Ar-RaziAs‑Sajdah · 32:17–30

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

As-Sajdah 32:17–30

32:17Page 416

فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٧

And no soul knows what has been hidden for them of comfort for eyes [i.e., satisfaction] as reward for what they used to do.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

يَعْنِي مِمّا تَقَرُّ العَيْنُ عِنْدَهُ ولا تَلْتَفِتُ إلى غَيْرِهِ، يُقالُ: إنَّ هَذا لا يَدْخُلُ في عَيْنِي، يَعْنِي عَيْنِي تَطَلَّعُ إلى غَيْرِهِ، فَإذا لَمْ يَبْقَ تَطَلُّعٌ لِلْعَيْنِ إلى شَيْءٍ آخَرَ لَمْ يَبْقَ لِلْعَيْنٍ مَسْرَحٌ إلى غَيْرِهِ فَتَقَرُّ جَزاءً بِحُكْمِ الوَعْدِ، وهَذا فِيهِ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ مِنَ العَبْدِ شَيْئًا وهو العَمَلُ الصّالِحُ، ومِنَ اللَّهِ أشْياءُ سابِقَةٌ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ وغَيْرِهِما وأشْياءُ لاحِقَةٌ مِنَ الثَّوابِ والإكْرامِ، فَلِلَّهِ تَعالى أنْ يَقُولَ: جَزاءُ الإحْسانِ إحْسانٌ، وأنا أحْسَنْتُ أوَّلًا والعَبْدُ أحْسَنَ في مُقابَلَتِهِ، فالثَّوابُ تَفَضُّلٌ ومِنحَةٌ مِن غَيْرِ عِوَضٍ، ولَهُ أنْ يَقُولَ: جَعَلْتُ الأوَّلَ تَفَضُّلًا لا أطْلُبُ عَلَيْهِ جَزاءً، فَإذا أتى العَبْدُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأنِّي أبْرَأْتُهُ مِمّا عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ، فَكانَ هو آتِيًا بِالحَسَنَةِ ابْتِداءً، وجَزاءُ الإحْسانِ إحْسانٌ، فَأجْعَلُ الثَّوابَ جَزاءً، كِلاهُما جائِزٌ، لَكِنَّ غايَةَ الكَرَمِ أنْ يَجْعَلَ الأوَّلَ هِبَةً ويَجْعَلَ الثّانِيَ مُقابِلًا وعِوَضًا؛ لِأنَّ العَبْدَ ضَعِيفٌ لَوْ قِيلَ لَهُ بِأنَّ فِعْلَكَ جَزاءٌ فَلا تَسْتَحِقُّ جَزاءً، وإنَّما اللَّهُ يَتَفَضَّلُ، يَثِقُ ولَكِنْ لا يَطْمَئِنُ قَلْبُهُ.

وإذا قِيلَ لَهُ: الأوَّلُ غَيْرُ مَحْسُوبٍ عَلَيْكَ والَّذِي أتَيْتَ بِهِ أنْتَ بِهِ بادٍ، ولَكَ عَلَيْهِ اسْتِحْقاقُ ثَوابٍ يَثِقُ ويَطْمَئِنُ، ثُمَّ إذا عَرَفَ أنَّ هَذا مِن فَضْلِ اللَّهِ فالواجِبُ مِن جانِبِ العَبْدِ أنْ يَقُولَ: فِعْلِي جَزاءُ نِعَمِ اللَّهِ السّابِقَةِ ولا أسْتَحِقُّ بِهِ جَزاءً، فَإذا أثابَهُ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ: الَّذِي أتَيْتُ بِهِ كانَ جَزاءً، وهَذا ابْتِداءُ إحْسانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَسْتَحِقُّ حَمْدًا وشُكْرًا فَيَأْتِي بِحَسَنَةٍ، فَيَقُولُ اللَّهُ: إنِّي أحْسَنْتُ إلَيْهِ جَزاءَ فِعْلِهِ الأوَّلِ وما فَعَلْتُ أوَّلًا لا أطْلُبُ لَهُ جَزاءً فَيُجازِيهِ ثالِثًا فَيَشْكُرُ العَبْدَ ثالِثًا فَيُجازِيهِ رابِعًا، وعَلى هَذا لا تَنْقَطِعُ المُعامَلَةُ بَيْنَ العَبْدِ والرَّبِّ، ومِثْلُهُ في الشّاهِدِ اثْنانِ تَحابّا فَأهْدى أحَدُهُما إلى الآخَرِ هَدِيَّةً ونَسِيَها، والمُهْدى إلَيْهِ يَتَذَكَّرُها فَأهْدى إلى المُهْدِي عِوَضًا فَرَآهُ المُهْدِي الأوَّلُ ابْتِداءً لِنِسْيانِهِ ما أهْداهُ إلَيْهِ فَجازاهُ بِهَدِيَّةٍ فَقالَ المُحِبُّ الآخَرُ: ما أهْدَيْتُهُ كانَ جَزاءً لِهَدِيَّتِهِ السّابِقَةِ، وهَذِهِ هَدِيَّةٌ ما عَوَّضْتُها فَيُعَوِّضُ ويُعَوِّضُ عَنْهُ المُحِبُّ الآخَرُ، ويَتَسَلْسَلُ الأمْرُ بَيْنَهُما ولا يَنْقَطِعُ التَّهادِي والتَّحابُّ، بِخِلافِ مَن أرْسَلَ إلى واحِدٍ هَدِيَّةً وهو يَتَذَكَّرُها، فَإذا بَعَثَ إلَيْهِ المُهْدى إلَيْهِ عِوَضًا يَقُولُ المُهْدِي: هَذا عِوْضُ ما أهْدَيْتُ إلَيْهِ فَيَسْكُتُ ويَتْرُكُ الإهْداءَ فَيَنْقَطِعُ.

واعْلَمْ أنَّ التَّكالِيفَ يَوْمَ القِيامَةِ وإنِ ارْتَفَعَتْ لَكِنَّ الذِّكْرَ والشُّكْرَ والعِبادَةَ لا تَرْتَفِعُ بَلِ العَبْدُ يَعْبُدُ رَبَّهُ في الجَنَّةِ أكْثَرَ مِمّا يَعْبُدُهُ في الدُّنْيا، وكَيْفَ لا وقَدْ صارَ حالُهُ مِثْلَ حالِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ قالَ في حَقِّهِمْ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] غايَةُ ما في البابِ أنَّ العِبادَةَ لَيْسَتْ عَلَيْهِمْ بِتَكْلِيفٍ بَلْ هي بِمُقْتَضى الطَّبْعِ، ومِن جُمْلَةِ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِدَوامِ نَعِيمِ الجَنَّةِ هَذا، وكَيْفَ لا وخِدْمَةُ المُلُوكِ لَذَّةٌ وشَرَفٌ فَلا تُتْرَكُ، وإنْ قَرُبَ العَبْدُ مِنهُ بَلْ تَزْدادُ لَذَّتُها.

32:18–20Page 416

أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ ١٨

Then is one who was a believer like one who was defiantly disobedient? They are not equal.

أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٩

As for those who believed and did righteous deeds, for them will be the Gardens of Refuge as accommodation for what they used to do.

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمۡ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢٠

But as for those who defiantly disobeyed, their refuge is the Fire. Every time they wish to emerge from it, they will be returned to it while it is said to them, "Taste the punishment of the Fire which you used to deny."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾

صفحة ١٥٩

لَمّا بَيَّنَ حالَ المُجْرِمِ والمُؤْمِنِ قالَ لِلْعاقِلِ: هَلْ يَسْتَوِي الفَرِيقانِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ، ثُمَّ بَيَّنَ عَدَمَ الِاسْتِواءِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، فَقالَ: ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى﴾ إشارَةً إلى ما ذَكَرْنا أنَّ اللَّهَ أحْسَنَ ابْتِداءً لا لِعِوَضٍ، فَلَمّا آمَنَ العَبْدُ وعَمِلَ صالِحًا قَبِلَهُ مِنهُ كَأنَّهُ ابْتِداءٌ، فَجازاهُ بِأنْ أعْطاهُ الجَنَّةَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نُزُلًا﴾ إشارَةً إلى أنَّ بَعْدَها أشْياءَ، لِأنَّ النُّزُلَ ما يُعْطِي المَلِكُ النّازِلَ وقْتَ نُزُولِهِ قَبْلَ أنْ يَجْعَلَ لَهُ راتِبًا أوْ يَكْتُبَ لَهُ خُبْزًا، وقَوْلُهُ: ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يُحَقِّقُ ما ذَكَرْنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ إشارَةٌ إلى حالِ الكافِرِ، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ لَهُ مَعَ الإيمانِ أثَرٌ، أمّا الكُفْرُ إذا جاءَ فَلا التِفاتَ إلى الأعْمالِ، فَلَمْ يَقُلْ: وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا وعَمِلُوا السَّيِّئاتِ لِأنَّ المُرادَ مِن ﴿فَسَقُوا﴾ كَفَرُوا ولَوْ جَعَلَ العِقابَ في مُقابَلَةِ الكُفْرِ والعَمَلِ، لَظُنَّ أنَّ مُجَرَّدَ الكُفْرِ لا عِقابَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ: (لَهُمْ) بِلامِ التَّمْلِيكِ زِيادَةُ إكْرامٍ؛ لِأنَّ مَن قالَ لِغَيْرِهِ: اسْكُنْ هَذِهِ الدّارَ يَكُونُ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى العارِيَةِ، ولَهُ اسْتِرْدادُهُ، وإذا قالَ: هَذِهِ الدّارُ لَكَ، يَكُونُ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى نِسْبَةِ المِلْكِيَّةِ إلَيْهِ ولَيْسَ لَهُ اسْتِرْدادُهُ بِحُكْمِ قَوْلِهِ. وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ( لَهم جَنّاتُ) ألا تَرى أنَّهُ تَعالى لَمّا أسْكَنَ آدَمَ الجَنَّةَ وكانَ في عِلْمِهِ أنَّهُ يُخْرِجُهُ مِنها قالَ: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ولَمْ يَقُلْ: لَكُما الجَنَّةُ. وفي الآخِرَةِ لَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْمُؤْمِنِينَ خُرُوجٌ عَنْها قالَ: (لْكُمُ الجَنَّةُ) و(لَهم جَنّاتٍ) وقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا﴾ إشارَةٌ إلى مَعْنًى حُكْمِيٍّ، وهو أنَّ المُؤْلِمَ إذا تَمَكَّنَ والألَمَ إذا امْتَدَّ لَمْ يَبْقَ بِهِ شُعُورٌ تامٌّ؛ ولِهَذا قالَ الأطِبّاءُ: إنَّ حَرارَةَ حُمّى الدَّقِّ بِالنِّسْبَةِ إلى حَرارَةِ الحُمّى البَلْغَمِيَّةِ نِسْبَةُ النّارِ إلى الماءِ المُسَخَّنِ، ثُمَّ إنَّ المَدْقُوقَ لا يُحِسُّ مِنَ الحَرارَةِ بِما يُحِسُّ بِهِ مَن بِهِ الحُمّى البَلْغَمِيَّةُ لِتَمَكُّنِ الدَّقِّ وقُرْبِ العَهْدِ بِظُهُورِ حَرارَةِ الحُمّى البَلْغَمِيَّةِ، وكَذَلِكَ الإنْسانُ إذا وضَعَ يَدَهُ في ماءٍ بارِدٍ يَتَألَّمُ مِنَ البَرْدِ، فَإذا صَبَرَ زَمانًا طَوِيلًا تَثْلُجُ يَدُهُ ويَبْطُلُ عَنْهُ ذَلِكَ الألَمُ الشَّدِيدُ مَعَ فَسادِ مِزاجِهِ.

إذا عَلِمْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الإلَهَ لا يَسْكُنُ عَنْهم بَلْ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ في كُلِّ حالِ أمْرٍ مُؤْلِمٍ يُجَدَّدُ، وقَوْلُهُ: ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ يُقَرِّرُ ما ذَكَرْنا، ومَعْناهُ أنَّهم في الدُّنْيا كانُوا يُكَذِّبُونَ بِعَذابِ النّارِ، فَلَمّا ذاقُوهُ كانَ أشَدَّ إيلامًا؛ لِأنَّ مَن لا يَتَوَقَّعُ شَيْئًا فَيُصِيبُهُ يَكُونُ أشَدَّ تَأْثِيرًا، ثُمَّ إنَّهم في الآخِرَةِ كَما في الدُّنْيا يَجْزِمُونَ أنْ لا عَذابَ إلّا وقَدْ وصَلَ إلَيْهِمْ ولا يَتَوَقَّعُونَ شَيْئًا آخَرَ مِنَ العَذابِ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ عَذابٌ أشَدُّ مِنَ الأوَّلِ، وكانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ بِقَوْلِهِمْ لا عَذابَ فَوْقَ ما نَحْنُ فِيهِ، فَإذَنْ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ لَيْسَ مُقْتَصِرًا عَلى تَكْذِيبِهِمُ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا بَلْ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ وقِيلَ لَهم: ذُوقُوا عَذابًا كَذَّبْتُمْ بِهِ مِن قَبْلُ. أمّا في الدُّنْيا بِقَوْلِكم: لا عَذابَ في الآخِرَةِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَبِقَوْلِكم: لا عَذابَ فَوْقَ ما نَحْنُ فِيهِ.

32:21Page 417

وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢١

And We will surely let them taste the nearer punishment1 short of the greater punishment that perhaps they will return [i.e., repent].

ثُمَّ لَمّا هَدَّدَهم قالَ تَعالى: ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾

صفحة ١٦٠

يَعْنِي قَبْلَ عَذابِ الآخِرَةِ نُذِيقُهم عَذابَ الدُّنْيا، فَإنَّ عَذابَ الدُّنْيا لا نِسْبَةَ لَهُ إلى عَذابِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ عَذابَ الدُّنْيا لا يَكُونُ شَدِيدًا، ولا يَكُونُ مَدِيدًا، فَإنَّ العَذابَ الشَّدِيدَ في الدُّنْيا يُهْلِكُ فَيَمُوتُ المُعَذَّبُ ويَسْتَرِيحُ مِنهُ فَلا يَمْتَدُّ، وإنْ أرادَ المُعَذَّبُ أنْ يَمْتَدَّ عَذابُ المُعَذَّبِ لا يُعَذِّبُهُ بِعَذابٍ في غايَةِ الشِّدَّةِ، وأمّا عَذابُ الآخِرَةِ فَشَدِيدٌ ومَدِيدٌ، وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى﴾ في مُقابَلَتِهِ العَذابُ الأقْصى، والعَذابُ الأكْبَرُ في مُقابَلَتِهِ العَذابُ الأصْغَرُ، فَما الحِكْمَةُ في مُقابَلَةِ الأدْنى بِالأكْبَرِ ؟ فَنَقُولُ: حَصَلَ في عَذابِ الدُّنْيا أمْرانِ: أحَدُهُما أنَّهُ قَرِيبٌ، والآخَرُ أنَّهُ قَلِيلٌ صَغِيرٌ. وحَصَلَ في عَذابِ الآخِرَةِ أيْضًا أمْرانِ: أحَدُهُما أنَّهُ بَعِيدٌ والآخَرُ أنَّهُ عَظِيمٌ كَثِيرٌ. لَكِنَّ القُرْبَ في عَذابِ الدُّنْيا هو الَّذِي يَصْلُحُ لِلتَّخْوِيفِ بِهِ، فَإنَّ العَذابَ العاجِلَ وإنْ كانَ قَلِيلًا قَدْ يَحْتَرِزُ مِنهُ بَعْضُ النّاسِ أكْثَرَ مِمّا يَحْتَرِزُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ إذا كانَ آجِلًا، وكَذا الثَّوابُ العاجِلُ قَدْ يَرْغَبُ فِيهِ بَعْضُ النّاسِ ويَسْتَبْعِدُ الثَّوابَ العَظِيمَ الآجِلَ، وأمّا في عَذابِ الآخِرَةِ فالَّذِي يَصْلُحُ لِلتَّخْوِيفِ بِهِ هو العَظِيمُ والكَبِيرُ لا البَعِيدُ لِما بَيَّنّا، فَقالَ في عَذابِ الدُّنْيا: ﴿العَذابِ الأدْنى﴾ لِيَحْتَرِزَ العاقِلُ عَنْهُ، ولَوْ قالَ: لَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأصْغَرِ، ما كانَ يَحْتَرِزُ عَنْهُ لِصِغَرِهِ وعَدَمِ فَهْمِ كَوْنِهِ عاجِلًا. وقالَ في عَذابِ الآخِرَةِ ﴿الأكْبَرِ﴾ لِذَلِكَ المَعْنى، ولَوْ قالَ: دُونَ العَذابِ الأبْعَدِ الأقْصى لَما حَصَلَ التَّخْوِيفُ بِهِ مِثْلَ ما يَحْصُلُ بِوَصْفِهِ بِالكِبَرِ، وبِالجُمْلَةِ فَقَدِ اخْتارَ اللَّهُ تَعالى في العَذابَيْنِ الوَصْفَ الَّذِي هو أصْلَحُ لِلتَّخْوِيفِ مِنَ الوَصْفَيْنِ الآخَرَيْنِ فِيهِما لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لَعَلَّ هَذِهِ لِلتَّرَجِّي، واللَّهُ تَعالى مُحالٌ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: مَعْناهُ لَنُذِيقَنَّهم إذاقَةَ الرّاجِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾ يَعْنِي تَرَكْناكم كَما يُتْرَكُ النّاسِي حَيْثُ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ أصْلًا، فَكَذَلِكَ هَهُنا نُذِيقُهم عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَفْعَلُ بِالرّاجِي مِنَ التَّدْرِيجِ.

وثانِيهِما: مَعْناهُ نُذِيقُهُمُ العَذابَ إذاقَةً يَقُولُ القائِلُ: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ بِسَبَبِهِ، ونَزِيدُ وجْهًا آخَرَ مِن عِنْدِنا، وهو أنَّ كُلَّ فِعْلٍ يَتْلُوهُ أمْرٌ مَطْلُوبٌ مِن ذَلِكَ الفِعْلِ يَصِحُّ تَعْلِيلُ ذَلِكَ الفِعْلِ بِذَلِكَ الأمْرِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ اتَّجَرَ لِيَرْبَحَ، ثُمَّ إنَّ هَذا التَّعْلِيلَ إنْ كانَ في مَوْضِعٍ لا يَحْصُلُ الجَزْمُ بِحُصُولِ الأمْرِ مِنَ الفِعْلِ نَظَرًا إلى نَفْسِ الفِعْلِ، وإنْ حَصَلَ الجَزْمُ والعِلْمُ بِناءً عَلى أمْرٍ مِن خارِجٍ فَإنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: يَفْعَلُ كَذا رَجاءَ كَذا، كَما يُقالُ: يَتَّجِرُ رَجاءَ أنْ يَرْبَحَ، وإنْ حَصَلَ لِلتّاجِرِ جَزْمٌ بِالرِّبْحِ لا يَقْدَحُ ذَلِكَ في صِحَّةِ قَوْلِنا يَرْجُو لِما أنَّ الجَزْمَ غَيْرُ حاصِلٍ نَظَرًا إلى التِّجارَةِ، وإنْ كانَ الجَزْمُ حاصِلًا نَظَرًا إلى الفِعْلِ، لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: يَرْجُو، وإنْ كانَ ذَلِكَ الجَزْمُ يَحْتَمِلُ خِلافَهُ كَقَوْلِ القائِلِ: فُلانٌ حَزَّ رَقَبَةَ عَدُوِّهِ رَجاءَ أنْ يَمُوتَ، لا يَصِحُّ لِحُصُولِهِ الجَزْمُ بِالمَوْتِ عَقِيبَ الحَزِّ نَظَرًا إلَيْهِ، وإنْ أمْكَنَ أنْ لا يَمُوتَ نَظَرًا إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.

ويُصَحِّحُ قَوْلَنا قَوْلُهُ تَعالى في حَقِّ إبْراهِيمَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ [الشعراء: ٨٢] مَعَ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِالمَغْفِرَةِ، لَكِنْ لَمّا لَمْ يَكُنِ الجَزْمُ حاصِلًا مِن نَفْسِ الفِعْلِ أطْلَقَ عَلَيْهِ الطَّمَعَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ [العنكبوت: ٣٦] مَعَ أنَّ الجَزْمَ بِهِ لازِمٌ.

إذا عُلِمَ ما ذَكَرْنا فَنَقُولُ: في كُلِّ صُورَةٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: “ لَعَلَّهم “ فَإنْ نَظَرْنا إلى الفِعْلِ لا يَلْزَمُ الجَزْمُ، فَإنَّ مِنَ التَّعْذِيبِ لا يَلْزَمُ الرُّجُوعُ لُزُومًا بَيِّنًا فَصَحَّ قَوْلُنا: يَرْجُو وإنْ كانَ عِلْمُهُ حاصِلًا بِما يَكُونُ. غايَةُ ما في البابِ أنَّ الرَّجاءَ في أكْثَرِ الأمْرِ اسْتُعْمِلَ فِيما لا يَكُونُ الأمْرُ مَعْلُومًا فَأوْهَمَ أنْ لا يَجُوزَ الإطْلاقُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ التَّرَجِّي يَجُوزُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، ولا يَلْزَمُ مِنهُ عَدَمُ العِلْمِ، وإنَّما يَلْزَمُ عَدَمُ الجَزْمِ بِناءً عَلى ذَلِكَ

صفحة ١٦١

الفِعْلِ، وعِلْمُ اللَّهِ لَيْسَ مُسْتَفادًا مِنَ الفِعْلِ فَيَصِحُّ حَقِيقَةُ التَّرَجِّي في حَقِّهِ عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ المَعْنى.

32:22–24Page 417

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ٢٢

And who is more unjust than one who is reminded of the verses of his Lord; then he turns away from them? Indeed We, from the criminals, will take retribution.

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٢٣

And We certainly gave Moses the Scripture, so do not be in doubt over his meeting.1 And We made it [i.e., the Torah] guidance for the Children of Israel.

وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ ٢٤

And We made from among them leaders guiding by Our command when they were patient and [when] they were certain of Our signs.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ يَعْنِي لَنُذِيقَنَّهم ولا يَرْجِعُونَ فَيَكُونُونَ قَدْ ذُكِّرُوا بِآياتِ اللَّهِ مِنَ النِّعَمِ أوَّلًا والنِّقَمِ ثانِيًا ولَمْ يُؤْمِنُوا، فَلا أظْلِمُ مِنهم أحَدًا؛ لِأنَّ مَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ ظالِمٌ، فَإنَّ اللَّهَ لِذَوِي البَصائِرِ ظاهِرٌ لا يَحْتاجُ المُسْتَنِيرُ الباطِنُ إلى شاهِدٍ يَشْهَدُ عَلَيْهِ، بَلْ هو شَهِيدٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] أيْ دَلِيلُكَ اللَّهُ لا تَحْتاجُ، بِتَأْثِيرِ الباطِنِ إلى دَلِيلٍ عَلى اللَّهِ، ولِهَذا قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: رَأيْتُ اللَّهَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ فَمَن لَمْ يَكْفِهِ اللَّهُ فَسائِرُ المَوْجُوداتِ سَواءٌ كانَ فِيها نَفْعٌ أوْ ضُرٌّ كافٍ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] فَإنْ لَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ فَبِسَبْغِهِ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً، فالأوَّلُ الَّذِي لا يَحْتاجُ إلى غَيْرِ اللَّهِ هو عَدْلٌ، والثّانِي الَّذِي يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ فَهو مُتَوَسِّطٌ، والثّالِثُ الَّذِي لَمْ تَكِفْهِ الآفاقُ ظالِمٌ، والرّابِعُ الَّذِي لَمْ تُقْنِعْهُ النِّعَمُ أظْلَمُ مِن ذَلِكَ الظّالِمِ، وقَدْ يَكُونُ أظْلَمَ مِنهُ آخَرُ، وهو الَّذِي إذا أُذِيقَ العَذابَ لا يَرْجِعُ عَنْ ضَلالَتِهِ، فَإنَّ الأكْثَرَ كانَ مِن صِفَتِهِمْ أنَّهم إذا مَسَّهم ضُرٌّ دَعُوا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ، فَهَذا لَمّا عُذِّبَ ولَمْ يَرْجِعْ فَلا أظْلَمَ مِنهُ أصْلًا فَقالَ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ أيْ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُمُ العَذابُ الأدْنى فَأنا مُنْتَقِمٌ مِنهم بِالعَذابِ الأكْبَرِ

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ لَمّا قَرَّرَ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ عَلى ما بَيَّنّاهُ عادَ إلى الأصْلِ الَّذِي بَدَأ بِهِ وهو الرِّسالَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ﴾ [السجدة: ٣] وقالَ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] بَلْ كانَ قَبْلَكَ رُسُلٌ مِثْلُكَ، واخْتارَ مِن بَيْنِهِمْ مُوسى لِقُرْبِهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، ووُجُودُ مَن كانَ عَلى دِينِهِ إلْزامًا لَهم، وإنَّما لَمْ يَخْتَرْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلذِّكْرِ والِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ ما كانُوا يُوافِقُونَ عَلى نُبُوَّتِهِ، وأمّا النَّصارى فَكانُوا يَعْتَرِفُونَ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَتَمَسَّكَ بِالمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ قِيلَ مَعْناهُ: فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقاءِ مُوسى فَإنَّكَ تَراهُ وتَلْقاهُ، وقِيلَ: بِأنَّهُ رَآهُ لَيْلَةَ المِعْراجِ، وقِيلَ مَعْناهُ: فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقاءِ الكِتابِ فَإنَّكَ تَلْقاهُ كَما لَقِيَ مُوسى الكِتابَ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ وارِدَةً لا لِلتَّقْرِيرِ بَلْ لِتَسْلِيَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ لَمّا أتى بِكُلِّ آيَةٍ وذَكَّرَ بِها وأعْرَضَ عَنْها قَوْمُهُ حَزِنَ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ لَهُ

صفحة ١٦٢

تَذَكَّرْ حالَ مُوسى ولا تَحْزَنْ فَإنَّهُ لَقِيَ ما لَقِيتَ وأُوذِيَ كَما أُوذِيتَ، وعَلى هَذا فاخْتِيارُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِحِكْمَةٍ، وهي أنَّ أحَدًا مِنَ الأنْبِياءِ لَمْ يُؤْذِهِ قَوْمُهُ إلّا الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ فَلَمْ يُخالِفُوهُ غَيْرَ قَوْمِ مُوسى، فَإنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ آذاهُ مِثْلُ فِرْعَوْنَ وغَيْرِهِ، ومَن آمَنَ بِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أيْضًا آذاهُ بِالمُخالَفَةِ وطَلَبِ أشْياءَ مِنهُ مِثْلَ طَلَبِ رُؤْيَةِ اللَّهِ جَهْرَةً، ومِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤] .

ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ أنَّ هِدايَتَهُ غَيْرُ خالِيَةٍ عَنِ المَنفَعَةِ كَما أنَّهُ لَمْ تَخْلُ هِدايَةُ مُوسى فَقالَ: ﴿وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾، ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ فَحَيْثُ جَعَلَ اللَّهُ كِتابَ مُوسى هَدًى وجَعَلَ مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ كَذَلِكَ يَجْعَلُ كِتابَكَ هَدًى ويَجْعَلُ مِن أُمَّتِكَ صَحابَةٌ يَهْدُونَ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِالصَّبْرِ، فَقالَ: ﴿لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ فَكَذَلِكَ اصْبِرُوا وآمِنُوا بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.

32:25–26Page 417

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٢٥

Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ ٢٦

Has it not become clear to them how many generations We destroyed before them, [as] they walk among their dwellings? Indeed in that are signs; then do they not hear?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ هَذا يَصْلُحُ جَوابًا لِسُؤالٍ: وهو أنَّهُ لَمّا قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ﴾ كانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ كانُوا يَهْدُونَ وهُمُ اخْتَلَفُوا وصارُوا فِرَقًا وسَبِيلُ الحَقِّ واحِدٌ ؟ فَقالَ: فِيهِمْ هُداةٌ، واللَّهُ بَيَّنَ المُبْتَدِعَ مِنَ المُتَّبِعِ كَما يُبَيِّنُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ يَوْمَ القِيامَةِ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِن أُمَّةٍ واحِدَةٍ كَما يَفْصِلُ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِنَ الأُمَمِ فَيَنْبَغِي أنْ لا يَأْمَنَ مَن آمَنَ وإنْ لَمْ يَجْتَهِدْ، فَإنَّ المُبْتَدِعَ مُعَذَّبٌ كالكافِرِ، غايَةُ ما في البابِ، أنَّ عَذابَ الكافِرِ أشُدُّ وآلَمُ وأمَدُّ وأدْوَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ تَقْرِيرٌ لِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وإعادَةٌ لِبَيانِ ما سَبَقَ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [السجدة: ٣] ولَمّا أعادَ ذِكْرَ الرِّسالَةِ أعادَ ذِكْرَ التَّوْحِيدِ، فَقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ زِيادَةُ إبانَةٍ، أيْ مَساكِنُ المُهْلَكِينَ دالَّةٌ عَلى حالِهِمْ، وأنْتُمْ تَمْشُونَ فِيها وتُبْصِرُونَها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ اعْتُبِرَ فِيهِ السَّمْعُ، لِأنَّهم ما كانَ لَهم قُوَّةُ الإدْراكِ بِأنْفُسِهِمْ والِاسْتِنْباطُ بِعُقُولِهِمْ، فَقالَ: ﴿أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ يَعْنِي لَيْسَ لَهم دَرَجَةُ المُتَعَلِّمِ الَّذِي يَسْمَعُ الشَّيْءَ ويَفْهَمُهُ.

32:27–30Page 417

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ ٢٧

Have they not seen that We drive water [in clouds] to barren land and bring forth thereby crops from which their livestock eat and [they] themselves? Then do they not see?

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡفَتۡحُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٨

And they say, "When will be this conquest,1 if you should be truthful?"

قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٢٩

Say, [O Muḥammad], "On the Day of Conquest the belief of those who had disbelieved will not benefit them, nor will they be reprieved."

فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ ٣٠

So turn away from them and wait. Indeed, they are waiting.

صفحة ١٦٣

﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ لَمّا بَيَّنَ الإهْلاكَ وهو الإماتَةُ بَيْنَ الإحْياءِ لِيَكُونَ إشارَةً إلى أنَّ الضُّرَّ والنَّفْعَ بِيَدِ اللَّهِ، والجُرُزُ الأرْضُ اليابِسَةُ الَّتِي لا نَباتَ فِيها، والجُرُزُ هو القَطْعُ، وكَأنَّها المَقْطُوعُ عَنْها الماءُ والنَّباتُ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهُمْ﴾ قَدَّمَ الأنْعامَ عَلى الأنْفُسِ في الأكْلِ لِوُجُوهٍ.

أحَدُها: أنَّ الزَّرْعَ أوَّلُ ما يَنْبُتُ يَصْلُحُ لِلدَّوابِّ ولا يَصْلُحُ لِلْإنْسانِ.

والثّانِي: وهو أنَّ الزَّرْعَ غِذاءُ الدَّوابِّ وهو لا بُدَّ مِنهُ، وأمّا غِذاءُ الإنْسانِ فَقَدْ يَحْصُلُ مِنَ الحَيَوانِ، فَكَأنَّ الحَيَوانَ يَأْكُلُ الزَّرْعَ، ثُمَّ الإنْسانُ يَأْكُلُ مِنَ الحَيَوانِ.

الثّالِثُ: إشارَةٌ إلى أنَّ الأكْلَ مِن ذَواتِ الدَّوابِّ، والإنْسانُ يَأْكُلُ بِحَيَوانِيَّتِهِ أوْ بِما فِيهِ مِنَ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ فَكَمالُهُ بِالعِبادَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ لِأنَّ الأمْرَ يُرى بِخِلافِ حالِ الماضِينَ، فَإنَّها كانَتْ مَسْمُوعَةً، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ الرِّسالَةَ والتَّوْحِيدَ بَيَّنَ الحَشْرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، فَصارَ تَرْتِيبُ آخِرِ السُّورَةِ كَتَرْتِيبِ أوَّلِها حَيْثُ ذَكَرَ الرِّسالَةَ في أوَّلِها بِقَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ وفي آخِرِها بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ وذَكَرَ التَّوْحِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ وفي آخِرِ السُّورَةِ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ﴾ وذَكَرَ الحَشْرَ في أوَّلِها بِقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ وفي آخِرِها بِقَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُقْبَلُ إيمانُهم في تِلْكَ الحالَةِ؛ لِأنَّ الإيمانَ المَقْبُولَ هو الَّذِي يَكُونُ في دارِ الدُّنْيا. ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ بِالإعادَةِ إلى الدُّنْيا لِيُؤْمِنُوا فَيُقْبَلُ إيمانُهم، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ المَسائِلَ وأتْقَنَ الدَّلائِلَ ولَمْ يَنْفَعْهم. قالَ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ لا تُناظِرْهم بَعْدَ ذَلِكَ وإنَّما الطَّرِيقُ بَعْدَ هَذا القِتالُ.

وقَوْلُهُ: ﴿وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا.

أحَدُها: وانْتَظِرْ هَلاكَهم فَإنَّهم يَنْتَظِرُونَ هَلاكَكَ، وعَلى هَذا فَرَّقَ بَيَّنَ الِانْتِظارَيْنِ، لِأنَّ انْتِظارَ النَّبِيِّ ﷺ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى بَعْدَ وعْدِهِ، وانْتِظارَهم بِتَسْوِيلِ أنْفُسِهِمْ والتَّعْوِيلِ عَلى الشَّيْطانِ.

وثانِيها: وانْتَظِرِ النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ فَإنَّهم يَنْتَظِرُونَ النَّصْرَ مِن آلِهَتِهِمْ وفَرَّقَ بَيْنَ الِانْتِظارَيْنِ.

وثالِثُها: وانْتَظِرْ عَذابَهم بِنَفْسِكَ فَإنَّهم يَنْتَظِرُونَهُ بِلَفْظِهِمُ اسْتِهْزاءً، كَما قالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٠] وقالُوا: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ، وعَلى أزْواجِهِ الطّاهِراتِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском