖ يَوۡمَئِذٖ يَصَّدَّعُونَ ٤٣

So direct your face [i.e., self] toward the correct religion before a Day comes from Allāh of which there is no repelling. That Day, they will be divided.1

مَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِأَنفُسِهِمۡ يَمۡهَدُونَ ٤٤

Whoever disbelieves - upon him is [the consequence of] his disbelief. And whoever does righteousness - they are for themselves preparing,

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾

لَمّا نَهى الكافِرَ عَمّا هو عَلَيْهِ، أمَرَ المُؤْمِنَ بِما هو عَلَيْهِ وخاطَبَ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِيَعْلَمَ المُؤْمِنُ فَضِيلَةَ ما هو مُكَلَّفٌ بِهِ، فَإنَّهُ أمَرَ بِهِ أشْرَفَ الأنْبِياءِ، ولِلْمُؤْمِنِينَ في التَّكْلِيفِ مَقامُ الأنْبِياءِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ اللَّهَ أمَرَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِما أمَرَ بِهِ عِبادَهُ المُرْسَلِينَ» “ وقَدْ ذَكَرْنا مَعْناهُ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَأْتِيَ﴾

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ اللَّهُ لا يَرُدُّ وغَيْرُهُ عاجِزٌ عَنْ رَدِّهِ، فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أيْ يَتَفَرَّقُونَ. ثُمَّ أشارَ إلى التَّفَرُّقِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا﴾ ولَمْ يَقُلْ ومَن آمَنَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ بِهِ يَكْمُلُ الإيمانُ، فَذَكَرَهُ تَحْرِيضًا لِلْمُكَلَّفِ عَلَيْهِ، وأمّا الكُفْرُ إذا جاءَ فَلا زِنَةَ لِلْعَمَلِ مَعَهُ، ووَجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ الكُفْرَ قِسْمانِ:

أحَدُهُما: فِعْلٌ وهو الإشْراكُ والقَوْلُ بِهِ.

والثّانِي: تَرْكٌ وهو عَدَمُ النَّظَرِ والإيمانِ، فالعاقِلُ البالِغُ إذا كانَ في مَدِينَةِ الرَّسُولِ ولَمْ يَأْتِ بِالإيمانِ فَهو كافِرٌ سَواءٌ قالَ بِالشِّرْكِ أوْ لَمْ يَقُلْ، لَكِنَّ الإيمانَ لا بُدَّ مَعَهُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، فَإنَّ الِاعْتِقادَ الحَقَّ عَمَلُ القَلْبِ، وقَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ عَمَلُ اللِّسانِ وشَيْءٌ مِنهُ لا بُدَّ مِنهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿فَعَلَيْهِ﴾ فَوَحَّدَ الكِنايَةَ وقالَ: ﴿فَلِأنْفُسِهِمْ﴾ جَمَعَها إشارَةً إلى أنَّ الرَّحْمَةَ أعَمُّ مِنَ

صفحة ١١٤

الغَضَبِ، فَتَشْمَلُهُ وأهْلَهُ وذُرِّيَّتَهُ، أمّا الغَضَبُ فَمَسْبُوقٌ بِالرَّحْمَةِ، لازِمٌ لِمَن أساءَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ ولَمْ يُبَيِّنْ، وقالَ في المُؤْمِنِ ﴿فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ تَحْقِيقًا لِكَمالِ الرَّحْمَةِ فَإنَّهُ عِنْدَ الخَيْرِ بَيَّنَ وفَصَّلَ بِشارَةً، وعِنْدَ غَيْرِهِ أشارَ إلَيْهِ إشارَةً.

30:45Page 409

لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٥

That He may reward those who have believed and done righteous deeds out of His bounty. Indeed, He does not like the disbelievers.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾

ذَكَرَ زِيادَةَ تَفْصِيلٍ لِما يُمَهِّدُهُ المُؤْمِنَ لِفِعْلِهِ الخَيْرَ وعَمَلِهِ الصّالِحِ، وهو الجَزاءُ الَّذِي يُجازِيهِ بِهِ اللَّهُ، والمَلِكُ إذا كانَ كَبِيرًا كَرِيمًا، ووَعَدَ عَبْدًا مِن عِبادِهِ بِأنِّي أُجازِيكَ يَصِلُ إلَيْهِ مِنهُ أكْثَرَ مِمّا يَتَوَقَّعُهُ ثُمَّ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي أنا المُجازِي فَكَيْفَ يَكُونُ الجَزاءُ، ثُمَّ إنِّي لا أُجازِيكَ مِنَ العَدْلِ وإنَّما أُجازِيكَ مِنَ الفَضْلِ فَيَزْدادُ الرَّجاءُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ أوْعَدَهم بِوَعِيدٍ ولَمْ يَفْصِلْهُ لِما بَيَّنّا، وإنْ كانَ عِنْدَ المُحَقِّقِ هَذا الإجْمالُ فِيهِ كالتَّفْصِيلِ، فَإنَّ عَدَمَ المَحَبَّةِ مِنَ اللَّهِ غايَةُ العَذابِ، وافْهَمْ ذَلِكَ مِمَّنْ يَكُونُ لَهُ مَعْشُوقٌ فَإنَّهُ إذا أخْبَرَ العاشِقَ بِأنَّهُ وعَدَكَ بِالدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ كَيْفَ تَكُونُ مَسَرَّتُهُ، وإذا قِيلَ لَهُ إنَّهُ قالَ: إنِّي أُحِبُّ فُلانًا كَيْفَ يَكُونُ سُرُورُهُ.

وفِيهِ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ اللَّهَ عِنْدَما أسْنَدَ الكُفْرَ والإيمانَ إلى العَبْدِ قَدَّمَ الكافِرَ فَقالَ: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ وعِنْدَما أسْنَدَ الجَزاءَ إلى نَفْسِهِ قَدَّمَ المُؤْمِنَ فَقالَ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿مَن كَفَرَ﴾ في الحَقِيقَةِ لِمَنعِ الكافِرِ عَنِ الكُفْرِ بِالوَعِيدِ ونَهْيِهِ عَنْ فِعْلِهِ بِالتَّهْدِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا﴾ لِتَحْرِيضِ المُؤْمِنِ، فالنَّهْيُ كالإيعادِ والتَّحْرِيضِ لِلتَّقْرِيرِ، والإيعادُ مُقَدَّمٌ عِنْدَ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، وأمّا عِنْدَما ذَكَرَ الجَزاءَ بَدَأ بِالإحْسانِ إظْهارًا لِلْكَرَمِ والرَّحْمَةِ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَذا إنَّما يَصِحُّ أنْ لَوْ كانَ الذِّكْرُ في كُلِّ مَوْضِعٍ كَذَلِكَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ اللَّهَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ قَدَّمَ إيمانَ المُؤْمِنِ عَلى كُفْرِ الكافِرِ، وقَدَّمَ التَّعْذِيبَ عَلى الإثابَةِ، فَنَقُولُ إنْ كانَ اللَّهُ يُوَفِّقُنا لِبَيانِ ذَلِكَ نُبَيِّنُ ما اقْتَضى تَقْدِيمَهُ، ونَحْنُ نَقُولُ بِأنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ ورَدَتْ في القُرْآنِ فَهي لِمَعْنًى، وكُلُّ تَرْتِيبٍ وُجِدَ فَهو لِحِكْمَةٍ، وما ذُكِرَ عَلى خِلافِهِ لا يَكُونُ في دَرَجَةِ ما ورَدَ بِهِ القُرْآنُ، فَلْنُبَيِّنْ مِن جُمْلَتِهِ مِثالًا وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [ الرُّومِ: ١٤] ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ﴾ [ الرُّومِ: ١٥] قَدَّمَ المُؤْمِنَ عَلى الكافِرِ، وهاهُنا ذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أيْ يَتَفَرَّقُونَ، فَقَدَّمَ الكافِرَ عَلى المُؤْمِنِ، فَنَقُولُ هُناكَ أيْضًا قَدَّمَ الكافِرَ في الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ قالَ مِن قَبْلُ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢] فَذَكَرَ الكافِرَ وإبْلاسَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ فَكانَ ذِكْرُ المُؤْمِنِ وحْدَهُ لا بُدَّ مِنهُ لِيُبَيِّنَ كَيْفِيَّةَ التَّفَرُّقِ بِمَجْمُوعِ قَوْلِهِ: ﴿يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾، وقَوْلُهُ في حَقِّ المُؤْمِنِ: ﴿فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [ الرُّومِ: ١٥] لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أعادَ ذِكْرَ المُجْرِمِينَ مَرَّةً أُخْرى لِلتَّفْصِيلِ فَقالَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .

30:46Page 409

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٖ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَلِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٤٦

And of His signs is that He sends the winds as bringers of good tidings and to let you taste His mercy [i.e., rain] and so the ships may sail at His command and so you may seek of His bounty, and perhaps you will be grateful.

صفحة ١١٥

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ ظُهُورَ الفَسادِ والهَلاكِ بِسَبَبِ الشِّرْكِ ذَكَرَ ظُهُورَ الصَّلاحِ ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ بِسَبَبِ العَمَلِ الصّالِحِ، لِما ذَكَرْنا غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ الكَرِيمَ لا يَذْكُرُ لِإحْسانِهِ عِوَضًا، ويَذْكُرُ لِأضْرارِهِ سَبَبًا؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ بِهِ الظُّلْمُ فَقالَ: ﴿يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ قِيلَ بِالمَطَرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] أيْ قَبْلَ المَطَرِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ مُبَشِّراتٍ بِصَلاحِ الأهْوِيَةِ والأحْوالِ، فَإنَّ الرِّياحَ لَوْ لَمْ تَهُبَّ لَظَهَرَ الوَباءُ والفَسادُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى ما ذَكَرْنا، أيْ لِيُبَشِّرَكم بِصَلاحِ الهَواءِ وصِحَّةِ الأبْدانِ ﴿ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ﴾ بِالمَطَرِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ الإذاقَةَ تُقالُ في القَلِيلِ، ولَمّا كانَ أمْرُ الدُّنْيا قَلِيلًا، وراحَتُها نَزْرٌ قالَ: ﴿ولِيُذِيقَكُمْ﴾، وأمّا في الآخِرَةِ فَيَرْزُقُهم ويُوَسِّعُ عَلَيْهِمْ ويُدِيمُ لَهم. ﴿ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ لَمّا أسْنَدَ الفِعْلَ إلى الفُلْكِ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِأمْرِهِ﴾ أيِ الفِعْلُ ظاهِرًا عَلَيْهِ ولَكِنَّهُ بِأمْرِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ لَمّا قالَ: ﴿ولِتَبْتَغُوا﴾ مُسْنَدًا إلى العِبادِ ذَكَرَ بَعْدَهُ: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ لا اسْتِقْلالَ لِشَيْءٍ بِشَيْءٍ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في التَّرْتِيبِ فَنَقُولُ: في الرِّياحِ فَوائِدُ، مِنها إصْلاحُ الهَواءِ، ومِنها إثارَةُ السَّحابِ، ومِنها جَرَيانُ الفُلْكِ بِها فَقالَ: ﴿مُبَشِّراتٍ﴾ بِإصْلاحِ الهَواءِ، فَإنَّ إصْلاحَ الهَواءِ يُوجَدُ مِن نَفْسِ الهُبُوبِ ثُمَّ الأمْطارُ بَعْدَهُ، ثُمَّ جَرَيانُ الفُلْكِ فَإنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلى اخْتِبارٍ مِنَ الآدَمِيِّ بِإصْلاحِ السُّفُنِ وإلْقائِها عَلى البَحْرِ، ثُمَّ ابْتِغاءُ الفَضْلِ بِرُكُوبِها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ﴾ . . . . . . ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم: ٤١] وقالَ هاهُنا ﴿ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ﴾ فَخاطَبَ هاهُنا تَشْرِيفًا، ولِأنَّ رَحْمَتَهُ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ، فالمُحْسِنُ قَرِيبٌ فَيُخاطَبُ والمُسِيءُ بَعِيدٌ فَلَمْ يُخاطِبْهم، وأيْضًا قالَ هُناكَ ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ وقالَ هاهُنا ﴿مِن رَحْمَتِهِ﴾ فَأضافَ ما أصابَهم إلى أنْفُسِهِمْ، وأضافَ ما أصابَ المُؤْمِنَ إلى رَحْمَتِهِ وفِيهِ مَعْنَيانِ:

أحَدُهُما: ما ذَكَرْنا أنَّ الكَرِيمَ لا يَذْكُرُ لِإحْسانِهِ ورَحْمَتِهِ عِوَضًا، وإنْ وُجِدَ فَلا يَقُولُ أعْطَيْتُكَ لِأنَّكَ فَعَلْتَ كَذا، بَلْ يَقُولُ هَذا لَكَ مِنِّي. وأمّا ما فَعَلْتَ مِنَ الحَسَنَةِ فَجَزاؤُهُ بَعْدُ عِنْدِي.

وثانِيهِما: أنَّ ما يَكُونُ بِسَبَبِ فِعْلِ العَبْدِ قَلِيلٌ، فَلَوْ قالَ أرْسَلْتُ الرِّياحَ بِسَبَبِ فِعْلِكم لا يَكُونُ بِشارَةً عَظِيمَةً، وأمّا إذا قالَ: ﴿مِن رَحْمَتِهِ﴾ كانَ غايَةَ البِشارَةِ، ومَعْنًى ثالِثٌ وهو أنَّهُ لَوْ قالَ بِما فَعَلْتُمْ لَكانَ ذَلِكَ مُوهِمًا لِنُقْصانِ ثَوابِهِمْ في الآخِرَةِ، وأمّا في حَقِّ الكُفّارِ فَإذا قالَ بِما فَعَلْتُمْ يُنْبِئُ عَنْ نُقْصانِ عِقابِهِمْ وهو كَذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هُناكَ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [ الرُّومِ: ٤١] وقالَ هاهُنا: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ قالُوا وإشارَةً إلى أنَّ تَوْفِيقَهم لِلشُّكْرِ مِنَ النِّعَمِ فَعَطَفَ عَلى النِّعَمِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما أخَّرَ هَذِهِ الآيَةَ؛ لِأنَّ في الآياتِ الَّتِي قَدْ سَبَقَ ذِكْرُها قُلْنا إنَّهُ ذَكَرَ مِن كُلِّ بابٍ آيَتَيْنِ، فَذَكَرَ مِنَ المُنْذِراتِ: ﴿يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ [ الرَّعْدِ: ١٢] والحادِثُ في الجَوِّ في أكْثَرِ الأمْرِ نارٌ ورِيحٌ فَذَكَرَ الرِّياحَ هاهُنا تَذْكِيرًا وتَقْرِيرًا لِلدَّلائِلِ، ولَمّا كانَتِ الرِّيحُ فِيها فائِدَةٌ غَيْرُ المَطَرِ، ولَيْسَ في البَرْقِ فائِدَةٌ إنْ لَمْ يَكُنْ مَطَرٌ ذُكِرَ

صفحة ١١٦

هُناكَ خَوْفًا وطَمَعًا، أيْ قَدْ يَكُونُ وقَدْ لا يَكُونُ وذَكَرَ هاهُنا: ﴿مُبَشِّراتٍ﴾؛ لِأنَّ تَعْدِيلَ الهَواءِ أوْ تَصْفِيَتَهُ بِالرِّيحِ أمْرٌ لازِمٌ، وحُكْمُهُ بِهِ حُكْمٌ جازِمٌ.

30:47Page 409

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱنتَقَمۡنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧

And We have already sent messengers before you to their peoples, and they came to them with clear evidences; then We took retribution from those who committed crimes, and incumbent upon Us was support1 of the believers.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾

لَمّا بَيَّنَ الأصْلَيْنِ بِبَراهِينَ ذَكَرَ الأصْلَ الثّالِثَ وهو النُّبُوَّةُ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا﴾ أيْ إرْسالُهم دَلِيلُ رِسالَتِكَ، فَإنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم شُغْلٌ غَيْرَ شُغْلِكَ، ولَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِمْ غَيْرُ ما ظَهَرَ عَلَيْكَ ومِن كَذِبِهِمْ أصابَهُمُ البَوارُ، ومَن آمَنَ بِهِمْ كانَ لَهم الِانْتِصارُ، ولَهُ وجْهٌ آخَرُ يُبَيِّنُ تَعَلُّقَ الآيَةِ بِما قَبْلَها، وهو أنَّ اللَّهَ لَمّا بَيَّنَ البَراهِينَ، ولَمْ يَنْتَفِعْ بِها الكُفّارُ سَلّى قَلْبَ النَّبِيِّ ﷺ وقالَ: حالُ مَن تَقَدَّمَكَ كانَ كَذَلِكَ وجاءُوا أيْضًا بِالبَيِّناتِ، وكانَ في قَوْمِهِمْ كافِرٌ ومُؤْمِنٌ كَما في قَوْمِكَ فانْتَقَمْنا مِنَ الكافِرِينَ ونَصَرْنا المُؤْمِنِينَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ حَقًّا﴾ وجْهانِ:

أحَدُهُما: فانْتَقَمْنا، وكانَ الِانْتِقامُ حَقًّا، واسْتَأْنَفَ وقالَ عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ، وعَلى هَذا يَكُونُ هَذا بِشارَةً لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ أيْ عَلَيْنا نَصْرُكم أيُّها المُؤْمِنُونَ.

والوَجْهُ الثّانِي: ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا﴾ أيْ نَصْرُ المُؤْمِنِينَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا، وعَلى الأوَّلِ لَطِيفَةٌ وعَلى الآخَرِ أُخْرى، أمّا عَلى الأوَّلِ فَهو أنَّهُ لَمّا قالَ فانْتَقَمْنا بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا، وإنَّما كانَ عَدْلًا حَقًّا، وذَلِكَ لِأنَّ الِانْتِقامَ لَمْ يَكُنْ إلّا بَعْدَ كَوْنِ بَقائِهِمْ غَيْرَ مُفِيدٍ إلّا زِيادَةَ الإثْمِ ووِلادَةَ الكافِرِ الفاجِرِ وكانَ عَدَمُهم خَيْرًا مِن وُجُودِهِمُ الخَبِيثِ، وعَلى الثّانِي تَأْكِيدُ البِشارَةِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ عَلى تُفِيدُ مَعْنى اللُّزُومِ، يُقالُ عَلى فُلانٍ كَذا، يُنْبِئُ عَنِ اللُّزُومِ، فَإذا قالَ حَقًّا أكَّدَ ذَلِكَ المَعْنى، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ النَّصْرَ هو الغَلَبَةُ الَّتِي لا تَكُونُ عاقِبَتُها وخِيمَةً، فَإنَّ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ إذا انْهَزَمَتْ أوَّلًا، ثُمَّ عادَتْ آخِرًا لا يَكُونُ النَّصْرُ إلّا لِلْمُنْهَزِمِ، وكَذَلِكَ مُوسى وقَوْمُهُ لَمّا انْهَزَمُوا مِن فِرْعَوْنَ ثُمَّ أدْرَكَهُ الغَرَقُ لَمْ يَكُنِ انْهِزامُهم إلّا نُصْرَةً، فالكافِرُ إنْ هَزَمَ المُسْلِمَ في بَعْضِ الأوْقاتِ لا يَكُونُ ذَلِكَ نُصْرَةً إذْ لا عاقِبَةَ لَهُ.

30:48–50Page 409

ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَيَبۡسُطُهُۥ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ يَشَآءُ وَيَجۡعَلُهُۥ كِسَفٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦۖ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٨

It is Allāh who sends the winds, and they stir the clouds and spread them in the sky however He wills, and He makes them fragments so you see the rain emerge from within them. And when He causes it to fall upon whom He wills of His servants, immediately they rejoice

وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡهِم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمُبۡلِسِينَ ٤٩

Although they were, before it was sent down upon them - before that, in despair.

فَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ كَيۡفَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٥٠

So observe the effects of the mercy of Allāh - how He gives life to the earth after its lifelessness. Indeed, that [same one] will give life to the dead, and He is over all things competent.

ثُمَّ قالَ تَعالى:

صفحة ١١٧

﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ويَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

بَيَّنَ دَلائِلَ الرِّياحِ عَلى التَّفْصِيلِ الأوَّلِ في إرْسالِها قُدْرَةٌ وحِكْمَةٌ. أمّا القُدْرَةُ فَظاهِرَةٌ فَإنَّ الهَواءَ اللَّطِيفَ الَّذِي يَشُقُّهُ الوَدْقُ يَصِيرُ بِحَيْثُ يَقْلَعُ الشَّجَرَ، وهو لَيْسَ بِذاتِهِ كَذَلِكَ فَهو بِفِعْلِ فاعِلٍ مُخْتارٍ، وأمّا الحِكْمَةُ فَفي نَفْسِ الهُبُوبِ فِيما يُفْضِي إلَيْهِ مِن إثارَةِ السُّحُبِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنْواعَ السُّحُبِ فَمِنهُ ما يَكُونُ مُتَّصِلًا ومِنهُ ما يَكُونُ مُنْقَطِعًا، ثُمَّ المَطَرُ يَخْرُجُ مِنهُ، والماءُ في الهَواءِ أعْجَبُ عَلامَةً لِلْقُدْرَةِ، وما يُفْضِي إلَيْهِ مِن إنْباتِ الزَّرْعِ وإدْرارِ الضَّرْعِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ، ثُمَّ أنَّهُ لا يَعَمُّ بَلْ يَخْتَصُّ بِهِ قَوْمٌ دُونَ قَوْمٍ، وهو عَلامَةُ المَشِيئَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهم هو تَأْكِيدٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها﴾ [ الحَشْرِ: ١٧] وقالَ بَعْضُهم مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ مِن قَبْلِ المَطَرِ، والأوْلى أنْ يُقالَ مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مَن قَبْلِهِ، أيْ مِن قَبْلِ إرْسالِ الرِّياحِ، وذَلِكَ لِأنَّ بَعْدَ الإرْسالِ يَعْرِفُ الخَبِيرُ أنَّ الرِّيحَ فِيها مَطَرٌ أوْ لَيْسَ، فَقَبْلَ المَطَرِ إذا هَبَّتِ الرِّيحُ لا يَكُونُ مُبْلِسًا، فَلَمّا قالَ مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَقُلْ إنَّهم كانُوا مُبْلِسِينَ؛ لِأنَّ مَن قَبْلَهُ قَدْ يَكُونُ راجِبًا غالِبًا عَلى ظَنِّهِ المَطَرُ بِرُؤْيَةِ السُّحُبِ وهُبُوبِ الرِّياحِ فَقالَ مِن قَبْلِهِ، أيْ مِن قَبْلِ ما ذَكَرْنا مِن إرْسالِ الرِّيحِ وبَسْطِ السَّحابِ، ثُمَّ لَمّا فَصَّلَ قالَ: ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى﴾ لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ قالَ لَمُحْيِي بِاللّامِ المُؤَكِّدَةِ وبِاسْمِ الفاعِلِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا قالَ إنَّ المَلِكَ يُعْطِيكَ لا يُفِيدُ ما يُفِيدُ قَوْلُهُ إنَّهُ مُعْطِيكَ؛ لِأنَّ الثّانِيَ يُفِيدُ أنَّهُ أعْطاكَ، فَكانَ وهو مُعْطٍ مُتَّصِفًا بِالعَطاءِ، والأوَّلُ يُفِيدُ أنَّهُ سَيَتَّصِفُ بِهِ، ويَتَبَيَّنُ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ فَإنَّهُ آكَدٌ مِن قَوْلِهِ إنَّكَ تَمُوتُ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَأْكِيدٌ لِما يُفِيدُ الِاعْتِرافَ.

30:51–53Page 410

وَلَئِنۡ أَرۡسَلۡنَا رِيحٗا فَرَأَوۡهُ مُصۡفَرّٗا لَّظَلُّواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ يَكۡفُرُونَ ٥١

But if We should send a [bad] wind and they saw [their crops] turned yellow, they would remain thereafter disbelievers.1

فَإِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَلَا تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوۡاْ مُدۡبِرِينَ ٥٢

So indeed, you will not make the dead hear, nor will you make the deaf hear the call when they turn their backs, retreating.

وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِ ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ ٥٣

And you cannot guide the blind away from their error. You will only make hear those who believe in Our verses so they are Muslims [in submission to Allāh].

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾

لَمّا بَيَّنَ أنَّهم عِنْدَ تَوَقُّفِ الخَيْرِ يَكُونُونَ مُبْلِسِينَ آيِسِينَ، وعِنْدَ ظُهُورِهِ يَكُونُونَ مُسْتَبْشِرِينَ، بَيَّنَ أنَّ تِلْكَ الحالَةَ أيْضًا لا يَدُومُونَ عَلَيْها، بَلْ لَوْ أصابَ زَرْعَهم رِيحٌ مُصْفَرٌّ لَكَفَرُوا فَهم مُنْقَلِبُونَ غَيْرُ ثابِتِينَ لِنَظَرِهِمْ إلى الحالِ لا إلى المَآلِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ في الآيَةِ الأُولى ﴿يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الإخْبارِ عَنِ الإرْسالِ، وقالَ هاهُنا: ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا﴾ لا عَلى طَرِيقَةِ الإخْبارِ عَنِ الإرْسالِ؛ لِأنَّ الرِّياحَ مِن رَحْمَتِهِ وهي مُتَواتِرَةٌ، والرِّيحُ مِن عَذابِهِ

صفحة ١١٨

وهُوَ تَعالى رَءُوفٌ بِالعِبادِ يُمْسِكُها، ولِذَلِكَ نَرى الرِّياحَ النّافِعَةَ تَهُبُّ في اللَّيالِي والأيّامِ في البَرارِي والآكامِ، ورِيحُ السَّمُومِ لا تَهُبُّ إلّا في بَعْضِ الأزْمِنَةِ وفي بَعْضِ الأمْكِنَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: سَمّى النّافِعَةَ رِياحًا والضّارَّةَ رِيحًا لِوُجُوهٍ.

أحَدُها: النّافِعَةُ كَثِيرَةُ الأنْواعِ كَثِيرَةُ الأفْرادِ فَجَمَعَها، فَإنَّ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ تَهُبُّ نَفَحاتٌ مِنَ الرِّياحِ النّافِعَةِ، ولا تَهُبُّ الرِّيحُ الضّارَّةُ في أعْوامٍ، بَلِ الضّارَّةُ في الغالِبِ لا تَهُبُّ في الدُّهُورِ.

الثّانِي: هو أنَّ النّافِعَةَ لا تَكُونُ إلّا رِياحًا، فَإنَّ ما يَهُبُّ مَرَّةً واحِدَةً لا يُصْلِحُ الهَواءَ ولا يُنْشِئُ السَّحابَ ولا يُجْرِيَ السُّفُنَ، وأمّا الضّارَّةُ بِنَفْحَةٍ واحِدَةٍ تَقْتُلُ كَرِيحِ السَّمُومِ.

الثّالِثُ: هو أنَّ الرِّيحَ المُضِرَّةَ إمّا أنْ تَضُرَّ بِكَيْفِيَّتِها أوْ بِكَمِّيَّتِها، أمّا الكَيْفِيَّةُ فَهي إذا كانَتْ حارَّةً أوْ مُتَكَيِّفَةً بِكَيْفِيَّةِ سُمٍّ، وهَذا لا يَكُونُ لِلرِّيحِ في هُبُوبِها وإنَّما يَكُونُ بِسَبَبِ أنَّ الهَواءَ السّاكِنَ في بُقْعَةٍ فِيها حَشائِشُ رَدِيئَةٌ أوْ في مَوْضِعٍ غائِرٍ وهو حارٌّ جِدًّا، أوْ تَكُونُ مُتَكَوِّنَةً في أوَّلِ تَكَوُّنِها كَذَلِكَ، وكَيْفَما كانَ فَتَكُونُ واحِدَةً؛ لِأنَّ ذَلِكَ الهَواءَ السّاكِنَ إذا سُخِّنَ ثُمَّ ورَدَ عَلَيْهِ رِيحٌ تُحَرِّكُهُ وتُخْرِجُهُ مِن ذَلِكَ المَكانِ فَتَهُبُّ عَلى مَواضِعَ كاللَّهِيبِ، ثُمَّ ما يَخْرُجُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن ذَلِكَ المَكانِ لا يَكُونُ حارًّا ولا مُتَكَيِّفًا؛ لِأنَّ المُكْثَ الطَّوِيلَ شَرْطُ التَّكَيُّفِ، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ أدْخَلْتَ إصْبَعَكَ في نارٍ، وأخْرَجْتَها بِسُرْعَةٍ لا تَتَأثَّرُ، والحَدِيدُ إذا مَكَثَ فِيها يَذُوبُ، فَإذا تَحَرَّكَ ذَلِكَ السّاكِنُ وتَفَرَّقَ لا يُوجَدُ في ذَلِكَ الوَقْتِ غَيْرُهُ مِن جِنْسِهِ، وأمّا المُتَوَلِّدَةُ كَذَلِكَ فَنادِرَةٌ، ومَوْضِعُ نُدْرَتِها واحِدٌ. وأمّا الكَمِّيَّةُ فالرِّياحُ إذا اجْتَمَعَتْ وصارَتْ واحِدَةً صارَتْ كالخُلْجانِ، ومِياهُ العُيُونِ إذا اجْتَمَعَتْ تَصِيرُ نَهْرًا عَظِيمًا لا تَسُدُّهُ السُّدُودُ، ولا يُرُدُّهُ الجُلْمُودُ، ولا شَكَّ أنَّ في ذَلِكَ تَكُونُ واحِدَةً مُجْتَمِعَةً مِن كَثِيرٍ، فَلِهَذا قالَ في المُضِرَّةِ رِيحٌ وفي النّافِعَةِ رِياحٌ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا عَلَّمَ رَسُولَهُ أنْواعَ الأدِلَّةِ وأصْنافَ الأمْثِلَةِ ووَعَدَ وأوْعَدَ ولَمْ يَزِدْهم دُعاؤُهُ إلّا فِرارًا، وإنْباؤُهُ إلّا كُفْرًا وإصْرارًا، قالَ لَهُ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في التَّرْتِيبِ، فَنَقُولُ: إرْشادُ المَيِّتِ مُحالٌ، والمُحالُ أبْعَدُ مِنَ المُمْكِنِ، ثُمَّ إرْشادُ الأصَمِّ صَعْبٌ؛ فَإنَّهُ لا يَسْمَعُ الكَلامَ وإنَّما يَفْهَمُ ما يَفْهَمُهُ بِالإشارَةِ لا غَيْرَ، والإفْهامُ بِالإشارَةِ صَعْبٌ، ثُمَّ إرْشادُ الأعْمى أيْضًا صَعْبٌ، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ لَهُ الطَّرِيقُ عَلى يَمِينِكَ يَدُورُ إلى يَمِينِهِ، لَكِنَّهُ لا يَبْقى عَلَيْهِ بَلْ يَحِيدُ عَنْ قَرِيبٍ، وإرْشادُ الأصَمِّ أصْعَبُ، فَلِهَذا تَكُونُ المُعاشَرَةُ مَعَ الأعْمى أسْهَلَ مِنَ المُعاشَرَةِ مَعَ الأصَمِّ الَّذِي لا يَسْمَعُ شَيْئًا؛ لِأنَّ غايَةَ الإفْهامِ بِالكَلامِ، فَإنَّ ما لا يُفْهَمُ بِالإشارَةِ يُفْهَمُ بِالكَلامِ ولَيْسَ كُلُّ ما يُفْهَمُ بِالكَلامِ يُفْهَمُ بِالإشارَةِ، فَإنَّ المَعْدُومَ والغائِبَ لا إشارَةَ إلَيْهِما، فَقالَ أوَّلًا لا تُسْمِعُ المَوْتى، ثُمَّ قالَ ولا الأصَمَّ ولا تَهْدِي الأعْمى الَّذِي دُونَ الأصَمِّ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ في الصُّمِّ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ لِيَكُونَ أدْخَلَ في الِامْتِناعِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأصَمَّ وإنْ كانَ يَفْهَمُ فَإنَّما يَفْهَمُ بِالإشارَةِ، فَإذا ولّى ولا يَكُونُ نَظَرُهُ إلى المُشِيرِ فَإنَّهُ يَسْمَعُ ولا يَفْهَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ في الأصَمِّ: ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ ولَمْ يَقُلْ في المَوْتى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْمَعُ الصَّوْتَ الهائِلَ كَصَوْتِ الرَّعْدِ القَوِيِّ، ولَكِنَّ صَوْتَ الدّاعِي لا يَبْلُغُ ذَلِكَ الحَدَّ فَقالَ إنَّكَ داعٍ لَسْتَ بِمُلْجِئٍ إلى الإيمانِ والدّاعِي لا يُسْمِعُ الأصَمَّ الدُّعاءَ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ أيْ لَيْسَ شُغْلُكَ هِدايَةَ العُمْيانِ كَما يَقُولُ القائِلُ: فُلانٌ لَيْسَ بِشاعِرٍ وإنَّما يَنْظِمُ بَيْتًا وبَيْتَيْنِ، أيْ لَيْسَ شُغْلُهُ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ نَفْيُ ذَلِكَ عَنْهُ، وقَوْلُهُ:

صفحة ١١٩

﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ يَعْنِي لَيْسَ شُغْلُكَ ذَلِكَ، وما أُرْسِلْتَ لَهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ لَمّا نَفى إسْماعَ المَيِّتِ والأصَمِّ، وأثْبَتَ إسْماعَ المُؤْمِنِ بِآياتِهِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ حَيًّا سَمِيعًا وهو كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ تَرِدُ عَلى قَلْبِهِ أمْطارُ البَراهِينِ، فَتُنْبِتُ في قَلْبِهِ العَقائِدَ الحَقَّةَ، ويَسْمَعُ زَواجِرَ الوَعْظِ فَتَظْهَرُ مِنهُ الأفْعالُ الحَسَنَةُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى خِلافِ مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، فَإنَّهم قالُوا: اللَّهُ يُرِيدُ مِنَ الكُلِّ الإيمانَ، غَيْرَ أنَّ بَعْضَهم يُخالِفُ إرادَةَ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يُؤْمِنُ فَيُسْمِعُهُ النَّبِيُّ ﷺ ما يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ، فَهم مُسْلِمُونَ مُطِيعُونَ كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] .

30:54Page 410

۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ ٥٤

Allāh is the one who created you from weakness, then made after weakness strength, then made after strength weakness and white hair. He creates what He wills, and He is the Knowing, the Competent.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهو العَلِيمُ القَدِيرُ﴾

لَمّا أعادَ مِنَ الدَّلائِلِ الَّتِي مَضَتْ دَلِيلًا مِن دَلائِلِ الآفاقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ وذَكَرَ أحْوالَ الرِّيحِ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ أعادَ دَلِيلًا مِن دَلائِلِ الأنْفُسِ وهو خَلْقُ الآدَمِيِّ، وذَكَرَ أحْوالَهُ، فَقالَ: ﴿خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ أيْ مَبْناكم عَلى الضَّعْفِ كَما قالَ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] ومِن هاهُنا كَما تَكُونُ في قَوْلِ القائِلِ: فُلانٌ زَيَّنَ فُلانًا مِن فَقْرِهِ وجَعَلَهُ غَنِيًّا، أيْ مِن حالَةِ فَقْرِهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ فَقَوْلُهُ ﴿مِن ضَعْفٍ﴾ إشارَةٌ إلى حالَةٍ كانَ فِيها جَنِينًا وطِفْلًا مَوْلُودًا ورَضِيعًا ومَفْطُومًا، فَهَذِهِ أحْوالُ غايَةِ الضَّعْفِ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ إشارَةٌ إلى حالَةِ بُلُوغِهِ وانْتِقالِهِ وشَبابِهِ واكْتِهالِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهو العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ .

إشارَةٌ إلى ما يَكُونُ بَعْدَ الكُهُولَةِ مِن ظُهُورِ النُّقْصانِ، والشَّيْبَةُ هي تَمامُ الضَّعْفِ، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ أنَّ هَذا لَيْسَ طَبْعًا بَلْ هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ تَعالى في دَلائِلِ الآفاقِ: ﴿فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ ﴿وهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ لَمّا قَدَّمَ العِلْمَ عَلى القُدْرَةِ وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فالعِزَّةُ إشارَةٌ إلى تَمامِ القُدْرَةِ، والحِكْمَةُ إلى العِلْمِ، فَقَدَّمَ القُدْرَةَ هُناكَ وقَدَّمَ العِلْمَ عَلى القُدْرَةِ هاهُنا، فَنَقُولُ: هُناكَ المَذْكُورُ الإعادَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [ الرُّومِ: ٢٧]، ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧]؛ لِأنَّ الإعادَةَ تَكُونُ بِكُنْ فَيَكُونُ، فالقُدْرَةُ هُناكَ أظْهَرُ وهاهُنا المَذْكُورُ الإبْداءُ وهو أطْوارٌ وأحْوالٌ، والعِلْمُ بِكُلِّ حالٍ حاصِلٌ، فالعِلْمُ هاهُنا أظْهَرُ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ تَبْشِيرٌ وإنْذارٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ عالِمًا بِأعْمالِ الخَلْقِ كانَ عالِمًا بِأحْوالِ المَخْلُوقاتِ، فَإنْ عَمِلُوا خَيْرًا عَلِمَهُ وإنْ عَمِلُوا شَرًّا عَلِمَهُ، ثُمَّ إذا كانَ قادِرًا فَإذا عَلِمَ الخَيْرَ أثابَ وإذا عَلِمَ الشَّرَّ عاقَبَ، ولَمّا كانَ العِلْمُ بِالأحْوالِ قَبْلَ الإثابَةِ والعِقابِ اللَّذَيْنِ هُما بِالقُدْرَةِ قَدَّمَ العِلْمَ، وأمّا في الآخِرَةِ فالعِلْمُ بِتِلْكَ الأحْوالِ مَعَ العِقابِ فَقالَ: ﴿وهُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ وإلى مِثْلِ هَذا أشارَ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] عُقَيْبَ خَلْقِ الإنْسانِ، فَنَقُولُ:

صفحة ١٢٠

أحْسَنَ إشارَةً إلى العِلْمِ؛ لِأنَّ حُسْنَ الخَلْقِ بِالعِلْمِ، والخَلْقُ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: ﴿الخالِقِينَ﴾ إشارَةٌ إلى القُدْرَةِ، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ ذَكَرَ الإبْداءَ - والإعادَةُ كالإبْداءِ - ذَكَرَهُ بِذِكْرِ أحْوالِها وأوْقاتِها.

30:55Page 410

وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقۡسِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيۡرَ سَاعَةٖۚ كَذَٰلِكَ كَانُواْ يُؤۡفَكُونَ ٥٥

And the Day the Hour appears the criminals will swear they had remained but an hour. Thus they were deluded.

فَقالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ قِيلَ ما لَبِثُوا في الدُّنْيا غَيْرَ ساعَةٍ. وقِيلَ ما لَبِثُوا في القُبُورِ، وقِيلَ ما لَبِثُوا مِن وقْتِ فَناءِ الدُّنْيا إلى وقْتِ النُّشُورِ: ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يُصْرَفُونَ مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ ومِنَ الصِّدْقِ إلى الكَذِبِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском