Ar-RaziLuqman · 31:21–29

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Luqman 31:21–29

31:21–22Page 413

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ يَدۡعُوهُمۡ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ٢١

And when it is said to them, "Follow what Allāh has revealed," they say, "Rather, we will follow that upon which we found our fathers." Even if Satan was inviting them to the punishment of the Blaze?

۞ وَمَن يُسۡلِمۡ وَجۡهَهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰۗ وَإِلَى ٱللَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٢٢

And whoever submits his face [i.e., self] to Allāh while he is a doer of good - then he has grasped the most trustworthy handhold. And to Allāh will be the outcome of [all] matters.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ بَيَّنَ أنَّ مُجادَلَتَهم مَعَ كَوْنِها مِن غَيْرِ عِلْمٍ فَهي في غايَةِ القُبْحِ، فَإنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَدْعُوهم إلى كَلامِ اللَّهِ، وهم يَأْخُذُونَ بِكَلامِ آبائِهِمْ، وبَيْنَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى وكَلامِ العُلَماءِ بَوْنٌ عَظِيمٌ، فَكَيْفَ ما بَيْنَ كَلامِ اللَّهِ وكَلامِ الجُهَلاءِ ؟ ! ثُمَّ إنَّ هَهُنا شَيْئًا آخَرَ وهو أنَّهم قالُوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ يَعْنِي نَتْرُكُ القَوْلَ النّازِلَ مِنَ اللَّهِ ونَتَّبِعُ الفِعْلَ، والقَوْلُ أدَلُّ مِنَ الفِعْلِ لِأنَّ الفِعْلَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جائِزًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حَرامًا، وهم تَعاطَوْهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ واجِبًا في اعْتِقادِهِمْ، والقَوْلُ بَيِّنُ الدَّلالَةِ، فَلَوْ سَمِعْنا قَوْلَ قائِلٍ افْعَلْ ورَأيْنا فِعْلَهُ يَدُلُّ عَلى خِلافِ قَوْلِهِ، لَكانَ الواجِبُ الأخْذَ بِالقَوْلِ، فَكَيْفَ والقَوْلُ مِنَ اللَّهِ والفِعْلُ مِنَ الجُهّالِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ اسْتِفْهامًا عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ في الإنْكارِ يَعْنِي الشَّيْطانَ يَدْعُوهم إلى العَذابِ واللَّهَ يَدْعُو إلى الثَّوابِ، وهم مَعَ هَذا يَتَّبِعُونَ الشَّيْطانَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ لَمّا بَيَّنَ حالَ المُشْرِكِ والمُجادِلِ في اللَّهِ بَيَّنَ حالَ المُسْلِمِ المُسْتَسْلِمِ لِأمْرِ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى الإيمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ إشارَةٌ إلى العَمَلِ الصّالِحِ، فَتَكُونُ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ [سبأ: ٣٧] . وقَوْلُهُ: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أيْ تَمَسَّكَ بِحَبْلٍ لا انْقِطاعَ لَهُ، وتَرَقّى بِسَبَبِهِ إلى أعْلى المَقاماتِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ هَهُنا: ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ وقالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] فَعَدّى هَهُنا بِـ”إلى“ وهُناكَ بِاللّامِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أيْ جَعَلَ نَفْسَهُ لِلَّهِ سالِمًا، أيْ خالِصًا، والوَجْهُ بِمَعْنى النَّفْسِ والذّاتِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ يُسْلِمُ نَفْسَهُ إلى اللَّهِ كَما يُسْلِمُ واحِدٌ مَتاعًا إلى غَيْرِهِ، ولَمْ يَزِدْ عَلى هَذا، ويُمْكِنُ أنْ يُزادَ عَلَيْهِ ويُقالَ: مَن أسْلَمَ لِلَّهِ أعْلى دَرَجَةً مِمَّنْ يُسْلِمُ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّ إلى لِلْغايَةِ، واللّامَ لِلِاخْتِصاصِ، يَقُولُ القائِلُ: أسْلَمْتُ وجْهِي إلَيْكَ أيْ تَوَجَّهْتُ نَحْوَكَ، ويُنْبِئُ هَذا عَنْ عَدَمِ الوُصُولِ؛

صفحة ١٣٥

لِأنَّ التَّوَجُّهَ إلى الشَّيْءِ قَبْلَ الوُصُولِ، وقَوْلُهُ: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، ولا يُنْبِئُ عَنِ الغايَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى المَسافَةِ وقَطْعِها لِلْوُصُولِ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: في البَقَرَةِ قالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] فَقالَ اللَّهُ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿تِلْكَ أمانِيُّهم قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١] ثُمَّ بَيَّنَ فَسادَ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أيْ أنْتُمْ مَعَ أنَّكم تَتْرُكُونَ اللَّهَ لِلدُّنْيا وتُوَلُّونَ عَنْهُ لِلْباطِلِ، وتَشْتَرُونَ بِآياتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا تَدْخُلُونَ [ النّارَ ] ومَن كانَ بِكُلِّيَّتِهِ لِلَّهِ لا يَدْخُلُها، هَذا كَلامٌ باطِلٌ، فَأوْرَدَ عَلَيْهِمْ مَن أسْلَمَ لِلَّهِ، ولا شَكَّ أنَّ النَّقْضَ بِالصُّورَةِ الَّتِي هي ألْزَمُ أوْلى، فَأوْرَدَ عَلَيْهِمُ المُخْلِصَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أمْرٌ إلّا اللَّهَ، وقالَ: أنْتُمْ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وهَذا لا يَدْخُلُها، ثُمَّ بَيَّنَ كَذِبَهم، وقالَ: “ بَلى “ وبَيَّنَ أنَّ لَهُ فَوْقَ الجَنَّةِ دَرَجَةً وهي العِنْدِيَّةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] وأمّا هَهُنا أرادَ وعْدَ المُحْسِنِ بِالثَّوابِ والوُصُولِ إلى الدَّرَجَةِ العالِيَةِ، فَوَعَدَ مَن هو دُونَهُ لِيَدْخُلَ فِيهِ مَن هو فَوْقَهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، ويَعُمَّ الوَعْدُ، وهَذا مِنَ الفَوائِدِ الجَلِيلَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أوْثَقُ العُرى جانِبُ اللَّهِ، لِأنَّ كُلَّ ما عَداهُ هالِكٌ مُنْقَطِعٌ، وهو باقٍ لا انْقِطاعَ لَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ يَعْنِي اسْتَمْسَكَ بِعُرْوَةٍ تُوصِلُهُ إلى اللَّهِ، وكُلُّ شَيْءٍ عاقِبَتُهُ إلَيْهِ، فَإذا حَصَلَ في الحالِ ما إلَيْهِ عاقِبَتُهُ في عاقِبَتِهِ في غايَةِ الحُسْنِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَعْلَمُ أنَّ عاقِبَةَ الأُمُورِ إلى واحِدٍ، ثُمَّ يُقَدِّمُ إلَيْهِ الهَدايا قَبْلَ الوُصُولِ إلَيْهِ يَجِدُ فائِدَتَهُ عِنْدَ القُدُومِ عَلَيْهِ، وإلى هَذا وقَعَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠] .

31:23–24Page 413

وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحۡزُنكَ كُفۡرُهُۥٓۚ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٢٣

And whoever has disbelieved - let not his disbelief grieve you. To Us is their return, and We will inform them of what they did. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts.

نُمَتِّعُهُمۡ قَلِيلٗا ثُمَّ نَضۡطَرُّهُمۡ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٖ ٢٤

We grant them enjoyment for a little; then We will force them to a massive punishment.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾

لَمّا بَيَّنَ حالَ المُسْلِمِ رَجَعَ إلى بَيانِ حالِ الكافِرِ فَقالَ: ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ﴾ أيْ لا تَحْزَنْ إذا كَفَرَ كافِرٌ فَإنَّ مَن يُكَذِّبُ وهو قاطِعٌ بِأنَّ صِدْقَهُ يَتَبَيَّنُ عَنْ قَرِيبٍ لا يَحْزَنُ، بَلْ قَدْ يُؤَنَّبُ المُكَذِّبُ عَلى الزِّيادَةِ في التَّكْذِيبِ إذا لَمْ يَكُنْ مِنَ الهُداةِ، ويَكُونُ المُكَذِّبُ مِنَ العُداةِ لِيُخْجِلَهُ غايَةَ التَّخْجِيلِ، وأمّا إذا كانَ لا يَرْجُو ظُهُورَ صِدْقِهِ يَتَألَّمُ مِنَ التَّكْذِيبِ، فَقالَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ، فَإنَّ المَرْجِعَ إلَيَّ فَأُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا فَيَخْجَلُونَ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ لا يَخْفى عَلَيْهِ سِرُّهم وعَلانِيَتُهم فَيُنَبِّئُهم بِما أضْمَرَتْهُ صُدُورُهم، وذاتُ الصُّدُورِ هي المَهْلَكُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى فَصَّلَ ما ذَكَرْنا وقالَ: ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلًا﴾ أيْ بَقاؤُهم مُدَّةً قَلِيلَةً ثُمَّ بَيَّنَ لَهم وبالَ تَكْذِيبِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ﴾ أيْ نُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ أغْلَظَ عَذابٍ حَتّى يَدْخُلُوا بِأنْفُسِهِمْ عَذابًا غَلِيظًا فَيَضْطَرُّونَ إلى عَذابِ النّارِ فِرارًا مِنَ المَلائِكَةِ الغِلاظِ الشِّدادِ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَهم بِمَقامِعَ مِن نارٍ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ لَطِيفٌ وهو أنَّهم لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُمُ الأمْرُ وقَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَجالَةِ ما يَدْخُلُونَ النّارَ ولا يَخْتارُونَ الوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ بِمَحْضَرِ الأنْبِياءِ، وهو يَتَحَقَّقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ .

31:25–26Page 413

وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٥

And if you asked them, "Who created the heavens and earth?" they would surely say, "Allāh." Say, "[All] praise is [due] to Allāh"; but most of them do not know.

لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٦

To Allāh belongs whatever is in the heavens and earth. Indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾

الآيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى لَمّا اسْتَدَلَّ بِخَلْقِ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ وبِنِعَمِهِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ بَيَّنَ أنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ غَيْرَ مُنْكِرِينَ لَهُ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الحَمْدُ كُلُّهُ لِلَّهِ؛ لِأنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ يَحْتاجُ إلَيْهِ كُلُّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، وكَوْنُ الحَمْدِ كُلُّهُ لِلَّهِ يَقْتَضِي أنْ لا يُعْبَدَ غَيْرُهُ، لَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ هَذا.

والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا سَلّى قَلْبَ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهُمْ﴾ أيْ لا تَحْزَنْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ فَإنَّ صِدْقَكَ وكَذِبَهم يَتَبَيَّنُ عَنْ قَرِيبٍ عِنْدَ رُجُوعِهِمْ إلَيْنا، قالَ: ولَيْسَ لا يَتَبَيَّنُ إلّا ذَلِكَ اليَوْمَ بَلْ هو يَتَبَيَّنُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ اللَّهِ، وهَذا يُصَدِّقُكَ في دَعْوى الوَحْدانِيَّةِ ويُبَيِّنُ كَذِبَهم في الإشْراكِ ﴿فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى ظُهُورِ صِدْقِكَ وكَذِبِ مُكَذِّبِيكَ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَيْسَ لَهم عِلْمٌ يَمْنَعُهم مِن تَكْذِيبِكَ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِما يُوجِبُ تَصْدِيقَكَ.

وعَلى هَذا يَكُونُ لا يَعْلَمُونَ اسْتِعْمالًا لِلْفِعْلِ مَعَ القَطْعِ عَنِ المَفْعُولِ بِالكُلِّيَّةِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ ولا يَكُونُ في ضَمِيرِهِ مَن يُعْطِي بَلْ يُرِيدُ أنَّ لَهُ عَطاءً ومَنعًا، فَكَذَلِكَ هَهُنا قالَ: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَيْسَ لَهم عِلْمٌ وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ لا يَعْلَمُونَ لَهُ مَفْعُولٌ مَفْهُومٌ، وهو أنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ الحَمْدَ كُلَّهُ لِلَّهِ، والثّانِي أبْلَغُ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: فُلانٌ لا عِلْمَ لَهُ بِكَذا، دُونَ قَوْلِهِ: فُلانٌ لا عِلْمَ لَهُ، وكَذا قَوْلُهُ فُلانٌ لا يَنْفَعُ زَيْدًا ولا يَضُرُّهُ، دُونَ قَوْلِهِ: فُلانٌ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾

ذَكَرَ بِما يَلْزَمُ مِنهُ، وهو أنَّهُ يَكُونُ لَهُ ما فِيهِما، والأمْرُ كَذَلِكَ عَقْلًا وشَرْعًا. أمّا عَقْلًا فَلِأنَّ ما في السَّماواتِ المَخْلُوقَةِ مَخْلُوقٌ، وإضافَةُ خَلْقِهِ إلى مَن مِنهُ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ لازِمٌ عَقْلًا لِأنَّها مُمْكِنَةٌ، والمُمْكِنُ لا يَقَعُ ولا يُوجَدُ إلّا بِواجِبٍ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ كَما هو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ، أوْ بِواسِطَةٍ كَما يَقُولُهُ غَيْرُهم، وكَيْفَما فُرِضَ فَكُلُّهُ مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ سَبَبَ السَّبَبِ سَبَبٌ.

وأمّا شَرْعًا فَلِأنَّ مَن يَمْلِكُ أرْضًا وحَصَلَ مِنها شَيْءٌ ما، يَكُونُ ذَلِكَ لِمالِكِ الأرْضِ، فَكَذَلِكَ كَلُّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ حاصِلٌ فِيهِما ومِنهُما، فَهو لِمالِكِ السَّماواتِ والأرْضِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ تَحَقَّقَ أنَّ الحَمْدَ كُلَّهُ لِلَّهِ.

ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ فِيهِ مَعانٍ لَطِيفَةٌ أحَدُها: أنَّ الكُلَّ لِلَّهِ وهو غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ، غَيْرُ مُنْتَفِعٍ بِهِ، وفِيها مَنافِعُ، فَهي لَكم خَلَقَها، فَهو غَنِيٌّ لِعَدَمِ حاجَتِهِ، حُمَيْدٌ مَشْكُورٌ لِدَفْعِهِ حَوائِجَكم بِها.

وثانِيها: أنَّ بَعْدَ ذِكْرِ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الحَمْدَ كُلَّهُ لِلَّهِ، ولا تَصْلُحُ العِبادَةُ إلّا لِلَّهِ افْتَرَقَ المُكَلَّفُونَ فَرِيقَيْنِ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، والكافِرُ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ والمُؤْمِنُ حَمِدَهُ، فَقالَ: إنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ حَمْدِ الحامِدِينَ فَلا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ بِسَبَبِ كُفْرِ الكافِرِينَ، وحَمِيدٌ في نَفْسِهِ، فَيَتَبَيَّنُ بِهِ إصابَةُ المُؤْمِنِينَ، وتَكْمُلُ بِحَمْدِهِ الحامِدُونَ.

وثالِثُها: هو أنَّ السَّماواتَ وما فِيها، والأرْضَ وما فِيها، إذا كانَتْ لِلَّهِ ومَخْلُوقَةً لَهُ، فالكُلُّ مُحْتاجُونَ، فَلا غَنِيَّ إلّا اللَّهُ، فَهو الغَنِيُّ المُطْلَقُ، وكُلٌّ مُحْتاجٌ، فَهو حامِدٌ لِاحْتِياجِهِ إلى مَن يَدْفَعُ حاجَتَهُ، فَلا يَكُونُ الحَمِيدُ المُطْلَقُ إلّا الغَنِيَّ

صفحة ١٣٧

المُطْلَقَ فَهو الحَمِيدُ، وعَلى هَذا [ يَكُونُ ] الحَمِيدُ بِمَعْنى المَحْمُودِ، واللَّهُ إذا قِيلَ لَهُ الحَمِيدُ لا يَكُونُ مَعْناهُ إلّا الواصِفَ، أيْ وصَفَ نَفْسَهُ أوْ عِبادَهُ بِأوْصافٍ حَمِيدَةٍ، والعَبْدُ إذا قِيلَ لَهُ حامِدٌ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ المَعْنى، ويَحْتَمِلُ كَوْنُهُ عابِدًا شاكِرًا لَهُ.

31:27–28Page 413

وَلَوۡ أَنَّمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن شَجَرَةٍ أَقۡلَٰمٞ وَٱلۡبَحۡرُ يَمُدُّهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦ سَبۡعَةُ أَبۡحُرٖ مَّا نَفِدَتۡ كَلِمَٰتُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٧

And if whatever trees upon the earth were pens and the sea [was ink], replenished thereafter by seven [more] seas, the words1 of Allāh would not be exhausted. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.

مَّا خَلۡقُكُمۡ وَلَا بَعۡثُكُمۡ إِلَّا كَنَفۡسٖ وَٰحِدَةٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ ٢٨

Your creation and your resurrection will not be but as that of a single soul.1 Indeed, Allāh is Hearing and Seeing.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾

لَمّا قالَ تَعالى: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وكانَ ذَلِكَ مُوَهِمًا لِتَناهِي مُلْكِهِ لِانْحِصارِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فِيهِما، وحُكْمُ العَقْلِ الصَّرِيحُ بِتَناهِيهِما بَيَّنَ أنَّ في قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ عَجائِبَ لا نِهايَةَ لَها؛ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ ويُكْتَبُ بِها، والأبْحُرُ مِدادٌ لا تَفْنى عَجائِبُ صُنْعِ اللَّهِ، وعَلى هَذا فالكَلِمَةُ مُفَسَّرَةٌ بِالعَجِيبَةِ، ووَجْهُها أنَّ العَجائِبَ بِقَوْلِهِ: “ كُنْ “ و“ كُنْ “ كَلِمَةٌ، وإطْلاقُ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ جائِزٌ. يَقُولُ الشُّجاعُ: لِمَن يُبارِزُهُ أنا مَوْتُكَ، ويُقالُ لِلدَّواءِ في حَقِّ المَرِيضِ هَذا شِفاؤُكَ، ودَلِيلُ صِحَّةِ هَذا هو أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى المَسِيحَ كَلِمَةً؛ لِأنَّهُ كانَ أمْرًا عَجِيبًا وصُنْعًا غَرِيبًا لِوُجُودِهِ مِن غَيْرِ أبٍ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: الآيَةُ وارِدَةٌ في اليَهُودِ حَيْثُ قالُوا: اللَّهُ ذَكَرَ كُلَّ شَيْءٍ في التَّوْراةِ ولَمْ يَبْقَ شَيْءٌ لَمْ يَذْكُرْهُ، فَقالَ: الَّذِي في التَّوْراةِ بِالنِّسْبَةِ إلى كَلامِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ إلّا قَطْرَةً مِن بِحارٍ، وأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ.

وقِيلَ أيْضًا: إنَّها نَزَلَتْ في واحِدٍ قالَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّكَ تَقُولُ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] وتَقُولُ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] فَنَزَلَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى العِبادِ، وبِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ وعُلُومِهِ قَلِيلٌ، وقِيلَ أيْضًا: إنَّها نَزَلَتْ رَدًّا عَلى الكُفّارِ حَيْثُ قالُوا بِأنَّ ما يُورِدُهُ مُحَمَّدٌ سَيَنْفَدُ، فَقالَ: إنَّهُ كَلامُ اللَّهِ وهو لا يَنْفَدُ.

وما ذُكِرَ مِن أسْبابِ النُّزُولِ يُنافِي ما ذَكَرْتُمْ مِنَ التَّفْسِيرِ؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ الكَلامُ. فَنَقُولُ: ما ذَكَرْتُمْ مِنَ اخْتِلافِ الأقْوالِ فِيهِ يَدُلُّ عَلى جَوازِ ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّهُ إذا صَلَحَ جَوابًا لِهَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها، وهي مُتَبايِنَةُ، عُلِمَ أنَّها عامَّةٌ، وما ذَكَرْنا لا يُنافِي هَذا؛ لِأنَّ كَلامَ اللَّهِ عَجِيبٌ مُعْجِزٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، وإذا قُلْنا بِأنَّ عَجائِبَ اللَّهِ لا نِهايَةَ لَها دَخَلَ فِيها كَلامُهُ، لا يُقالُ: إنَّكَ جَعَلْتَ الكَلامَ مَخْلُوقًا؛ لِأنّا نَقُولُ: المَخْلُوقُ هو الحَرْفُ والتَّرْكِيبُ، وهو عَجِيبٌ، وأمّا الكَلِماتُ فَهي مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى.

واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ، وإنْ كانَتْ نازِلَةً عَلى تَرْتِيبِ غَيْرِ الَّذِي هو مَكْتُوبٌ، ولَكِنَّ التَّرْتِيبَ المَكْتُوبَ عَلَيْهِ القُرْآنُ بِأمْرِ اللَّهِ، فَإنَّهُ بِأمْرِ الرَّسُولِ كُتِبَ كَذَلِكَ، وأمْرُ الرَّسُولِ مِن أمْرِ اللَّهِ، وذَلِكَ مُحَقَّقٌ مُتَيَقَّنٌ مِن سُنَنِ التَّرْتِيبِ الَّذِي فِيهِ. ثُمَّ إنَّ الآيَةَ فِيها لَطائِفُ.

الأُولى: قالَ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ وحَّدَ الشَّجَرَةَ، وجَمَعَ الأقْلامَ، ولَمْ يَقُلْ ولَوْ أنَّ ما في الأرْضِ مِنَ الأشْجارِ أقْلامٌ، ولا قالَ: ولَوْ أنَّ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ قَلَمٌ، إشارَةً إلى التَّكْثِيرِ، يَعْنِي ولَوْ أنَّ بِعَدَدِ كُلِّ شَجَرَةٍ أقْلامًا.

الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ تَعْرِيفُ البَحْرِ بِاللّامِ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ،

صفحة ١٣٨

وكُلُّ بَحْرٍ مِدادٌ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ إشارَةٌ إلى بِحارٍ غَيْرِ مَوْجُودَةٍ، يَعْنِي لَوْ مُدَّتِ البِحارُ المَوْجُودَةُ بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ أُخَرَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَبْعَةُ﴾ لَيْسَ لِانْحِصارِها في سَبْعَةٍ، وإنَّما الإشارَةُ إلى المَدَدِ والكَثْرَةِ ولَوْ بِألْفِ بَحْرٍ، والسَّبْعَةُ خُصِّصَتْ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ الأعْدادِ؛ لِأنَّها عَدَدٌ كَثِيرٌ يَحْصُرُ المَعْدُوداتِ في العادَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: هو أنَّ ما هو مَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ لِحاجَتِهِ إلَيْهِ، هو الزَّمانُ والمَكانُ؛ لِأنَّ المَكانَ فِيهِ الأجْسامُ، والزَّمانَ فِيهِ الأفْعالُ، لَكِنَّ المَكانَ مُنْحَصِرٌ في سَبْعَةِ أقالِيمَ، والزَّمانَ في سَبْعَةِ أيّامٍ؛ ولِأنَّ الكَواكِبَ السَّيّارَةَ سَبْعَةٌ، وكانَ المُنَجِّمُونَ يَنْسُبُونَ إلَيْها أُمُورًا، فَصارَتِ السَّبْعَةُ كالعَدَدِ الحاصِرِ لِلْكَثْراتِ الواقِعَةِ في العادَةِ، فاسْتُعْمِلَتْ في كُلِّ كَثِيرٍ.

الثّانِي: هو أنَّ الآحادَ إلى العَشَرَةِ وهي العِقْدُ الأوَّلُ، وما بَعْدَهُ يَبْتَدِئُ مِنَ الآحادِ مَرَّةً أُخْرى، فَيُقالُ أحَدَ عَشَرَ، واثْنا عَشَرَ، ثُمَّ المِئاتُ مِنَ العَشَراتِ، والأُلُوفُ مِنَ المِئاتِ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: أقَلُّ ما يَلْتَئِمُ مِنهُ أكْثَرُ المَعْدُوداتِ هو الثَّلاثَةُ، لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى طَرَفَيْنِ: مَبْدَأٌ ومُنْتَهًى ووَسَطٌ، ولِهَذا يُقالُ: أقَلُّ ما يَكُونُ الِاسْمُ والفِعْلُ مِنهُ هو ثَلاثَةَ أحْرُفٍ، فَإذا كانَتِ الثَّلاثَةُ هو القِسْمَ الأوَّلَ مِنَ العَشَرَةِ الَّتِي هو العَدَدُ الأصْلِيُّ تَبْقى السَّبْعَةُ القِسْمَ الأكْثَرَ، فَإذا أُرِيدَ بَيانُ الكَثْرَةِ ذُكِرَتِ السَّبْعَةُ، ولِهَذا فَإنَّ المَعْدُوداتِ في العِباداتِ مِنَ التَّسْبِيحاتِ في الِانْتِقالاتِ في الصَّلَواتِ ثَلاثَةٌ، والمِرارُ في الوُضُوءِ ثَلاثَةٌ تَيْسِيرًا لِلْأمْرِ عَلى المُكَلَّفِ اكْتِفاءً بِالقِسْمِ الأوَّلِ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: “ «المُؤْمِنُ يَأْكُلُ في مِعًى، والكافِرُ يَأْكُلُ في سَبْعَةِ أمْعاءٍ» “ إشارَةٌ إلى قِلَّةِ الأكْلِ وكَثْرَتِهِ مِن غَيْرِ إرادَةِ السَّبْعَةِ بِخُصُوصِها، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّ لِجَهَنَّمَ سَبْعَةَ أبْوابٍ بِهَذا التَّفْسِيرِ، ثُمَّ عَلى هَذا فَقَوْلُنا: لِلْجَنَّةِ ثَمانِيَةُ أبْوابٍ إشارَةٌ إلى زِيادَتِها، فَإنَّ فِيها الحُسْنى وزِيادَةً، فَلَها أبْوابٌ كَثِيرَةٌ وزائِدَةٌ عَلى كَثْرَةِ غَيْرِها، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا في السَّبْعَةِ أنَّ العَرَبَ عِنْدَ الثّامِنِ يَزِيدُونَ واوًا، يَقُولُ الفَرّاءُ إنَّها واوُ الثَّمانِيَةِ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا لِلِاسْتِئْنافِ؛ لِأنَّ العَدَدَ بِالسَّبْعَةِ يَتِمُّ في العُرْفِ، ثُمَّ بِالثّامِنِ اسْتِئْنافٌ جَدِيدٌ.

اللَّطِيفَةُ الثّالِثَةُ: لَمْ يَقُلْ في الأقْلامِ المَدَدَ، لِوَجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: هو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ مِنهُ هو أنْ يَكُونَ بِعَدَدِ كُلِّ شَجَرَةٍ مَوْجُودَةٍ أقْلامٌ، فَتَكُونُ الأقْلامُ أكْثَرَ مِنَ الأشْجارِ المَوْجُودَةِ، وقَوْلُهُ في البَحْرِ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ البَحْرَ لَوْ كانَ أكْثَرَ مِنَ المَوْجُودِ لاسْتَوى القَلَمُ والبَحْرُ في المَعْنى.

والثّانِي: هو أنَّ النُّقْصانَ بِالكِتابَةِ يَلْحَقُ المِدادَ أكْثَرَ، فَإنَّهُ هو النّافِدُ، والقَلَمُ الواحِدُ يُمْكِنُ أنْ يُكْتَبَ بِهِ كُتُبٌ كَثِيرَةٌ، فَذَكَرَ المَدَدَ في البَحْرِ الَّذِي هو كالمِدادِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ مَلَكُوتَهُ كَثِيرٌ، أشارَ إلى ما يُحَقِّقُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ كامِلُ القُدْرَةِ، فَيَكُونُ لَهُ مَقْدُوراتٌ لا نِهايَةَ لَها، وإلّا لانْتَهَتِ القُدْرَةُ إلى حَيْثُ لا تَصْلُحُ لِلْإيجادِ، وهو حَكِيمٌ كامِلُ العِلْمِ، فَفي عِلْمِهِ ما لا نِهايَةَ لَهُ، فَتَحَقَّقَ أنَّ البَحْرَ لَوْ كانَ مِدادًا لَما نَفِدَ ما في عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ لَمّا بَيَّنَ كَمالَ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ ذَكَرَ ما يُبْطِلُ اسْتِبْعادَهم لِلْحَشْرِ، وقالَ: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ ومَن لا نَفادَ لِكَلِماتِهِ، يَقُولُ لِلْمَوْتى كُونُوا فَيَكُونُوا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ سَمِيعٌ لِما يَقُولُونَ، بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ، فَإذًا كَوْنُهُ قادِرًا عَلى البَعْثِ ومُحِيطًا بِالأقْوالِ والأفْعالِ يُوجِبُ ذَلِكَ الِاجْتِنابَ التّامَّ والِاحْتِرازَ الكامِلَ.

31:29Page 414

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٢٩

Do you not see [i.e., know] that Allāh causes the night to enter the day and causes the day to enter the night and has subjected the sun and the moon, each running [its course] for a specified term, and that Allāh, of whatever you do, is Aware?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾

يَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّ وجْهَ التَّرْتِيبِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ عَلى وجْهِ العُمُومِ ذَكَرَ مِنها بَعْضَ ما هو فِيهِما عَلى وجْهِ الخُصُوصِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ إشارَةٌ إلى ما في السَّماواتِ، وقَوْلُهُ بَعْدَ هَذا: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٣١] إشارَةٌ إلى ما في الأرْضِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ إنَّ وجْهَهُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ البَعْثَ وكانَ مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] والدَّهْرُ هو اللَّيالِي والأيّامُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: هَذِهِ اللَّيالِي والأيّامُ الَّتِي تَنْسُبُونَ إلَيْها المَوْتَ والحَياةَ هي بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾

ثُمَّ إنَّ قائِلًا لَوْ قالَ: إنَّ ذَلِكَ اخْتِلافٌ مُسَيَّرٌ، الشَّمْسُ تارَةً تَكُونُ القَوْسَ الَّتِي هي فَوْقَ الأرْضِ أكْثَرُ مِنَ الَّتِي تَحْتَ الأرْضِ، فَيَكُونُ اللَّيْلُ أقْصَرَ والنَّهارُ أطْوَلَ، وتارَةً تَكُونُ بِالعَكْسِ وتارَةً يَتَساوَيانِ فَيَتَساوَيانِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ يَعْنِي إنْ كُنْتُمْ لا تَعْتَرِفُونَ بِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها في أوائِلِها مِنَ اللَّهِ، فَلا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرافِ بِأنَّها بِأسْرِها عائِدَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى، فالآجالُ إنْ كانَتْ بِالمَدَدِ، والمَدَدُ بِسَيْرِ الكَواكِبِ فَسَيْرُ الكَواكِبِ لَيْسَ إلّا بِاللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: إيلاجُ اللَّيْلِ في النَّهارِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ

أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: المُرادُ إيلاجُ اللَّيْلِ في زَمانِ النَّهارِ أيْ يَجْعَلُ في الزَّمانِ الَّذِي كانَ فِيهِ النَّهارُ اللَّيْلَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّيْلَ إذا كانَ مَثَلًا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ساعَةً ثُمَّ يَطُولُ يَصِيرُ اللَّيْلُ مَوْجُودًا في زَمانٍ كانَ فِيهِ النَّهارُ.

وثانِيهِما: أنْ يُقالَ المُرادُ إيلاجُ زَمانِ اللَّيْلِ في النَّهارِ، أيْ يَجْعَلُ زَمانَ اللَّيْلِ في النَّهارِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّيْلَ إذا كانَ كَما ذَكَرْنا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ساعَةً إذا قَصَّرَ صارَ زَمانُ اللَّيْلِ مَوْجُودًا في النَّهارِ، ولا يُمْكِنُ غَيْرُ هَذا؛ لِأنَّ إيلاجَ اللَّيْلِ في النَّهارِ مُحالُ الوُجُودِ، فَما ذَكَرْنا مِنَ الإضْمارِ لا بُدَّ مِنهُ، لَكِنَّ الأوَّلَ أوْلى؛ لِأنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ أفْعالٌ والأفْعالُ في الأزْمِنَةِ؛ لِأنَّ الزَّمانَ ظَرْفٌ، فَقَوْلُنا: اللَّيْلُ في زَمانِ النَّهارِ أقْرَبُ مِن قَوْلِنا: زَمانُ اللَّيْلِ في النَّهارِ؛ لِأنَّ الثّانِيَ يَجْعَلُ الظَّرْفَ مَظْرُوفًا.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ أيْ يُوجِدُهُ في وقْتٍ كانَ فِيهِ النَّهارُ، واللَّهُ تَعالى قَدَّمَ إيجادَ اللَّيْلِ عَلى إيجادِ النَّهارِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢]، وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [البقرة: ١٦٤] ومِن جِنْسِهِ قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] وهَذا إشارَةٌ إلى مَسْألَةٍ حُكْمِيَّةٍ، وهي أنَّ الظُّلْمَةَ قَدْ يُظَنُّ بِها أنَّها عَدَمُ النُّورِ، واللَّيْلُ عَدَمُ النُّورِ، واللَّيْلُ عَدَمُ النَّهارِ، والحَياةُ عَدَمُ المَوْتِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ إذْ في الأزَلِ لَمْ يَكُنْ نَهارٌ ولا نُورٌ ولا حَياةٌ لِمُمْكِنٍ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ كانَ فِيهِ مَوْتٌ أوْ ظُلْمَةٌ أوْ لَيْلٌ، فَهَذِهِ الأُمُورُ كالأعْمى والأصَمِّ، فالعَمى والصَّمَمُ

صفحة ١٤٠

لَيْسَ مُجَرَّدَ عَدَمِ البَصَرِ وعَدَمِ السَّمْعِ؛ إذِ الحَجَرُ والشَّجَرُ لا بَصَرَ لَهُما ولا سَمْعَ، ولا يُقالُ لِشَيْءٍ مِنهُما إنَّهُ أصَمُّ أوْ أعْمى.

إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: ما يَتَحَقَّقُ فِيهِ العَمى والصَّمَمُ، لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ فِيهِ اقْتِضاءٌ لِخِلافِهِما، وإلّا لَما كانَ يُقالُ لَهُ أعْمى وأصَمُّ، وما يَكُونُ فِيهِ اقْتِضاءُ شَيْءٍ، ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُقْتَضاهُ لا تَطْلُبُ النَّفْسُ لَهُ سَبَبًا؛ لِأنَّ مَن يَرى المُتَعَيِّشَ في السُّوقِ، لا يَقُولُ لِمَ دَخَلَ السُّوقَ ؟ وما يَثْبُتُ عَلى خِلافِ المُقْتَضى تَطْلُبُ النَّفْسُ لَهُ سَبَبًا، كَمَن يَرى مَلِكًا في السُّوقِ يَقُولُ لِمَ دَخَلَ ؟ فَإذَنْ سَبَبُ العَمى والصَّمَمِ يَطْلُبُهُ كُلُّ واحِدٍ، فَيَقُولُ لِمَ صارَ فُلانٌ أعْمى، ولا يَقُولُ: لِمَ صارَ فُلانٌ بَصِيرًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ قَدَّمَ اللَّهُ تَعالى ما تَطْلُبُ النَّفْسُ سَبَبَهُ وهو اللَّيْلُ الَّذِي هو عَلى وِزانِ العَمى والظُّلْمَةِ والمَوْتِ لِكَوْنِ كُلِّ واحِدٍ طالِبًا سَبَبَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ الأمْرَ الآخَرَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿يُولِجُ﴾ بِصِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ، وقالَ في الشَّمْسِ والقَمَرِ ﴿سَخَّرَ﴾ بِصِيغَةِ الماضِي؛ لِأنَّ إيلاجَ اللَّيْلِ في النَّهارِ أمْرٌ يَتَجَدَّدُ كُلَّ فَصْلٍ، بَلْ كُلَّ يَوْمٍ، وتَسْخِيرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ كَما قالَ تَعالى: ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَدَّمَ الشَّمْسَ عَلى القَمَرِ مَعَ تَقَدُّمِ اللَّيْلِ الَّذِي فِيهِ سُلْطانُ القَمَرِ عَلى النَّهارِ الَّذِي فِيهِ سُلْطانُ الشَّمْسِ لِما بَيَّنّا أنَّ تَقْدِيمَ اللَّيْلِ كانَ لِأنَّ الأنْفُسَ تَطْلُبُ سَبَبَهُ أكْثَرَ مِمّا تَطْلُبُ سَبَبَ النَّهارِ، وهاهُنا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ لَمّا كانَتْ أكْبَرَ وأعْظَمَ كانَتْ أعْجَبَ، والنَّفْسُ تَطْلُبُ سَبَبَ الأمْرِ العَجِيبِ أكْثَرَ مِمّا تَطْلُبُ سَبَبَ الأمْرِ الَّذِي لا يَكُونُ عَجِيبًا.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما تَعَلُّقُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ بِما تَقَدَّمَ ؟ نَقُولُ: لَمّا كانَ اللَّيْلُ والنَّهارُ مَحَلَّ الأفْعالِ بَيَّنَ أنَّ ما يَقَعُ في هَذَيْنِ الزَّمانَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما بِتَصَرُّفِ اللَّهِ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الخِطابُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ . وعَلَيْهِ الأكْثَرُونَ، وكَأنَّهُ تَرَكَ الخِطابَ مَعَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ مَن هو غَيْرُهُ مِنَ الكُفّارِ لا فائِدَةَ لِلْخِطابِ مَعَهم لِإصْرارِهِمْ، ومَن هو غَيْرُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَهم مُؤْتَمِرُونَ بِأمْرِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ناظِرُونَ إلَيْهِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنهُ الوَعْظُ، والواعِظُ يُخاطِبُ ولا يُعَيِّنُ أحَدًا فَيَقُولُ لِجَمْعٍ عَظِيمٍ: يا مِسْكِينُ إلى اللَّهِ مَصِيرُكَ، فَمَن نَصِيرُكَ، ولِماذا تَقْصِيرُكَ. فَقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ يَكُونُ خِطابًا مِن ذَلِكَ القَبِيلِ، أيْ يا أيُّها الغافِلُ ألَمْ تَرَ هَذا الأمْرَ الواضِحَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском